issue17357

4 تحقيق FEATURES Issue 17357 - العدد Saturday - 2026/6/6 السبت ASHARQ AL-AWSAT حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران كــــــان لـــلـــصـــورتـــن وقــــــع كـــبـــيـــر فـي تــلــك الأيــــــام. مــنــذ إقــامــتــه الــطــويــلــة في النجف أدرك الخميني أن فلسطين هي الكلمة السحرية التي تسمح بالتسلل إلــــى ضــمــائــر الـــعـــرب والمـــســـلـــمـــن. وقــد يـــكـــون اعــتــقــد أن المــــوقــــف مــــن الـقـضـيـة الــفــلــســطــيــنــيــة ســـيـــشـــكـــل جـــــــواز مـــــرور لـــلـــثـــورة الــشــيــعــيــة إلـــــى الــبــحـــر الـسـنـي الـــواســـع. كـــان مــن الطبيعي أن تحتفي طــهــران بــالــزائــر الـــذي يحظى بشرعية كاملة بعدما تحول رمــزا لإيـقـاظ ثـورة الحق الفلسطيني. وكــان من الطبيعي أن يـــحـــتـــفـــي عــــــرفــــــات بــــانــــتــــقــــال دولــــــة بأهمية إيـــران وحجمها وقـدراتـهـا من مـعـسـكـر الـتـأيـيـد لإســرائــيــل والــتــعــاون معها إلى معسكر الدعم الكامل للثورة الفلسطينية. وكعادته لم يبخل عرفات بالثناء عـــلـــى مــضــيــفــه وبــــــــاده. لـــكـــن الــتــجــربــة أظــهــرت أن ثــنــاء عــرفــات لا يـدفـعـه أبــدا إلــى تسليم أوراقــــه. كــان صـاحـب خبرة في التعامل مع الأقوياء الذين حاولوا الاتـــــكـــــاء عـــلـــى الـــقـــضـــيـــة الـفـلـسـطـيـنـيـة لترسيخ أنظمتهم أو لدفع أدوارهم إلى خارج خرائط بلدانهم. لم تكن الجاذبية الفلسطينية ورقة عرفات الوحيدة. كان يقيم على حدود إسرائيل عبر جنوب لبنان الذي تحول حــــــدودا فـلـسـطـيـنـيـة - إســرائــيــلــيــة قبل أن يــتــحــول لاحـــقـــا إلــــى حـــــدود إيــرانــيــة - إسـرائـيـلـيـة. وعـلـى رغـــم وقـــوع لبنان آنـــذاك فـي قبضة حافظ الأســد وجيشه وكراهيته لـعـرفـات، كــان الأخـيـر يمسك بقرار الحرب والسلم في جنوب لبنان وهو قـرار سينتقل لاحقا إلى يد حسن نصر الله الأمــن العام الـراحـل لـ«حزب الله». بــــــــــاكــــــــــرا أدرك عــــــــــرفــــــــــات حــــجــــم الـحـسـاسـيـات الـكـامـنـة فــي الــعــاقــة مع إيــران. ثـورة شيعية في عالم سني. ثم إن الحديث عن «تصدير الـثـورة» يثير مـــخـــاوف دول قــريــبــة وبـــعـــيـــدة. وحــن انــدلــعــت الـــحـــرب الــعــراقــيــة - الإيــرانــيــة حـاول عرفات لعب دور الوسيط وأعاد تـرتـيـب أوراقـــــه وحـسـابـاتـه الــتــي كانت تترك مجالا واسعا لعلاقات جيدة مع الدول العربية في الخليج التي لم تبخل عليه بالدعم. وصوره 1979 في قراءة أحداث عام عــنــصــر لا يـــجـــوز تـــنـــاســـيـــه. فـــفـــي تـلـك الـسـنـة كـانـت مـصـر تستكمل إجــــراءات خروجها من الشق العسكري من النزاع العربي - الإسرائيلي وهو ما سيترجم عمليا بـتـوقـيـع الـرئـيـس المــصــري أنــور الـــســـادات ورئــيــس الـــــوزراء الإسـرائـيـلـي مـــنـــاحـــيـــم بـــيـــغـــن اتــــفــــاق كــــامــــب ديــفــيــد برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وكـان التوقيع عملية استكمال للزلزال حين 1977 الـــــذي أحـــدثـــه الــــســــادات فـــي اخـــتـــار الـــذهـــاب «إلــــى عــقــر دار الــعــدو» الإســـرائـــيـــلـــي عــــارضــــا الـــــســـــام. أحــــدث خروج مصر وما تبعه حالة من الفراغ فـي المنطقة، مـا سـهّــل لـثـورة الخميني التقدم في الإقليم. ثلاث 1990 تلقت إيران بدءا من عام هدايا غير مقصودة. الأولـى من صدام حسين حين غزت قواته الكويت وانشغل الـعـالـم بــ«الـخـطـر الـــعـــراقـــي». والـثـانـيـة حين أمر أسامة بن لادن بتنفيذ هجمات في نيويورك 2001 ) سبتمبر (أيلول 11 وواشـــنـــطـــن وانـــشـــغـــل الـــعـــالـــم بـــإرهـــاب «القاعدة». والثالثة حين اقتلع الجيش نـــظـــام «الـــبـــعـــث» 2003 الأمــــيــــركــــي فــــي العراقي ما أتاح للجمر الإيراني فرصة الـتـدفـق إلــى داخـــل الــعــراق والإقــامــة في مؤسساته وتركيبته. وغـــــاب عـــن بــــال كــثــيــريــن أن إيــــران كـــانـــت تـلـقـت فـــي الــثــمــانــيــنــات هـديـتـن بـــارزتـــن مـــن الــرئــيــس الـــســـوري حـافـظ الأســـد. الهدية الأولـــى كانت حـن وافـق الأســد بعد الـغـزو الإسرائيلي لبيروت على السماح لمئات العناصر 1982 في من «الحرس الثوري» الإيراني بالدخول إلى البقاع اللبناني لتدريب مجموعات إسلامية شيعية لبنانية كانت تتطلع إلــــــى تــنــظــيــم جـــســـم مــــقــــاوم لـــاحـــتـــال الإســــرائــــيــــلــــي. ومـــــن هـــــذه المــجــمــوعــات سيولد لاحقا «حزب الله». وفـــــي مــنــتــصــف الــثــمــانــيــنــات قـــدم الأســــــد لإيـــــــران هـــديـــة ثــمــيــنــة حــــن قـــرر إخــــضــــاع «جـــبـــهـــة المــــقــــاومــــة الــوطــنــيــة اللبنانية» (جمول) التي قادها الحزب الشيوعي اللبناني لمصلحة «المقاومة الاسلامية» بقيادة «حزب الله». وكــــــــان مـــنـــســـق «جــــــمــــــول» إلــــيــــاس عطالله روى لــ«الـشـرق الأوســـط» قصة لـقـاء عـاصـف تبعته سلسلة اغـتـيـالات اســـتـــهـــدفـــت قـــيـــاديـــن شـــيـــوعـــيـــن. قـــال عطالله إن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استدعاه والأمـن العام للحزب الشيوعي جورج حـــــاوي إلــــى لـــقـــاء عـــاجـــل فـــي فـــنـــدق في البقاع. كـان كنعان يتحدث باسم «السيد الــــــرئــــــيــــــس»، وقـــــــــال صــــــراحــــــة إن عــلــى «جـــمـــول» أن تـنـسـق عـمـلـيـاتـهـا مسبقا مـع المـخـابـرات الـسـوريـة. طالبها بأكثر من ذلك، وتحديدا بالتنسيق مع «حزب الــلــه» حـتـى بــالانــدمــاج مـعـه. لــم يـوافـق الـــزائـــران عـلـى الـطـلـب، فـقـد كـــان التوتر في ذروته بين الحزب الشيوعي و«حزب الله». سارع كنعان إلى إنهاء الاجتماع بــعــبــارة تـهـديـد هـــي «ســتــدفــعــون ثمنا غــالـيــا». رد بحملة اغــتـيـالات لــم يخف توقيعه عليها بغض النظر عن أسماء منفذيها. وشارك ذات يوم في التعازي بـــأحـــد الــــذيــــن اغـــتـــيـــلـــوا وقــــــال لـجـمـاعـة الحزب: «هل هكذا أفضل؟». نجحت سـوريـا فـي توجيه ضربة قاصمة إلى نشاط «المقاومة اليسارية» فــــــتــــــفــــــردت «المــــــــقــــــــاومــــــــة الإســــــامــــــيــــــة» بالمواجهة مع إسرائيل. وحصد «حزب الــــلــــه» الـــنـــتـــائـــج حــــن أرغــــمــــت الــــقــــوات الإســرائــيــلــيــة عـلـى الانــســحــاب فـــي عـام من جنوب لبنان تحت الرصاص 2000 ومـــن دون أن يـقـدم لـبـنـان أي تــنــازلات. وهكذا صارت إيران موجودة على خط التماس مع إسرائيل عبر جنوب لبنان. وبعد اقتلاع نظام صدام فتحت الطريق بين طهران وبيروت عبر بغداد ودمشق، فولد ما سماه البعض «محور المقاومة» وسماه آخرون «الهلال الشيعي». في بداية ثمانينات القرن الماضي ســــاد الاعـــتـــقـــاد أن حــــرب صــــدام حسين حــــــاصــــــرت جــــمــــر الـــــــثـــــــورة الـــخـــمـــيـــنـــيـــة داخــــل الـخـريـطـة الإيـــرانـــيـــة. فــجــأة وفـي ستفتح نافذة 1982 ) يونيو (حـــزيـــران لــن تــتــردد إيــــران فــي اسـتـغـالـهـا. غـزت الــقــوات الإسـرائـيـلـيـة لـبـنـان وحـاصـرت بيروت وأرغمت قـوات منظمة التحرير الفلسطينية على مــغــادرة لـبـنـان. كان مشهد العاصمة اللبنانية تـودع ياسر عـرفـات قبل صـعـوده مـع شـــارة النصر إلـــى سـفـيـنـة أقـلـتـه إلـــى المـنـفـى الـجـديـد إيذانا بنهاية مرحلة كاملة. فــــي ظــــل الاجــــتــــيــــاح الإســـرائـــيـــلـــي، اتــفــق جــــورج حــــاوي وإلـــيـــاس عطاالله ومحسن إبـراهـيـم الأمــن الـعـام لمنظمة الــعــمــل الــشــيــوعــي وحــفــنــة مـــن رفـاقـهـم عـلـى إطـــاق «جـبـهـة المـقـاومـة الوطنية اللبنانية» ضـد الاحـتـال الإسرائيلي. وأرغـــــمـــــت عـــمـــلـــيـــات الـــجـــبـــهـــة الــجــيــش الإســـرائـــيـــلـــي عــلــى الانـــســـحـــاب سـريـعـا 3 من بيروت. وفي الوقت نفسه تداعت مجموعات إسلامية شيعية متعاطفة مـــع الـــثـــورة الإيـــرانـــيـــة إلـــى حــــوار بحثا عــــــن إطــــــــــار مـــــوحـــــد لإطــــــــــاق مــــقــــاومــــة إســامــيــة ضـــد الاحـــتـــال الإســرائــيــلــي. انـتـهـى الــحــوار إلـــى مــا عـــرف بـ«وثيقة التسعة» التي حملت إلى طهران ونالت مـبـاركـة الـخـمـيـنـي الــــذي أمـــر «الــحــرس الـثـوري» بدعم وحـدة هـذه المجموعات الـتـي ســتــذوب لاحـقـا فــي «حـــزب الـلـه». وقـــــد روى نــعــيــم قـــاســـم الأمــــــن الـــعـــام الـــحـــالـــي لــلــحــزب قــصــة الــتــأســيــس في كـتـابـه «حــــزب الـــلـــه: المــنــهــج، الـتـجـربـة، المـسـتـقـبـل». ويـشـيـر قــاســم إلـــى أعـمـدة التوجه الجديد وهي «الإسـام كمنهج ومـــقـــاومـــة إســـرائـــيـــل كـــأولـــويـــة والــولــي الفقيه كمرجعية». كـــــان حـــافـــظ الأســــــد يـــتـــحـــدث أمــــام زواره عــــن أهـــمـــيـــة الــتــغــيــيــر الإيــــرانــــي كـــتـــعـــويـــض عـــــن خـــــســـــارة مــــصــــر. لــكــن بعض العارفين يشيرون إلى حسابات أخرى لديه بينها عداؤه لصدام حسين واعـتـقـاده أن قلق الـــدول الخليجية من إيـــران الـجـديـدة سيجعله حـاجـة دائمة لهذه الدول مع ما يمكن أن يعنيه الدور مـــن فـــوائـــد. ويـضـيـف هــــؤلاء أن سـمـاح الأســــــد بــتــنــامــي حـــضـــور «حــــــزب الـــلـــه» اللبناني يـصـب فــي سـيـاق الحسابات نفسها. ولــــد «حــــزب الـــلـــه» الـلـبـنـانـي تحت عباءة الولي الفقيه وعلى خط التماس مع إسرائيل وانتقل إلى خط التماس مع 1983 أميركا حين اقتحم انتحاري في مقر رجـال المارينز في بيروت بشاحنة مفخخة وأرســــل قـافـلـة مــن الـجـثـث إلـى بلاد رونالد ريغان. لعبت سوريا دورا بـــــــارزا فــــي اســـتـــثـــنـــاء «حــــــزب الــــلــــه» مـن قــــرار تـسـلـيـم أسـلـحـة المـيـلـيـشـيـات بعد اتـفـاق الـطـائـف. لـم تبخل طـهـران بدعم الحزب، ما مكنه من بناء قوة متنامية ســـاعـــدتـــه فـــي الـــتـــحـــول إلــى الـاعـب الأول على الساحة الشيعية فـي لـبـنـان. ورعـت عـــمـــلـــيـــا مـــــع دمــــشــــق ولادة «البيت الشيعي» اللبناني حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب) حسن نصر الله متوسطا علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني) أفسح التعاون السوري مع طهران الطريق أمام «حزب الله» للتفرد بالمقاومة في لبنان (مكتب المرشد الإيراني) بعد أسبوع من إعـان انتصار الثورة الإيرانية في ستطل من طهران صورتان 1979 ) فبراير (شباط 11 تـسـاعـدان عـلـى فـهـم الـعـواصـف الـاحـقـة وصــــولا إلـى «طوفان السنوار» والبصمات الإيرانية عليه. في الصورة الأولى يجلس على البساط رجلان لا يمكن كتابة قصة المنطقة من دون التوقف طويلا عند قصتيهما. الأول مفجر الثورة الإيرانية آية الله الخميني، والثاني مفجر الثورة الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات. وبين الواقفين قرب عرفات يمكن مشاهدة رجل الدين اللبناني السيد هـانـي فحص ورجـــل الـديـن الإيــرانــي صـــادق خلخالي وأحـمـد الخميني نجل المــرشــد. وبــن مـن وقـفـوا قرب الخميني الجالس يمكن التعرف على محمود عباس (أبـو مــازن) رئيس السلطة الفلسطينية حاليا وهاني الحسن عضو اللجنة المركزية في حركة «فتح» وأول سفير فلسطيني لـدى طهران الخمينية. في الصورة الـثـانـيـة يــبــدو عــرفــات وهـــو يـلـقـي كـلـمـة بـعـد رفـــع علم فلسطين عـلـى المـبـنـى الـــذي كـــان يستضيف الـسـفـارة الإسرائيلية في طهران. )3 من 2( » قصة الهدير الإيراني من عاصفة الخميني إلى «طوفان السنوار الرياض: غسان شربل «حزب الله» قوة إقليمية > تنقذ الأسد الثاني... وتبكر في تدريب الحوثيين احتفى عرفات بانتقال > إيران من تأييد إسرائيل إلى دعم الثورة الفلسطينية... لكنه لم يسلّمها أوراقه

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky