5 تحقيق FEATURES Issue 17356 - العدد Friday - 2026/6/5 الجمعة ASHARQ AL-AWSAT هــــــنــــــاك أغـــــــــــــارت الــــــطــــــائــــــرات الإيرانية على أطرافها. سمح لـنـا المـنـظـمـون بــالــدخــول إلـى الأراضـــــــــــــي الإيــــــرانــــــيــــــة الـــتـــي اجـتـاحـهـا الـجـيـش الــعــراقــي. وفـــــي بـــلـــدة مــــهــــران الــــحــــدوديــــة شـــاهـــدت جـنـديـن عـراقـيـن يــقــتــادان رجـــا إيـرانـيـا إلـى «مـكـان آمـــن»، كما قـالـوا، بعدما بدت على وجهه أمـــارات الـرعـب. سألت نفسي في تلك اللحظة عما سيحدث للعراق حين يتيسر لإيــــران أن تــثــأر. وقـــد أتـيـحـت لها الفرصة لاحقاً. لــم تتحقق أحـــام صـــدام مــن الـحـرب التي شنها على إيـــران. فـا النظام سقط ولا الـــبـــاد تـفـكـكـت. رســــخ الـخـمـيـنـي بلا رحـمـة نـظـام «الــولــي الـفـقـيـه» مــن دون أي شـريـك مـن كوكتيل الـقـوى الـتـي ساهمت فـــي إســـقـــاط نــظــام الـــشـــاه. كــــان أفــضــل ما حصل عليه صدام هو اتفاق لوقف النار. ابـتـهـج لأنـــه عـــاش حـتـى سـمـع الخميني يتحدث عـن تـجـرع الـسـم. لكن حـن بلغه نـبـأ وفــاتــه أمـــر بـعـدم إبــــداء الابــتــهــاج لأن «الشماتة ليست من عاداتنا». وزير الدفاع ورئيس الأركان آخر من يعلم فـــي الــســنــوات الــاحــقــة تـلـقـت إيـــران سلسلة هــدايــا. أحـيـانـا يـكـاد الصحافي لا يصدق ما يسمع. كان الفريق أول ركن نــــزار الــخــزرجــي رئـيـسـا لأركـــــان الجيش العراقي وسأتركه يروي قليلا عن الغزو . قـال: 1990 الـعـراقـي للكويت فـي صيف «كــنــت نـائـمـا فـــي مـنـزلـي لـيـلـة الأحـــــداث. اتـصـل بــي فــي الـصـبـاح الـبـاكـر سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الجنابي وطلب أن أذهب إلى القيادة العامة وحين دخلت مكتبه قال: أكملنا احتلال الكويت. سـألـتـه كـيـف؟ فـــرد: الــحــرس الـجـمـهـوري والـــقـــوة الـجـويـة وطـــيـــران الـجـيـش أنـهـوا احــتــال الــكــويــت. بـعـد ربـــع سـاعـة وصـل وزيـــــر الـــدفـــاع عــبــد الــجــبــار شـنـشـل وتــم إبــــاغــــه بـــالـــطـــريـــقـــة نـــفـــســـهـــا. تـــصـــور أن الجيش يدفع في مغامرة من هـذا النوع مـــــن دون عــــلــــم وزيــــــــر الــــــدفــــــاع ورئــــيــــس الأركان». بــعــد ثــاثــة أو أربـــعـــة أيــــام اسـتـدعـى صـــدام كــا مـن شنشل والــخــزرجــي، وقـال إنه لم يبلغهما كي تكون العملية مفاجئة ثــــم «إنــــنــــي حـــــــررت الـــكـــويـــت بــالــقــطــعــات التابعة لي مباشرة وليس قطعاتكم». اعتبر الخزرجي خطوة صدام سلوكا متهورا قاده إليه غرور الاعتقاد أنه خرج منتصرا من حربه مع إيــران. جيش كبير يشعر بالانتصار وبـــاد مثقلة بالديون وقــائــد يخطئ فــي قــــراءة مــوازيــن الـقـوى. توهم صدام أن الغرب لن يعارض أن يكون قسم كبير من نفط المنطقة في يد رئيس قـــــادر عــلــى صــنــاعــة الاســـتـــقـــرار وضــمــان تدفق النفط. ويـقـول الخزرجي إن صـدام الذي كان معجبا بصلاح الدين وستالين قـد يـكـون تـوهـم أن أمـيـركـا ربـمـا تقبل به شريكا في شؤون المنطقة. كانت الهدية كبيرة لورثة الخميني. انشغل العالم ومعه دول المنطقة بـ«الخطر الـــعـــراقـــي» وتــــراجــــع اهــتــمــامــه بـــ«الــخــطــر الإيـــرانـــي». أخـرجـت «عـاصـفـة الـصـحـراء» صدام من الكويت فأقام جريحا ومحاصرا فــــي حــــن كـــانـــت إيـــــــران تــلــتــقــط أنــفــاســهــا وتستعد لاستئناف مشروعها الكبير في الإقليم. هدية أسامة بن لادن وجورج بوش بــــــــــدأت قــــصــــص كـــثـــيـــرة 1979 فــــــي وتـــشـــابـــكـــت. اجــــتــــاح «الـــجـــيـــش الأحـــمـــر» أفغانستان بذريعة إنقاذ النظام الموالي لـــه. كــانــت المــــرة الأولــــى الــتــي يــخــرج فيها الاتــــحــــاد الــســوفــيــاتــي جــيــشــه فـــي تـدخـل خـــــارج مـــجـــال الــكــتــلــة الاشـــتـــراكـــيـــة. دقــت أجـــــــراس الإنــــــــذار فــــي الـــعـــواصـــم الـغـربـيـة الـــكـــبـــرى. اتــــخــــذت أمـــيـــركـــا قـــــــرارا صـــارمـــا بـــتـــدفـــيـــع الاتـــــحـــــاد الـــســـوفـــيـــاتـــي ثـــمـــن مـا فعل. توافد «المجاهدون» إلى أفغانستان مـــن أنـــحـــاء مـخـتـلـفـة فـــي الـــعـــالـــم الــعــربــي والإســــــامــــــي. وســــتــــوظــــف أمــــيــــركــــا الــتــي شجعت «المـجـاهـديـن» وسلحت بعضهم مــشــاعــر الــغــضــب الإســــامــــي لاســتــهــداف بــاد ستالين. وكـــان بـن مـن تــوافــدوا إلى أفـغـانـسـتـان شـــاب اســمــه أســامــة بــن لادن ابــــن عــائــلــة ثـــريـــة ســـعـــوديـــة. وعــلـــى أرض أفغانستان سيولد تنظيم «القاعدة». سيهتز 2001 ) سبتمبر (أيلول 11 في الـــعـــالـــم. نــقــل بـــن لادن حــربــه إلــــى الأرض الأميركية نفسها عبر «غـزوتـي واشنطن ونيويورك». استخدمت الطائرات المدنية فــي تـدمـيـر بـرجـي مـركـز الـتـجـارة العالمي وســقــط آلاف الـقـتـلـى والـــجـــرحـــى. مشهد أخطر بكثير من «طوفان يحيى السنوار» وعواقبه أشد. أصـــيـــبـــت أمـــيـــركـــا فــــي صــمــيــم رمــــوز هـيـبـتـهـا ونــجــاحــهــا. وانــتــظــر الــعــالــم رد الإمبراطورية الجريحة. هندس الرئيس جـــورج بـــوش الابـــن وبـنـصـائـح المؤسسة العسكرية والأمنية وتشجيع «المحافظين الـجـدد» ردا بـدأ بإسقاط نظام «طالبان» فـــي أفــغــانــســتــان ثـــم انــتــقــل لـيـشـمـل غــزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين. رأى جــــــنــــــرالات «الــــــحــــــرس الـــــثـــــوري» أنــفــســهــم أمــــــام مــشــهــد يــصــعــب تــصــديــقــه. النظام الأفغاني المعادي لإيران أسقط على يد الأميركيين، والأمر نفسه بالنسبة لنظام صدام الذي كانت إيران فشلت في إسقاطه. ولــــــم تـــــتـــــردد إيـــــــــران فـــــي تـــســـهـــيـــل إســـقـــاط الـنـظـامـن أو عـــدم عـرقـلـة عملية الإســقــاط على الأقل. ابـــتـــهـــج الــــنــــظــــام الإيــــــرانــــــي بــتــســاقــط الأعداء من حوله لكنه رأى قوات «الشيطان الأكبر» ترابط على حدوده من جهتين. هنا ستبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية - الأمـــيـــركـــيـــة. ســيــرعــى ضـــبـــاط مـــن «فـيـلـق الــــقــــدس»، فـــي مــقــدمــهــم قـــاســـم سـلـيـمـانـي، مهمة تقويض الوجود العسكري الأميركي خصوصا في العراق ومن دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع أميركا. ومــــن دون أن يـقـصـد قــــدم أســـامـــة بن لادن لإيــــران هــديــة ثـمـيـنـة. انـشـغـل الـعـالـم بعد «غزوتي واشنطن ونيويورك» بخطر «الـــقـــاعـــدة»، ثــم اتـجـهـت أنـــظـــاره إلـــى خطر صــــــدام الــــــذي قـــامـــت آلـــــة الاعـــــــام الــغــربــيــة بـتـضـخـيـمـه والمــبــالــغــة فـــي خــطــورتــه على المـنـطـقـة والــعــالــم. وســاهــم بــن لادن أيضا ومن دون أن يقصد في تبرير إسقاط نظام صدام. وجــهــت إدارة بـــوش الابــــن إلـــى نـظـام صـدام حسين اتهامات كثيرة لتبرير عمل عسكري حاسم ضده. اتهمته بالاستمرار فـــي اقـــتـــنـــاء أســلــحــة دمـــــار شـــامـــل وعـرقـلـة عــمــل المــفــتــشــن الـــدولـــيـــن. اتــهــمــتــه أيـضـا بـأنـه لــم يـطَــلّــق الـحـلـم الـــنـــووي، ويــبــدو أن حسين كامل صهر صدام أوحى خلال فترة انــشــقــاقــه أن الــنــظــام لـــم يـتـغـيـر فـــي هـذيـن المـلـفـن. لـكـن أخـطـر مــا حـــدث هــو محاولة إيـجـاد علاقة بـن النظام العراقي السابق و«الــــقــــاعــــدة»، تــحــديــدا بـــن صـــــدام حسين وأسامة بن لادن. لـــم يــقــم أي تـــعـــاون بـــن نـــظـــام صـــدام و«الـقـاعـدة»، لكن الرئيس العراقي ارتكب خطأ استطلاع إمكان التعاون. خلال وجود أســامــة بــن لادن فــي الــخــرطــوم وبـوسـاطـة مـن الـزعـيـم الإســامــي الـسـودانـي الدكتور حــســن الـــتـــرابـــي اســتــقــبــل أســـامـــة بـــن لادن مسؤولا في المخابرات العراقية هو فاروق حــــجــــازي. كــــان الـــنـــقـــاش طـــويـــا وصــعــبــا. وبعد عودته نصح حجازي، صـدام، بطي الصفحة وتوقفت الاتصالات. وقد سمعت هذه الرواية من سالم الجميلي مدير قسم أميركا في المخابرات العراقية آنـذاك، وهو كـان وراء أول محاولة اتصال مع بن لادن عبر وسيط سوري لكنها لم تنجح. زيارة الأسد القلق حدث آخر ترك بصماته على المرحلة الـــاحـــقـــة. قــبــل أيــــام مـــن الـــغـــزو الأمــيــركــي للعراق هبطت في طهران طائرة الرئيس الـــــســـــوري بـــشـــار الأســــــــد. كـــــان الـــقـــلـــق مـن الحرب المقتربة العنوان الوحيد لمحادثاته مع الرئيس محمد خاتمي ولقائه المرشد علي خامنئي. اتفق الجانبان على أن أي استقرار للقوات الأميركية في العراق قد يشجعها على نقل التجربة إلــى سوريا أو إيــــــــران. وهــــكــــذا اتـــفـــق عـــلـــى المـــســـارعـــة إلـــــى اســـتـــنـــزاف الــــوجــــود الأمـــيـــركـــي عـبـر «المقاومة». وشارك في بعض تلك اللقاءات الــــضــــابــــط الإيــــــرانــــــي قــــاســــم ســـلـــيـــمـــانـــي. واسـتـنـادا إلـى ذلـك الاتـفـاق راحــت سوريا تــســهــل مـــــرور «المـــجـــاهـــديـــن» والمـــقـــاومـــن إلى العراق، وراح سليماني يبني ببراعة شبكات المقاومة. راهنت إيران على الجغرافيا وربحت. وافـــقـــت عــلــى دخــــول حـلـفـائـهـا الـعـراقـيـن مــجــلــس الـــحـــكـــم والـــحـــكـــومـــات المـتـعـاقـبـة خـصـوصـا بـعـد انـتـقـال الـصـاحـيـات إلـى منصب رئـيـس الـــــوزراء الـــذي بـــات بحكم العرف شيعياً. في ديسمبر (كانون الأول) انــســحــب آخــــر جـــنـــدي أمــيــركــي من 2011 الـعـراق، وتحولت إيــران شريكا لا بد منه فـي الـشـأن الـعـراقـي. ستحمل الحكومات الــعــراقــيــة بـصـمـات سـلـيـمـانـي وستحمل بصمات إسماعيل قاآني من بعده. البغدادي والفتوى و«الحشد» حــــــــدث آخــــــــر ســــيــــرســــخ الـــبـــصـــمـــات الإيرانية على المصير العراقي. في يوليو أطل أبو بكر البغدادي زعيم 2014 ) (تموز «داعش» من الموصل التي كانت قد شهدت قـــبـــل أســـابـــيـــع انـــهـــيـــار وحــــــــدات الــجــيــش الـــعـــراقـــي فــيــهــا. الــتــقــط قـــاســـم سـلـيـمـانـي الــــفــــرصــــة. أرســــــل فــــــورا شــحــنــتــي ســــاح، واحـــــدة إلـــى بــغــداد والأخـــــرى إلـــى أربــيــل. أعلنت المرجعية العراقية ممثلة بآية الله السيستاني «الجهاد الكفائي»، ونجحت إيــــــران فـــي تــحــويــلــه لاحـــقـــا مـــبـــررا لــــولادة «الـحـشـد الـشـعـبـي» ثــم تـحـويـلـه مؤسسة شـرعـيـة تـابـعـة لـرئـيـس الــــــوزراء بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهـــــكـــــذا اكـــتـــمـــل تــــســــرب إيـــــــــران إلـــى البرلمان والحكومة والجيش و«الحشد». وقبل أسابيع أقدمت تنظيمات «ولائية» تقيم على أطـــراف «الـحـشـد» على إطـاق صواريخها ومسيراتها في اتجاه الدول العربية في الخليج بذريعة تعرض إيران لهجوم أميركي - إسرائيلي. وبدا واضحا أن إيـــــران الــتــي خــســرت الـجـسـر الــســوري بــعــد ســقــوط نــظــام بــشــار الأســــد ازدادت تمسكا بالجار الـعـراقـي وبلبنان «حـزب الله» الذي يضمن لها وجودا على حدود إسـرائـيـل وإطــالــة على المـتـوسـط. غيرت إيـــــــران مـــامـــح الـــــعـــــراق. وغــــيــــرت مــامــح لــبــنــان. وغـــيـــرت المــشــهــديــن الفلسطيني واليمني أيضاً. (غيتي) 2001 سبتمبر 11 الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات (غيتي) 1980 صدام حسين يتفقد جنودا في شمال العراق خلال الحرب مع إيران عام (غيتي) 1991 ) بئر نفطية أحرقتها القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت في فبراير (شباط سبتمبر 11 هجمات فتحت الباب أمام غزو العراق... وبوش الابن أسقط أكبر خصوم طهران غدا حلقة ثانية
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky