فــي ظــاهــر المـشـهـد الــــذي تـابـعـه الـسـنـغـالـيـون، كـان الأمـر يتعلق باحتفال وطني بمئوية الرئيس الأســـبـــق عــبــد الـــلـــه واد، أحــــد أبـــــرز وجـــــوه الــحــيــاة السياسية في البلاد خلال العقود الأخيرة. لكن في السياسة، نادرا ما تكون المناسبات الرمزية مجرد مــنــاســبــات بــروتــوكــولــيــة. فـخـلـف كــلــمــات الـتـكـريـم واسـتـحـضـار الـــذاكـــرة الـوطـنـيـة، غـالـبـا مــا تختبئ رســائــل سـيـاسـيـة مـوجـهـة إلـــى الـحـاضـر أكــثــر مما تتعلق بالماضي. بـــدت هـــذه الـحـقـيـقـة جـلـيـة فـــي الــخــطــاب الـــذي ألقاه الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي خلال الاحتفال. فالمناسبة التي جمعت النخبة السياسية والإداريــــة والثقافية فـي العاصمة، داكـــار، تحولت إلى فرصة نـادرة للرئيس لمخاطبة شريكه السابق ورئيس الجمعية الوطنية الحالي، عثمان سونكو، دون أن يضطر إلى ذكر اسمه ولو مرة واحدة. كان الرئيس ديوماي يستحضر سيرة الرئيس الأسـبـق عبد الـلـه واد، الـــذي اختبر خــال مسيرته السياسية تجربة معارضة بنّاءة وعاقلة لمدة ربع قـــرن، قبل أن تمنحه صـنـاديـق الاقــتــراع فـتـرة حكم ، لكنه كان يتحدَّث 2012 إلى 2000 امتدت من سنة أيــضــا عـــن الـــحـــاضـــر. كــــان يــــروي قــصــة رجــــل عــرف السجن والمنفى والمواجهة مع السلطة، وخاض من خــال حـزبـه مـعـارك سياسية طويلة قبل أن يصل إلــــى الـــرئـــاســـة وهــــو فـــي مـنـتـصـف الـثـمـانـيـنـات من عـمـره، لكنه فـي الـوقـت ذاتـــه كــان يضع أمـــام الــرأي العام نموذجا محددا لرجل الدولة كما يراه هو. فـعـبـد الــلــه واد لـــم يــدخــل الـــذاكـــرة السنغالية فقط لأنه وصل إلى الحكم بعد عقود من المعارضة، بل لأنـه قبِل أيضا قواعد اللعبة الديمقراطية حين خسر السلطة عبر صـنـاديـق الاقـــتـــراع. لقد تحوَّل في المخيال السياسي السنغالي إلى رمز للانتقال الـــســـلـــمـــي، والــــتــــعــــايــــش مـــــع الــــخــــصــــوم، واحـــــتـــــرام المؤسسات، وهي الصفات التي حرص ديوماي على إبرازها في خطابه. ولم يكن من الصعب على المتابعين الربط بين هذه الإشارات وبين الأزمة السياسية التي تعيشها قمة السلطة منذ إقـالـة عثمان سونكو مـن رئاسة الـــــوزراء وانـتـقـالـه إلـــى رئــاســة الجمعية الـوطـنـيـة. فـالـرئـيـس لــم يـوجـه انــتــقــادا مـبـاشـرا إلـــى سونكو، ولم يهاجم مواقفه، لكنه وضع أمامه مرآة سياسية تعكس نموذجا مختلفا للقيادة ولإدارة الخلافات. لقد بدا وكأن الرئيس ديوماي يقول إن التاريخ لا يتذكر فقط الذين يصلون إلى السلطة، بل أيضا الطريقة التي يمارسون بها هذه السلطة ويغادرون بها مواقعهم. ومــن خــال استحضار تجربة عبد الله واد، كان يدعو بصورة غير مباشرة إلى تغليب مــنــطــق الــــدولــــة عــلــى مــنــطــق الـتـعـبـئـة الـسـيـاسـيـة، ومنطق المؤسسات على منطق الزعامة الفردية. غـــيـــر أن أهـــمـــيـــة الـــخـــطـــاب لا تــكــمــن فـــقـــط فـي الرسالة الموجهة إلى سونكو بشكل غير مباشر، بل أيضا في الصورة التي أراد ديوماي رسمها لنفسه. فمنذ وصـولـه إلــى الـرئـاسـة، ظــل كثيرون ينظرون إليه بوصفه الرجل الذي أوصله سونكو إلى القصر الرئاسي. أما اليوم، فيبدو أن الرئيس يسعى إلى ترسيخ شرعيته الـخـاصـة وتـقـديـم نفسه بوصفه رجل الدولة الذي يتحدث باسم الأمة لا باسم تيار سياسي، أو حزب بعينه. ولهذا اختار لغة هادئة ومؤسساتية، بعيدة عــن الـسـجـال والمــواجــهــة المــبــاشــرة. لــم يـتـحـدث عن الـــخـــافـــات الــقــائــمــة، بـــل عـــن الـــتـــاريـــخ وعــــن المــغــزى الكامن خلفه. ولم يناقش الأزمة السياسية الراهنة، بل استحضر تجربة رجل واجه أزمات أكبر وخرج منها أكثر قــوة، وهـي الرسالة التي كانت واضحة بما يكفي لكي يفهمها الجميع. ومع ذلك، فإن الخطأ سيكون في الاعتقاد بأن خطابا واحـــدا قــادر على حسم مـيـزان الـقـوى داخـل السلطة. فسونكو ما زال يحتفظ بحضور شعبي قوي، ونفوذ معتبر داخل الأغلبية الحاكمة، كما أن رئاسته للجمعية الوطنية تمنحه منصة سياسية لا تقل أهمية عن أي موقع آخـر. لذلك فـإن ما جرى في المسرح الكبير بدا أقرب إلى افتتاح فصل جديد مــن الـــصـــراع الـــرمـــزي بــن الــرجــلــن مـنـه إلـــى إعــان نهاية هذا الصراع. لقد استغل ديوماي مناسبة مئوية عبد الله واد ليبعث برسالة سياسية محكمة البناء. رسالة مفادها بأن السلطة لا تُقاس فقط بحجم التأييد الشعبي، بل أيضا بالقدرة على التحول إلى رجل دولــــــة. لــكــن افــــتــــراض مـــا إذا كـــانـــت هــــذه الــرســالــة ستنجح فــي إعــــادة رســـم الـعـاقـة بــن الـرجـلـن أم لا، فـذلـك أمــر ستجيب عنه الـتـطـورات السياسية المقبلة. لـــذلـــك، فــالــســنــغــال تـــبـــدو الـــيـــوم أمـــــام ثـنـائـيـة جديدة: رئيس يسعى إلى تثبيت سلطة المؤسسات، وزعــيــم شعبي لا يـــزال يتمتع بـنـفـوذ واســـع داخــل الشارع والحركة السياسية التي صنعت التغيير. وبين القطبين المتصارعين، يطل شبح عبد الله واد مــن ذاكــــرة الــتــاريــخ، لا بـوصـفـه رئـيـسـا أسـبـق فقط واجه التحديات نفسها، بل بوصفه نموذجا يحاول كـل طـرف أن يستدعيه لصالح سرديته، ولتثبيت رؤيته الخاصة لحاضر ومستقبل السنغال. Issue 17358 - العدد Sunday - 2026/6/7 الأحد في مثل هذه الأيـام من شهر يونيو (حزيران) ، حطّت بالرياض طائرة داكوتا قادمة من 1951 عام القاهرة، نزل من بين رُكّابها زعيم الحركة الوطنية التونسية الحبيب بورقيبة، مرافقا كلا من القياديين في حزبه محمد المصمودي وعلي الزليطني، أمضى الــوفــد أيــامــا مــن شـهـر رمــضــان المـتـزامـن مــع صيف الــريــاض الـقـائـظ فــي دار لـلـضـيـافـة، لــم تـكـن عرفت الـتـكـيـيـف قـبـل خـمـسـة وسـبـعـن عــامــا، فــي انـتـظـار لقاء الملك عبد العزيز، كان لقاء مفصليّا في سياقه الــتــاريــخــي وظـــــروف صــــراع الـشـعـب الـتـونـسـي مع الاستعمار الفرنسي، وانـصـراف الجامعة العربية وأمينها العام عبد الرحمن عزّام باشا عن مساعدة بورقيبة بدعوى انشغالها بالقضية الفلسطينية، حيث رد الأمين العام المساعد أحمد الشقيري حرفيًّا على رغبة بورقيبة في الحصول على دعم الجامعة لـقـضـيـة وطـــنـــه، بـــالـــقـــول إن «المـــشـــغـــول لا يُــشــغــل، وعندما ننتهي مـن القضية الفلسطينية فسنحل القضية التونسية». ضــاقــت أمــــام بـورقـيـبـة ورفـــاقـــه الـسـبـل بسبب عنجهية فرنسا وشدة قسوتها تجاه مستعمراتها إثـــر انـتـصـارهـا فــي الــحــرب الــكــبــرى، حـيـث أطبقت بعنفها الشديد على الشعوب المستعمَرة، وارتكبت عـــشـــرات المـــجـــازر فـــي الـــجـــزائـــر ومــدغــشــقــر. فـوجـئ الزعيم التونسي ومرافقاه بغزارة معرفة الملك عبد الـعـزيـز بـأسـالـيـب الاسـتـعـمـار، وبــقــراءتــه العميقة للخريطة السياسية في المنطقة، وبرؤيته لكيفية المـواجـهـة بـاعـتـمـاد «سـيـاسـة المـــراحـــل» والـضـربـات النوعية المتفرقة لإرهاق المحتل. شكّل لقاء الرياض تحولا حاسما في المسيرة السياسية لبورقيبة المحامي خريج جامعة باريس ،1927 ومعهد الدراسات السياسية في باريس في الـذي انبهر بشخصية الملك عبد العزيز، حتى إنه C'est formidable, ce« توجه إلى المصمودي بالقول »، أي إن «هذا الرجل مذهل وعظيم، لم monsieur là يرتد (السوربون) ولا (هارفارد)، لكنه علّمني أمرا كنت أجهله». لقد آمن الملك المؤسس بعدالة القضية الـتـونـسـيـة وبــحــق الـشـعـب الـتـونـسـي فـــي الـتـحـرر، ووجّــه بدعم القضية سياسيا في المحافل الدولية، ليس هذا فحسب، ولكن ما إن وصل الوفد إلى مقر إقـامـتـه فــي دار الـضـيـافـة، حـتـى وجـــد فــي انـتـظـاره هدايا كانت عبارة عن أزياء سعودية كاملة وثلاثة أكــيــاس صـغـيـرة مــن الـجـنـيـهـات الـذهـبـيـة لتسليح المـــقـــاومـــة ودعـــــم رحـــلـــة بــورقــيــبــة عــبــر دول الـعـالـم للتعريف بقضية وطنه. كانت تلك المكرمة الملكية المنطلق لتسليح المقاوِمين في تونس. صُــرف الذهب عند محمد صلاح الدين باشا، وزير خارجية مصر حينذاك، وتولى علي الزليطني شــراء قطعة أرض فـي طرابلس أُقـيـم فيها معسكر للتدريب وتسليح الثوار، ومن هناك انطلقت الثورة ، حيث أرهق 1952 يناير (كانون الثاني) عام 12 في «الفلاقة» (المقاومون) السلطات الاستعمارية، وفق استراتيجية الملك عبد العزيز. حفظ بورقيبة الود للملك عبد العزيز وأبنائه من بعده حتى وفاته، لكن قصة مثل هذه لا تجد لها مكانا في كتب التاريخ، ولا تلقى اهتمام الباحثين، وقـد عمل كُــتّــاب التاريخ الفرنسيون والمتفرنسون على طمسها لقطع علاقة المغرب العربي بالجزيرة العربية، والتسويق لسرديات تـرى أن سكانه من البربر، وأن العرب طارئون عليه وفرنسا أقرب إليه جغرافيا وثقافياً، ورغـــم صـمـود الهوية المغاربية بتنوعها أمام الهويات القاتلة في المشرق، لم تصمد أمام الحرب الثقافية. إنَّها حرب طويلة شنّتها فرنسا الاستعمارية بوسائل مختلفة على القبائل العربية التي تتحدر من نجد والحجاز من بني هلال وبني سليم وقبائل أخـــــرى، ويُـــعـــد أفــــرادهــــا الـــيـــوم بـــالمـــايـــن. صــــادرت الـــســـلـــطـــات الاســـتـــعـــمـــاريـــة فــــي الــــجــــزائــــر وتـــونـــس أراضيهم، وأحرقت خيامهم وشحنت أنعامهم إلى ميناء مرسيليا، ونفت شيوخ القبائل ووجهاءها وعـلـمـاءهـا إلـــى مستعمراتها فــي أصــقــاع الأرض، وغـيّــرت ألقابهم وسجّلت أسماءهم فـي سجلاتها بأسماء أخـرى؛ لتقطع أغصان انتمائهم إلى عرب الــجــزيــرة الـعـربـيـة، وأطــلــق مـسـتـشـرقـوهـا أوصــافــا تــحــط مـــن ثــقــافــتــهــم وعـــاداتـــهـــم وتــقــالــيــدهــم الـتـي يشاركهم فيها حتى اليوم إخـوة الـدم في الجزيرة العربية، وهو ما فعلته ذاتـه إيطاليا في ليبيا من خلال احتلالها الاستيطاني الذي حاولت من ورائه طمس الهوية العربية للشعب واستعادة التاريخ الـــقـــديـــم بــتــحــويــل الـــبـــاد إلــــى ســـاحـــل رابـــــع لــرومــا الاستعمارية. لم تكن فرنسا ومثقفوها وحدَهم من أنشأوا هــــــذه الـــــســـــدود والمــــــوانــــــع الـــثـــقـــافـــيـــة والـــحـــضـــاريـــة بـــن الأصــــــول والــــفــــروع، فــفــي مــرحــلــة الـسـتـيـنـيـات والــســبــعــيــنــيــات مــــن الــــقــــرن المــــاضــــي. عــمــلــت الآلــــة الإعـــامـــيـــة الــنــاصــريــة والـبـعـثـيـة بــأقــصــى طاقتها لـتـقـسـيـم الــعــالــم الــعــربــي إلــــى مــعــســكــرَيــن؛ تـقـدمـي يلهج بـشـعـارات القومية والأمـــة العربية الـواحـدة ذات الــرســالــة الـــخـــالـــدة، ودول تـقـلـيـديـة لا تنتمي إلـى عالم الحداثة والتحرر، فــرز سياسي بامتياز عـمّــق الـحـواجـز النفسية والثقافية بـن الشعوب، تفوّقت فيه الآيديولوجيا العابرة للقارات والعقول عـــلـــى صـــيـــاغـــة رؤيــــــة تــفــصــل بــــن شـــعـــوب المـــغـــرب العربي وامتدادهم، بل تعمّقت لتفصل بين شعوب المنطقة ذاتها، ومع التراكمات الثقافية والكتابات والـخـطـابـات الـشـعـبـويـة الـتـي سيطر الـيـسـار على جــزء كبير منها، مُــركـزا على الــفــوارق الاقتصادية مع دول المغرب العربي والقوميين الذين يـرون في ثـروات الخليج حقّا واجـب المشاع لكل العرب، دون تقدير لجهود الخليجيين في تحقيق ذلك النجاح. ترسّخت فـي المخيال الـعـام القطيعة التي تقطعت معها أواصر انتماءات الدم والدين واللغة والثقافة، ورســـمـــت صــــورة فـــي المــخــيــال الـجـمـعـي للخليج لا تخرج عن الناقة والخيمة وبرميل النفط والتبعية للغرب ولأميركا على وجه التحديد. من ناحية ثانية عملت المناهج التعليمية في دول المنطقة على تسطيح الفهم لــدول الخليج؛ إذ اخـتـزلـت تـاريـخـه فــي الـجـانـب الـديـنـي ومـعـالمـه في مـكـة المـكـرمـة والمــديــنــة المـــنـــورة، وصـــــوّرت لـأجـيـال المـتـعـاقـبـة صـــحـــراء خــالــيــة وشــعــوبــا تــتــحــرك على الجِمال وتنشد الشعر كما كان قبل البعثة النبوية، فيما قـــدم الــتــاريــخ المـعـاصـر دول الـخـلـيـج العربي بوصفها كيانات مسلوبة الإرادة والفعل، تحرّكها الـقـوى الـكـبـرى وتوجهها حيث تـشـاء مصالحها. أما في الجغرافيا فيتم التركيز على موضوع النفط مـــع إغـــفـــال الـــتـــاريـــخ الاجــتــمــاعــي لمـــا قــبــل اكـتـشـافـه واستخراجه وتصديره إلى العالم. ورغــــــم الــــعــــاقــــات الـــثـــنـــائـــيـــة بــــن الــــــــدول عـلـى المستوى السياسي فإنَّه لا يوجد في دول المنطقة أي مركز للدراسات متخصص في الشأن الخليجي، رغــــم وجـــــود عـــشـــرات الأطـــــروحـــــات فـــي الــجــامــعــات التي يركز أغلبها على الهجرات العربية من نجد والــحــجــاز إلـــى المـنـطـقـة المــغــاربــيــة وعـــمـــوم الـشـمـال الأفريقي. هذه الجدران السميكة التي قـدّر لها أن تكون مــانــعــا بـــن جــنــاحَــي الـــوطـــن الـــعـــربـــي، بـــــدأت خــال السنوات الأخيرة في التآكل شيئا فشيئاً، نافضة الغبار عن حقائق التاريخ والجغرافيا من ملاحم وبـــطـــولات وحـــــروب خــاضــهــا أهــــل الـخـلـيـج بــقــدرة مكّنتهم من الثبات قرونا في رمال الشرق الأوسط المتحركة، لم يكونوا شهود زور في قضايا العرب، وإنـــمـــا أداروا الـلـعـبـة الـسـيـاسـيـة المــعــقــدة بحكمة وحـــنـــكـــة، وواجـــــهـــــوا الـــتـــحـــديـــات بــصــبــر وعــزيــمــة شـــهـــد بــهــمــا الــــعــــالــــم، كـــمـــا ولّـــــــوا وجـــوهـــهـــم شـطـر تنمية شعوبهم. استثمروا فـي الإنــســان وحقوقه الأسـاسـيـة فــي الـصـحـة والتعليم والـنـقـل والـحـيـاة الكريمة. وجّهوا مقدراتهم إلـى التنمية المستدامة التي تسابق المستقبل، بنوا قوة ناعمة مؤثرة في الــقــرار الـعـالمـي الاقــتــصــادي والـسـيـاسـي فــي الـوقـت الــذي حوّلت فيه الشعارات والهتافات دولا أخرى في المنطقة إلى مجتمعات كسيحة طاردة لأبنائها، إمـــا عـبـر قــــوارب المــــوت، وإمـــا عـبـر طـوابـيـر الهجرة إلــى أوروبـــا وإلـــى دول الخليج، حيث وجــد الجيل الـجـديـد المـتـحـرر مــن الإرث الاسـتـعـمـاري والـتـلـوث الأيـديـولـوجـي والـحـزبـي واقـعـا مخالفا لتصوراته المسبقة. نحن اليوم إزاء جيل نشأ في مناخات مغاربية تآكلت فيها الثقافة الفرنسية، وتراجع حضورها بشهادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه، وتلاشت حتى كادت تختفي الكتابة والنشر باللغة الفرنسية أمام سياسات التعريب التي انتهجها كل من تونس والجزائر والمغرب، والرغبة في اللحاق بـالـتـطـور الـعـالمـي ولـسـانـه الإنـجـلـيـزي بــا مـنـازع، واعــتــمــاد أدوات امتلكها الـجـيـل الـجـديـد منفتحا على العالم وعلى دول الخليج العربي التي فتحت أبـــوابـــهـــا وفــرصــهــا لــعــشــرات الآلاف مـــن الــكــفــاءات المغاربية. هو جيل محظوظ بلا منازع؛ لأنه يرى الخليج العربي بلا نظارات معتمة وستائر سميكة تخفي الحقائق التي تُــقـدَّم إلـى الجمهور وفـق قاعدة «ما أريكم إلا ما أرى». إنَّــــــــــه جــــيــــل تــــــجــــــاوز الـــــحـــــواجـــــز المـــصـــطـــنـــعـــة والوهمية، وبات يرى الأشياء على حقيقتها، ومعه جيل من المثقفين والكتاب والمؤرخين يعملون على إصـــاح مــا فـسـد مــن روايـــــات ومـــا زُوِّر مــن تـاريـخ، يــدرك المـايـن فيه أن العلاقة مـع الجزيرة العربية ليست علاقة انتماء إلى الجامعة العربية فحسب، بل تمتد إلى روابط دم فعلية. وهو جيل يُؤمَل منه إعادة فهم السياسة وفق الدرس الذي أبهر بورقيبة من الملك عبد العزيز قبل خمسة وسبعين عاماً، حينما فهم وأفهم مضيفه أن مواجهة الكبار حرب طويلة تتطلّب صبرا وحكمة والتقدم خطوة خطوة، وهي السياسة التي تبناها الزعيم التونسي مؤسس دولة الاستقلال في بلاده وسمّاها في خُطبه «سياسة المراحل». أفـــرد أنـيـس فريحة الـفـصـل الـثـانـي مـن كتابه «حــــضــــارة فـــي طـــريـــق الــــــــزوال: الـــقـــريـــة الـلـبـنـانـيـة» للحديث عن «الفضائل اللبنانية». ذكر من هذه الفضائل: «كرم الضيافة، النجدة (ويسمونها الـعـونـة)، الـقـنـاعـة، التقشف والصبر عـــلـــى المـــــكـــــاره، حـــســـن الـــثـــقـــة والأمـــــانـــــة، الـــصـــدقـــات السرية، المصالحة وحسم المنازعات، احترام كبير الـسـن، الآداب الـعـامـة»، ثـم فـصَّــل الـحـديـث فـي هذه الفضائل واحدة تلو الأخرى. وكــــان قــبــل ذلــــك نــبّــه إلــــى أنــــه لا يـــدّعـــي «أنــهــا فضائل يتصف بها كل قـروي لبناني. اللبنانيون بشر فيهم الخير وفيهم الشر، وفيهم الكرم وفيهم الحرص، وفيهم النبل وفيهم الحطّة، فيهم التقوى وفيهم الكفر». ما قفز أنيس فريحة عليه، أو ما أراد أن يغيّبه هو أن هذه الفضائل ليس فيها «خصوصية» قروية لبنانية، فهي شائعة في لبنان – المدينة. وشائعة في العالم العربي وفي بقية أقاليم الشرق الأدنى. ثم أن تلك الفضائل أو تلك التقاليد لا يخشى عليها من الضياع، كما أوحـت بذلك عبارته: أنها حـريّــة بـالـتـدويـن، ولا هـي فـي طريقها إلــى الـــزوال، كما صدع بذلك عنوان كتابه. فهي قائمة وممارسة ، وبعد صـــدوره وإلـى 1957 قبل صــدور كتابه عــام يومنا هذا في لبنان. القيم والعادات والتقاليد مع أن سبب نشأتها سبب مــادي مباشر، إلا أنَّــهـا تظل حيّة ومستمرة حتى مـع زوال أسبابها المـاديـة المباشرة مـن قـرون سحيقة. فـــي مــقــدمــة الــكــتــاب وفــــي فـصـلـه الــثــانــي قـــدّم أنيس فريحة نفسه «صوتا صارخا في البرّية» في لبنان، وهذا التقديم ليس صحيحاً، ليس لأن لبنان لـيـس فـيـه صـــحـــراء، وإنَّـــمـــا لأن تمجيد الـقـريـة في لبنان والتغني بريفه سمة بارزة في الأدب اللبناني من نشأته الحديثة. وكان حريّا به في مقدمة الكتاب أن يقدّم إلماحة عن هذه السمة البارزة في الأدب اللبناني، ويذكر أسماء روادها. إذا نــظــرنــا إلــــى كــتــابــه مـــن نــاحــيــة مـوضـوعـه ومـــن نـاحـيـة المـنـهـج المـتـبـع فـيـه، وهـــو تطبيق علم الأثنوغرافيا على القرية اللبنانية، أن الكتاب هو أول كتاب باللغة العربية يطبّق هذا العلم، كان يجب آن تدور مقدمته، أولاً، يُعلم القاري بالهوية العلمية الدقيقة لدراسته. ثانياً، يُعرّف بعلم الأثنوغرافيا. ثالثاً، يحيط القارئ علما بدراسات المستشرقين في هذا المجال، التي كان ميدانها بلدان الشام. أمـــــا «الـــفـــضـــائـــل الـــلـــبـــنـــانـــيـــة» وهـــــي مـــوضـــوع الــفــصــل الـــثـــانـــي مـــن كـــتـــابـــه، فـــكـــان يــجــب عــلــيــه أل يكتب عنها شيئا فـي هــذا الـكـتـاب. لأن «الفضائل اللبنانية»، وفـضـائـل أي شعب على هــذه الأرض، هي خارج نطاق علم الأثنوغرافيا، ولا تمت له بأي صلة أو نسب. استوقفني في مقدمته قولان له، هما: قـولـه: «ولـكـن حـضـارة القرية اللبنانية، قرية طـفـولـتـنـا، فــي طـريـق الـــــزوال. فـقـد غـــزت الـحـضـارة الغربية أكثر القرى اللبنانية حتى النائية منها. وقد غزتها بعنف وقوة». وقــولــه وهـــو يــذكــر فـضـائـل قـريـتـه قــريــة رأس المتن: «فضلا عن كونها قرية طفولتنا، فإنها قرية لم تتأثر بعد بوقع الحضارة الغربية المجتاحة، بل تعيش، إلى حد كبير، في لبنان القديم: لبنان الآباء والأجداد». إن وصـــــــول الــــحــــضــــارة الـــغـــربـــيـــة فــــي بـعـض جوانبها إلى لبنان سمّاه في القول الأول «غـزواً»، وســمّــاه فـي الـقـول الـثـانـي «اجـتـيـاحـا». وفــي القول ،1957 الثاني تفاخر بأن قريته رأس المتن إلى عام ظلّت بمنأى عن أي تأثر بالحضارة الغربية، مع أن الانعزال عن التأثر بحضارة العصر والجهل بها، مسألة لا تدعو إلى الفخر والتفاخر، بل هي تدعو إلى الرثاء والشفقة. هـــــــذان الـــــقـــــولان ضــــربــــا بــمــعــظــم مــــا قــــالــــه فـي بحثه «الـفـكـر الــعــربــي: مشكلته» عُـــــرْض الـحـائـط، ويتضاربان مع الروح المتحرّرة التي كتبه بها. ومع أن هذا البحث كتبه بروح متحررة إل أن هذه الروح المتحررة لم تتحرر من العاطفة الدينية المسيحية! ففي دعوته العرب إلـى «تفهم روح الحضارة الغربية» أكـد أن لحضارة الـغـرب روحــا تقوم على ثلاثة أركان. هذه الأركان الثلاثة – كما عدّدها – هي: الــتــقــلــيــد الــكــاســيــكــي أو الـــحـــيـــاة الإغــريــقــيــة القديمة. المسيحية. الإيمان بالإنسان وبمقدراته أو الإيمان بالعقل أو العلم. هــــو هـــنـــا أقـــحـــم الـــديـــانـــة المــســيــحــيــة مــــن دون تحديد طائفة بعينها من طوائف المسيحية. وحين جاء دور هذا الركن للحديث عنه، قال: «تـقـوم الـحـضـارة الغربية على ركــن آخــر هـو روح المسيحية الإنـجـيـلـيـة، وقـــد قلنا (روح) المسيحية الإنــجــيــلــيــة لــئــا نُــتــهــم بــأنــنــا لا نـــعـــرف شـيـئـا عن تاريخ أوروبا الذي تلعب فيه الثورة على الكنيسة البابوية دورا مهماً، وأخبارها تملأ صفحات عديد من تاريخ أوروبا المتوسط. نعم، ثار الفكر الأوروبي على الكنيسة وسيطرتها وتعسف كهنتها، ولكن الـروح المسيحية ظلت تشيع في الحياة الأوروبية رغم هذه الثورات العنيفة». وهــو هنا حــدد المسيحية بالمسيحية المعززة بالروح البروتستانتية – الإنجيلية. حــضــارة الــغــرب، قـامـت عـلـى عـصـر الإحــيــاء أو النهضة مستلهمة الــتــراث الـيـونـانـي – الـرومـانـي، وقـامـت على عصر التنوير العلماني. وقــد أفضت ثورات الغرب الكبرى ذات الطابع العلماني، كالثورة السياسية والــثــورة العلمية والــثــورة الثقافية إلى الــتــمــرد عــلــى المـعـتـقـد الــديــنــي المـسـيـحـي وتـقـويـض السلطة المؤسسية المسيحية الشاملة والشمولية، فـــحـــصـــرت دور الــــديــــن والـــتـــديـــن فــــي نـــطـــاق مـــحـــدّد ومحدود في المجتمعات الغربية. وللحديث بقية. محمد الهادي الحناشي علي العميم عبد الله ولد محمدي OPINION الرأي 14 «الفضائل اللبنانية» ليست من الأثنوغرافيا في شيء نصيحة الملك المؤسس إلى الزعيم التونسي السنغال... سرديات النزاع على السلطة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky