تمثل الــولايــات المـتـحـدة المـوطـن الرئيسي لازدهـــار الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي؛ فـهـي تـضـم أغـلـب مــراكــز الـبـيـانـات المتخصصة فــي الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي حـــول الــعــالــم، كما أنها المقر الرئيسي للشركات التي تصمم الرقائق الرائدة ونماذج اللغات الكبيرة، بيد أن المستثمرين قد عكسوا هـــذه المـعـطـيـات بالفعل فــي تقييمات الأســعــار - وزادوا عليها أيضاً. وفي المقابل، تمتلك الأسواق الناشئة قصة نجاح مقنعة فـي مجال الـذكـاء الاصطناعي، إلـى جانب خـــصـــم ســـعـــري حـــــاد مـــقـــارنـــة بــنــظــيــراتــهــا فــــي الأســــــواق المتقدمة، وهو مزيج مبشر للسنوات المقبلة. ومـن المثير للدهشة أن مـؤشـرات الأســـواق الناشئة تـمـلـك انـكـشـافـا أكــبــر عـلـى قــطــاع الـتـكـنـولـوجـيـا مـقـارنـة في المائة، كما 40 بالولايات المتحدة، بنسبة تبلغ نحو يـوضـح «كـيـو نغوين» و«مــاريــو ألبوكيركي» مـن شركة الاسـتـشـارات الاستثمارية «ريسيرتش أفيلييتس» في تقرير جديد ممتاز. كـمـا أن مـــؤشـــرات الأســـــواق الـنـاشـئـة - مـثـل مؤشر «بـلـومـبـرغ» للشركات الكبيرة والمتوسطة فـي الأســـواق الناشئة، ومـؤشـر «إم إس سـي آي» لـأسـواق الناشئة - تمتلك ثقلا نسبيا زائدا في المواد الخام اللازمة لتشغيل الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي؛ إذ تـضـم مـنـطـقـة الـــشـــرق الأوســـط والبرازيل شركات هيدروكربونية ضخمة، في حين تنتج المناجم في تشيلي وبيرو، النحاس الذي ينقل الطاقة من محطة التوليد إلـى مركز البيانات، ومـن ثم يوزعها في جميع الأرجاء. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بمقدار يتجاوز الضعف ليصل ، وهو ما 2030 تيراواط/ ساعة بحلول عام 945 إلى نحو يفوق إجمالي استهلاك اليابان بأسرها. وسوف يساعد الغاز الطبيعي في تلبية هذا الطلب على المدى القصير، بالتزامن مـع جهود جـاريـة لجعل الطاقة النووية جـزءا متناميا مــن مـزيـج تـولـيـد الـطـاقـة، الأمـــر الـــذي قــد يعود بـالـنـفـع الــوفــيــر عـلـى منتجي الــيــورانــيــوم فــي دول مثل كازاخستان. كما يُتوقع أن يرتفع الطلب على النحاس بشكل ملموس أيضاً؛ إذ تشير مؤسسة «وود ماكينزي» إلــى أن مـراكـز البيانات تمثل «ورقـــة جامحة للتقلبات» يمكن أن تـؤدي إلى استنزاف الإمـــدادات، وتحفيز قفزات حادة في الأسعار. وكـــثـــيـــرا مــــا كـــانـــت المـــشـــاركـــة فــــي صـــفـــقـــات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي معنية بتحديد الـتـوقـيـت المـنـاسـب لـــدورة الـــزخـــم والـــدعـــايـــة بـــقـــدر عـنـايـتـهـا بــــ«صـــوابـــيـــة» الـخـيـار الاســـتـــثـــمـــاري نــفــســه. فــفــي الـــســـنـــوات الـــثـــاث المــاضــيــة، تــأرجــحــت الأســــــواق مـــن مـــوضـــوع فــرعــي إلــــى آخــــر، وقــد شملت هــذه المـوضـوعـات - وفــق ترتيب زمـنـي تقريبي - ما يلي: والـــــــدرس المــســتــفــاد هــنــا هـــو أن الأســـــــواق تـتـحـرك بــســرعــة الـــبـــرق فـــي تـسـعـيـر آفـــــاق الــصــعــود ذات الـصـلـة بـالـذكـاء الاصطناعي بمجرد تحديدها للطرف الفائز؛ فالمستثمرون الذين ينتظرون تأكيد فرضياتهم تفوتهم المـــوجـــة الــصــعــوديــة الــكــبــرى الأولـــــى (إن لـــم يـكـن صـعـود السوق بأكملها). ولست أفضل من أي مُضارب آخـر في التنبؤ بالتوقيت الـدقـيـق لـ«لحظة الأســــواق الناشئة»، بـيـد أن مـؤشـر الأســــواق الـنـاشـئـة يـتـحـرك نـحـو الارتــفــاع هذا العام، وتشير التجربة الحديثة إلى أن الوقت قد حان للانتباه والمتابعة. وتــجــري الـــتـــداولات فــي الأســـــواق الـنـاشـئـة بخصم سعري ملموس مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة، حــتــى بــعــد الأداء المــتــفــوق الــــذي سـجـلـتـه هــــذا الـــعـــام؛ إذ يُتداول مؤشر «بلومبرغ» للشركات الكبيرة والمتوسطة فــي المــائــة مــن قيمة 64 فــي الأســــواق الـنـاشـئـة عـنـد نـحـو نــظــيــره فـــي الأســـــــواق المــتــقــدمــة، وفـــقـــا لأرقــــامــــي (الـــرســـم في 74 الــبــيــانــي أدنــــــــاه). وقــــد بــلــغ هــــذا المـــتـــوســـط نــحــو المـائـة فـي العقد الـــذي سبق ظـهـور «شـــات جـي بـي تـي». وقد لا تبدو أسماء الشركات التكنولوجية في الأسـواق الناشئة بمثابة صفقات مغرية للوهلة الأولـى، لا سيما بعد القفزات الاستثنائية لشركات أشباه الموصلات هذا العام، غير أنها أرخص كثيرا من نظيراتها في الأسواق المتقدمة، كما أن قطاعات الطاقة، والمواد الخام، والمرافق العامة تُعد منخفضة التكلفة، سواء على أساس مستقل أو مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة. لا تـــزال الأســــواق الناشئة تــتــداول عند مضاعفات ربحية أكثر جاذبية بكثير مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة. ماذا لو تلاشت طفرة الذكاء الاصطناعي؟ إن المواد الخام التي تخرج من باطن الأرض في أميركا الجنوبية والـــشـــرق الأوســــط سـتـكـون ضـــروريـــة عـلـى الأرجــــح لدعم المــرحــلــة الـتـالـيـة مـــن الـنـمـو الــعــالمــي، بــصــرف الـنـظـر عن القطاع الذي يقود هذا النمو، كما أن أسهم قطاعي الطاقة والمـــــواد الـــخـــام تـمـثـل أداة تــحــوط فـعـالـة ضـــد الــتــوتــرات الجيوسياسية المرتفعة والمستمرة، ومـا قـد تُسببه من صدمات مستمرة في العرض. وتـــجـــدر الإشــــــارة إلـــى أن أســهــم الأســــــواق الـنـاشـئـة قــد سـجـلـت أداء أدنــــى مــن المــتــوقــع لــســنــوات خـــال فترة التسعينيات بالتزامن مع حدوث طفرة الإنترنت، ثم ما لبثت أن انتعشت محققة مكاسب هائلة كفلت لها التحول إلى رابح استثنائي في أوائـل القرن الحادي والعشرين؛ إذ أدى الانهيار حينها إلـى إعــادة توجيه الاستثمارات نــحــو الــســلــع الأســـاســـيـــة والمـــخـــزونـــات المــــاديــــة الأخـــــرى، مدفوعة بحركة التنمية والتطور في الصين. وقـد شكَّل 15 معدل النمو السنوي المركب للأسواق الناشئة البالغ ترياقاً 2007 وحتى عام 1999 في المائة في الفترة من عام رائــعــا لمــا كـــان فــي الأســــاس عـقـدا ضـائـعـا للاستثمار في الولايات المتحدة. ومن المفهوم تماما أن يتغاضى المستثمرون كثيرا عـــن الأســـــــواق الــنــاشــئــة فـــي هــــذه الأيـــــــام؛ إذ إن «الــــــدورة الــفــائــقــة لـلـسـلـع الأســـاســـيـــة» الــتــي شــهــدهــا الــعــقــد الأول مـن الـقـرن الـحـادي والعشرين قـد أضحت تاريخا قديما الآن، ولــم تـعـرف الأجــيــال الـشـابـة مـن المستثمرين شيئا سوى الهيمنة التكنولوجية الأميركية، غير أن الأسعار فـي الــولايــات المتحدة الـيـوم يـجـري تحديدها بـنـاء على افــتــراض الــوصــول إلـــى مـرحـلـة الـكـمـال، حـتـى فــي الـوقـت الذي ترتبط فيه ثورة الذكاء الاصطناعي بقدرة السوق على توفير كميات هائلة من النحاس، والغاز الطبيعي، واليورانيوم في نهاية المطاف. وقد يعني هذا أن صفقة الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي المـقـبـلـة سـتـكـون مـرتـبـطـة بمناجم تشيلي وبيرو بقدر ارتباطها بغرف مجالس الإدارات في وادي السيليكون. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17359 - العدد Monday - 2026/6/8 الاثنين غسان شربل *جوناثان ليفين ماذا لو أخطأت صفقة الذكاء الاصطناعي المقبلة أميركا؟ من بوتين إلى السنوار مرورا بصدام سألت دبلوماسيا صديقا في موسكو عن حجم الخسائر في صفوف القوات الروسية التي تقاتل في أوكرانيا فأجاب بأن الحديث في هذا الموضوع ممنوعٌ، وأن الرَّقم يعتبر من أسرار الدَّولة. لفتنِي إلى أن روسيا تختلف عن أميركا. لا يحق مثلا لوالدة جندي قُتل في الحرب أن تنشر دموعَها على الشَّاشات. أو أن تطالب بوقف الحرب. أو محاكمة من اتَّخذ قرار إرسال الجيش إلـى هناك. الأولـويـة هي الانتصار في الحرب وبغض النَّظر عن الأثـمـان. أي تشكيك في تبريرات الحرب أو جدواها يندرج في باب الخيانة. لفتني إلــى أن شعبية الـرئـيـس فلاديمير بوتين لا تزال مرتفعة وهي في حـدود الستين في المائة، وإن كانت أقل من نسبة الثَّمانين التي كان يحظى بهَا في سنوات سابقة. القانون يمنع الحديث عن عدد القتلى والــجــرحــى، وكــذلــك عــن عـــدد المــرتــزقــة الــذيــن جنَّدتهم روسيا من بلدان قريبة وبعيدة كي يموتوا نيابة عن الـجـيـش الـــروســـي، وبـيـنـهـم عــــربٌ، عـلـمـا بــــأن آلافــــا من المرتزقة يقاتلون أيضا إلى جانب الجيش الأوكراني. لم تتسبَّب الحرب والعقوبات الغربية في انهيار الاقتصاد الرُّوسي بسبب الموارد الهائلة التي تمتلكُها البلادُ، علاوة على الارتفاع الأخير في أسعار النفط. لم تغب السلع عن الأسواق لكنَّها أقل جودة من السابق. تعب الـــرُّوس من الحرب لكنَّهم لم ينزلوا إلـى الشارع للمجاهرة بذلك. ســـألـــت عـــمَّـــن اتَّـــخـــذ قــــــرار الـــحـــرب الـــتـــي انـطـلـقـت فـكـانَ 2022 ) فــي الأســبــوع الأخــيــر مــن فـبـرايـر (شــبــاط الـــــرَّد أن الـــقـــرار اتَّــخــذتــه مـجـمـوعـة صـغـيـرة جـــدا حـول الرئيس، وأن أسماء بــارزة في الدولة لم تعرف به إل بعد اتّــخـاذه. ولفت إلـى أن الانطباع الــذي كــان سائدا لدى بعض رجال الكرملين أن ما سمَّاه بوتين «عملية عسكرية خـاصـة» سيكون سريعا وخاطفا وحاسماً، وأن الانهيار الأوكراني سيكون سريعاً. لم يــدر في خلد كثيرين أن الـحـرب ستدوم حتى اليوم، وأن قوافل النعوش ستعود من بلاد زيلينسكي بوتيرة مرتفعة. وفـي الأيــام الأولــى من الحرب وقعت أنا أيضا في سوء التقدير وربَّما بسبب سيرة بوتين نفسه. كانت سيرة بوتين توحي بأنَّه رجل معلومات وتـقـاريـر بحكم مجيئه مــن عـالـم «كـــي جــي بـــي» الــذي اخترق العواصم القريبة والبعيدة. ثم هناك نجاحُه فــي قـمـع ريــــاح الـتَّــفـكـك الــتــي كــانــت بــــدأت فــي الـهـبـوب على الاتـحـاد الـروسـي نفسه. يضاف إلـى ذلـك أن أهل القرار في الغرب احتفوا على مدى سنوات بهذا الرجل واستقبلوه وزاروه. لـفـتـنـي قـــــول الــدبــلــومــاســي إن أخــــطــــاء الأقـــويـــاء تكون كبيرة في العادة، وإن قـرار اجتياح أوكرانيا قد يندرج لاحقا في باب القرارات الباهظة التي لم يتصوَّر مـتـخـذوهـا أن تــــؤدي إلـــى الــغــرق طــويــا فــي مستنقع الحرب. قال إن المحيطين بالرئيس لم يتخيَّلوا أبدا أن تتحوَّل أوكرانيا إلى «أوكرانيستان»، وأن تتسبب بهذا النَّزف الهائل. استوقفني تعبير القرارات الباهظة وهاجمتني الأســئــلــة. هــل كـــان وزيـــر الـخـارجـيـة الـــروســـي سيرغي لافـــروف مـن الحلقة الضيقة الـتـي ساهمت فـي اتخاذ الـــقـــرار؟ هــل غـــاب عــن ذهـــن هـــذا الـدبـلـومـاسـي العريق والمحنك أن الـغـرب لـن يبتلع بسهولة ضـربـة مـن هذا النوع، وأنَّه لن يعدم وسيلة لتدفيع صاحب القرار ثمن ما ارتكب؟ هل غلب رأي الجنرالات رأي وزير الخارجية، كما غلب ولاء أعضاء «القيادة القطرية» تحفظ طارق عــزيــز الــخــجــول؟ وهـــل يـمـكـن أن يـــكـــون لافـــــروف عـرف بالقرار بعد اتخاذه؟ تطارد الصحافي في الشرق الأوسـط المرير لعنة المقارنات. ذات يوم اعتبر «السيد القائد» صدام حسين أن الثورة الإيرانية خطر داهم، وأنَّها مرتبكة، وأن غزو إيران قد يغرقها في التَّفكك. أمر جيشَه بعبور الحدود وغرق في الحرب واستمرت قوافل النعوش في التوافد على مدى ثماني سنوات. قــــرار الـــذَّهـــاب إلـــى الــحــرب أســهــل بكثير مــن قــرار الــخــروج مـنـهـا، وهـــذا يـصـدق عـلـى الــحــرب الـعـراقـيـة - الإيرانية، وكذلك على الحرب الروسية - الأوكرانية. لا أقصد أبدا أن بوتين يشبه صدام. أو أن تلميذ «البعث» العراقي يشبه تلميذ «كي جي بي». أقصد أن المبالغة في الشعور بالقوة مجلبة للأخطاء، وكثيرا ما تكون بـاهـظـة. وأن هــاجــس الـــصـــورة المـطـلـوبـة فــي الـتـاريـخ يساهم في إضـرام حرائق هائلة في الجغرافيا تلتهم الجنود والمليارات معاً. أوهام القوي مأساة شاسعة. توهَّم صدام حسين أن العالم سيبتلع ضربة غزو الكويت. قدم الغزو في يومه الأول في صــورة «عملية عسكرية خـاصـة». قال للملك حسين الذي اتَّصل به في ذلك اليوم إنَّها «عملية كسر خشم»، أي أنَّها عملية تأديب للسلطات الكويتية. كنت أفكّر في القرارات الباهظة حين سألت قياديا فلسطينيا عـن اعتصامه بـالـصَّــمـت المـطـبـق على رغم الأهــــوال الـتـي يشهدها قــطــاع غـــزة والأخـــطـــار الكبرى المحدقة بالضفة. قــال إنَّــه صـامـت احتراما لبحر الـدَّم الذي فاض بفعل وحشية الجيش الإسرائيلي واحتراما لذوي الضحايا. قال إنَّه يخشى «أن تكون النكبة الحالية أشد من الأولـــى». أضـاف أنَّــه يسأل نفسَه منذ «الطوفان» لماذا لم يُقدم يحيى السنوار على اختطاف جندي أو حفنة من الجنود بـدلا من اتخاذ قـرار بإطلاق حـرب واسعة تــفــوق قــــدرة غـــزة والمـــحـــور الــــذي ينتمي إلــيــه. قــــال إن «الـطـوفـان» هـو «أكـبـر عملية انتحارية فـي الـتـاريـخ». وشدَّد على أن من حق الفلسطينيين التَّصدي بالسلاح للاحتلال الإسـرائـيـلـي لكن لـيـس مـن حــق قـائـد اتّــخـاذ قــرارات لا يـدرك حـدود تكاليفها. ولفت إلى أن «العالم منشغل اليوم بهرمز وبالقضية الإيرانية لا بالقضية الفلسطينية».
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky