مـــن أكـــبـــر عـــيـــوب الــتَّــنــمــيــة أن تــرتــبــط فـــي عـقـل المـــســـؤول الـسـيـاسـي بــثــراء الـــدولـــة لا ثـــراء المجتمع. الـــغـــرضَـــان لـيـسَــا مـرتـبـطـن عــضــويّــا. ثــــراء المجتمع يـــقـــود حـتـمـا إلــــى ثــــــراء الــــدولــــة؛ إذ يـــقـــلّـــل أعـــبـــاءَهـــا ويزيد عوائدها. لكن العكس ليس صحيحاً. هناك دول تـنـفـق إنـــفـــاق الأثــــريــــاء عــلــى مــشــاريــع تسليح وميليشيات. ودول الكتلة الشرقية تبنَّت الخطط الخمسية الطموحة، مع صور المسؤولين في الصباح الباكر يفتتحون كل يوم مصنعاً، تدعمهم آلة دعاية تطرح بيانات رقمية تتحدَّى الزَّمنَ، وتربح السّباق، وتـحـقّــق فـي سـنـة مـا يحققه الآخـــرون فـي عـقـد. لكن الــوعــود الخمسية والـعـشـريـة لـم تتحقق قَـــطّ. وظـل المجتمع فقيراً. يتداول الناس عادة أن السبب هو الفساد وخراب الـذمـم، وتلك قـد تكون عرضا لتملُّك الـدولـة وسائل الإنــتــاج وإدارتــهــا مـن قبل أشـخـاص يتصرَّفون في غير مالهم الخاص. وهو ليس موضوعنا. نتحدَّث عــن مـسـؤولـن ذوي ضـمـائـر حــيــةٍ، ونــوايــا صـادقـة، وعــــزم صـمـيـم. لـكـنَّــهـم يـخـربـون الاقــتــصــاد بــــدلا من إصلاحه؛ إذ لا ينال المـرء الثمار التي يتطلع إليها، بل يحصد ما يجيد زراعتَه. يـمـكـنـنـا أن نــســمــي هــــذه الــطــريــقــة «راديــكــالــيــة الـتـنـمـيـة». وهـــي تشبه غـيـرَهـا مــن جــوانــب التَّفكير التقدمي بالرغبة في القفز فـوق المـراحـل والوصول إلى النتيجة على عجل. لو تملَّكتك هذه الرغبة في «الـجـيـم»، ستهلك عـضـاتِــك بـالإجـهـاد، وتعجز عن الاستمرار. إثـراء الدولة بإفقار المجتمع خـداع. وهذا أخطر ما في راديكالية التنمية. فالمشروع العملاق مرئي، ويـمـكـن تــصــويــره مـــن جـمـيـع الــــزوايــــا، وعـــرضـــه في نـــشـــرات الأخــــبــــار، ومــنــاقــشــة أرقـــامـــه فـــي مـــعـــزل عن الوضع العام. لكن الصورة تخفي المشروع الـذي لم يـولـد؛ لأن رأس المـــال هــرب مـن المنافسة الحكومية، أو المـشـروع الــذي مــات لأن التاجر أغلق متجره، أو المستثمر الذي قرَّر ألا يأتي من الأساس... فكل هؤلاء خسائر غير مرئية. ولهذا تبدو التنمية الراديكالية ناجحة في الصور التذكارية، وفي الجدل والدعاية، قبل أن تظهر فاتورتها الحقيقية في الاقتصاد. راديــكــالــيــة الـتـنـمـيـة تــقــود الـــدولـــة إلـــى منافسة مواطنيها كلما اكتشفت قطاعا رابحاً، ظنّا منها أنَّها «أولى بالربح»، وأن «زيتنا في دقيقنا». والنتيجة أن يفقد مزيد من المواطنين مشاريعهم، وتنهار القدرة الشرائية؛ لأن الدولة «شفطت ثرواتِهم» لصالحها، وغزلت مشاريعَها من لحاهم، وحولتها أرقاما في ميزانيتها، وإنجازات في سجلاتها؛ فصارت «دولة نـيـش»؛ فيه أطقم صينية رائـعـة، لكن أهــل البيت لا يجدون ما يأكلونه فيه. الاقـــتـــصـــاد الـــحـــديـــث نـــمـــا مــــن الـــقـــاعـــدة بـتـعـدد الـنـشـاطـات الاقـتـصـاديـة فــي المـجـتـمـع، وبــــروز مهن جـديـدة، وتـوسـع التجارة مـع تطور النقل البحري، مـمَّــا سمح لـأفـراد بـالـخـروج مـن قفص وراثـــة المهن التقليدية، وسـمـح لـهـم بجمع ثـرواتـهـم الصغيرة، ثـم الالتئام فـي شكل تعاوني جديد اسـمُــه الشركة، وابـــتـــكـــار نـــظـــام الأســــهــــم. هــــذه الـتـنـمـيـة المـجـتـمـعـيـة ولّــدت حاجات إضافية، اخترع لها المجتمع حلولا بمجهودات أفـــراده، من محرك البخار إلـى الكهرباء وصـولا إلى الذكاء الاصطناعي. المجتمع الحي هو أساس التنمية الحقيقية المستدامة. وظــيــفــة الــــدولــــة - إذن - لــيــســت أن تــحــل مـحـل المجتمع، بل أن تطلق طاقته. عليها أن تهيئ الأجواء لكي يـــؤدي المجتمع هــذه الأدوار بنفسه. فالتنمية الـحـقـيـقـيـة تـشـبـه الــنــمــو الــطــبــيــعــي؛ كـــل عـضـلـة في المـجـتـمـع تـحـمـل أثــقــالــهــا، وتــحــقــق مـــداهـــا، وتـنـمـو تدريجيا ً. OPINION الرأي 12 Issue 17359 - العدد Monday - 2026/6/8 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com سام منسى خالد البري الأزمة الحاليّة وآثارها الاقتصادية العالمية مـع الأزمـــة الحالية وانعكاساتها عـــلـــى الاقــــتــــصــــاد؛ وتـــــذبـــــذب الأســـعـــار والخوف العام من تداعيات وآثار غلق «مضيق هرمز»، تجددت الأطروحات المتوجسة، وقد قارب مسألة المخاوف الاقتصادية المحلل الاقتصادي غالب درويـــــش، الـــذي كـتـب فــي مـقـالـة لــه في صـــحـــيـــفـــة «إنـــــدبـــــنـــــدنـــــت» بــنــســخــتــهــا الــعــربــيــة، أنـــه «لـــم يـعـد مـضـيـق هـرمـز مجرد ممر بحري ضيق يصل الخليج الـعـربـي بخليج عــمــان وبــحــر الــعــرب، ولا مجرد نقطة عبور يومية لناقلات النفط والغاز، بل صار في قلب معادلة أوسـع تجمع الطاقة بالقانون الدولي والــعــقــوبــات والـــــردع الـعـسـكـري، الممر الذي ظل لعقود عنوانا لحرية الملاحة واستقرار الإمدادات تحول مع تصاعد الأزمة إلى مساحة اختبار لقدرة إيران عـلـى اســتــخــدام الـجـغـرافـيـا فــي إنـتـاج ضغط مالي وسياسي من دون إعلان إغلاق كامل». هــنــاك أطـــروحـــات أخــــرى مـتـعـددة حـــــول مـــصـــيـــر ومـــــــآل هـــــذا المــــوضــــوع، ولكن لنعد إلى التاريخ النظري القديم والفعّال في مجال الاقتصاد، مثلا في طبع آدم سميث كتابه «ثروة 1776 عام الأمــــــم». وقـــد تـــزامـــن طـــرح الــكــتــاب مع مرحلة وصدفة. أمــــــا المــــرحــــلــــة فـــهـــي بــــــدء الــــثــــورة الصناعية، و«الصدفة المحكمة» (كما يعبّر بـي جـي أورورك فـي ملاحظاته عـلـى الـــكـــتـــاب)، فـهـي اســتــقــال الــدولــة الرأسمالية العظمى أميركا، ومبادئ سميث تزحزح بعضها، وبقي بعضها الآخـــــر، لـكـن الـــوشـــوم الــتــي تـركـهـا في جسد الاقتصاد ونظريته لن تزول. ســــمــــيــــث جــــعــــل مــــعــــيــــار مـــقـــيـــاس الـــــثـــــروة لا مـــــا يـــــكـــــدَّس فـــــي الـــخـــزائـــن المــقــفــلــة بـــل بـمـجـمـل الإنــــتــــاج، وفـصـل بـــــن الاقـــــتـــــصـــــاد والأخـــــــــــــاق، مـــــع أنــــه درّس فــي فلسفة الأخــــاق، وألّــــف قبل «ثــــروة الأمــــم» كـتـابـه «نـظـريـة المشاعر ، والتقى مواطِنه 1759 الأخلاقية» عام الفيلسوف الاسكوتلندي ديفيد هيوم، وشــجّــعــه عـلـى الاســـتـــمـــرار فـــي تأليف هذا الكتاب. يصمه نقاده بأنه خدش مـعـايـيـر أخــاقــيــة حـــن وضـــع مـبـادئـه على أسس الحرية الاقتصادية، محررا إياها من تكاليف الرعايات التقليدية، واعـــتـــرض عـلـى الــقــيــود الاقــتــصــاديــة؛ فالتجارة حين تكون حرة فهي تبادلية الفائدة والمنفعة. وجُن جنون ماركس من نظريته في «القيمة والعمل». يــــــشــــــرح بـــــــي جـــــــي أورورك فـــي مـاحـظـاتـه عـلـى كــتــاب «ثـــــروة الأمـــم» كاتباً: «كشف آدم سميث سر الاقتصاد المـبـهـم بجملة خـاطـفـة كـلـمـح الـبـصـر: (الاســـــتـــــهـــــاك هـــــو الـــــغـــــرض الـــوحـــيـــد لــإنــتــاج كـــلـــه)، لا يــوجــد ســـر مـكـنـون. أبــعــد سـمـيـث (المــيــتــا) عـــن (الـفـيـزيـقـا) فالاقتصاد هو بالضبط عيشنا ورزقنا وحياتنا ولا شيء سواها (ثروة الأمم) مـبـادئ رئيسية: السعي 3 تـقـوم على وراء المـصـلـحـة الـشـخـصـيـة، وتقسيم العمل، وحرية التجارة». لــب نظرية سميث تـؤكـد ضــرورة تحرير الاقـتـصـاد مـن كـل مـا يمكن أن يعرقل حركته، فالنماذج الاقتصادية تُــبـنـى عـلـى أســـس المـنـفـعـة والمصلحة بشكل أساسي. ولمــــا كـــانـــت المـصـلـحـة الشخصية مــــركــــزيــــة فـــــي غـــــريـــــزة الإنــــــســــــان، رأى سـمـيـث أن نـظـريـتـه يــجــب أن تنطلق مــن واقــــع الإنـــســـان الــقــائــم، لــذلــك كتب فـــي «الـــيـــد الــخــفــيــة» أن «المـــنـــافـــع الـتـي تسببها المـصـالـح بــن أفــــراد المجتمع ليست ضـروريـا أن ترتبط بالخيرية. فـالمـنـفـعـة الـــتـــي يـــوفّـــرهـــا الـــبـــقـــال إنـمـا توفرت انطلاقا من نظرته هو المنفعية، فالمنافع التي تتهيأ بسبب العمل من أجـــــل المـــصـــالـــح الــشــخــصــيــة تـنـعـكـس على أفـراد المجتمع، وهي منافع تأتي كـنـتـائـج ثــانــويــة لــــــدوران طـمـوحـاتـنـا ومصالحنا في الواقع». الـــخـــاصـــة؛ أن هــــذه الأزمــــــة الـتـي يعيشها الـعـالـم وسيتجاوزها قريبا أعطت العالم فكرة أساسية عنوانها تبويب الاقـتـصـاد الـعـالمـي على أسـس يـــمـــكـــنـــهـــا أن تـــســـتـــبـــق الاحـــــتـــــمـــــالات غــيــر المــتــوقــعــة والاســـتـــعـــداد لمـواجـهـة الـــعـــمـــلـــيّـــات الـــشـــريـــرة الـــتـــي يــمــكــن أن تحدث. إن نـقـض المـعـيـاريـة وهـــو المفهوم الــــــذي طـــرحـــه ســمــيــث يــعــنــي الـــتـــفـــوّق الاســـتـــبـــاقـــي لـــلـــمـــمـــارســـات الإرهـــابـــيـــة الــتــي ربــمــا تــضــر بـالاقـتـصـاد الـعـالمـي وبـــحـــيـــويّـــة الـــبـــشـــر الـــدنـــيـــويـــة، وأكـــثـــر المــتــضــرريــن مـــن هـــذا الاضـــطـــراب دول لـــم تـتـوقـع هـــذا الــســلــوك مـثـل الـصـن، الـــتـــي لــــم تـــتـــوقـــع أن يــــمــــارس الــنــظــام الآيـديـولـوجـي الإيــرانــي هــذه المغامرة الغاشمة، بل نـرى الأرقــام تتحدث عن اضــــطــــراب فـــي يـــومـــيّـــات الإنــــســــان في الـــــدول الــغــربــيــة، الــتــي بـقـيـت بعضها ولـعـقـود داعــمــة للنظام الإيــرانــي على المستويين السياسي والاقتصادي. نعم، إن دول الخليج ومعها بعض دول الإقليم كانت تدرك أن إيـران دولة متوثّبة مـصـرة على تصدير ثورتها إلى خارج حدودها وإنشاء بؤر توتر فــي المـنـطـقـة. ولـــولا هـــذا لــم تـكـن هناك أي مـشـكـلـة مـــع إيـــــــران، لــكــن إيــــــران ما زالــــت مـتـمـاديـة فــي هـــذا الــطــريــق. الآن العالم يعاني من أزمة حقيقية عطّلت الاقـتـصـاد الـعـالمـي، وأثّــــرت على حياة الناس. فهد سليمان الشقيران كيف ينجح لبنان في شرق أوسط جديد؟ بــــن الـــتَّـــحـــذيـــر الــفــرنــســي مـــن اقـــتـــراب لــبــنــان من حافة السُّقوط، والـحـرب الداخلية والخارجية عليه، واسـتـمـرار أزمـتـه الاقـتـصـاديـة والسياسية، ينحصر النقاش اللبناني في كيفية تجنب الانهيار أو إدارة الأزمات المتراكمة. غير أن السؤال الأهم ربما لا يتعلق فقط بقدرة لبنان على النجاة، بل بموقعه في منطقة تــعــاد صـيـاغـة تــوازنــاتــهــا وأولـــويـــاتـــهـــا بــوتــيــرة غير مـسـبـوقـة. تـنـاولـنـا فــي مــقــال ســابــق بــعــنــوان «لـبـنـان والسلام كاشف المثالب»، ما يحتاج إليه البلد داخليا لاســـتـــعـــادة الـــدولـــة والـــســـيـــادة والمـــؤســـســـات، لــكــن أي إصـاح داخلي يبقى ناقصا إذا لم يقترن بمعرفة أي دور يمكن للبنان أن يؤديَه في الشرق الأوســط الذي يتشكل مــن حـولـه عـلـى أســـس مختلفة عــن تـلـك التي عرفها خلال العقود الماضية. لمرحلة طويلة من تاريخه الحديث، استمد لبنان أهميتَه مـن مجموعة مـن الـوظـائـف جعلته رائـــدا في مـحـيـطـه. فــقــد كــــان مـــركـــزا مــالــيــا ومــصــرفــيــا إقليميا ومـنـصـة إعــامــيــة وثـقـافـيـة عـربـيـة ومـلـتـقـى للتعليم والــجــامــعــات والــنــشــر وســاحــة لــلــتــوازنــات الـعـربـيـة - الدولية، كما شكَّل مساحة للتفاعل بين الشرق والغرب ولـلـتـعـدديـة الـسـيـاسـيـة والــفــكــريــة فـــي مـنـطـقـة غلبت عليها أنظمة عسكرية متشددة. وبـصـرف النظر عن نجاح هذه التجربة أو إخفاقاتها، فقد منحت لبنان مكانة تجاوزت حجمَه الجغرافي والديمغرافي. إلا أن معظم هذه الوظائف تعرَّض للتآكل خلال الـعـقـود الأخــيــرة. فالقطاع المـصـرفـي الـــذي شـكَّــل أحـد أعــمــدة الاقــتــصــاد الـلـبـنـانـي انــهــار وتــراجــعــت الــقــدرة على جذب الاستثمارات، فيما انتقلت أدوار إعلامية وثـقـافـيـة وتعليمية كـثـيـرة إلـــى مـــراكـــز عـربـيـة أخــرى تمتلك استقرارا سياسيا ومـوارد أكبر. كذلك، لم يعد لبنان يحتكر دوره التقليدي بوصفه جسرا بين الشرق والـــغـــرب فــي عــالــم بـــات أكــثــر انـفـتـاحـا وتــرابــطــا وأقــل حاجة إلى الوسطاء التقليديين. مقابل هـذه التحولات التي شهدها لبنان، دخل الـشـرق الأوســـط مرحلة مختلفة عـن تلك التي سـادت منذ نهاية الحرب الـبـاردة وحتى السنوات الأخيرة. فبعد عقود مـن الـصـراعـات الآيديولوجية والـحـروب بالوكالة والاستقطابات الحادة، اتجهت دول رئيسية في المنطقة، خصوصا دول الخليج التي تسعى إلى تكريس دورها بوصفها مراكز اقتصادية واستثمارية عالمية، نحو أولـويـات جديدة تتمحور حـول التنمية الاقـــتـــصـــاديـــة وجـــــذب الاســـتـــثـــمـــارات والـتـكـنـولـوجـيـا والطاقة والربط التجاري وبناء الشراكات الإقليمية والــدولــيــة. وفـــي الــوقــت نـفـسـه، تشهد المـنـطـقـة إعـــادة تموضع واسعة تشمل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأســــد، وإيـــــران الـتـي تــواجــه ضـغـوطـا غـيـر مسبوقة، وتـداعـيـات ذلــك على أذرعــهــا وفــي مقدمة ذلــك «حـزب الله». وســـط هـــذه الــوقــائــع هــل مــا زال الـــشـــرق الأوســـط الجديد يحتاج إلــى لبنان بالشكل الــذي عرفه خلال الـقـرن المـاضـي؟ التحدي الـيـوم أمــام لبنان يتمثل في تحديد موقعه داخل منظومة إقليمية جديدة تغيّرت أولوياتها وقواعد عملها ولم تعد تبحث بالضرورة عن الأدوار القديمة التي لعبها. فما الذي يمكن للبنان أن يقدمه الـيـوم لـشـرق أوســـط يتجه نحو الاقتصاد والــتــكــنــولــوجــيــا والاســـتـــقـــرار أكـــثـــر مــمــا يـتـجـه نحو الأدوار التقليدية التي صنعت مكانته في الماضي؟ لم يفقد لبنان كل عناصر قوته. فميزته الأساسية لم تكن يوما اقتصادية فقط، بل أيضا في قدرته على إنـــتـــاج مــســاحــة مـــن الــتــعــدديــة والانـــفـــتـــاح والـتـفـاعــل الثقافي والـفـكـري يصعب العثور على مثيل لها في المـنـطـقـة مــع كــل الـتـغـيـيـرات الـتـي شـهـدتـهـا. فـرغـم كل شـــيء، لا يـــزال لـبـنـان يمتلك رأســمــالا بشريا متقدما وانتشارا واسعا لجالياته في العالم وإرثــا تعليميا وثقافيا مميزا وقدرة على التفاعل مع بيئات وثقافات مختلفة، وتـعـدديـة اجتماعية ولغوية نـــادرة، فضلا عـن قطاع خــاص مــرن وخـبـرات متراكمة فـي مجالات التعليم والاستشفاء والخدمات والاقتصاد المعرفي. وكلها عناصر تـوفـر لـه قـاعـدة يمكن الانــطــاق منها لإعـــــادة بـــلـــورة دوره ومـكـانـتـه فـــي المـنـطـقـة سياسيا واقتصاديا وثقافياً. وإلى جانب موارده البشرية، لا يزال لبنان يمتلك مــوقــعــا جـيـوسـيـاسـيـا يـمـنـحـه فـــرصـــا لـــانـــخـــراط في شبكات الربط الاقتصادي والتجاري الإقليمية، كما يمكنه أن يؤدي دورا دبلوماسيا وحواريا يستند إلى خبرته التاريخية في إدارة التنوع، في منطقة لا تزال تبحث عن صيغ أكثر استقرارا للتعايش والشراكة بين مكوناتها المختلفة. فــإذا نجح لبنان فـي إعـــادة بناء دولـتـه، فقد تـتـاح لـه فـرصـة إعـــادة تموضعه بوصفه مركزا للكفاءات والعقول الخلّقة، ومنصة للانفتاح والتبادل الفكري والثقافي، ومساحة للحوار والتفاعل بين مجتمعات متعددة. إن الـــدول لا تحافظ على أهميتها بالحنين إلى أدوار الماضي أو بمحاولة تجميد التاريخ عند لحظة معينة، بـل بقدرتها على قـــراءة الـتـحـولات والتكيف معها وصناعة وظائف جـديـدة. لعل الامتحان الذي يـقـف لـبـنـان أمـــامـــه الـــيـــوم لـيـس امــتــحــان الــبــقــاء فقط أو الـعـودة إلــى مـا كــان عليه بـل امتحان إيـجـاد مبرر جديد لأهميته في المنطقة، وتقديم قيمة لا يستطيع الآخرون تقديمها واكتشاف موقع جديد يتناسب مع التحولات الجارية. لكن السؤال الأعمق ربما هو: هل يحتاج لبنان أصـــا إلــى دور استثنائي جـديـد؟ فقد يكون التحدي الحقيقي للمرة الأولى منذ نشوء الكيان هـــو الانـــتـــقـــال مـــن مـنـطـق «الـــرســـالـــة»، و«الاســتــثــنــاء» إلــى منطق الــدولــة الطبيعية: دولـــة مستقرة وفاعلة ومندمجة فـي محيطها وقـــادرة على تحويل طاقات أبنائها إلى قيمة مضافة. راديكالية التَّنمية... المجرم الخفي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky