issue17357

13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17357 - العدد Saturday - 2026/6/6 السبت كولومبيا: استقطاب رئاسي خطير بين اليسار واليمين أفــــــــادت الـــلـــجـــنـــة الــــدولــــيــــة لـلـصـلـيـب الأحـمـر فـي تقريرها الـــدوري، الــذي صدر مــطــالــع الــشــهــر المـــاضـــي، بــــأن الــتــداعــيــات الإنسانية الناجمة عن النزاعات المسلحة في كولومبيا قد بلغت أرفـع مستوياتها خـــــال الــــســــنــــوات الـــعـــشـــر المــــاضــــيــــة. وأن المعارك الكبرى انتقلت من الأرياف النائية إلـــى المـنـاطـق المــأهــولــة فــي المــــدن الـكـبـرى، بالتزامن مع استخدام تقنيات حديثة مثل المسيّرات، وازديـــاد أعمال العنف والقتل، والاخـــتـــطـــاف، والــتــهــديــدات والاعـــتـــداءات الجنسية التي أصبحت سمات عادية في حياة المواطنين اليومية. وحـــــقـــــا، شـــــهـــــدت عــــلــــى ذلـــــــك أجـــــــواء الـعـنـف الـتـي تعصف حـالـيـا بكولومبيا، ثـانـيـة كــبــرى دول أمــيــركــا الـجـنـوبـيـة من حيث عـدد السكان بعد الـبـرازيـل. ذلـك أن المرشح اليساري للرئاسة إيفان سيبيدا، الـــــذي حــــل ثــانــيــا فـــي الـــــــدورة الأولــــــى من الانـــتـــخـــابـــات، كــــان يــخــاطــب أنـــصـــاره في المهرجانات الانتخابية محاطا بعشرات الـــحـــراس المـدجـجـن بـالـسـاح والـسـتـرات الواقية من الرصاص، ولا يفارقونه لحظة واحـــدة خــال تنقلاته. أمــا مرشح اليمين المـتـطـرف آبــيــاردو دي لا إسـبـريـاّ، الـذي شكّل ظفره بالمركز الأول في الدورة الأولى المـــفـــاجـــأة الــكــبــرى فـــي هــــذه الانــتــخــابــات، فكان يخطب أمام مناصريه دائما من وراء زجاج مصفّح. تزايد منسوب العنف الــــرئــــيــــس الـــكـــولـــومـــبـــي الـــيـــســـاري الحالي غوستافو بـتـرو يـرفـض بشدة الادعـاءات التي تقول إن ولايته شهدت ازديـــــــــادا فــــي مـــنـــســـوب الـــعـــنـــف، إلا أنـــه يـــعـــجـــز عــــن دعـــــم نـــفـــيـــه بــــالإحــــصــــاءات والأرقـــام. ذلـك أنها تشير بوضوح إلى ارتــفــاع عــدد جـرائـم الخطف والابــتــزاز، والتهديدات التي تعرّض لها المرشحون في الانتخابات البلدية والإقليمية. ووفـــق الأرقـــــام الـــــواردة فــي تقارير الــعــديــد مـــن المـنـظـمـات الـحـقـوقـيـة، فـإن الرئيس الكولومبي الجديد، الذي تبدأ ولايــتــه فــي الـسـابـع مــن أغـسـطـس (آب) المـــقـــبـــل، سـيـتـسـلّــم بـــلـــدا يـنـشـط فــيــه ما ألفا مـن أفـــراد الجماعات 27 يزيد على المسلحة الخارجة عن القانون، وتشهد مــقــاطــعــة مـــواجـــهـــات مـسـلـحـة 14 فـــيـــه بـن هــذه الجماعات والأجــهــزة الأمنية الرسمية. مــــن جـــهـــة ثـــانـــيـــة، يـــقـــول الـــخـــبـــراء إن خــــروج الــحــركــات الــثــوريــة المسلحة مــن المـشـهـد الـكـولـومـبـي بـعـد عـقـود من المـواجـهـة مــع الـــدولـــة، تـــرك فــراغــا كبيرا اسـتـغـلـتـه مـجـمـوعـات أخــــرى مسلحة، فــــبــــادرت إلـــــى الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى مـنـاطـق معينة، وركزت جهودها على الاستفادة من الاقتصاد غير الشرعي خارج سلطة الــدولــة الـتـي عـجـزت أجهزتها عـن ملء ذلك الفراغ. وتبي الاعتداءات المسلحة الــعــديــدة الــتــي تـــعـــرّض لـهـا فـــي الـفـتـرة الأخـــيـــرة مــرشــحــون لمـجـلـسـي الـشـيـوخ والنواب، من جميع الأطياف السياسية، أن سياسة «السلم الشامل» التي وعد بها الرئيس بترو فـي مستهل ولايته، لم تثمر النتائج المنشودة. إيــفــان سـيـبـيـدا، المــرشــح الـيـسـاري لــــلــــرئــــاســــة، وعــــــد بـــمـــواصـــلـــة ســيــاســة الـــرئـــيـــس بـــتـــرو الـــقـــائـــمـــة عـــلـــى الـــحـــوار مـــع الـــجـــمـــاعـــات المــســلــحــة، عــلــى الــرغــم مــن مـمـانـعـة تــيــار واســــع داخــــل الـحـزب الـــحـــاكـــم. وفــــي المـــقـــابـــل، يـــدعـــو المــرشــح اليميني المتطرف آبيلادو دي لا إسبريل إلــــى الـــتـــشـــدّد فـــي ســيــاســة الــقــمــع ضد الـجـمـاعـات المسلحة، وتـعـديـل القانون الجنائي لـفـرض عـقـوبـات قاسية على مرتكبي أعمال العنف والذين يهددون السلم الأهــل، وتكليف الـقـوات المسلحة صلاحيات أوسع في هذا المجال. كــــــان المـــــرشـــــح الــــيــــســــاري ســيــبــيــدا يـراهـن على فــوزه بالرئاسة فـي الــدورة الأولـــى ليغدو ثـانـي رئـيـس يـسـاري في تــــاريــــخ كـــولـــومـــبـــيـــا، الـــتـــي طــيــلــة عــقــود كــــان يــتــنــاوب عــلــى رئــاســتــهــا الــحــزبــان اليمينيان، الليبرالي والمحافظ، اللذان لا يـــخـــتـــلـــفـــان كــــثــــيــــرا فـــــي الـــســـيـــاســـات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما دفع الـــروائـــي الـكـولـومـبـي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز إلى القول يوماً: «الفارق الكبير بين الحزبين الليبرالي والمحافظ، هو أن أتباع الأول يذهبون إلى الكنائس يــــــوم الأحـــــــد لـــحـــضـــور قـــــــداس الـــســـاعـــة الــعــاشــرة، بينما أتــبــاع الآخـــر يذهبون إلى قداس الساعة الثانية عشرة». رهان سيبيدا يواجه ... وحدة اليمين لقد كـان سيبيدا يعتمد فـي رهانه لـــلـــفـــوز بـــالـــرئـــاســـة مــــن الــــــــدورة الأولــــــى، عـلـى رصــيــد مـشـهـود لــه بـالـرصـانـة في الـخـطـاب الـسـيـاسـي وأدائـــــه كـعـضـو في مــجــلــس الـــشـــيـــوخ، وأيـــضـــا عــلــى وحـــدة صــف الــقــوى والأحـــــزاب الـيـسـاريـة التي قرّرت منذ سنوات خوض جميع المعارك الانـــتـــخـــابـــيـــة تـــحـــت رايـــــــة حـــــزب مــوحــد «الميثاق التاريخي». وبالفعل، ساعدت هــذه الـوحـدة على فــوز اليسار بغالبية المقاعد في مجلس الشيوخ، إلـى جانب كتلة واسـعـة فـي مجلس الــنــواب. وكـان مـــا يــزيــد مـــن حــظــوظ المـــرشـــح الـيـسـاري فـــي الـــوصـــول إلــــى الـــرئـــاســـة مـــن الــــدورة الأولــــى، أن لا منافس لـه على الأصـــوات الـتـقـدمـيـة وأصـــــوات الــذيــن يـرغـبـون في إخـــــــراج كــولــومــبــيــا نــهــائــيــا مــــن دوامـــــة الــــتــــنــــاوب بــــن الــــقــــوى المـــحـــافـــظـــة الــتــي تـتـمـوّه وراء تسميات مختلفة. بـيـد أن فـــوز إســبــريــا بــالمــركــز الأول ومـسـارعـة المرشحة المحافظة إلى إعلان تأييدها له فـي الـــدورة الثانية، يلقي بشكوك حول قدرة سيبيدا على تكرار تجربة الرئاسة اليسارية في كولومبيا. شعار حقوق الإنسان سـيـبـيـدا وضـــع مـعـركـتـه الانـتـخـابـيـة تحت عـنـوان الــدفــاع عـن حـقـوق الإنـسـان، مــســتــحــضــرا ذكـــــــرى والــــــــده الـــــــذي اغــتــيــل عـلـى يــد أفــــراد مــن الـشـرطـة بـالـتـواطـؤ مع جــمــاعــات مـسـلـحـة غــيــر نــظــامــيــة، بسبب وقوفه إلى جانب حقوق المواطنين عندما كـان هو أيضا عضوا في مجلس الشيوخ . وكـانـت 1994 عــن الــحــزب الـشـيـوعـي عـــام «الـــلـــجـــنـــة الأمـــيـــركـــيـــة لـــحـــقـــوق الإنــــســــان» الــتــابــعــة لــ«مـنـظـمـة الـــبـــلــدان الأمــيــركــيــة»، خلصت في تقرير لها إلى أن ذلك الاغتيال كان جزءا من خطة منهجية للقضاء على اليسار الكولومبي. وبــــــالمــــــنــــــاســــــبــــــة، يــــحــــيــــط بــــالمــــرشــــح اليساري أيضا عدد من الوزراء والأعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الذين فقدوا آبـاءهـم نتيجة الاغـتـيـالات السياسية في المـــاضـــي، والـــذيـــن تـــولّـــوا مهمة استقطاب الـنـاخـبـن الـــذيـــن لـــم يـحـسـمـوا خـيـاراتـهـم بعد. المــــرشــــح الـــيـــســـاري اخــــتــــار رفـــيـــقـــة لـه لمنصب نائب الرئيس آيدا كيلكوي، ممثلة الــســكــان الأصــلــيــن فـــي مـجـلـس الـشـيـوخ، قبل أن يتوجه إلى البرازيل للقاء الرئيس ايــغــنــاســيــو لـــــولا، ثـــم إلــــى المـكـسـيــك حيث اجــتــمــع بــالــرئــيــســة كــــاوديــــا شــايــنــبــاوم، وإلـى إسبانيا حيث التقى رئيس الـوزراء بــيــدرو سـانـشـيـز. وكــانــت تـلـك جـولـة ذات دلالـــة على الـقـيـادات الـيـسـاريـة فـي العالم اللاتيني. وعُــــلــــم أن ســـيـــبـــيـــدا أجـــــــرى مــــع لـــولا مباحثات مطوّلة تناولت تفاصيل خطة الإصــــاح الـــزراعـــي الـتـي وضـعـهـا لتسليم مـسـاحـات واسـعـة مـن المـشـاعـات الـزراعـيـة للفلاحين والسكان الأصليين والمتحدّرين من أصـول أفريقية. وصـرّح بعد ذلك بأنه يـنـوي الاعـتـمـاد عـلـى تـلـك الـخـطـة لإطــاق «ثورة زراعية» في كولومبيا. مشروع ترمب آخر في أميركا الجنوبية إلا أن المـفـاجـأة الـتـي شكّلها احـتـال المرشح اليميني المتطرف المركز الأول في الـــــدورة الأولـــــى، والـهـزيـمـة الـقـاسـيـة التي مُــنـيـت بـهـا المــرشــحــة الـيـمـيـنـيـة المـحـافـظـة بــــالــــومــــا فـــالـــنـــســـيـــا، أربــــكــــتــــا الـــحـــســـابـــات وفتحتا المشهد السياسي الكولومبي على «سـيـنـاريـو» كــان غائبا كليا عـن توقعات المراقبين... رغم صعوده في الاستطلاعات الأخيرة. مـن جـانـبـه، خــاض إسـبـريـا معركته الانــتــخــابــيــة عــلــى «الــطــريــقــة الــتــرمــبــيــة»، بـــدءا بالقبعة الـتـي يعتمرها فـي حملته، وتعليقاته الـذكـوريـة عندما قــال فـي احد الـــبـــرامـــج الــتــلــفــزيــونــيــة إنــــه حــصــد نسبة كبيرة من أصوات النساء بفضل جاذبيته الذكورية. ثم إنه، في برنامج آخر، وصف صحافية مخضرمة بأنها «غبية»، ورفض أن يـعـتـذر عــن ذلـــك بـعـد الانـــتـــقـــادات التي تعرّض لها. هــــــذا، وكــــانــــت مـــعـــلـــومـــات صـحـافـيـة كـــشـــفـــت أخـــــيـــــرا عـــــن أن إســـــبـــــريـــــاّ، وهـــو محام جنائي، تلّقى أواخــر العام الماضي ألـــف 400 تــــحــــويــــات مـــصـــرفـــيـــة بــــمــــقــــدار دولار مـن موكله أليكس صعب الــذي كان «رجـل الثقة» للرئيس الفنزويلي السابق نــــيــــكــــولاس مــــــــــــادورو، ومــــصــــمّــــم مـخـطـط الالــــتــــفــــاف عـــلـــى الـــعـــقـــوبـــات الــــتــــي كــانــت تخضع لها فنزويلا. لـــكـــن مــــوجــــة الــــتــــرقــــب والــــقــــلــــق الــتـــي عـقـبـت بــــروز المـــرشـــح الـيـمـيـنـي المــتــطــرف، لــم تقتصر فحسب عـلـى تـهـيّــب السياسة التي سيتبعها فـي حــال فــوزه فـي الــدورة الثانية بعد أسبوعين. إذ إن التصريحات الأولـى التي أدلـى بها بعد ظهور النتائج الأولية، تزيد المخاوف من عودة كولومبيا إلى مناخ المواجهة السياسية الحادة التي تهدد بتجدد العنف على نطاق واسع. ففي أول خـطـاب ألـقـاه إسـبـريـا أمـام أنـصـاره بعد إعــان نتائج الـــدورة الأولــى قــال مـهـدداً: «سننزل أشــد العقاب بـأعـداء كولومبيا. لقد قـال الشعب كلمته، ولأول مـرة في تاريخ البلاد السياسي فـاز رجل مستقل يتمتع بالشخصية القوية اللازمة تمهيدا لتتويجه». ثم أضاف، موجها كلامه إلى الرئيس الـحـالـي والمــرشــح الـيـسـاري الـــذي يدعمه: «إيـاكـمـا والـطـعـن فـي نتائج الانتخابات؛ لأن الـشـعـب سـيـنـتـفـض ويــعــاقــب كليكما كـمـجـرمـن ويـحـيـلـكـمـا إلـــى الــتــقــاعــد». ثم تـــابـــع تـــهـــديـــده بـــصـــراحـــة: «ســـنـــدافـــع عـن الديمقراطية، بالحجة أو بالقوة». هـــذا، وجــــاءت هـــذه الـتـصـريـحـات ردا عـــلـــى إعــــــان المــــرشــــح الــــيــــســــاري سـيـبـيـدا والرئيس المنتهية ولايته بترو رفضهما الاعـتـراف بالنتائج الأولـيـة التي أخرجت المـــرشـــحـــة الـيـمـيـنـيـة المــحــافــظــة مـــن حلبة المــــنــــافــــســــة عــــلــــى الـــــرئـــــاســـــة، الــــتــــي بـــاتـــت مقتصرة على المرشح اليساري وإسبريلاّ. المــــرشــــح الــيــمــيــنــي المـــتـــطـــرف تـــوجّـــه أيضا إلــى حلفائه فـي الــخــارج، طالبا من «الأســــرة الـدولـيـة» - أي الــولايــات المتحدة فـــي قــامــوســه - أن تــكــون «عــيــنــا ســاهــرة» على كولومبيا في الدورة الثانية. وتابع: «أطـــلـــب مـــن الإدارة الأمــيــركــيــة أن تــراقــب الـــــدورة الـثـانـيـة. أنـــا ســأقــود هـــذه المعركة مدافعا عـن الديمقراطية بحياتي إذا لزم الأمر». خطط بترو للمستقبل فـــي المـــقـــابـــل، الــرئــيــس الــحــالــي بـتـرو يــبــدو، مــن جـهـتـه، جــاهــزا لمـــغـــادرة الحكم ولـكـن ليس لمــغــادرة السلطة. إذ إنــه أعلن منذ أيام أن «مهمة سياسية أخرى تنتظره بـعـد نـهـايـة ولايـــتـــه»، وهـــي إطــــاق حملة لجمع خمسة ملايين توقيع بين المواطنين من أجل تشكيل جمعية تأسيسية وطنية بعد طـرح المـشـروع على البرلمان الجديد. وكـان استطلاع أخير دل على أن بترو ما فــي المـائـة 50 زال يتمتع بشعبية تـنـاهـز مـن الكولومبيين. لـكـن، على مـا يظهر، لا تحظى هذه الفكرة بموافقة سيبيدا الذي يــرى فيها سيفا ذا حـدّيـن: فهي مـن جهة تساعد على تنظيم القاعدة الشعبية التي دعـمـت الـرئـيـس الـحـالـي وتجييرها لدعم حملته، غير أنها من جهة أخرى يمكن أن تــؤدي إلــى بعثرة الصفوف اليسارية في الدورة الثانية أواخر هذا الشهر. إسبريلّ... مرشح اليمين المتطرف يخطب خلفزجاج واق (أ.ب) مـنـذ عــقــود لــم تـسـقـط كـولـومـبـيـا مــن مــراكــز الـــصـــدارة في قـائـمـة الــبــلــدان الأكــثــر عنفا فــي الــعــالــم: أولاً، بسبب الـحـركـات الثورية المسلحة التي كانت تسيطر على مناطق شاسعة من البلاد وتفرض فيها سلطتها، متحدّية الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية التي كانت في مواجهة دائمة معها، وثانياً، بسبب الاغتيالات وأعمال العنف والخطف والتهديد والابتزاز التي كانت تمارسها المجموعات المسلحة التابعة لعصابات إنتاج المخدرات ، وبعد سنوات من المفاوضات العسيرة 2016 وتهريبها. في عام الــتــي رعـتـهـا الــنــرويــج وكـــوبـــا، تـوصـلـت الـحـكـومـة الـكـولـومـبـيـة والــحــركــات الــثــوريــة المـسـلّــحـة إلـــى اتــفــاق نـهـائـي يـضـع حـــدا لما سنة مـن الـنـزاع، ويـؤسـس لبناء السلم المستقر 50 يزيد على والـدائـم. وكـان لقرار الحركات الثورية تفكيك بناها العسكرية وحــل المجموعات المسلحة التابعة لها أثـر واضــح فـي انحسار موجة العنف وتراجعها، وبالأخص، في المناطق الريفية النائية. لكن الدولة لم تتمكن من ملء الفراغ الذي تركته تلك المجموعات، ولم تستطع استيعاب السواد الأعظم من أفرادها الذين نظموا تشكيلات مسلحة جــديــدة انـصـرفـت إلـــى أنــمــاط مختلفة من العنف لتحقيق مكاسب مالية غير شرعية، مـن بينها العنف الموجه ضد القيادات السياسية والنقابية والأمنية، والذي ينشط عادة إبان الحملات الانتخابية، كما تبي خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي أُجـريـت دورتـهـا الأولــى الأحـد المـاضـي. إذ اغتيل أحـــد المـرشـحـن فــي بـدايـتـهـا، وتـــعـــرّض آخــــرون لمـــحـــاولات قتل وأعمال تهديد وخطف، في حين كان المرشحون البارزون - الذين تعرضوا لتهديدات بالقتل - يتنقلون تحت حراسة مشددة. يثير مخاوف من عودة العنف السياسي مدريد: شوقي الريّس الأصول العربية في السياسة الكولومبية على غرار بقية البلدان الأميركية اللاتينية، لعب عدد كبير > من الكولومبيين المتحدرين من أصول عربية -خصوصا اللبنانية والــســوريــة والفلسطينية- أدوارا بــــارزة فــي المـشـهـد الاقـتـصـادي والــســيــاســي الــكــولــومــبــي، وتـــولّـــى بـعـضـهـم مـنـاصـب رفـيـعـة بين وزارية ونيابية ودبلوماسية. بل أن أحدهم، وهو خوليو طربيه . وطربيه من مواليد 1978 آيـالا، وصل إلى سدة الرئاسة في عام بلدة تـنّــوريـن، كبرى بـاد البترون فـي الشمال اللبناني، قبل أن يهاجر مع أهله إلى كولومبيا وهو في السادسة من عمره. ثــم إن الـحـكـومـات الـتـي شكَّلها الـرئـيـس الـحـالـي غوستافو بترو، خلال فترة ولايته المشارفة على الانتهاء، ضمَّت أربعة من الـــوزراء المتحدرين من أصــول عربية كانت أبـرزهـم وزيــرة البيئة ســوزانــا محمد، المـتـحـدرة مـن عائلة فلسطينية هـاجـرت مـن رام الله إلى مدينة بارانكييا، الواقعة على ساحل كولومبيا الكاريبي (أقصى شمال البلاد) التي ينتمي معظم سكانها اليوم إلى أصول عـربـيـة. وبـارانـكـيـيـا هــي المـديـنـة الــتــي تــــدور فـيـهـا أحــــداث روايـــة غابرييل غارسيا ماركيز الشهيرة «وقائع موت معلن» التي تسرد قصة حقيقية لبطلها المهاجر اللبناني سانتياغو نصّار. مـــــن جـــهـــة أخـــــــــرى، فـــــي الأســــابــــيــــع الأولـــــــــى لانـــــطـــــاق حـمـلـة الانـتـخـابـات الـرئـاسـيـة الـحـالـيـة، تـعـرّض المـرشـح ميغيل أوريـبـي طربيه لمحاولة اغتيال عندما كان يفتتح أحد مهرجانات حملته الانتخابية في العاصمة بوغوتا. لكنه بعد نقله إلى المستشفى ومعالجته طيلة شهرين، فـارق الحياة متأثرا بجراحه البليغة. وتلك كانت بداية مسلسل العنف الــذي دارت تحته هـذه الحملة الانتخابية. ميغيل أوريــبــي طـربـيـه، هـو حفيد الـرئـيـس الأسـبـق خوليو طربيه الــذي كــان يتزعم الجناح اليميني فـي الـحـزب الليبرالي، وكانت تحوم حوله شبهات بشأن علاقاته مع عصابات تهريب المـــخـــدرات الـكـولـومـبـيـة. لـكـن المــفــارقــة أن والــــدة ميغيل -أي ابنة الرئيس الأسبق وكانت صحافية معروفة- اغتالتها عصابة تاجر المخدرات السيئ الصيت بابلو إسكوبار بعدما اختطفتها أربعة أشهر للضغط يومها على الحكومة كي توقف تسليم الموقوفين من رجال إسكوبار إلى الولايات المتحدة. وكـــان ميغيل، الـــذي تـوفـي قبيل بلوغه الأربـعـن مـن العمر، يُعد النجم الصاعد فـي المشهد السياسي اليميني الكولومبي، وبــخــاصــة بـعـدمـا حـظـي بــدعــم الــرئــيــس الأســـبـــق وزعـــيـــم الـحـزب الليبرالي ألفارو أوريبي. السيناتور الشاب الراحل ميغيل أوريبي طربيه (أ.ف.ب) ASHARQ AL-AWSAT خروج الحركات الثورية المسلحة من المشهد ترك فراغا استغلته مجموعات أخرى مسلحة فبادرت إلى السيطرة على مناطق معينة والاستفادة من الاقتصاد غير الشرعي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky