issue17358

فـــي الــســيــاســة الـبـريـطـانـيـة عــــادة غــيــر مـكـتـوبـة تــقــول إن الــحــديــث الـــجـــدي عــن خليفة رئـيـس الـــــوزراء لا يـبـدأ إلا عندما يضعف موقعه أو يقترب من الرحيل. لكن اللافت في الأسابيع الأخـــيـــرة أن الـــنـــقـــاش داخـــــل الأوســــــاط الـسـيـاسـيـة والإعــامــيــة البريطانية لم يعد يقتصر على أداء حكومة كير ستارمر؛ بل امتد إلى التساؤل: من قد يقود حزب «العمال» بعده؟ فعمدة مانشستر آنـــدي بـرنـهـام عـــاد إلــى واجـهـة النقاش السياسي. وأسماء أخرى بدأت تتردَّد في التحليلات والتكهنات، كأن هناك مقعدا شاغرا في المخيلة السياسية البريطانية ينتظر من يشغله، رغم أن صاحبَه ما زال جالسا فيه. لكن هـذه الظاهرة لا تتعلق بشخص ستارمر وحــده، ولا حتى بمستقبله السياسي؛ فهي تكشف عن مشكلة أعمق تواجه السياسة البريطانية بعد نحو عامين من وصول حزب «العمال» إلى السلطة. فالنقاش السياسي أصـبـح يـــدور بـصـورة مـتـزايـدة حول الأشخاص أكثر مما يدور حول المشاريع. من سيخلف ستارمر؟ وهل يعود برنهام إلى البرلمان؟ وهل يبرز منافس جديد؟ أسئلة تتكرر يوميا في الصحافة والبرامج السياسية. أما السؤال الأكثر أهمية، وهو: ما المشروع السياسي الـذي يفترض أن يقوده أي زعيم مقبل؟ فيحظى باهتمام أقل. هنا تبرز أهمية تدخل رئيس الــــوزراء الأسـبـق توني بلير في النقاش الدائر داخل حزب «العمال». الجانب الأهــم فـي ملاحظات بلير لـم يكن انتقاد سياسة بعينها أو الـــدفـــاع عــن أخــــرى؛ بــل تـذكـيـر الــحــزب بـــأن الـزعـامـة وحـــــدهـــــا لا تـــكـــفـــي. فــــــالأحــــــزاب الـــنـــاجـــحـــة لا تـــنـــتـــصـــر بـسـبـب شخصيات قادتها فقط؛ بل بسبب امتلاكها مشروعا سياسيا واضحا يفهمه الناخبون. عندما وصلت مارغريت ثاتشر إلـى الحكم، كـان الجميع يعرف تقريبا ما المقصود بـ«الثاتشرية». وعندما قاد بلير حزب ، كـــان الـبـريـطـانـيـون يعرفون 1997 «الــعــمــال» إلـــى السلطة عـــام أيـضـا خـطـوط مـشـروع «الـعـمـال الـجـديـد»، وظـهـرت «البليرية» بمؤيديها ومعارضيها. أما اليوم فمن الصعب العثور على تعريف واضح لما يمكن تسميته «الستارمرية». وربما لهذا السبب بدأت أسئلة القيادة تتقدم على أسئلة المشروع. وإذا كان «بريكست» قد هيمن على السياسة البريطانية طـوال عقد تقريباً، فـإن المفارقة أن البلاد بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ما زالت تبحث عن تعريف واضح للمرحلة التالية. فالخروجيون (البريكستيون) حققوا هدفهم التاريخي، أما البقائيون فمعظمهم يخوض معارك الماضي. وبين الطرفين لم يحسم الجدل حـول شكل بريطانيا الاقتصادي والسياسي في العقود المقبلة. المحافظون يبحثون عن هوية جديدة بعد سنوات الحكم الطويلة. وحـزب «العمال» يحاول الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع بناء مشروع حكم طويل الأمـد. أما حزب «الإصـاح» (ريـفـورم) بزعامة نايجل فــاراج فقد نجح في استثمار استياء قطاعات واسعة من الناخبين، لكنه بدوره ما زال في طور بناء فلسفة سياسية متكاملة تتجاوز الاحتجاج على الوضع القائم. وهكذا تجد الأحزاب البريطانية الكبرى نفسها في وضع غير مألوف: تعرف ما تعارضه أكثر مما تعرف ما تريد بناءه. ولعل هـذا ما يفسر جانبا من التوتر الـذي يسود الحياة الــســيــاســيــة الــبــريــطــانــيــة حـــالـــيـــا؛ فـــالـــجـــدل لا يـــــدور فــقــط حــول الـضـرائـب أو الـهـجـرة أو الـطـاقـة أو الـخـدمـات الـعـامـة، بـل حول سؤال أكبر: ما الاتجاه الذي يفترض أن تسير فيه البلاد؟ ولا تقتصر هـــذه الــظــاهــرة عـلـى بـريـطـانـيـا وحـــدهـــا؛ ففي كثير من الديمقراطيات الغربية أصبحت السياسة تـدور حول شخصيات مثل دونالد ترمب في أميركا، أو مارين لوبان في فرنسا، أو نايجل فاراج، أكثر مما تدور حول مدارس سياسية متكاملة كما كانت الحال في العقود السابقة. ويبدو أن عصر المشاريع الكبرى التي قدمت رؤى اقتصادية واجـتـمـاعـيـة واضــحــة، قــد أفـسـح المــجــال تـدريـجـيـا لعصر إدارة الأزمـات المتلاحقة؛ من الهجرة والطاقة إلى التضخم والحروب والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لكن إدارة الأزمــات، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لصناعة إجماع سياسي طويل الأمد أو لإلهام الناخبين. ولهذا، فإن أهمية الجدل الدائر اليوم في بريطانيا لا تكمن في معرفة من قد يخلف ستارمر إذا واجه صعوبات سياسية مستقبلاً. فمثل هـذه الأسئلة ستظل جزءا طبيعيا من الحياة الحزبية. الأهــم من ذلـك هو الـسـؤال الــذي أعــاد بلير طرحه بصورة غير مباشرة: ما المشروع السياسي القادر على إقناع الناخبين خلال العقد المقبل؟ فالأزمة التي تواجه بريطانيا اليوم قد لا تكون أزمة زعامة بـقـدر مــا هــي أزمـــة فــكــرة. وعـنـدمـا تعجز الأحـــــزاب عــن الاتـفـاق على المشروع، يصبح الجدل حول الأشخاص أمـرا لا مفر منه. ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في السياسة البريطانية اليوم هو من سيقود البلاد بعد كير ستارمر؛ بـل: ما المـشـروع الذي سيقوده ذلك الزعيم أيا كان اسمه؟ عـامـا. تشدُّد 15 تعيش ليبيا فـي فـوضـى سياسية منذ الأطـــراف المتنازعة وعــدم إبدائها رغـبـة فـي تقديم تـنـازلات من أجـــل مـصـالـحـة وطـنـيـة تُــعـيـد لليبيا وحــدتــهــا، راكـــــم الأزمـــــات على كافة المستويات، وأفـلـت الفساد مـن كـل زمـــام، وأثـقـل ذلك المواطنين بأعباء لم يعودوا قادرين على تحمُّلها أو مواصلة الصمت عليها. آخــر هــذه الأزمــــات مـا نقلته وسـائـل التواصل الاجتماعي من طرابلس، عن مظاهرة شعبية احتجاجية يوم الخميس المـاضـي، أمــام مقر مكتب مفوضية شــؤون اللاجئين في ليبيا، بمنطقة السراج جنوب غربي العاصمة. المتظاهرون أحـضـروا شاحنات مليئة بالرمل وأغـلـقـوا مقر المفوضية، ثم انتقلوا إلى مقر البعثة الأممية. المظاهرة الشعبية الغاضبة كانت ضد توطين الأفارقة في ليبيا، والمتظاهرون يتهمون مكتب شـؤون اللاجئين بالسعي لـتـحـقـيـق تــلــك الـــغـــايـــة، مـــن خــــال عـمـلـيـات تـسـجـيـل الـاجـئـن مــن مختلف بــلــدان أفـريـقـيـا، ومـنـحـهـم بـطـاقـات لــجــوء تضمن لهم إقامة رسمية في الـبـاد، وتمنحهم الحصول على جميع الخدمات التي توفرها المنظمة للاجئين. وتفاقمت الأزمـــة بعد تصريحات منسوبة إلــى مسؤولة أمـمـيـة تـهـدد فيها كـــل مــن يـعـتـدي عـلـى مــواطــن أفـريـقـي داخــل الأراضـي الليبية بالمساءلة القانونية، وإدراج اسمه في قوائم الممنوعين مـن السفر إلــى دول أوروبــــا. فـي المـقـابـل، ظهر وزيـر الخارجية في حكومة «الوحدة الوطنية» بطرابلس، في مقابلة عـلـى الإنــتــرنــت، مــؤكــدا أن مـكـتـب المـفـوضـيـة الـسـامـيـة لـشـؤون اللاجئين كان موجودا في ليبيا قبل سقوط الحكم العسكري، ومؤكدا أن لا أحد يريد التوطين. أزمة الوجود الأفريقي في ليبيا ليست جديدة؛ بدأت منذ عهد الحكم العسكري السابق حين تحوَّلت مرافئ صيد الأسماك عــلــى طــــول الــســاحــل الـلـيـبـي إلــــى مــنــصــات عــبــور لـلـمـهـاجـريـن الأفارقة غير القانونيين نحو بلدان الساحل الجنوبي الأوروبي للبحر المتوسط، واستفحلت بعد سقوط النظام بسبب انعدام مراقبة الحدود وحراستها. تجارة تهريب البشر عبر الصحراء مربحة جداً، واستقطبت أفارقة وليبيين على حد سواء. لـــم يـقـتـصـر الأمـــــر عــلــى تــنــامــي عــمــلــيــات تــهــريــب الـبـشـر وتـــوسُّـــعـــهـــا؛ بــــل امـــتـــد لــيــشــمــل تـــهـــريـــب الـــســـلـــع المـــدعـــومـــة والأسلحة والمـخـدرات والأدويـــة والـوقـود بأنواعه، ولـم يعد بالإمكان السيطرة على تدفق موجات المهاجرين؛ الأمر الذي اضطر دول أوروبا الجنوبية إلى عقد اتفاقيات مع شبكات تهريب البشر الليبية، بمنحها مبالغ سنوية كبيرة مقابل التخلي عـن الـتـهـريـب، كما أقـدمـت تلك الـــدول عبر الاتـحـاد الأوروبــــــي عـلـى إقـــامـــة دورات تـدريـبـيـة لأفـــــراد جــهــاز خفر السواحل الليبي، وتزويده بقوارب حديثة سريعة لملاحقة قوارب المهربين ورد المهاجرين. مشكلة توطين الأفارقة في ليبيا ليست هاجسا مجردا لدى الليبيين؛ ذلك أن دول أوروبـا إذ أخفقت في لجم أعداد المهاجرين الأفــارقــة الـقـادمـن مـن ليبيا وسـائـر دول شمال أفريقيا، سعت إلى فتح مراكز إقامة للَّجئين خارج أراضيها، ومن بينها ليبيا، لتكون مخرجا لأزمتها. مهمة تلك المراكز تقوم على تجميع المهاجرين وتوفير سبل الإقامة لهم، إلى أن تنظر في طلبات لجوئهم لجان أمنية متخصصة مُرسَلة مـــن تــلــك الــــــدول. وقــــد اكـتـسـبـت مـــراكـــز احــتــجــاز المـهـاجـريـن الأفــــارقــــة الـــتـــي تـــشـــرف عـلـيـهـا الأجــــهــــزة الأمـــنـــيـــة الـلـيـبـيـة، وبعضها خاضع لسيطرة جماعات مسلحة، سمعة سيئة دولياً، جرَّاء ما يتعرض له المحتجزون من انتهاكات صارخة لإنسانيتهم. ومـــن الإنـــصـــاف الـــقـــول إن الـلـيـبـيـن أنـفـسـهـم أسـهـمـوا فــــي تـــفـــاقـــم الأزمـــــــة الـــحـــالـــيـــة، مــــن خـــــال اشـــتـــغـــال بـعـضـهـم بتجارة تهريب البشر من الدول الأفريقية المجاورة، وكذلك استغلالهم للأفارقة عمالة رخيصة في كافة الأعـمـال التي يأنفون من القيام بها. المـشـكـلـة ليست فــي المـهـاجـريـن أنـفـسـهـم؛ فكثير منهم فـــــــرُّوا مــــن حــــــروب وفـــقـــر حــقــيــقــيــن. المــشــكــلــة فــــي تـوظـيـف معاناتهم الإنسانية أداة لتحقيق أهــداف سياسية لا صلة لها بحقوق الإنسان، وذلك على حساب دولة لا تزال تبحث عن استقرارها. ، ولا 1951 ليبيا لـم تـوقِّــع على اتفاقية الـاجـئـن عــام تعترف قانونيا بصفة الـاجـئ، بيد أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين افتتحت مكتبا لها في طرابلس بعد حرب الخليج الـثـانـيـة، حـسـب تـصـريـح وزيـــر الـخـارجـيـة الطاهر الـــبـــاعـــور. والمــكــتــب الــحــالــي شـــرع فـــي تـسـجـيـل المـهـاجـريـن، ومنحهم وثائق رسمية بصفة لاجئ تُخوِّلهم الحصول على خدمات من المنظمات الدولية العاملة في البلاد. الإشـكـال القانوني -كـمـا يـقـول أهــل الاخـتـصـاص- هنا جـوهـري: حين تمنح جهة أممية وثائق رسمية على أرض دولـــة غير موقِّعة على اتفاقية اللاجئين ولــم تفوِّضها في ذلك، فإنها تُنشئ -عملياً- منظومة موازية للدولة، وتُرسِّخ أوضاعا لم تُقرّها أي سلطة ليبية. هذا ما دفع مجلس النواب الـلـيـبـي إلـــى المـطـالـبـة بـالـتـصـدي لأي إجـــــراءات تُــفـضـي إلـى توطين المهاجرين، أو المساس بالتركيبة السكانية للبلاد، وهــو السبب وراء خـــروج الاحـتـجـاجـات الشعبية الرافضة للتوطين، وهو المسؤول كذلك عن الاعـتـداءات العنيفة التي يقوم بها بعضهم ضد المهاجرين الأفارقة. والحقيقة التي لا تجاهر بها أوروبا -في رأيي- هي أن تمويلها للمفوضية والمنظمات الإنسانية العاملة في ليبيا ليس ســوى وجــه آخــر لسياستها فـي إدارة الـهـجـرة بعيدا عن حـدودهـا؛ فما تعجز عن فعله سياسيا داخـل أراضيها تُحقِّقه بالحيل خارجها. ما يفعله مكتب شـؤون اللاجئين في طرابلس أمـر خطير، يطول النسيج الاجتماعي الليبي برمته. درج مؤخّرا استخدام تعبير «النَّكبة» في وصـــف مـا حــل بـجـنـوب لـبـنـان ولا يـــزال يحلّ. والــراهــن أن التَّشبيه بـالمـأسـاة الـتـي تعرّضت قد لا يكون مبالَغا فيه، 1948 لها فلسطين في ليس برد المأساتين إلى عوامل طبيعيّة، وهذا خـطـأ فــي الـحـالـتـن، بــل لـتـوكـيـد الــشَّــبــه الــذي يجمع نتائجَهما بأفعال الطَّبيعة المدمّرة. لكن الافتراق الكبير إنّما يطال رد الفعل على كـل من النكبتين. فالأولى أحدثت عصفا مــــهــــولا فــــي المـــجـــتـــمـــعـــات الـــعـــربـــيّـــة، لا ســيّــمــا مـــجـــتـــمـــعـــات المـــــشـــــرق، اســـتـــثـــمـــرتْـــه الـــجـــيـــوش انــــقــــابــــات عـــســـكـــريّـــة، واســـتـــثـــمـــرتـــه الأحـــــــزاب الــراديــكــالــيّــة اسـتـقـطـابـا لمـحـازبـن ومــؤيّــديــن، كما صدرت حولَها كتب وكتابات باتت تشكّل جــزءا معتبرا مـن المكتبة العربيّة. أمَّــا النَّكبة الحاليّة فتحصل في ظــروف بالغة الاختلاف في نطاقها العربي الأعرض. ذاك أن التحوّلات الـضـخـمـة، الـتـي عرفتها مجتمعات المنطقة، على مدى عقود، بسلبيّها وإيجابيّها، أحدثت تـــغـــيّـــرات هــائــلــة فـــي خــرائــطِــهــا الاجــتــمــاعــيّــة، وفــي طموحاتِها واسـتـعـداداتـهـا. لكن الفارق الآخــــر، الــــذي يعنينا هــنــا، أن الــصَّــخــب الــذي أطلقته النَّكبة الأولـى في البلدان التي هبطت عليها أخلى مكانَه لصمت يُفرض على النَّكبة الـثـانـيـة فــي بـلـدهـا لـبـنـان. فـأصـحـاب المـعـانـاة المباشرون، المعارضون للحرب، يصعب عليهم أن يتكلّموا عنها بما يشوّش على الزجليّات التي تصوّرها ملحمة انتصار. والــصــمــت المـــفـــروض هـــذا شـهـد اخـتـبـاره الأخير مع «اتّفاق واشنطن» الذي أملاه انهيار مطلق فــي تــــوازن الــقــوى، مــوفّــرا احـتـمـال أمـل غير مضمون بتوقّف المـوت ومـغـادرة الحرب. بيد أن المقاتل يرفض أن يُسمع صوت المقتول، وإن كان الموضوع المعني يطال حياتَه وموتَه وأملاكَه وتاريخَه الحميم. وقـــبـــل أيّـــــــام، ظــهــر «نــــــــداءان» أصــدرهــمــا وجـــــوه مـــن مـديـنـتـي صــــور والــنــبــطــيّــة، أبــــدوا فيهما رغبتَهم في إخراج المدينتين المنكوبتين من الحرب المدمّرة والمفروضة. وهـم، بطبيعة الــحــال، لــم يـجـبـروا أحــــداً، ولـيـس فــي وسعهم ذلــك، على توقيع «الـنـداءيـن». إلا أن الموقّعين استفادوا من تراجع قـدرة «الـحـزب» على قتل مـعـارضـيـه بـفـعـل انـشـغـالـه بــالــحــرب، مـــا وفّـــر للحرّيّات مناخا أقل رعونة ممّا عرفته مراحل سابقة. على أيّــة حـال هطل التشهير والتخوين على الموقّعين الذين نُــزع عنهم انتماؤهم إلى طائفتهم ومنطقتهم. وجــاء السلوك هـذا تعبيرا آخـر عـن نهج الواحديّة الحصريّة في الجنوب اللبناني الذي عُــرف، قبل صعود الإســام السياسي المسلّح، بـــتـــعـــدّديّـــة لـــم تـبـلـغـهـا أيّـــــة مـنـطـقـة لــبــنــانــيّــة. فولاءات السكّان هناك سبق لها أن توزّعت بين أربعة أو خمسة مواقع أهليّة، فضلا عن أحزاب عقائديّة حديثة، بالقومي منها والطبقيّ. والحال أن الأحزاب والحركات السياسيّة تلجأ إلــى تلك الـوسـائـل حـن لا تـعـود أحـزابـا وحركات، لتعادل نفسها حصريّا بـ«الشعب» أو «الأمّـــــــــــة» أو «الـــــــثـــــــورة» أو «الــــطــــبــــقــــة» أو «المــــقــــاومــــة». حـــيـــنـــذاك، وقـــيـــاســـا بــــ«شـــرعـــيّـــة» يــدّعــيــهــا «الــتــنــظــيــم» لـنـفـسـه، وهــــو قـــد يـكـون يمينيّا أو يساريّاً، دينيّا أو علمانيّاً، يصبح كل صوت مخالف لرأيه ممنوعا من الكلام. وهــذا ما يُبديه تاريخ يمتد منذ نـوادي اليعاقبة إبَّـــان الــثــورة الفرنسيّة، إلــى الحزب الـبـلـشـفـي قـبـل تـرسـيـخ دولـــتِـــه، ومـــن الأحــــزاب الـفـاشـيّــة والــنــازيّــة فــي طريقها إلـــى السلطة، إلى «جبهة التحرير الجزائريّة»، والمجموعات الــتــي الـتـفّــت حـــول الـخـمـيـنـيّــة إبّــــان تـظـاهـرات .1978 لــــقــــد نـــــشـــــرت غـــــايـــــاتـــــري ســــبــــيــــفــــاك، فــي الـــثـــمـــانـــيـــنـــات، دراســــــــة أحــــدثــــت مــــن الاهـــتـــمـــام والضجيج مـا جعلها مـن الأدبـــيّـــات المعروفة بـ«الدراسات ما بعد الاستعماريّة». فالكاتبة، ذات الأصول الهنديّة، تساءلت عمَّا إذا كان في وســع المُستَبعدين الأضـعـف والأشـــد تهميشا أن يُسمعوا أصواتهم، وأن يُعترف بأصواتهم كـــــشـــــيء ذي مـــــغـــــزى ضــــمــــن أنــــظــــمــــة المـــعـــرفـــة والسلطة. فهم إذا تـحـدّثـوا تـولَّــت المـؤسّــسـات المـــســـيـــطـــرة تـــحـــريـــف قـــولِـــهـــم أو تـــحـــويـــرَه أو تجاهلَه. ولا ينجو المثقّفون والـبـاحـثـون من اتّـــهـــام ســبــيــفــاك، إذ أنَّـــهـــم، بـــاســـم الـــدفـــاع عن التابعين والمضطهَدين، يـصـادرون تمثيلهم، ويـــتـــحـــدَّثـــون نــيــابــة عـنـهـم مـــن خــــال الــتــأويــل والترجمة والانتقاء. وإذ تتناول أحوال النساء وتقليد «الــســاتــي» الــهــنــديّ، أي حـــرق الأرامـــل بـعـد وفــــاة أزواجــــهــــنّ، تـسـتـخـلـص، فـــي عـبـارة بـــاتـــت ذائــــعــــة، أن «الـــــرّجـــــال الـــبـــيـــض يـنـقـذون النساء السمراوات من الرّجال السمر» فحسب. وهــكــذا تـتـحـكّــم أنـظـمـة الـسـلـطـة فــي هـذه الـــعـــمـــلـــيّـــة، مــــن خـــــال الاســـتـــعـــمـــار والــتــمــثــيــل والصوت والأرشيف والسلطة الفكريّة... وكان أن خضعت تلك النظريّة لانتقادات عـــــــدّة لـــيـــس هـــنـــا مــــجــــال اســـتـــعـــراضـــهـــا. بـيـد أن الـــنـــص المــــذكــــور، شــــأن الأدبـــــيّـــــات مـــا بعد الاستعماريّة عموماً، لا تتوقّف عند عمليّات خنق الصوت وتشويهه حين تصدر عن قوى مناهضة للاستعمار، أو موصوفة هكذا. وقــد عـانـى الـعـراقـيّــون إبَّـــان عـهـد صـــدّام، والسوريّون إبّــان عهد الأسـد، وشعوب أخرى خــــارج المـــشـــرق، ذاك المــنــع مـــن الـــكـــام تفرضه أنـظـمـة مُـــدرَجـــة فــي خـانـة الــعــداء للاستعمار. وهــــــــذا مـــــا دفــــــع المـــتـــتـــلـــمـــذيـــن عـــلـــى «مــــــا بـعـد الاســـتـــعـــمـــار» لأن يــصــمــتــوا عـــن خــنــق أولــئــك المخنوقين مع أنَّه يجاور الموت أكثر كثيرا من أشـكـال الخنق الأخــــرى. ذاك أن مـا يـصـدر عن أمــيــركــا وإســـرائـــيـــل هــو وحــــده الــــذي يستحق الشَّجب والإدانة، أمَّا ما يصدر عن خصومهما فيستحق إدانة الضحايا. وهــكــذا نـجـد الــيــوم الـلـبـنـانـي الـجـنـوبـيَّ، الذي يقدّمه «حزب الله» لقمة سائغة للتوحّش الإسرائيليّ، ممنوعا من أن يتكلّم، وحين يفعل يُعاقَب بالقتل المعنوي اتّهاما وتشهيراً، دون استبعاد مَا هو أكثر. OPINION الرأي 12 Issue 17358 - العدد Sunday - 2026/6/7 الأحد ليبيا... سؤال التوطين يثير القلق بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة جمعة بوكليب عادل درويش

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky