نــقــع فـــي المــجــلــد الــــحــــادي عــشــر مـــن الأعـــمـــال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نـــص بـالـغ الأهـمـيَّــة ظـــل خـــارج اهـتـمـام الــدارســن الـــعـــرب والمــســلــمــن، بــعــنــوان: (أشـــجـــار الـحـديـقـة: خطاب من أجل أوروبــا الجامعة). ويتخذ النص أســـطـــورة شـجـرتـي الــتــن والـــزيـــتـــون مـــدخـــا إلـى نقد تحولات موقع ألمانيا في الفضاء الأوروبــي، وما يعتريه من توتر بين خصوصيتها الثقافيَّة الــعــمــيــقــة وانـــخـــراطـــهـــا فــــي المـــــشـــــروع الأوروبــــــــي الحديث. في 1930 ألـقـى تـومـاس مــان هــذا الـنـص عــام برلين أمــام جمعية (خطة أوروبــــا)، قبل أن يعيد توظيف بنيته الرمزية لاحقا في روايـتـه الكبرى «يـوسـف وإخــوتـــه»، الـتـي صـــدرت بالعربية سنة فــي أربــعــة مــجــلــدات. ومـــن أجـــل التحضير 2024 لهذه الـروايـة، انكب على دراسـة التاريخ المصري الـقـديـم والأســاطــيــر الـشـرقـيـة حـتـى غـــدا مختصّا Jan فــــريــــدا بـــتـــلـــك المـــــوضـــــوعـــــات، إلــــــى درجـــــــة أن خــصَّــص كــتــابــا لـلـحـديـث عـــن مــعــارف Assmann Thomas Mann : توماس مان ومعالجاته، عنوانه und Ägypten: Mythos und Monotheismus in den .Josephsromanen وعـلـى الــرغــم مــن مـــرور قــرابــة قـــرن عـلـى نشر هــذا الـنـصِّ/الـخـطـاب، فـإنَّــه مـا زال بـكـرا فـي حقل الــــدراســــات المـــقـــارنـــيَّـــة؛ إذ لـــم يُــسـتـثـمـر حـتـى الآن فـــي ضــــوء الـــنـــص الـــقـــرآنـــي وتـــأويـــاتـــه الــتــراثــيــة الإسلامية. يــبــدأ تـــومـــاس مـــان خـطـابـه بــالــقــول: «تتكلم الأساطير الشرقيَّة عن شجرتين في حديقة العالم تُنسب إليهما دلالــة كونيَّة أساسيَّة ومتعارضة جذرياً. الأولى شجرة الزيتون، التي يُدهن بزيتها المـــلـــوك لــيــحــيَــوا. فــهــي شـــجـــرة الـــحـــيـــاة، المـقـدسـة للشمس؛ فمبدأ الشمس، بما فيه من عقل ورجولة ووضـــــوح، متصل بـجـوهـرهـا. ومـــا يـصـدر عنها هـو الـقـداسـة والـعـزم والـثـقـة. إنِّــهـا عــزاء للشعوب وباعث طمأنينة لها من الألم والمخاوف. أمــا الثانية فشجرة الـتـن، المـمـلـوءة ثمارها حلاوة، ومن يأكل منها يموت. فهي شجرة الموت، غير أن معناها يمتد أيضا إلى المعرفة والتمييز والـنـشـاط الجنسي. إنَّــهـا شـجـرة القمر، المتصلة بعالم قمري ساحر مـن الليل والخصب والعمق الحسي، وتهب العالم والروح أشياء كثيرة مما لا تدركه بركة شجرة الزيتون الملكية المشرقة. فــــي ظـــــل الـــتـــضـــاد الـــكـــونـــي كـــمـــا يــتــجــلــى فـي أســـطـــورة هــاتــن الــشــجــرتــن فـــي حــديــقــة الــعــالــم، بــقــي طـــمـــوح الـــبـــشـــريَّـــة نــحــو الـحـقـيـقـة وسـعـيـهـا إلــى غاياتها محكوما عبر جميع العصور بهذا الانـقـسـام الثنائي، إلــى حــد يمكن معه الـقـول: إن التاريخ الفكري نفسه لا يعدو أن يكون سلسلة من الـجـدل والـصـراع بـن هذين المبدأين المتقابلين»، )، المجلد Gesammelte Werke( ، (انظر: توماس مان .)861 الحادي عشر، ص يتابع توماس مان تقريره بأن العالم الغربي بـنـى جــــزءا كـبـيـرا مـــن حــضــارتــه عـلـى قـيـم العقل والتنظيم والـفـعـل السياسي وإرادة الـتـقـدم. أما ألمـانـيـا فـهـي، فـي هــذا الـسـيـاق، تميل إلــى تعميق الـــجـــانـــب الـــداخـــلـــي لــلــحــيــاة: الـــتـــأمـــل والــغــمــوض والــــاوعــــي الإبــــداعــــي والانـــغـــمـــاس فـــي الـتـجـربـة الـروحـيَّــة. وهـــذه الخصوصية ليست سلبية في ذاتها، بل هي مصدر غنى ثقافي وروحي، لكنَّها تصبح مؤذية عندما تنزلق نحو سياسية تغذّي الفاشيَّة واللاعقلانيَّة الجماعيَّة، فتعزل نفسها عن الفضاء الأوروبي المشترك. بــــهــــذا المــــعــــنــــى، يـــصـــبـــح الـــــنـــــص دعـــــــــوة إلـــى مــصــالــحــة داخـــلـــيَّـــة بـــن مـــا هـــو داخـــلـــي ومــــا هو خــــارجــــي فــــي الإنـــــســـــان، بــــن الـــتـــجـــربـــة الـــفـــرديـــة العميقة والمسؤوليَّة العامة، بين الفن والسياسة، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُنظَّم. فـــــالـــــتـــــن والـــــــزيـــــــتـــــــون مـــــــبـــــــدآن مــــتــــكــــامــــان ومــــتــــعــــارضــــان فــــي الــــوقــــت نـــفـــســـه. والــــحــــضــــارة الإنسانيَّة تقوم على جدل دائم بين الروح والعقل من جهة، والنفس والليل والرغبة من جهة أخرى. والإنــــســــان يــحــتــاج إلــــى عـــالـــم الـــزيـــتـــون، لــكــنَّــه لا يستطيع أن يعيش من دون عالم التين أيضاً. ومن هنا تأتي الطبيعة التراجيديَّة لرؤية مـان، حيث يصبح التوتر بـن الليل والـنـهـار جـــزءا مـن بنية الوجود نفسه. ويبدو جليّا أن توماس مان يضع هذا البناء الأسطوري منذ البداية ضمن أفق قابل للمقارنة الثقافيَّة والـديـنـيَّــة، ولـذلـك كــان مـن الطبيعي أن يقفز ذهـن المسلم إلـى إجــراء مقارنة بين ثنائيته الرمزيَّة (التين/الزيتون) والسورة القرآنيَّة (التين) وما تراكم حولها من شروح تراثيَّة، في إطار رؤية أوسـع لتاريخ الرموز بوصفه حقلا مشتركا بين الحضارات، لا ملكيَّة حصريَّة لأي تقليد بعينه. وَهَــذَا > َ وَطُـــور سِينِين > ِ «وَالــتِّــن وَالـزَّيْــتُــون لَــقَــد خَــلَــقْــنَــا الِْنْـــسَـــان فِــي أَحْــسَــن > ِ الْــبَــلَــد الَْمِـــــن إِل الَّــذِيــن > َ ثُـــم رَدَدْنَــــــاه أَسْــفَــل سَــافِــلِــن > ٍ تَــقْــوِيـم آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فَلَهُم أَجْــر غَيْر مَمْنُون أَلَــيْــس الـلَّــه بِــأَحْــكَــم > ِ فَــمَــا يُــكَــذِّبُــك بَــعْــد بـالـدِّيـن > الْحَاكِمِينَ». لـلـوهـلـة الأولــــى يـتـبـادر إلـــى الــذهــن أن التين والـــزيـــتـــون هـمـا الــثــمــرتــان المــعــروفــتــان، وهــــذا ما يرجّحه إمــام المفسرين الـطـبـري، ولكن كثيرا من المفسرين، ومنهم ابن تيمية، يذهبون إلى أن التين والزيتون يشيران إلى جغرافيا الوحي والتاريخ المــــقــــدَّس. يــقــول ابــــن تـيـمـيـة: «والـــتـــن والــزيــتــون، وطـــــور ســيــنــن، وهـــــذا الــبــلــد الأمـــــن: إقـــســـام منه بــالأمــكــنــة الــشــريــفــة المــعــظَّــمــة الــثــاثــة الـــتـــي ظهر فـيـهـا نــــوره وهـــــداه، وأنـــــزل فـيـهـا الـكـتـب الـثـاثـة: التوراة والإنجيل والقرآن». وبهذا تصبح شجرتا الــتــن والـــزيـــتـــون، أو ثـمـرتـاهـمـا، خـريـطـة رمـزيـة لمسار النبوُّة الإبراهيميَّة، حيث تتصل الطبيعة بـالـوحـي، والأرض بـالـتـاريـخ الــروحــي لـإنـسـان، في إطار رؤية توحيديَّة تجعل الكون كله علامات على الهداية الإلهيَّة ووحدة الرسالات السماويَّة. ونحن هنا أمام تناول رمزي أيضا لشجرتي الــــتــــن والـــــزيـــــتـــــون، لـــكـــنـــه لا يـــظـــهـــرهـــمـــا قـــوتـــن مـتـصـارعـتـن عـلـيـنـا أن نـجـمـع ونـــوفّـــق بينهما؛ ففي التأويل القرآني يدخلان في قَسَم إلهي واحد يسبق إعلان الحقيقة الوجوديَّة عن الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل ســافــلــن إلا الـــذيـــن آمـــنـــوا وعــمــلــوا الــصــالــحــات». فالحقيقة الوجوديَّة حـول صـراع القوى الكونيَّة لـدى توماس مـان هـي، في الـقـرآن الكريم، حقيقة أخلاقيَّة وروحيَّة تتعلق بمصير الإنسان، وداخل الذات الإنسانيَّة نفسها. وهكذا يتبدّى الفرق بين مشروعين تأويليين: أحدهما يجعل من الرموز ساحة لصراع حضاري مأساوي بين التين والزيتون، والشمس والقمر، والعقل والليل، والآخــر يدمجها في أفـق الهداية ووحدة المعنى الكوني. لـقـد كـــان تــومــاس مـــان الـنـذيـر الـعـريـان الــذي نفخ بالبوق فـي أجـــواء ألمـانـيـا، منبِّها إيـاهـا إلى ضــرورة الـتـوازن وعـدم الانــزلاق من عالم الشمس إلى عالم القمر، أو من رمزيَّة الزيتون إلى رمزيَّة الـتـن، حتى لا تـهـوي فـي درك الـنـازيَّــة المنغمسة فـي رومانسيتها المظلمة. وهــذا مـا جعل خطابه يـتـجـاوز التنظير إلـــى الـتـنـبُّــؤ الـتـحـذيـري، لكنّه، فــــي أثــــنــــاء ذلـــــــك، لــــم يـــقـــف عـــنـــد حـــــــدود الـــتـــأويـــل المــيــتــافــيــزيــقــي؛ إذ ســـرعـــان مـــا تـــحـــوّلـــت الـــرمـــوز لديه إلـى أداة تصنيف للحضارات على الطريقة الاستشراقيَّة الفجّة والتبسيطيَّة المشوِّهة، فنراه يقول في هذا الخطاب: «ولا شـــــك فــــي أن قــــارتــــنــــا، وكــــــل مــــا يـحـمـل بصمتها، أي الـعـالـم الـغـربـي، منذ أيـــام الإغـريـق الـذيـن عـبـدوا زيـــوس، ومنذ ظهور المسيحية، قد التزمت في جوهرها، بإيمانها وحياتها الدينيَّة، بـالمـبـدأ الـشـمـسـي، عـالـم قـدسـيـة الإرادة والـحـريـة والحكمة والعمل. نعم، إذا كنّا نتحدث هنا عن الــوحــدة الـثـقـافـيَّــة لأوروبـــــا والـتـجـربـة الأوروبـــيَّـــة الـحـاسـمـة، الـتـي هـي يـونـانـيَّــة، فمن الطبيعي أن نـسـتـنـد إلــــى هــذيــن الـعـنـصـريـن المــشــتــركــن، وأن نعتبر الإيمان الروحي الرابط الأوروبي الحقيقي، بــيــنــمــا نُـــحـــيـــل تـــألـــيـــه المــــبــــدأ الــــقــــمــــري، الأمـــومـــي والــــروحــــانــــي الـــســـلـــبـــي، إلـــــى الــــشــــرق، إلـــــى آســيــا وطبيعتها الباهتة والهمجيَّة»، (انـظـر: توماس )، المجلد الحادي عشر، Gesammelte Werke( ، مان .)486 ص وهــكــذا تـتـحـول هـــذه الـثـنـائـيـات إلـــى نـمـوذج لتفسير الـتـوتُّــر الـحـضـاري فـي أوروبـــا الحديثة، ثـــم يــقــتــرح حــلّــهــا بـــإقـــامـــة نــــوع مـــن الــتــركــيــب أو المصالحة بين الأضداد داخل وحدة ثقافيَّة أعلى، أما النص القرآني فلا يقدّم هذه الثنائية بوصفها بنية أنطولوجية للعالم أو معادلة رمزية داخل الطبيعة، بل يدرجها ضمن سياق قَسَمي يُحيل إلــــى مـعـنـى تــوحــيــدي شـــامـــل يـتـعـلـق بــالإنــســان، الكائن المكرّم ابتداءً، ثم الممتحن باختبار أخلاقي حـرٍّ، فيه إمكان السقوط ابـتـداءً، وإمـكـان الارتقاء استمرارا وانتهاءً. إن هــــذه المـــقـــارنـــات الــثــقــافــيَّــة قـــد تُــغــنــي أفــق الـــقـــراءة، وتكشف عـن تشابكات رمــزيَّــة إنسانيَّة واســــعــــة، لــكــنَّــهــا تـــظـــل أدوات لـلـفـهـم لا مـــصـــادر للمعنى النهائي. أمَّا سؤال: إلى أي مدى يسمح النص القرآني بـــأن يُـــقـــرأ عـبـر خـــرائـــط رمـــزيَّـــة عـــابـــرة لـلـثـقـافـات؟ فجوابه يظل مفتوحا بـن حـذر مناهج التفسير الكلاسيكيَّة، وخصوبة الدراسة المقارنيَّة. * باحث سوري على الرغم من مرور قرابة قرن على نشر نص/ خطاب توماس مان، فإنَّه ما زال بكرا في حقل الدراسات المقارنيَّة الثقافة CULTURE 18 Issue 17359 - العدد Monday - 2026/6/8 الاثنين الخطر الحقيقي ليس وجود الصراع بل التحول إلى أسير له التناقض محرك العالم حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لـفـظ قــانــونــي فـــي لـعـبـة ذهـنـيـة داخــــل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صـراعـات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدرا نهائيا تسقط في العجز، في حين الأمم التي تـحـوّلـه إلـــى لحظة عـبـور تـخـرج مــن الأزمـــة أكثر وعيا بقوتها وموقعها. لأنها أدركـت أن الأزمــة ليست سجنا مغلقاً، بل انكشاف لإمــــكــــانــــات كــــانــــت كـــامـــنـــة فـــيـــهـــا، وفـــرصـــة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولـــهـــذا يُــضـيـف هـيـغـل أن الـتـنـاقـض «لـيـس نـهـايـة الأمــــر، بــل إنـــه يلغي نـفـسـه». فالفكر الحقيقي لا يـقـف عـنـد الـــصـــدام، بــل يبحث عمّا يتجاوز الصدام. ولـــذلـــك كــــان هـيـغـل يــرفــض الــنــظــر إلــى التناقض بوصفه خطأ في التفكير أو عيبا ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاما ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادرا عـلـى الاســتــمــرار بــالــصــورة نـفـسـهـا. ولـهـذا فـإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فـــالـــدول، والمــؤســســات، والأفــــــــكــــــــار، لا تــــواجــــه أزماتها بسبب ضغوط خـارجـيـة فــقــط، بــل لأن تـنـاقـضـاتـهـا الـداخـلـيـة تــدفــعــهــا إلــــى مــراجــعــة نــــــفــــــســــــهــــــا، والـــــبـــــحـــــث عـــــــن صــــــــــــورة جـــــديـــــدة لوجودها. ومــــــــن هــــنــــا تـــأتـــي أهمية ما يُسميه هيغل «الــــــرفــــــع»، أي الــحــركــة الـتـي لا تكتفي بإلغاء أحــــد الــطــرفــن لـصـالـح الآخــر، بل تتجاوزهما معا في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانــــــتــــــصــــــار الـــبـــســـيـــط لأحـــد الأضــــــداد، وإنـمـا عـــــــبـــــــر نــــــــشــــــــوء وضـــــــع جديد يستوعب ما كان صحيحا فـي الطرفين، ويـــــــتـــــــجـــــــاوز مــــــــا كــــــان مـحـدودا فيهما. ولهذا لــم يـكـن هـيـغـل مفتونا بــــالــــصــــراع لـــــذاتـــــه، بـل بـــمـــا يـــنـــتـــجـــه الــــصــــراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمــــــــــــات إلـــــــى فـــرصـــة لإعادة تعريف موقعها فـــي الـــعـــالـــم تـــخـــرج من الـــتـــنـــاقـــض أقـــــــوى مـمـا دخلته، أمــا الأمــم التي تــــبــــقــــى أســــــيــــــرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخـــــل الــحــلــقــة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجا واتساعاً. الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخــل تناقض تاريخي حـاد. فـــمـــن جـــهـــة، هـــنـــاك مــــشــــروع إيــــرانــــي يــقــوم على توسيع الـنـفـوذ عبر الأذرع المسلحة، وتــحــويــل المـنـطـقـة إلــــى ســـاحـــات اســتــنــزاف مــفــتــوحــة. ومــــن جــهــة أخـــــرى، هــنــاك تـدخـل أمـيـركـي لا ينظر إلــى المنطقة إلا مـن زاويــة التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تـعـيـش داخــــل الــتــنــاقــض دون الـــقـــدرة على تجاوزه. لـكـن الـحـكـمـاء فــي الـسـعـوديـة تـحـركـوا بـطـريـقـة مـخـتـلـفـة. لـــم تـتـعـامـل الـسـعـوديـة مــــع الــــحــــرب بـــاعـــتـــبـــارهـــا فـــرصـــة لــانــفــعــال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غـــيـــر المــــحــــســــوب، بـــــل بـــوصـــفـــهـــا اخـــتـــبـــارا تــاريــخــيــا لـــوعـــي الـــدولـــة بـنـفـسـهـا. فـــالـــدول الــصــغــيــرة فـــي الـــتـــاريـــخ تــــذوب عــــادة داخـــل التناقضات الكبرى، أما الـدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له. هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. الــتــنــاقــض لــيــس مــحــطــة أخــــيــــرة. والــخــطــر الحقيقي ليس وجـود الـصـراع، بل التحول إلـى أسير لـه. المنطقة عاشت عقودا طويلة داخــل ثنائية مرهقة، إمـا الانـخـراط الكامل فـي المـحـاور، وإمــا الانهيار تحت ضغطها. أمـــا الـسـعـوديـة الـجـديـدة فــبــدأت تبحث عن شــــيء آخـــــر، عـــن بـــنـــاء مـــركـــز ثــقــل سـيـاسـي واقـــتـــصـــادي يـجـعـلـهـا قــــــادرة عــلــى حـمـايـة مصالحها دون أن تـتـحـول إلـــى تـابـع لهذا الطرف أو ذاك. ولـــــهـــــذا لـــــم يـــكـــن الـــتـــركـــيـــز الـــســـعـــودي منصبا فقط على إدارة الأزمـــة الأمـنـيـة، بل على منع الـحـرب مـن ابـتـاع المستقبل كله. فـفـي الــوقــت الـــذي كـانـت فـيـه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحـــــمـــــايـــــة أســــــــــــواق الـــــطـــــاقـــــة، واســـــتـــــمـــــرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخـل التناقض وحـده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده. إن أخــــطــــر مــــا فـي الـــحـــروب لــيــس الــدمــار المـبـاشـر فـقـط، بــل إنها تــدفــع المـجـتـمـعـات إلـى الــــتــــفــــكــــيــــر الــــلــــحــــظــــي، وتــــجــــعــــلــــهــــا ســـجـــيـــنـــة الــــــخــــــوف والانـــــفـــــعـــــال. وهنا يمكن فهم جانب مـن التحول السعودي خــــــــــــــــــال الـــــــــســـــــــنـــــــــوات الأخــــيــــرة. فـالمـمـلـكـة لم تـــعـــد تــــريــــد أن تُــــعــــرّف نـــــفـــــســـــهـــــا فــــــقــــــط عـــبـــر موقعها داخل الأزمات، بـــــــل عـــــبـــــر مــــشــــروعــــهــــا الخاص. ولهذا أصبح الــــــحــــــديــــــث عــــــــن المــــــــدن الجديدة، والاستثمار، والـتـقـنـيـة، والـسـيـاحـة، والــــثــــقــــافــــة، جــــــــزءا مــن الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه. لـــــــــــــقـــــــــــــد فـــــــهـــــــمـــــــت الـــســـعـــوديـــة أن الــعــالــم لا يــحــتــرم الـــــدول الـتـي تــــــعــــــيــــــش داخــــــــــــــــــل رد الــفــعــل الــــدائــــم، فـالـقـوة الــحــقــيــقــيــة لــيــســت فـي رفــــع مــســتــوى الــتــوتــر، بــــــل فــــــي الـــــــقـــــــدرة عــلــى منع التوتر مـن تدمير الـــــــــداخـــــــــل. ومـــــــــن هـــــذه الـــــزاويـــــة يــمــكــن الـــقـــول إن المـــوقـــف الــســعــودي كـــان مــحــاولــة لتحويل الـــتـــنـــاقـــض إلـــــى لـحـظـة إعــــــــــــــــــــــــــــادة تـــــــمـــــــوضـــــــع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة. لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلــــى مـــا يُــشــبــه مـــا وصـــفـــه هـيـغـل بــ«الـلـيـلـة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يـــتـــرك ســـــوى الـــتـــدمـــيـــر المــــتــــبــــادل. لـكـن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلا إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل عــلــى إبـــقـــاء الــخــلــيــج فـــضـــاء قـــابـــا لـلـحـيـاة الاقــتــصــاديــة والـسـيـاسـيـة، لا مــجــرد جبهة حرب مفتوحة. إن التفكير فـي التناقض، وفـق المعنى الهيغلي، ليس تمجيدا للصراع، بل رفض لتحويله إلى قدر أبـدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الـدول تنجح فـي الـخـروج مـن الـحـروب وهــي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هــــذه هـــي الــلــحــظــة الـــتـــي ســعــت الــســعــوديــة إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها. * كاتب سعودي *خالد الغنامي الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف اتخذهما مدخلا إلى نقد تحولات ألمانيا في الفضاء الأوروبي التين والزيتون في رؤية توماس مان *محمد أمير ناشر النعم توماس مان
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky