issue17357

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17357 - العدد Saturday - 2026/6/6 السبت يونيو؟ 5 هل سكت ناقوس الــســنــوات والــشــهــور والأيـــــام تــرحــل أرقــامُــهــا، وتـغـادر رزنـامـة التقويم الـورقـي، لكن الكثير منها تـغـوص أرقـامُــهـا فـي الــذاكــرة وتـأبـى أن تـــزول. يوم احمرت 1967 ) الخامس مـن شهر يونيو (حــزيــران المكواة في جمر الزمن العربي المتموج. تحلق الحلم العربي راقصا حول الكانون، مبتهجا بألسنة بخور صوتية ترتفع منه، تصرخ وتغني وتَعِد. الإذاعات تحوّلت إلى منصات ودشم تُطلق الأصوات المدرعة، والصحف علت صفحاتها الأولـــى عناوين حمراء ضـخـمـة. الـــنـــاس تـجـمّــعـوا فـــي الــبــيــوت والـــشـــوارع والمــــيــــاديــــن، مــــن المـــحـــيـــط إلـــــى الـــخـــلـــيـــج، يـشـحـنـهـم الـهـيـجـان حـــول الأيــــام الــتــي يـعـصـرهـم انـتـظـارُهـا، والـعـد التنازلي للوقت بالساعات، لبداية اندفاع الجيوش العربية لتحرير أرض فلسطين المغتصبة. هامت الملايين بزغاريد وهم يرفرف فوق أفق عربي طويل، يلونه شفق الحماسة الهادر، وتعلوه حرارة الأنـاشـيـد وصـــراخ المـذيـعـن الأشــــاوس. فـي صباح يوم الاثنين الساخن، صرخ المذيع من راديو «صوت الـــعـــرب» فـــي الـــقـــاهـــرة، لـيـعـلـن لـــأمـــة بـــدايـــة الــزمــن الــعــربــي المـنـتـظـر. انـــتـــصـــارات تُــســطَّــر فـــي المـكـاتـب، وتـهـديـهـا غـــرف الـبـث مــن الإذاعـــــات إلـــى الجماهير السادرة في نشوة الحلم التاريخي. لا صوت يهمس بــســؤال، ولا خبير أو محلل سـيـاسـي أو صحافي يلقي بصوته أو بقلمه فـي وجـه الطوفان الإذاعــي الهادر. في اليوم التاسع من شهر يونيو ذاته سقط جـبـل الـجـمـر الــرهــيــب عـلـى رؤوس المـــايـــن. شهق الرجال وسالت دمـوع النساء، عندما مـأت أخبار الهزيمة آفاق الدنيا، وانكسرت ثلاثة جيوش عربية أمام الجيش الإسرائيلي الصغير، ففي خمسة أيام احتلت إسرائيل أراضي عربية، مساحتها أضعاف مـسـاحـة أرض فـلـسـطـن. سـقـطـت المـــكـــواة مــع جمر الكانون على رؤوس الملايين عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته عبر الإذاعـة المصرية، متحملا مسؤولية الهزيمة. في كل الحروب هناك منتصر ومنكسر. فرنسا في بدايات الحرب العالمية الثانية، استولى عليها الجيش الـنـازي الألمـانـي فـي أيــام مـعـدودة، وهربت بــقــايــا الــجــيــش الــفــرنــســي مـــع الآلاف مـــن الــجــنــود البريطانيين من دنكرك، تاركين أسلحتهم للجيش الألمــــانــــي. الاتـــحـــاد الــسـوفـيـاتــي بـجـيـوشـه الــقــويـة، ومساحته الهائلة وقـدراتـه التقنية والاقتصادية، اجتاحته الــقــوات الألمـانـيـة فـي وقــت قـيـاسـي، حتى صــــارت عـلـى مـسـافـة قـصـيـرة مــن أبــــراج الـكـرمـلـن، لكن بـالإرادة الصلبة للأمم واستعدادها للمقاومة والتضحية، تُهزم الهزائم ويتحقق النصر. الشعب المصري ومعه الشعوب العربية رفضوا الانكسار، وأصـــر الجميع على عــودة الرئيس المـصـري جمال عبد الناصر إلى موقع قيادة المعركة ضد إسرائيل، فعاد وبــدأ مـعـارك استنزافها، بعدما أعــاد تنظيم قـــواتـــه المـسـلـحـة بـــقـــيـــادات جـــديـــدة، وأســلــحــة أكـثـر تطورا من الاتحاد السوفياتي. رحل الرئيس جمال عــبــد الــنــاصــر إلــــى الــــــدار الآخــــــرة قــبــل جــبــر الـكـسـر البليغ الـــذي طــال عظم الـكـيـان الـعـربـي كـلـه. اعتقد الإسـرائـيـلـيـون أن الــعــرب، فــي مقدمتهم مـصـر، لن يتمكنوا من النهوض عسكرياً، وسيرضخون في صمت طويل للهزيمة الساحقة التي حلَّت بهم في يونيو، وأن خط بارليف الإسرائيلي العالي على 5 قـنـاة السويس سيكون الـــدرع الترابية الـتـي تمنع 6 الـجـيـش المــصــري مــن عـبـور الـقـنـاة، لـكـن فــي يـــوم انــهــار جـنـون غــرور 1973 ) أكـتـوبـر (تـشـريـن الأول التفوق الصهيوني، وعبَر الجيش المصري القناة، واندفع إلى داخل سيناء. نسخ تاريخ تاريخاً، وحل يـــوم مـحـل آخــر على رزنــامــة الـسـنـن، وسـطـع نجم زعيم جديد هو أنور السادات. تـغـيـرت خـريـطـة المـنـطـقـة عـسـكـريـا وسـيـاسـيـا، لـــكـــن ومــــضــــات الـــنـــصـــر الـــعـــســـكـــري الــــتــــي مـسـحـت ظـام الهزيمة لم تشع في ثنايا العقول كما فعلت الحروب بهزائمها وانتصاراتها في الدول الحديثة المتحضرة، إذ شهدت مراجعات تأسيسية لتحديد مـــكـــامـــن الـــضـــعـــف والـــقـــصـــور فــــي جــمــيــع مــكــونــات الدولة، وجرت مراجعة المناهج التعليمية، والقواعد الإداريــــــة، وكــذلــك الـبـنـى الاقــتــصــاديــة والـسـيـاسـيـة لـلـدولـة. وعـلـى نـتـائـج تـلـك المــراجــعــات، يُــصــار إلـى إعادة هندسة البنية العسكرية للدولة. فــــي مـــصـــر قـــــام الـــرئـــيـــس الــــراحــــل جـــمـــال عـبـد بعد 1968 ) مــارس (آذار 30 الناصر بـإصـدار بيان هزيمة يـونـيـو، ووســـع هـوامـش الـحـريـة الإعلامية والفنية، لكنه لم يتخذ خطوة تأسيسية في المجال الـسـيـاسـي، رغــم أنــه أعـلـن فـي أكـثـر مـن مناسبة أن حـــريـــة الــعــمــل الــســيــاســي هـــي الـــضـــمـــان لـلـنـهـوض والـتـقـدم وتحقيق النصر. المـتـازمـة التي لا تغيب فــي دولــنــا هــي عـــدم نـشـر الــوثــائــق بـعـد مــــرور مـدة محددة من الزمن، وصـدور قوانين تشرع ذلك، بما فيها مـا يتعلق بالحروب وخلفياتها ومساراتها ونـــتـــائـــجـــهـــا، وغـــيـــرهـــا مــــن الـــقـــضـــايـــا الـــتـــي تـمـثـل محطات حيوية مهمة في مجريات الحياة الوطنية. غياب لجان التحقيق التي تشكل في بعض الدول، وتــتــولــى دراســـــة خـلـفـيـات إدارة الـــحـــروب، وكـشـف نـــــتـــــوءات الـــخـــلـــل والـــتـــقـــصـــيـــر، وتــــوصــــي بـــاتـــخـــاذ إجـــراءات معينة، فـي حالة وجــود تقصير أو سوء تقدير. ،1967 مــــا حـــــدث فــــي الـــخـــامـــس مــــن يـــونـــيـــو والــهــزيــمــة الــســاحــقــة الـــتـــي حــلــت بــكــل الـــعـــرب، لم تكن هزيمة عسكرية واحـتـال أراض فحسب، بل معنوية ونفسية، وكشفت حجم الوهن والتخلف، الذي حل بالكيان العربي، وهي الناقوس الذي لم يسكت إلى اليوم، إذ يتواصل الاجتياح الاسرائيلي لـأراضـي العربية، والقتل والـدمـار والتوسع من دون رادع. نواقيس يونيو لم تسكت، لكن اليقظة العقلية والعلمية التحديثية في ربوعنا يبدو أن لا آذان لها. عبد الرحمن شلقم مطار مدني تحت النيران في فجر الأربـعـاء الماضي، استفاقت البحرين والكويت على حدث خطير تجاوز في دلالاته حدود العمل العسكري. فقد أطلقت قوات «الحرس الثوري» الإيراني مجموعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الدولتين. وهما ليستا طرفين في أي حرب، وفي حين أخفقت بعض المقذوفات في الوصول إلى أهدافها في البحرين، أصاب بعضها مطارا مدنيا فـي الـكـويـت، مـا أدى إلــى سـقـوط ضحايا وجرحى فــي مـنـشـأة مـدنـيـة لا عــاقــة لـهـا بـــأي عـمـل قـتـالـي. وقـد سـارعـت دول الخليج إلـى إدانـــة هـذا الاعـتـداء، واعـتـبـاره عـمـا غير مـبـرر يخالف قـواعـد القانون الدولي وأعراف العلاقات بين الدول. الـــافـــت أن بــعــض المــــصــــادر الإيـــرانـــيـــة بــــرّرت الــهــجــوم بــالــقــول إنَّــــه اســتــهــدف «قـــواعـــد عسكرية أجـــنـــبـــيـــة». ويــــذهــــب بـــعـــض المــتــعــاطــفــن مــــع هـــذا التبرير إلى اعتباره سببا كافيا لإضفاء الشرعية على ما حــدث. غير أن هـذا منطق سقيم يتجاهل حـقـيـقـة قــانــونــيــة وســيــاســيــة أســـاســـيـــة، وهــــي أن وجود قواعد عسكرية أجنبية في دولة مستقلة لا يُشكِّل في حد ذاته عملا غير مشروع، بل هو حق سـيـادي تمارسه الـــدول وفــق مصالحها الوطنية وتقديراتها الأمنية، خصوصا إذا أعلنت على الملأ تكرارا أنها لا تسمح بأن يستخدم مجالها الجوي أو أراضيها للاعتداء على آخرين! الـــقـــانـــون الــــدولــــي المـــعـــاصـــر يـــقـــوم عــلـــى مــبــدأ واضـــــح: لــكــل دولــــة ســـيـــادة كــامــلــة عــلــى أراضــيــهــا، ومن حقها أن تعقد الاتفاقيات التي تراها مناسبة لحماية أمنها ومصالحها، ما دامت تلك الاتفاقيات تمت بإرادة حرة. وقد كرست مواثيق الأمم المتحدة واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات هذا المبدأ بصورة صريحة. لذلك فإن إقامة قاعدة عسكرية أجنبية لا تعد انتقاصا مـن الـسـيـادة، متى جـــاءت بـنـاء على اتفاق قانوني بين دولتين مستقلتين. الأمــثــلــة عـلـى ذلـــك كـثـيـرة ومــتــنــوعــة. فـتـركـيـا، العضو في حلف شمال الأطلسي، تستضيف منذ عـقـود قــاعــدة إنـجـرلـيـك الـجـويـة الـتـي تـعـد مــن أهـم القواعد الأميركية خارج الولايات المتحدة. وألمانيا تضم عددا كبيرا من القواعد الأميركية التي تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفــي الـيـابـان تـوجـد قـواعـد أميركية فـي أوكـيـنـاوا، ضمن ترتيبات أمنية وافـقـت عليها طـوكـيـو. كما تستضيف بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية قواعد مشابهة. ولـم يقل أحـد إن وجود هذه القواعد يمنح دولة أخرى حق قصف الأراضي الـــتـــركـــيـــة أو الألمــــانــــيــــة أو الـــيـــابـــانـــيـــة أو الـــكـــوريـــة الجنوبية. القانون الدولي يمنح الدولة صاحبة السيادة وحدها حق اتخاذ القرار. إذا رأت دولة ما أن أمنها القومي يتطلب شراكة دفاعية مع دولة أخرى، فإن ذلك يدخل ضمن صلاحياتها السيادية الكاملة. أما أن تمنح دولة ثالثة نفسها حق معاقبة تلك الدولة أو مهاجمة منشآتها المدنية بحجة اعتراضها على خياراتها الأمنية، فذلك يفتح باب الفوضى الدولية على مصراعيه. وقـد أكــدت وزارة الخارجية الكويتية رفضها الــقــاطــع لاســـتـــخـــدام أجـــوائـــهـــا أو أراضـــيـــهـــا فـــي أي أعــــمــــال عـــدائـــيـــة ضــــد أي دولـــــــة، وشـــــــددت عـــلـــى أن الادعاءات الإيرانية بشأن ذلك عارية عن الصحة ولا تستند إلــى أي دلـيـل. كما أوضـحـت أن تـكـرار هذه المزاعم لا يمكن أن يُشكِّل بـأي حـال مبررا للاعتداء على أراضي الكويت أو منشآتها المدنية والحيوية. ويـــعـــنـــي ذلـــــك أن الــــدولــــة الـــتـــي تـــعـــرضـــت لـلـهـجـوم تـنـفـي بــصــورة رسـمـيـة الأســــاس الــــذي بـنـيـت عليه تلك المـزاعـم، الأمـر الـذي يضعف الحجة السياسية والقانونية المستخدمة لتبرير الاعتداء. ولعل من المفيد التذكير بأن العلاقات العسكرية بين الدول لا تتم في فراغ قانوني. فهناك ما يعرف باتفاقيات وضع القوات الأجنبية، وهي اتفاقيات تنظم بــصــورة دقـيـقـة وضـــع الــقــوات المـــوجـــودة في الدولة المضيفة، وتحدد الاختصاصات القضائية والمـــالـــيـــة والإداريــــــــة، كــمــا تــحــدد حــقــوق وواجـــبـــات كــــل طـــــــرف. وهــــنــــاك أيــــضــــا اتـــفـــاقـــيـــات المــــقــــر الــتــي تنظم اســتــخــدام الأراضـــــي والمــنــشــآت ومـــدد البقاء والالتزامات المتبادلة. أي أن الأمر لا يتعلق بوجود غـامـض أو خـــارج الـقـانـون، بـل بمنظومة قانونية معترف بها دولياً. الأخطر في الخطاب الذي يبرر استهداف دول الخليج أنه يحاول نقل المسؤولية من المعتدي إلى الـضـحـيـة. فــبــدلا مــن إدانــــة إطـــاق الــصــواريــخ على أراض ذات سيادة، يصبح النقاش حول ما إذا كانت تلك الدولة تستضيف قاعدة عسكرية أم لا؟ وبهذا المـنـطـق يمكن تـبـريـر الاعـــتـــداء عـلـى عــشــرات الـــدول حول العالم، وهو منطق لا يمكن أن يقبله أي نظام دولي يسعى إلى الاستقرار. ثـــم إن اســـتـــهـــداف مـــطـــار مـــدنـــي يـــطـــرح ســــؤالا إضـــافـــيـــا يـــتـــجـــاوز الــــجــــدل الـــســـيـــاســـي. فـــالمـــطـــارات المدنية جزء من البنية التحتية المدنية، التي تخدم المواطنين والمسافرين والاقتصاد الوطني. وعندما تتحول هــذه المنشآت إلــى أهـــداف لـلـصـواريـخ، فإن الــضــحــايــا لــيــســوا جـــنـــودا فـــي ســـاحـــة مـــعـــركـــة، بل مدنيون أبرياء يدفعون ثمن صراعات لا علاقة لهم بها. العالم المعاصر لا يقوم على قاعدة أن الدولة الأقــــوى تـفـرض إرادتـــهـــا بـالـقـوة المـسـلـحـة، بــل على احـتـرام السيادة والـحـدود والـقـانـون. وإذا كـان من حـــق أي دولــــة أن تـخـتـلـف سـيـاسـيـا مـــع جـيـرانـهـا، فليس من حقها أن تحول هذا الخلاف إلى صواريخ تسقط على المطارات والمدن والمنشآت المدنية. القضية ليست قضية قواعد عسكرية بقدر ما هي قضية شهوة توسع وعدم احترام سيادة الدول. فمن يقبل بحق الدول في اتخاذ قراراتها السيادية لا يمكنه فـي الـوقـت نفسه أن يبرر قصفها بسبب تلك الـقـرارات. تلك معادلة لا تستقيم لا قانونا ولا أخلاقيا ولا سياسياً. آخــر الــكــام: حــن تستهدف الـسـيـادة، يصبح الصمت شريكا في الخطأ. محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky