يـقـال: «لا يوجد دخــان بـا نـــار». والــدخــان يغطي سماء النظام الدولي -كما نرى- من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، ومــن غــزة إلــى كييف ومـوسـكـو، تتصاعد الأزمـــات المتلاحقة، فتحجب الرؤية، وتخفي وراءهــا مشاريع غامضة، قد تجري بعيدا عن عناوين الأخبار. فــي قـلـب هــذا المـشـهـد المـضـطـرب، يـرتـفـع دخـــان آخـــر فـوق ليبيا، دخان يحمل عنوان التوطين؛ توطين لاجئين ومهاجرين، دفعتهم الحروب والأزمات إلى الهجرة نحو أوروبا عبر البوابة الليبية، ويبدو أن إيطاليا تخشى، والمنظمات الدولية تفكر. وتدور في الأوساط الليبية روايات تتحدث عن تصورات ومــــشــــاريــــع، قــــد يـــجـــري إعـــــدادهـــــا لـــاســـتـــفـــادة مــــن الانـــقـــســـام الـسـيـاسـي، وتـعـثُّــر بـنـاء الـــدولـــة الـوطـنـيـة المـــوحـــدة، وتحويل الأراضي الليبية إلى ساحة مهيأة لتوطين المهاجرين. الفكرة تسرَّبت همسا في البداية، ثم انتشرت كالنار في الهشيم، وفي تلك اللحظة انفجر الشارع الليبي تحت عنوان وطــنــي جـــامـــع، لـيـبـيـا تـنـتـفـض، تـتـحـسـس قــوتــهــا الـبـاطـنـيـة، ويلتقي الفرقاء فيها على غير موعد، فالخطر يقترب، والوقت يضيق، والدولة الوطنية تواجه اختبارا يمس الأرض والهوية والمستقبل. من طرابلس إلى بنغازي، ومن سبها إلى مصراتة، ارتفع صـوت واحــد: «لا للتوطين»، شعور بالتهديد يطرق الأبــواب، وهــــواجــــس عـمـيـقـة تـــامـــس حـــاضـــر الــلــيــبــيــن ومـسـتـقـبـلـهـم، وتـقـتـرب مــن هـويـتـهـم الـوطـنـيـة وتـركـيـبـتـهـم الـسـكـانـيـة. ومـع الانفجار العارم صدرت بيانات دولية تنفي، فهل كانت رواية الـتـوطـن مـجـرد جــس نـبـض للقبول الـلـيـبـي، أم كـانـت قياسا لرد الفعل الوطني؟أيا كان هدف التسريب، فإن تحرك الشارع والفرقاء السياسيين ككتلة واحدة جعل الفكرة تموت في المهد. الــعــمــق الـلـيـبـي مـــا زال سـلـيـمـا، فــمــا إن تــصــاعــد الــجــدل حتى تماهت خطابات الفرقاء، وتقاربت مواقف المتنافسين، واجتمعت الأصوات حول عبارة واحدة: «لا للتوطين». هـــذا الالــتــقــاء الـــنـــادر يحمل دلالـــة أكـبـر مــن مـجـرد رفـض مشروع أو مواجهة شائعة. إنه تذكير بحقيقة غابت طويلاً: أن ليبيا تـحـتـاج إلـــى عـــودة الـــدولـــة الـوطـنـيـة الـــواحـــدة؛ دولــة تحمي حدودها ومواردها البشرية والمادية، وتصون ثرواتها النفطية وموقعها الاستراتيجي، وتفرض سيادتها على كامل أراضـيـهـا، فليبيا ليست دولـــة هامشية فـي مــعــادلات الإقليم والـعـالـم، ولكنها تمثل ركنا أساسيا فـي أمـن شمال أفريقيا، وبوابة رئيسية للمتوسط، ومصدرا مهما للطاقة، واستقرارها مصلحة ليبية وعربية ودولية. إن مــا جـــرى كَــشَــف عــن شـعـور وطـنـي عـمـيـق، ظــل كامنا تحت ركام سنوات الانقسام، فحين اقتربت القضية من الهوية والـــســـيـــادة والمــســتــقــبــل، تــراجــعــت الـــخـــافـــات الـسـيـاسـيـة إلــى الخلف، وتقدمت فكرة الـوطـن إلـى الـواجـهـة، وتـحـدث الفرقاء بلغة واحــــدة، وتـحـرك الــشــارع فـي اتـجـاه واحـــد، وهــي رسالة تؤكد أن الــروابــط الوطنية مـا زالــت حية وقـــادرة على تجاوز الاستقطاب، وأن مشروع الدولة الليبية الموحدة ما زال يمثل نقطة التقاء جامعة بين مختلف القوى والتيارات. كما أن هذا الجدل قد أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة منذ سـنـوات، تتعلق بالهوية الوطنية، وحـــدود الــدولــة، وطبيعة العلاقة مع الخارج، ومن يملك حق اتخاذ الـقـرارات المصيرية المرتبطة بمستقبل ليبيا، وهي أسئلة تجاوزت قضية التوطين نفسها، لتلامس جوهر فكرة الدولة، ومعنى السيادة، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الدولية داخل البلاد. ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دور المحرك الأول، فدفعت القضية إلى واجهة المشهد، وحولتها إلى قضية رأي عام، عندها تحرك السياسيون، ولحقوا بنبض الشارع. ودفعت قـوة التفاعل واتـسـاع نطاقه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى التدخل السريع، فصدر عنها بيان ينفي وجود أي مشروع للتوطين. لكن وراء الأكمة ما وراءهــا، والدخان الكثيف في مسألة التوطين يثير أسئلة مشروعة، فالقضايا الكبرى لا تولد من فـــراغ، والـهـواجـس الشعبية لا تتشكل مـن دون أسـبـاب، لذلك اكتسبت القضية زخما استثنائياً، وخرجت من نطاق الجدل السياسي إلى مساحة الوعي الوطني العام. وربـــمـــا تـكـمـن الـقـيـمـة الـحـقـيـقـيـة لــهــذه الـلـحـظـة فـــي أنـهـا أعادت التذكير بالأولوية الكبرى، أولوية بناء الدولة، فالدول الـقـويـة وحــدهــا تستطيع حـمـايـة هـويـتـهـا، وإدارة حــدودهــا، وتنظيم ملف الهجرة، والتعامل بنديَّة مع المنظمات الدولية والــقــوى الـكـبـرى، أمـــا الــفــراغ الـسـيـاسـي والانــقــســام المؤسسي فيفتحان الأبواب أمام التدخلات والمشاريع العابرة للحدود. بين النار والدخان تقف ليبيا أمـام فرصة نــادرة، فرصة لاستعادة المعنى الحقيقي للدولة، واستعادة القرار الوطني، وتـحـويـل حـالـة الـقـلـق الشعبي إلـــى قـــوة دفـــع نـحـو الاسـتـقـرار والـــوحـــدة، فـحـن تستعيد ليبيا عافيتها، تستعيد المنطقة أحد أعمدتها الرئيسية، ويستعيد «المتوسط» أحد أهم عوامل توازنه، واستقراره. فــــي هـــــذا الـــشـــهـــر، تــكــتــمــل تـــســـع وخـــمـــســـون ســـنـــة عـلـى ، وبـــدا الإنــجــاز العسكري الـذي 1967 ) حــرب يونيو (حــزيــران حققته إســرائــيــل فـيـهـا كـافـيـا لإعــــان نــصــر ســيــاســي نـهـائـي لـهـا، فـي صراعها مـع الـعـرب، غير أن مـا حــدث فـعـا لـم يُنتج نـهـايـة لـلـصـراع، بــل فـتـح أبــوابــا واســعــة لمـواصـلـتـه، مــا كــرّس حقيقة حكمت الـشـرق الأوســـط ولا تـــزال، مفادها أن الإنـجـاز العسكري مهما كــان عظيما ومـبـهـراً، إن لـم يـــؤد إلــى تسوية سـيـاسـيـة نـهـائـيـة مـتـفـق عليها بــن المــتــحــاربــن، فـهـو إذكــــاء لـلـصـراع وتـوسـيـع لساحاته مستقبلاً، وزيــــادة للمنخرطين والمستثمرين فيه. ، أنتجت مناخا مواتيا لنمو المقاومة 1967 حـرب الـعـام الفلسطينية، وتـعـاظـم فعلها فــي قـلـب الـــدولـــة «المـنـتـصـرة»، وفرضت على الــدول «التي انهزمت» اسـتـعـدادات أكثر جديّة وجـــدوى، ظـهـرت مفاعيلها فـي حــرب أكتوبر (تشرين الأول) ، الـتـي أفـضـت إلــى تـسـويـات مـع مصر والأردن، سُــوّقـت 1973 في حينها على أنها ستكون نهاية لحروب الجيوش، وبداية لإنـهـاء الـصـراع العربي - الإسـرائـيـلـي، غير أن مـا حــدث أنتج حـقـيـقـة تُــشـبـه مـــا أنـتـجـت حـــرب يــونــيــو، وهـــي أن الاتــفــاقــات السياسية والتعاقدية مع دولتين محوريتين في الصراع مع إسرائيل، وإن حققت إنهاء حالة الحرب بينها، فإنها لم تُغلق الأبــــواب أمـــام انـــدلاع حـــروب جــديــدة، أي أن غـيـاب حــل شامل لقضايا الصراع العربي - الإسرائيلي، يعني منطقيا وعمليا غياب السلام الشامل عن المنطقة. أدرك العالم هـذه الحقيقة إثـر حـرب الخليج حين عقدت الـــدول الـوازنـة فيه، مؤتمر مـدريـد، وفـي جلساته الافتتاحية التي اتخذت طابعا احتفالياً، والتي ظهرت من خلال الخطب الحقيقية التي تجنّبها الجميع سابقاً، وهي أن الطريق إلى السلام المنشود في المنطقة مملوء بالحفر والألـغـام، ما أدّى إلـى التركيز على القضية الفلسطينية، عبر المحادثات التي استؤنفت في واشنطن، ثم المحادثات السرية التي أدّت إلى الاتــفــاقــات والـتـفـاهـمـات الفلسطينية - الإسـرائـيـلـيـة، ومعها كذلك آلـيـات محددة لتطبيقها، ومـن أجـل التركيز على الملف الفلسطيني تـم تأجيل أو إهـمـال الملفين المؤثرين فـي حالتي السلم والحرب، وهما السوري واللبناني، أمّا تسوية الصراع الـعـربـي - الإسـرائـيـلـي بـإجـمـالـه، فـقـد اسـتـبـعـدت إلـــى مــا بعد النجاح فـي إنـجـاز الحلول على جبهات المـواجـهـة الساخنة. وهذا الذي حدث أنتج حقيقة تشبه ما أنتجته التسويات مع مصر والأردن، ومشروع أوسلو مع الفلسطينيين، مفادها أن الاتفاقات بين دولتين عربيتين مهمتين مع إسرائيل، واتفاقا نـاقـصـا مـــع الـفـلـسـطـيـنـيـن، لـــن يـــكـــون، كـمـا أُمــــل مــنــه، مـدخـا مضمونا لتحقيق سلام شامل، بل وصفة لقيام سلسلة حروب هددت الاتفاقات التي أُبرمت وقوّضت الفلسطينية منها، إلى أن وصلت الحالة أخيرا إلى اشتعال حرب إقليمية غير معلنة بـهـذه الـصـفـة، إلا أنـهـا كـانـت كـذلـك، وإذا مـا نُــظـر لتداعياتها الدولية، فهي عالمية من حيث التأثير المباشر على جميع دول وشعوب العالم. والآن، نــحــن فـــي الــســنــة الــتــاســعــة والــخــمــســن من عمر هزيمة يونيو التي اصطلح على تخفيف وصفها بــ«الـنـكـسـة»، ونـحـن كـذلـك فـي غـمـار الـحـرب الأمـيـركـيـة - الإسـرائـيـلـيـة عـلـى إيــــران الـتـي يـجـري الـبـحـث عــن مـخـرج منها.وبموازاة ذلك لم تُغلق جبهة غزة على حل يُفضي إلــى فتح ملف الــنــزاع الفلسطيني - الإسـرائـيـلـي، مـع أن حيثياته وُضـعــت ثــم تـجـمّــدت، ولــم يـُـغـلـق مـلـف الجبهة الشمالية على حل أمني متفق عليه مع سوريا، بما يفتح الباب أمام تطبيع سياسي مماثل لما تم مع الآخرين، كما لم تُطفأ جذوة النار المشتعلة على جبهة لبنان؛ إذ لا يزال السجال قائما حول إدمـاج الحل اللبناني بالإيراني، أو الفصل بينهما، كما لا يـزال الالتباس قائما بين تطبيع لـبـنـانـي رســمــي مــع إســرائــيــل تــرعــاه أمــيــركــا، وشــروطــه المنطقية وأهمها وأصعبها ربما خروج إسرائيل بصورة كاملة ونهائية من جميع الأراضـي اللبنانية.هذه الحالة لا بد أن تقود إلى ما يُشبه ما آلت إليه الحلول غير الشاملة وغير النهائية، فإن هدأت الحرب مع إيران أو توقفّت نهائيا أو تم تسريع إنجاز اتفاق ذي طابع أمني ثم سياسي مع سوريا، أو تم اتفاق لبناني - إسرائيلي مماثل، فسوف تبقى القضية الأساس التي تسببت في كل حروب المنطقة، وإن لم تكن كذلك فقد كانت الذريعة لكثير منها، سوف تبقى القضية الوحيدة المستعصية على الـحـل، ليس لأسـبـاب أمنية كما تغطّي بها إسرائيل موقفها الرافض للحلول الجذرية مع الفلسطينيين، بل لأسباب داخلية تعتبر أي اقـتـراب سياسي من قيام دولـة فلسطينية يجب أن يُرفض مبدئيا ويقاوم. وهـذا هو أساس الإجماع الإسرائيلي الوحيد بل هو كلمة سر حروب إسرائيل على جميع جبهات الشرق الأوسط. إيران صاحبة المشروع النووي الذي دُمّر أو أُجّل لسنوات طويلة، يمكن أن يتساهل الرأي العام الإسرائيلي في التعاطي مع اتفاق أميركي بشأنه، إلا أن ما لا تساهل فيه ولنقل حتى الآن، فهو الحل الفلسطيني كما يريده العالم ويقبل به العرب، وهذا الحل سوف يظل كما كان دائما بصورة مباشرة سافرة أو مـسـتـتـرة، هــو أســـاس لعبة الــحــرب والــســام بالنسبة إلـى إسرائيل. إسرائيل يونيو وإسرائيل الإطاحة بأوسلو، وإسرائيل شـــريـــك الـــحـــرب عــلــى إيـــــــران، فـــقـــدت كــثــيــرا مـــن أوراقــــهــــا الـتـي جـمـعـتـهـا فـــي صــراعــهــا الــطــويــل مـــع الفلسطينيين والـــعـــرب. فقدت جـزءا مهما من التبني الأميركي التلقائي لها، وفقدت الحاضنة الأوروبية راعية حروبها وتفوّقها، وفقدت الرواية التي أساسها واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الشرق الأوسط. فهل تعود الحاضنة الأميركية المتبقية لها إلـى العمل في الشرق الأوســط وفـق مبدأ «أنـقـذوا إسرائيل من نفسها»؟ فإن فعلت ذلك بدعم التسوية التي طرحها العالم في مؤتمر نيويورك، فستجد نفسها خرجت وأخرجت إسرائيل معها من خطيئة سوء إدارة لعبة الحرب والسلام، وإن لم تفعل فكل ما تم التوصل إليه أو سيتم من تسويات جزئية ومتفرقة كأنه لم يكن. تـزداد تعابير الاستياء والغضب التي يبديها لـبـنـانـيّــون ولـبـنـانـيّــات حــيــال أفـــراد عـــــرب وأجــــانــــب يـــنـــوبـــون عـنـهـم فـــي تحليل أوضاعِهم، ثم في تقرير مصائرهم. فلبنانُ، وفق هذه النظرة التي «تمثّله» غـصـبـا عـــن تــكــويــن مـجـتـمـعـه وآراء أبـنـائـه ومدى رغبتهم في تقبّل الموت، مرّة بعد مرّة بعد مــرّة، بنفوس راضية مرضيّة، لا يعدو كونه ساحة لمقاومة إسرائيل والتصدّي لها. هــــكــــذا يُـــحـــكـــم عـــلـــى أكــــثــــريّــــة لــبــنــانــيّــة كبرى بالمحو والتجهيل، لا بوصفها فاعلا سـيـاسـيّــا فـحـسـب، بـــل أيــضــا كـبـشـر أحــيــاء. وحـــن يـظـهـر مــن يـقـول الــكــام الـبـديـهـي من أنّـــه كـــان فـي الـوسـع تجنّب حـربـي الإسـنـاد، وتجنّب النكبة بالتالي، يقال له تلقائيّا إن الـشـر الإسـرائـيـلـي كـــان لنا بـالمـرصـاد بغض النظر عمّا يُفعل. وهـذا ليس جديدا على لبنانيّين سبق أن طحنتهم حروب بين المقاومة الفلسطينيّة وإسرائيل، فكان الذين يرفضون استضافة المـــوت يـوصـمـون، بمئات آلافــهــم، بالخيانة والــــعــــمــــالــــة، فــــضــــا عــــن الــــــقــــــراءة المــغــلــوطــة لطبيعة الصراع الدائر مع كيان استعماري واستيطانيّ. وفــي السابق قيل آلاف المـــرّات إن أحـدا لـيـس مـتـيّــمـا بــإســرائــيــل، وإن تـوحّــشـهـا في حروبها يضاعف المـسـافـة عنها وعــن القيم التي تحكمها. لكن أيضا قيل آلاف المرّات إن لبنان ينبغي ألا يسمح لأي طــرف، لبنانيّا كــــان أم فـلـسـطـيـنـيّــا أم غــيــر ذلــــك، بـالـتـحـوّل إلــــى مـيـلـيـشـيـا مــســلّــحــة تـــقـــرن اســتــبــدادهــا بـالـلـبـنـانـيّــن بـتـجـاوزهـا الـــحـــدود الــدولــيّــة، وبجعل الـعـدوان الإسـرائـيـلـيّ، مـن ثــمّ، عملا دفاعيّاً. وهذا فضلا عن إمعانها في تصديع المجتمع اللبناني وانتهاك الدولة اللبنانيّة واحتمالات إصلاحها. وهنا يُفهم المَــيْــان الـلـذان لا يعوزهما الوضوح واللذان تنطوي الوطنيّة اللبنانيّة عليهما: مـن جـهـة، رفــض الميليشيات التي تجرّنا إلى نزاعات عابرة للحدود تستدعي إســـرائـــيـــل إلـــيـــنـــا، ومــــن جــهــة أخــــــرى، رفــض تذويب المشكلة اللبنانيّة في مشاكل أخرى وغايات آخرين. فمن هذا القبيل كان العداء لــــــ«وحـــــدة المــــســــار والمـــصـــيـــر» الأســـــديّـــــة، ثـــم لـ«وحدة الساحات» الخمينيّة. وهــــــذا، كــمــا نــعــلــم، ســـجـــال قـــديـــم ودائــــم يصعب أن يضاف إليه حــرف جـديـد. لكن ما يحمل على شيء من التأمّل بعض مصادر ذاك الوعي الذي لا يكف عن استضافتنا إلى الموت. فــــالــــوعــــي هــــــــذا، فـــــي جـــــــذر عـــمـــيـــق مــن جذوره، لا يقيم كبير وزن للأوطان بوصفها دولا أمــمــا، مُــطـبّــقـا عليها «تـحـلـيـاً» يمكن تطبيقه عـلـى أي وطــــن. وبـــهـــذا «الـتـحـلـيـل» تــــتــــحــــكّــــم مــــفــــاهــــيــــم المــــــقــــــاومــــــة/ الــــتــــحــــريــــر، الاسـتـعـمـار/ الاسـتـقـال، الـكـرامـة والـشـرف/ الــذل والـخـنـوع... وإذا كـان في هـذا التصوّر العابر لـأوطـان ما يشي ببُعد إمبراطوري ضامر، فـإن البُعد هذا كثيرا ما يتجسّد في نــظــرة إلـــى الـسـيـاسـة تـعـطـى الأولـــويّـــة فيها للحملات والـحـشـود والتضامن على الــرأي واشتغال المؤسّسات. والـــــوعـــــي المـــــذكـــــور، إذ يـــمـــثّـــل وطـــنـــيّـــة بـــــا أوطــــــــــــان، فــــــــإن وطــــنــــيّــــتــــه هـــــــذه نــــاجــــزة مكتملة لأن تـعـريـفـهـا (الـــعـــداء للاستعمار الـــــــخ...) بــــرّانــــيّ، يُـــفـــتـــرض أن يـــنـــضـــوي فيه «الـــشـــرفـــاء» جـمـيـعـا. أمَّــــا الــوطــنــيّــة الـفـعـلـيّــة بــوصــفــهــا مـــشـــروعـــا لـلـمـسـتـقـبـل قــــد يـنـجـح وقـد يفشل، فنجاحه يتطلّب كـل ما يناقض تـلـك الـوطـنـيّــة الــبــرّانــيّــة ويـعـاكـس أفـعـالـهـا. فـــهـــنـــا، نـــكـــون فــــي أمــــــس الـــحـــاجـــة إلـــــى بــنــاء مـتـواصـل للتسوية بــن الـجـمـاعـات، وتاليا إلـى مناخ يحد مـن البُعد الآيـديـولـوجـي في اجتماعها الـوطـنـيّ، كما يساهم فـي خفض التوتّر الإقليمي وسياسات المحاور. ذاك أن فائضَي الآيديولوجيا والتوتّر يُضعفان ذاك الاجتماع لصالح الولاءات الأهليّة الخام. إلـــــى هــــــذا، هــــو وعـــــي هـــاجـــســـه الــــقــــوّة، أعبّرت عن نفسها بـ«المقاومات» و«الشهادة» أو بــــ«الـــخـــطـــط الــــدفــــاعــــيّــــة» أو بــغــيــر ذلــــك. وديــــانــــة الــــقــــوّة، فـــي بــلــد كــلــبــنــان، هــــي، في أحــســن أحـــوالـــهـــا، طــريــق إلــــى بــنــاء مجتمع عسكري قامع تمكّن لبنان من النجاة منه. أمّا في أسوأها، وهو الأشد ترجيحا والأكثر حــــضــــورا فــــي حـــيـــاتـــنـــا، فـــطـــريـــق إلـــــى غــابــة الاحتراب الأهلي والطائفيّ. وهو وعي متصالح، برغبة منه أو من دون رغــبــة، مــع فـكـر مـتـخـلّــف وبـــدائـــي لا بـد من السكوت عنه في ظل «التحرّر الوطنيّ». لكن «التحرّر الوطنيّ» هذا، ووفق تجربتنا في المنطقة كلِّها وليس في لبنان وحــدَه، لا يستغرق سنوات، أو عمر جيل من الأجيال فحسب، بل يستهلك أعمار أجيال بعد أجيال في بازار مفتوح متاح لكل من يشاء. وأخــــــيــــــراً، هـــــو وعــــــي تـــســـكـــنـــه مــشــاعــر ذنـــــب كـــثـــيـــرة حـــيـــال فــلــســطــن لأن حـامـلـيـه لـم يستطيعوا أن يـقـدّمـوا لها شيئا مـا عدا الـجـعـجـعـة الـــكـــامـــيّـــة. والــــراهــــن أن أكــثــريّــة الـلـبـنـانـيّــن تـعـافَــت مــن هـــذه المــشــاعــر، ليس لأنّـــــهـــــا تـــشـــكّـــك بــــالــــحــــق الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــيّ، بـل لإحساسها بأنّها تكبّدت، في معاركه، أكثر ممّا تستطيع، بل أكثر ممّا تملك. وقد تحوّل بلدها بذريعة «القضيّة» ساحة لعبث القوى الإقـلـيـمـيّــة الــطــامــعــة. وهــــذا جـمـيـعـا مـــا بـات يزكّي رغبة عارمة في الاستقلال عن الحروب والمواجهات، واستعادة السياسة إلى حيث ينبغي أن تكون، أي إلى الداخل الوطنيّ. وبـــحـــســـب تــــجــــارب المــــاضــــي الألــــيــــم، لا يُستبعد أن نجد أنفسنا، بعد زمـن قصير، حيال بعض ممثّلي هذا الوعي، وهم يقفون فـــوق المـقـابـر الـجـمـاعـيّــة والأراضــــــي المحتلّة والبيوت المهدّمة وقوافل النازحين المشرّدين، ويصدرون «نقدا ذاتيّاً» يقولون فيه إن فهم المـعـطـيـات والـــواقـــع المـلـمـوس قــد فَــاتَــهـم مـــرّة أخرى. OPINION الرأي 12 Issue 17361 - العدد Wednesday - 2026/6/10 الأربعاء 1967 لعبة الحرب والسلام منذ يونيو دخان آخر فوق ليبيا ... عن استضافة اللبنانيّين إلى موتهم وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة نبيل عمرو جمال الكشكي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky