4 تحقيق FEATURES Issue 17358 - العدد Sunday - 2026/6/7 الأحد رفض عرفات الانضواء تحت عباءة إيران بعدما أدرك افتقار قادتها إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح» ASHARQ AL-AWSAT كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟ بعد انتصار الثورة ذهب النقاش إلى طهران. ذات يوم وفي حلقة ضيقة ناقش المــشــاركــون خــطــورة الــــدور الـــذي يمكن أن يلعبه شهبور بختيار آخـر رئيس وزراء في عهد الشاه من منفاه. تحدث مشاركون عـن احتمال لجوء جهات معادية للثورة إلــى دعــم بختيار لزعزعة النظام الجديد أو إطاحته. روى النقاش أن فكرة التخلص مـــن بـخـتـيـار طُـــرحـــت. وكــشــف أن محكمة كــانــت قـضـت بــإعــدامــه وأن الـخـمـيـنـي أقـر حكم المحكمة من دون إعلان ذلك، ما جعل الحكم شبيها بفتوى تبيح القتل. كان بختيار مقيما في فرنسا ويحظى بحراسة وحماية. ولم تكن طهران في تلك الأيــــــام اسـتـكـمـلـت إعــــــداد فــــرق لـلـعـمـلـيـات الخارجية. يقول النقاش إنه تطوع للقيام بالمهمة مـع فريق صغير. حصل النقاش عــلــى رقــــم مــقــر إقـــامـــة بــخــتــيــار وزعـــــم أنــه صـــحـــافـــي يـــريـــد إجـــــــراء مــقــابــلــة وفـــوجـــئ بإعطائه موعداً. ذهب إلى العنوان وأجرى الحوار الصحافي واستطلع المكان ونقاط ضعف الحراسات. ، توجه 1980 ) يـولـيـو (تـــمـــوز 18 فــي النقاش مـع فريقه لاغتيال بختيار. حال الــبــاب المـصـفـح دون مقتل بـخـتـيـار وأدت الـــعـــمـــلـــيـــة إلــــــى مـــقـــتـــل شـــرطـــيـــن وســـيـــدة فرنسية وإصابة النقاش واعتقاله. وفـــــي عـــقـــد الـــثـــمـــانـــيـــنـــات ســتــتــداخــل مطالبة إيـران بالإفراج عن النقاش بإقدام «منظمات مجهولة» على خطف فرنسيين فــي لـبـنـان بـغـرض مقايضتهم بالنقاش. وبـعـد عشر سـنـوات أمـضـاهـا فـي السجن ستبرم فرنسا صفقة يفرج بموجبها عن النقاش. سألت النقاش يومها عمن كان يعرف في إيران بخطة الاغتيال، فأجاب: «أطلعت مــحــســن رفـــيـــق دوســــــت مــــســــؤول الأركــــــان الإداري فــــي الــــحــــرس ومـــحـــســـن رضـــائـــي عضو الأركان». الـــتـــداخـــل الـلـبـنـانـي - الـفـلـسـطـيـنـي - الإيراني سيظهر في حالات أخرى. فعماد مغنية المكنى «الحاج رضـوان» الذي اتهم بالضلوع في هجمات ضد الإسرائيليين والأميركيين وجهات عربية مر لفترة في حــراســة يـاسـر عــرفــات قـبـل أن ينتقل إلـى «حزب الله»، صلب البرنامج الإيراني في لبنان والمنطقة. ويقول النقاش إنه تولى تدريب مغنية بناء على طلب الأخير. كان النقاش يتحدث بانبهار وثقة عن المشروع الإيراني وكنت مهتما بالاستماع إلـــى شـــهـــادة هـــذا الـــرجـــل. قـــال إن المنطقة ستشهد تغييرات كبرى وإن إيران الثورة تـعـتـبـر أن مــســؤولــيــتــهــا تـــبـــدأ بـــ«تــحــريــر الـــشـــرق الأوســــــط مـــن الاحـــتـــال الأمــيــركــي صــريــحــا كــــان أم مــقــنــعــا». قــــال إن «قــــادة الـــحـــرس يــعــتــقــدون أن الــخــيــط الأمــيــركــي هو الذي يضمن استقرار واستمرار كثير مـن أنظمة المنطقة، وأن قطع هــذا الخيط سيغير ملامح المنطقة وتوازناتها». ســـــألـــــتـــــه إن كـــــــــان الــــــجــــــنــــــرال قــــاســــم ســلــيــمــانــي مــــن هــــــؤلاء فــــأجــــاب بـــأنـــه فـي طـــلـــيـــعـــتـــهـــم وهـــــــو يـــعـــمـــل عــــلــــى تـــقـــويـــض الحضور الأميركي في المنطقة. استوقفني قوله إن الثورة الإيرانية لم تخف رغبتها فــي طـــرد أمـيـركـا مــن إيــــران والمـنـطـقـة وإن «الرسالة الأولى كانت احتجاز الأميركيين في سفارة بلادهم في طهران. أما الرسالة الـثـانـيـة فـكـانـت تـفـجـيـر مـقـر المــاريــنــز في بيروت، وساهم الحاج عماد (مغنية) في إيصال رسائل أخرى». قـال النقاش وقتها أيضا إن برنامج الأنفاق والصواريخ والمسيّرات يرمي إلى «خـــفـــض الــقــيــمــة الاســتــراتــيــجــيــة لـحـلـفـاء أمـيـركـا فـي المنطقة بـإظـهـار أن خرائطهم مـهـددة وأن التحالف مـع أمـيـركـا لا يكفي لإنـــقـــاذهـــا، بـــل هـــو الــســبــب فـــي تـعـرضـهـا لـأخـطـار». وأضـــاف: «إذا كـانـت إسرائيل حـامـلـة طــائــرات أمـيـركـيـة فــمــاذا يبقى من هيبتها حين يتبين أن كل شبر منها يمكن أن تصل إليه صواريخ محور المقاومة؟». وأشار إلى أن «شخصية حسن نصر الـــلـــه أكـسـبـتـه ثــقــة المـــرشـــد عــلــي خـامـنـئـي وأعـطـتـه دور الـشـريـك فـي رســم سياسات إيـــران حـيـال الــعــرب، خصوصا فـي الــدول المتاخمة لفلسطين... نصر الله وسليماني هما الأقرب إلى قلب المرشد». ولعل أهم ما سمعته من النقاش هو أن «الـضـربـة الـكـبـرى آتـيـة مهما تـأخـرت. ستنهمر الصواريخ على إسرائيل من كل الجهات وسيندم عـدد مـن الـذيـن هاجروا إليها على قرارهم، وهذه الشكوك ستفتح الباب لنهاية هذا الكيان». الكلام الــذي سمعته من النقاش كان أكثر صراحة من الـذي سمعته في مكاتب زعـــمـــاء «الـــجـــهـــاد الإســــامــــي» و«حـــمـــاس» و«حــــــــــــزب الـــــــلـــــــه»، وإن كــــــــان يــــصــــب فــي الاتجاه نفسه. رمضان شلح الأمـن العام لـــ«الــجــهــاد» كـــان واثـــقـــا أن الــضــربــة آتـيـة، فـــي حـــن كــــان خــالــد مـشـعـل أكــثــر تحفظا في الحديث عن الـدور الإيراني. أما حسن نـصـر الــلــه فـلـم يـكـن يـشـعـر بـالـحـاجـة إلـى إخفاء أن إيـران هي مصدر تسليح «حزب الله» وتمويله وهي وسادته المضمونة. إيران الثورة والهاجس الفلسطيني كـــانـــت إيــــــران الــخــمــيــنــي تـتـطـلـع إلــى الامـــســـاك بـمـلـفـات عـــدة فـــي المـنـطـقـة وكـــان الملف الفلسطيني هاجسها الأول. لـم يكن ياسر عـرفـات فـي وارد وضع الــقــضــيــة الــفــلــســطــيــنــيــة فــــي عـــهـــدة نــظــام الثورة الإيرانية. ولم يكن في وارد تسليم الــــقــــرار الـفـلـسـطـيـنـي لأي قــــوة عــلــى وجــه الأرض. مـــن أجــــل إنـــقـــاذ اســتــقــالــيــة هــذا القرار كـان يحالف ويخاصم ويهاجر من عاصمة إلــى أخـــرى هـربـا مـن وطـــأة الذين يــحــاولــون تـحـويـل الـقـضـيـة الفلسطينية ورقــة في مفاوضاتهم مع القوى الكبرى. معركته الطويلة مع الرئيس حافظ الأسد تندرج تحت هذا العنوان. وهو كان يردد: «فـلـسـطـن عــنــدي قـضـيـة. أمـــا عـنـد الأســد فهي ورقة للاستخدام». لم يتأخر عرفات في إدراك أن الثورة الإيرانية تفتقر إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح»، على حد ما قال لبعض مساعديه. شعر أن أحلام بعض قادتها من قـمـاشـة الأوهـــــام، خـصـوصـا لجهة إســاءة تقدير قــوة أمـيـركـا والاتــحــاد السوفياتي مـــعـــا. ولـــــم يـــكـــن عــــرفــــات فــــي وارد وضـــع «الـــثـــورة الـفـلـسـطـيـنـيـة» فـــي عــهــدة «ثـــورة الـخـمـيـنـي» لأنـــه شـعـر أن إيــــران الـجـديـدة لن تتأخر في الاصطدام بجيرانها وبدول أبعد. إطــــــالــــــة عــــــرفــــــات مــــــن طــــــهــــــران بــعــد ســـتـــة أيــــــام مــــن انـــتـــصـــار ثــــــورة الـخـمـيـنـي كــانــت تــاريــخــيــة، لـكـنـهـا لـــن تــدفــع الـقـائـد الفلسطيني إلـــى مـبـايـعـة الخميني على غــــرار مـــا فـعـل آخـــــرون. ابـتـعـد عـــرفـــات عن الــــتــــطــــابــــق. وحـــــــن احــــتــــجــــز الإيـــــرانـــــيـــــون الأميركيين رهـائـن فـي سـفـارة بـادهـم في طــــهــــران اســتــكــشــف الـــزعـــيـــم الـفـلـسـطـيـنـي محاولات التوسط، لكن طهران لم توافق على دور له من هذا النوع. تماما كما كان موقفها حـن حـــاول الـتـوسـط بعد انــدلاع الـحـرب مـع الــعــراق. ولـهـذا ستبحث إيــران عن أصـدقـاء فلسطينيين آخرين وستقدم مساهمتها في تقويض سلطة عرفات. لاحقا كان المشهد أكبر من قدرة إيران سبتمبر 13 الخمينية على الاحتمال. في وقـع اتفاق أوسلو وصافح 1993 ) (أيـلـول يـاسـر عـرفـات رئـيـس الــــوزراء الإسرائيلي إســحــق رابــــن فــي حـديـقـة الـبـيـت الأبـيـض وبـــرعـــايـــة الــرئــيــس بــيــل كـلـيـنـتـون. أطـلـق عــــرفــــات الـــــزلـــــزال الـــثـــانـــي وكــــــان الــرئــيــس أنــور الــســادات أطلق الأول. كانت شرعية يـــاســـر عـــرفـــات كــامــلــة وصــــورتــــه مـرتـبـطـة بالرصاصة الأولـــى الـتـي أطلقتها «فتح» فــــي مــنــتــصــف الــســتــيــنــات مـــعـــيـــدة إيـــقـــاظ القضية الفلسطينية. شـعـرت إيــــران بتهديد جـــدي للجسر الــذي كانت تـراهـن عليه لمخاطبة الشارع الـسـنـي وتـألـيـبـه ضــد «الـشـيـطـان الأكــبــر» وليس فقط ضد إسرائيل. ولهذا ضاعفت طـهـران رهانها على «الـجـهـاد الإسـامـي» و«حـمـاس». افترقت حسابات عرفات عن حسابات أهل «الصمود والتصدي» وعن حـسـابـات طــهــران أيــضــا. بـلـغ الـحـقـد على عرفات حد الرغبة العلنية في شطبه. كنت أحـــاور الأمــن الـعـام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل فـي دمشق حـــن اتــهــم عــرفــات بـالـخـيـانـة. سـألـتـه هل أرسـلـت أحــدا لاغتياله فـأجـاب: «لا لكنني أفتح الإذاعة كل صباح آملا أن تعلن ولادة إسـامـبـولـي فلسطيني»، فــي إشــــارة إلـى خـالـد الإسـامـبـولـي الـــذي اغــتــال الرئيس المصري أنور السادات. «عشت أكثر مما تصورت» لم تستطع الثورة الإيرانية استدراج عـرفـات لـإقـامـة تحت عباءتها لكنها لن تعدم فرصة العثور على حلفاء في وسط الإسـامـيـن الفلسطينيين. كـــان الـدكـتـور فـتـحـي الـشـقـاقـي الأمــــن الــعــام لــ«الـجـهـاد الإســــــامــــــي» فــــي فــلــســطــن أول مــــن فـتـح الــــنــــافــــذة. جـــــاء جــــاهــــزا إلـــــى طــــهــــران الـتــي احـــتـــاجـــت إلـــــى جـــهـــود لإقــــنــــاع «حـــمـــاس» بـالانـدراج في برنامج الأنـفـاق والمسيّرات والصواريخ الذي هندسه قاسم سليماني. كــــــانــــــوا حــــفــــنــــة طــــــــاب فــــــي جـــامـــعـــة الـــــزقـــــازيـــــق فـــــي مـــصـــر وكــــــانــــــوا يــقــيــمــون داخـــــل تـــيـــار «الإخــــــــوان» أو عــلــى أطـــرافـــه. راحــت إيــران تغلي بالتظاهرات 1978 في والــشــعــارات. تمنى أفــــراد المـجـمـوعـة على الرجل الأبـرز بينهم، أي الشقاقي، أن يعد عـرضـا مــن عـشـر صـفـحـات عــن الــثــورة في إيــــران. اسـتـهـوت المـهـمـة الـشـقـاقـي فغاص في المـراجـع الإسلامية وتعاليم الخميني والـــفـــكـــر «الإخــــــوانــــــي». عــــاد الــشــقــاقــي من بحثه باستنتاج قاطع مفاده أن الـــــثـــــورة فــــي إيــــــــران ثــــورة إســـامـــيـــة ولـــيـــســـت شــيــعــيــة. وهـــكـــذا بــــدلا مـــن مـلـخـص من تكفي قـصـة مـثـيـرة لاســـتـــدراج الـصـحـافـي إلـــى الـبـحـث عن حاملها. ويزداد إلحاح البحث حين يكون الرجل حاملا لقصتين مثيرتين. هـذا مـا حصل قبل سـنـوات طويلة. بــدأت البحث عن أنيس النقاش. باكرا انتسب هـذا الشاب اللبناني إلـى «الكتيبة الطلابية» في حركة «فتح» وعمل لاحقا تحت رعاية خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة المركزية في الحركة. شعرت بالفضول حين عرفت أن النقاش كان مساعد الفنزويلي الشهير كارلوس ديسمبر 21 فـــي عـمـلـيـة خـطـف وزراء «أوبـــــك» فـــي فـيـيـنـا فـــي . لم يسبق أن شهد العالم عملية من هذا 1975 ) (كانون الأول النوع. تحول كارلوس نجما عالميا ما أثـار غضب معلمه الذي أرسله في المهمة (وأقصد وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وراودنـــي شعور أن التحدث إلى النقاش سيسهل أيضا الوصول إلى كارلوس، وهذا ما حصل. لم يكتف النقاش بدوره في عملية فيينا. حين اندلعت حصل من «أبو جهاد» 1978 التظاهرات المعارضة في إيران في على إذن بتدريب إيرانيين معارضين لنظام الـشـاه فـي مراكز أقامتها «فتح» في لبنان. سيذهب النقاش أبعد من ذلك. قال في الحوار الذي أجريته معه إن فكرة إنشاء «الحرس الثوري» ولدت في لقاء جمعه في شقة في بيروت بحفنة من الأشخاص، وأن الفكرة نقلت إلى قادة الثورة فتبنوها على قاعدة «عدم الوثوق بالجيوش النظامية». (الثالثة والأخيرة)قصة الهدير الإيراني من عاصفة الخميني إلى «طوفان السنوار» الرياض: غسان شربل ياسر عرفات أول زائر رسمي لطهران بعد الثورة إلى جانب الخميني أمام حشد في جامعة طهران (غيتي) مبعدو مرج الزهور بينهم إسماعيل هنية (المركز الوطني الفلسطيني للإعلام) (أ.ب) 2024 أغسطس 1 موكب تشييع إسماعيل هنية في طهران يوم
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky