issue17359

Issue 17359 - العدد Monday - 2026/6/8 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات ترند الإعلام... و«انهيار الثقة الإدراكية» لطالما كانت أسئلة التحقق في عصر الإعلام الحديث بسيطة ومباشرة: هل هذه الصورة حقيقية أم مُزيفة؟ هل وقع هذا الحدث بالفعل أم جرى اختلاقه؟ هل قال المصدر هـذا الكلام المنسوب إليه؟ ورغـم صعوبة عملية التحقق أحياناً، فإنها كانت دوما مُمكنة. لكن الإعـــام الـيـوم يقف أمـــام أسئلة مختلفة تماما وأكـثـر خــطــورة: إذا كـانـت الــصــورة حقيقية فكيف يمكن إثبات ذلـك؟ وإذا كـان التسجيل صحيحا فما الـذي يقنع الجمهور بصدقه؟ وما الذي يجعل الصحافي يصدق أن هذا الفيديو ليس أحد منتجات الذكاء الاصطناعي؟ هكذا انتقلنا من أزمة كشف الكذب إلى مُعضلة إثبات الحقيقة، ومن معركة التحقق من المعلومات إلى معركة التحقق من الواقع نفسه. فـي روايـــة فيليب ديــك «هــل يحلم الــروبــوت بخراف كهربائية؟» -التي عُدت مرجعا أساسيا لاكتشاف الجوانب المُظلمة في الذكاء الاصطناعي- يجد البطل «ريك ديكارد» نفسه في مواجهة سؤال مُنغِّص: كيف تعرف أنك إنسان؟ ليس لأن الجواب صعب، بل لأن أي دليل يقدمه قد يكون دليلا مُصطنعاً! ليس هـذا رعبا وجـوديـا مـجـرداً؛ بل هو معالجة أدبية لأزمة معرفية نعيشها في اللحظة الراهنة بصورة أكثر حدة وأعمق خطراً؛ إنها أزمة «انهيار الثقة الإدراكية». فـالـسـؤال المُــلـح الـيـوم لـم يعد «هــل هــذا مــزيــف؟»، بل صار «كيف أثبت أنه حقيقي؟»، والمسافة بين الصياغتين شاسعة كهوّة عميقة. في الأولـى يتحمل مُنتِج المعلومة عبء الإثبات، وفي الثانية ينتقل هذا العبء إلى المُتلقي. ولا يبدو هـذا التحول تقنيا صرفاً، بل هو إعــادة توزيع جذرية للسلطة المعرفية؛ إذ يُمنح الكاذب امتيازا ذهبيا لم يحلم به؛ وهو القدرة على نفي أي دليل ضده بوصفه تـــزويـــراً، فيصير الـحـق والــبــاطــل مـتـسـاويـن أمـــام سـاح واحد هو الشك. «الــثــقــة الإدراكــــيــــة» هـــي تـلـك الــطــاقــة الـصـامـتـة الـتـي تجعل الإنــســان يـثـق ضمنيا بـــأن مــا تـــراه عـيـنـاه يعكس حالة العالم، وأن ما تسمعه أذناه يصدر فعلا عمَّن يبدو أنه يتكلم. إنها بنية أساسية للثقة الاجتماعية والمعرفية. فحين يتصافح الناس عند توقيع عقد، أو يصدقون خبراً، أو يبنون حكما سياسياً، فإنهم يستندون بصمت إلى هذا الرصيد. وانهياره لا يعني أنهم صاروا يكذبون أكثر، بل يعني أن المنظومة التي تُميز الكذب من الصدق بدأت تتصدع. التقنيات التوليدية، من تزوير الصوت، إلى تركيب الصورة، إلى محاكاة الكتابة، لا تكذب فحسب، بل تُفسد بيئة التحقق ذاتــهــا؛ وهـنـا يكمن الــفــارق الـجـوهـري بين الـــكـــذب الـتـقـلـيـدي والأزمـــــة الـــراهـــنـــة. الـــكـــاذب الــقــديــم كـان يخاطر بمجابهة الحقيقة؛ أما الكاذب الجديد فيستطيع أن يـتـقـدم بـخـطـوة، ويُــعـلـن مُــسـبـقـا أن مــا سيظهر ضـده زائف. إنه لا يدافع عن نفسه، بل يُحصّن نفسه من أي دفاع مُمكن عن الحقيقة. يصبح الدليل مُشتبها به بطبيعته، ويصبح الاتهام بلا ذريعة حاسمة. الـــبـــاحـــثـــة كـــيـــت ســـتـــاربـــيـــرد، وفـــريـــقـــهـــا فــــي جـامـعـة واشـــنـــطـــن، أطــلــقــت عــلــى هــــذه الـــظـــاهـــرة مـصـطـلـح «بـيـئـة المعلومات السامة»، وهي بيئة لا يكثر فيها الكذب فحسب، بل يتسمم فيها ما هو صحيح أيضا بسبب تراكم الشك؛ فالدماغ البشري لم يتطور بما يكفي لتقييم تدفق بيانات بهذه الكثافة والسرعة. وهذه ليست مجرد هشاشة ذاتية، بل قصور هيكلي في معالجة المُعقد والمُتناقض. وهـنـا يكمن الـخـطـر الحقيقي؛ لـيـس فــي أن يُــصـدَّق الكذب، بل في أن يُرفَض الصدق، أو يظل قلقا على محك الشك. وحـن يتساوى الحقيقي والمُــزيـف في عـدم القدرة على بلوغ اليقين، تضطرب الأنظمة القضائية، وتنهار المـــســـاءلـــة الــســيــاســيــة، وتُــــصــــاب الـــعـــاقـــات الاجـتـمـاعـيـة والمهنية بالعطب، وتـغـرق الصحافة فـي شلل الارتـيـاب. فالحقيقة لا تحتاج فقط إلى أن تكون حقيقية، بل تحتاج إلى أن تكون قابلة للإثبات في بيئة تُشكك بأدوات الإثبات نفسها. فالثقة الفعالة ليست ثقة عمياء ولا ارتيابا مطلقاً، بل هي قدرة دائمة على التحقق، مما يعني أنها مرهونة بفاعلية أدوات التحقق ذاتها. فحين تنهار هذه الأدوات لا تنهار الثقة فحسب، بل ينهار معها المشروع الإنساني لبناء أرضية مشتركة. مــا يـجـب أن يُــقـلـق لـيـس انــتــشــار الـــزيـــف، بــل الــفــراغ المعرفي الذي يخلّفه. في هذا الفراغ لا تنمو الحقيقة، بل تنمو السُّلطة؛ لأن من لا يجد مرساة معرفية يتعلق بأي صـوت يبدو واثـقـا. ومـا الاسـتـبـداد فـي جـوهـره إلا ادعـاء الثقة في غياب ما يسوّغها. والمعركة الفعلية لا تدور اليوم حول صحة محتوى بـعـيـنـه، بــل حـــول صـــون آلــيــات الـتـحـقـق، عـبـر استقلالية المــــؤســــســــات الـــصـــحـــافـــيـــة وكـــفـــاءتـــهـــا، وســــامــــة الــســجــل الـقـانـونـي، وبـيـئـات التعليم الـنـقـدي، وأنـظـمـة المُــصـادقـة الرقمية. هذه ليست رفاهية معلوماتية، بل بنى تحتية لازمة للعقل الجمعي. وحين تتآكل، لا يصبح العالم مليئا بالكذب فحسب، بل يصبح عاجزا عن التمييز، وهو أمر أشد فتكاً. تشكيك ومعارك قضائية حول معايير الشفافية والأمن «البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحة محظورة فـــي أحــــدث فـصـل مـــن الــتــوتــر المـتـصـاعـد بين وزارة الـــحـــرب الأمــيــركــيــة (الــبــنــتــاغــون) ووســائــل الإعــــام، قـــرّر «الـبـنـتـاغـون» مـنـع الـصـحـافـيـن من دخـــــول مـكـتـبـه الــصــحــافــي، بــعــد إعـــــادة تصنيفه مساحة سرّية أو منشأة معلومات حساسة. الـقـرار، الــذي جـاء فـي ظـل قـيـادة الـوزيـر بيت هــيــغــســيــث، وتـــنـــفـــيـــذا لــلــنــهــج الإعــــامــــي الأوســـــع لإدارة الـــرئـــيـــس دونــــالــــد تـــرمـــب، لا يـــبـــدو إجـــــراء إداريـــا مـعـزولاً، بـل هـو حلقة إضافية فـي سلسلة ، وشملت فرض مرافقين 2025 قيود بدأت منذ عام على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حــركــتــهــم. ثـــم الــــدخــــول فـــي مـــعـــارك قــضــائــيــة مع صـــحـــف وجــــهــــات إعـــامـــيـــة أخــــــرى مـــثـــل صـحـيـفـة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء. الـــــــوزارة تـــقـــول إن الإجــــــراء مــرتــبــط بـحـمـايـة المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خــصــوصــا بــعــد نــقــل كـــتّـــاب خــطــابــات يـتـعـامـلـون مع مـواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المــكــان بشبكة آمــنــة مـثـل «شـبـكـة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يـرون فيه تضييقا عمليا على حق الصحافة في الـــوصـــول إلــــى المـــســـؤولـــن، وعــلــى حـــق الـجـمـهـور فـي معرفة كيف تُـــدار واحـــدة مـن أكبر المؤسسات الـــفـــيـــدرالـــيـــة وأكـــثـــرهـــا إنـــفـــاقـــا وتـــأثـــيـــرا فـــي الأمـــن والسياسة الخارجية. إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة تــــاريــــخــــيــــا، لـــــم يـــكـــن مـــكـــتـــب الـــصـــحـــافـــة فـي «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبيا يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول عـلـى تـوضـيـحـات خـلـفـيـة، ومـتـابـعـة مـــا لا يظهر دائما في المؤتمرات الرسمية. هــذه المـسـاحـة غير الرسمية كـانـت جـــزءا من آلــيــة رقـــابـــة يــومــيــة، لا تــقــل أهــمــيــة عـــن الـبـيـانـات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة. بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقا حرية الحركة داخـــل معظم أروقــــة «الـبـنـتـاغـون» وردهـــاتـــه، فـإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حـــاجـــزا جـــديـــدا حــتــى أمـــــام الـــتـــواصـــل المــهــنــي مع الناطقين باسم الـــوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأســئــلــة مــضــبــوطــة، وإجــــابــــات تـــمـــر عــبــر قــنــوات محدّدة. من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهـــي أن المـؤسـسـة العسكرية تتعامل يـومـيـا مع معلومات حساسة، وبالتالي، فـأي اخـتـاط غير مــضــبــوط بـــن صــحــافــيــن ومـــســـاحـــات تُــسـتـخـدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطارا أمنية. لـــكـــن قــــــوة هــــــذه الـــحـــجـــة لا تـــلـــغـــي الــــســــؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مـسـاحـة مـحـظـورة؟ أم كــان ممكنا الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟ هــنــا بـالـضـبـط يـــبـــدأ الـــجـــدل؛ لأن المــســألــة لا تــتــعــلّــق فــقــط بـــالمـــكـــان، بـــل بــالــرســالــة الـسـيـاسـيـة والمؤسّسية التي يحملها القرار. أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟ بطبيعة الـحـال لا تـوجـد دولـــة جـــادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مـع كـل قـيـود «الـبـنـتـاغـون» على أنـهـا بـالـضـرورة تشكّل اعــتــداء على الـصـحـافـة. ولـكـن فـي المقابل، يـــرى المـنـتـقـدون أنـــه لا يمكن أيـضـا اعـتـبـار شعار «الأمــن القومي» تفويضا مفتوحا لإبعاد الإعـام عن المؤسسة العسكرية. بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الــرقــابــة قـــد يــكــون دقــيــقــا، لـكـنـه حــاســم فـــي نـظـام ديمقراطي. سياق تراكمي المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ، سلّم عدد كبير 2025 ) ففي أكتوبر (تشرين الأول مــن صـحـافـيـي «الــبــنــتــاغــون» بـطـاقـاتـهـم بــــدلا من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها. ، حكم قاض فيدرالي 2026 ) وفي مارس (آذار ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبرا أنها تنتهك حقوقا دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجـــــراءات القانونية الـواجـبـة. ومــن ثــم، واصـل «الــبـــنـــتـــاغــون» الاعـــتـــمـــاد عــلــى «ســيــاســة مـؤقـتـة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتا إبان النزاع القضائي. ، رفـــعـــت 2026 ) لاحــــــقــــــا، فــــــي مـــــايـــــو (أيـــــــــــــار الـ«نيويورك تايمز» دعـوى ثانية للطعن تحديدا فـــي شـــرط المـــرافـــقـــة، مـعـتـبـرة أنـــه يــحــد مـــن الــقــدرة عـلـى التغطية المستقلة لـلـشـؤون الـعـسـكـريـة. أمـا «البنتاغون» فرد بأن الصحافيين لا يملكون «حقا مـطـلـقـا» فـــي الــتــجــوّل داخــــل مـبـنـى عــســكــري، وأن الـقـيـود مصمّمة لمنع الــوصــول غير المــشــروع إلى معلومات «مصنّفة». هــــذه هـــي نـقـطـة الــــتــــوازن الــصــعــبــة: الــــــوزارة مـــحـــقّـــة فــــي أن «الـــبـــنـــتـــاغـــون» لـــيـــس مـــبـــنـــى عــامــا عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضا في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقا مُغلقا لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية. صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة الــخــطــر الأبــــــرز هــنــا لا يــكــمــن فــقــط فـــي منع دخـول غرفة بعينها، بل أيضا في الأثـر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي. ذلــك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المـؤتـمـرات الرسمية، بـل على بـنـاء مــصــادر، وفـهـم خلفيات الـــقـــرارات، ومقارنة الـــــــروايـــــــات، وكــــشــــف الـــتـــنـــاقـــضـــات بــــن الـــخـــطـــاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن. ثـم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مـــجـــرد وزارة أخــــــــرى... بـــل إنــــه يـــديـــر مــيــزانــيــات ضـــخـــمـــة، ويـــشـــن حــــروبــــا، ويــــشــــرف عـــلـــى قـــواعـــد عــــســــكــــريــــة، ويـــمـــتـــلـــك عــــقــــود تـــســـلـــيـــح، ويــعــتــمــد سياسات تمس حياة الجنود والمدنيين في الداخل والــــخــــارج. وحـــن تـصـبـح المــعــلــومــات أكــثــر نـــدرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من الــازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة. في المقابل، يحتاج الإعلام أيضا إلى الاعتراف بـــأن الـثـقـة لا تُــبــنــى بـمـجـرد المـطـالـبـة بــالــوصــول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضررا أمنيا مباشراً. لذلك؛ يبدو قـرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحة سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة فـي الـولايـات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع مــن دون ضــوابــط، فـقـد لا تـكـون النتيجة حماية أفضل للأسرار. «البنتاغون»... مقر وزارة الحرب الأميركية (أ.ب) واشنطن: إيلي يوسف هل تحل أدوات «غوغل» الجديدة أزمة تدفق الزيارات للمواقع؟ بالتوازي مع قرار «هيئة المنافسة والأسواق الـــبـــريـــطـــانـــيـــة»، أخـــــيـــــراً، إلــــــــزام شــــركــــة «غــــوغــــل» مــنــح نـــاشـــري المــحــتــوى الــســيــطــرة الــكــامــلــة على كـيـفـيـة ظــهــور مــحــتــواهــم ضــمــن إجـــابـــات الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، أثـيـرت تــســاؤلات بـشـأن تأثير ذلك على تدفق الزيارات للمواقع. 3 «غـــوغـــل» كــانــت قــد أعـلـنـت أنــهــا بــــدأت مــن يـونـيـو (حـــزيـــران) الـــجـــاري، «اخــتــبــار أداة تحكم جديدة تتيح للناشرين التحكم في كيفية ظهور روابـطـهـم ومحتواهم فـي مـيـزات البحث القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي». ومــن جهتها، أشـــارت «هيئة المنافسة» إلى أن «قـرارهـا جـاء استجابة لسلسلة من الشكاوى طويلة الأمد التي تقدَّم بها ناشرون بشأن غياب الشفافية والتحكم في آلية إظهار محتواهم عبر محرك بحث (غوغل)». حـتـى صــــدور الـــقـــرار، كــانــت «غـــوغـــل» تمنع الناشرين من حظر استخدام موادهم في الإجابات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، من دون الاضطرار إلـــى إزالــــة مـواقـعـهـم بـالـكـامـل مــن فــهــرس البحث الرئيس لـ«غوغل»، وهو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها معظم المستخدمين. ومـــن نـاحـيـة أخــــرى، أدى إدخــــال ملخصات الذكاء الاصطناعي من «غوغل» إلـى تراجع حاد فــي تـدفـق الـــزيـــارات المـحـالـة إلـــى المـــواقـــع، وزيـــادة فـي مـعـدلات «الـبـحـث بـا نــقــرات»، نـظـرا لأن هذه الملخصات تغني الـقـراء عـن النقر والانـتـقـال إلى رابط المصدر الأصلي للمقال، حسب مراقبين. ومع أن الخطوة الأخيرة عدّها البعض «مبشِّرة»؛ فإن خبراء يقللون من تبعاتها الإيجابية على زيارات المواقع، لكنهم قالوا إنها «قد تكون بداية لموقف تفاوضي أكثر إنصافا للناشرين لاحقاً». الـــدكـــتـــور أنـــــس الــــنــــجــــداوي، مـــديـــر جـامـعـة أبــوظــبــي - فـــرع دبــــي، وأســـتـــاذ الأعـــمـــال الـرقـمـيـة المشارك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن على الأوساط الصحافية «الترحيب بالخطوة... ولكن بحذر. فما حدث هو تطور جزئي في العلاقة بين الناشرين و(غوغل) فيما يتعلق بحقوق المحتوى، كما يمكن اعتباره خطوة دفاعية من الشركة التي لن تفرّط بسهولة في طموحاتها للهيمنة». وأضـاف: «من ناحية أخـرى، من شأن أدوات (غـــوغـــل) أن تـعـطـي الــحــق لـلـنـاشـريـن فـــي النشر ضــمــن مــلــخّــصــات الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي أو وقــف النشر وفقا لرغبة الناشر. لكن هذا لا يعني على الإطـــــاق عــــودة الــــزيــــارات المــحــالــة كــمــا كــانــت في السابق، ويعود ذلك إلى أن (غوغل) نجحت خلال الفترة السابقة في تغيير سلوك المستخدم، الذي اعتاد الاكتفاء بالملخص وعدم النقر على الروابط الأصلية». من جهة ثانية، عد النجداوي أدوات «غوغل» خطوة إيجابية، لكنه لم يسمِّها حلا قاطعا لأزمة تراجع الزيارات الخاصة بالمواقع، بل طرح حلولا أخــــرى يـمـكـن أن تــأتــي جـــدواهـــا أكــثــر مـــن أدوات التحكم التي طرحتها «غوغل». من بينها «توقيع اتفاقيات ترخيص المحتوى، بما يحفظ الحقوق لأصحاب المحتوى الأصيل، ويلزم الشركة الدفع مـقـابـل اسـتـغـال هـــذا المــحــتــوى». ويـشـيـر إلـــى أن ذلك تحقق بالفعل في حالات فردية، على شاكلة أستراليا التي تمكّنت من أن توقِّع اتفاقيات مُلزمة للشركة دفع تعويضات مقابل القيمة الاقتصادية التي تحققها من المحتوى الصحافي». وطـــــــرح الـــــنـــــجـــــداوي «الــــســــمــــاح لــلــنــاشــريــن بتحصيل رســـوم إذا تــم اسـتـغـال مـحـتـواهـم في تـغـذيـة روبـــوتـــات الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، مــن خـال تـقـنـيـات مـتـقـدمـة». وقــــال: «يـمـكـن كـذلـك مشاركة إيـرادات الإعلانات، لأن المعركة المقبلة لن تقتصر عـــلـــى الـــــروابـــــط فـــقـــط، بــيــنــمــا ســــتــــدور حـــــول مـن يستحق العائد الاقتصادي الناتج عن المحتوى، وهو أمر شديد التعقيد، فالصحافة تنتج المعرفة، والـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي يعيد الـصـيـاغـة، فـالـسـؤال الذي يمثل تحدياً: كيف يجري توزيع القيمة بين الطرفين؟». فــــي ســـيـــاق ذلــــــك، نـــشـــرت «غــــوغــــل» تــدويــنــة رســمــيــة، أخـــيـــراً، أفـــــادت فـيـهـا بــــأن «مـــيـــزات مثل ملخّصات الـذكـاء الاصطناعي صُممت لمساعدة المـسـتـخـدمـن عـلـى اكـتـشـاف المــواقــع الإلـكـتـرونـيـة المتميزة وزيارتها». وأضــــافــــت الـــشـــركـــة أنــــه «عـــبـــر أداة الـتـحـكـم الــجــديــدة يمكن لأصــحــاب المــواقــع تـحـديـد مــا إذا كــانــوا يــرغــبــون فــي ظــهــور مـواقـعـهـم والمـسـاهـمـة فـي دعــم الإجــابــات داخـــل مـيـزات البحث بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والمواقع التي تختار إلغاء الاشـتـراك لـن تتلقى زيـــارات أو ظـهـورا مـن ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي لدينا. ولن تُستخدم أداة التحكم هــذه إشــــارة لترتيب النتائج خـارج ميزات البحث هذه». مـــحـــمـــد عــــاطــــف، الـــبـــاحـــث المـــتـــخـــصّـــص فـي الإعــام الرقمي رأى أن «الفائدة الحقيقية للقرار أنه كسر المعضلة الزائفة أمام الناشر». وتابع أنه قبل القرار «كـان أمـام الناشرين خياران: إما ترك محتواهم يغذّي ملخّصات الـذكـاء الاصطناعي، ومن ثم خسارة الزيارات لصالح البحث من دون نـقـر، وإمـــا أن يمنعوا زاحـــف (غـوغـل) بالكامل... فيخسروا الترتيب في البحث، وبالتبعية، جميع الزيارات». وأردف أن «القرار الجديد يفصل الاتجاهين، حـــيـــث بـــــات يــمــكــن لــلــنــاشــر الآن مـــنـــع اســـتـــخـــدام مـحـتـواه فــي مـلـخّــصـات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي من دون أن يتأثر ترتيبه في نتائج البحث العادية، وهذا المكسب الجوهري». وقــال عـاطـف: «علينا أن نكون أكثر دقـة في قــيــاس حـجـم الأثـــــر، فــالانــســحــاب أداة دفــاعــيــة لا استرجاعية، هو يمنع استنزاف محتوى تختاره، لــكــنــه لا يــعــيــد الـــــزيـــــارات الـــتـــي خــســرهــا بـالـفـعـل المـوقـع أو الإيــــرادات المـفـقـودة». وأكـــد أن «الـرافـعـة الحاسمة، هي الدفع مقابل المحتوى، وهي مؤجلة لأن القرار لا يُلزم (غوغل) الدفع. وبالتالي، هيئة شهرا على الأقل قبل أن تقرر 12 المنافسة ستنتظر إلزامها التفاوض على شـروط ترخيص عادلة... وبعد ذلك يجب التعامل مع القرار على أنه رافعة تفاوضية وأداة حماية انتقائية، لا بوصفه حلا لأزمة الزيارات، لأن الحل الجذري يبقى في تنويع مصادر الجمهور وبناء علاقة مباشرة لا تمر عبر بوابة (غوغل) من الأساس». القاهرة: إيمان مبروك

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky