4 تحقيق FEATURES Issue 17356 - العدد Friday - 2026/6/5 الجمعة ASHARQ AL-AWSAT ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن 1979 ) يـنـايـر (كــانــون الـثـانـي 16 فــي كان المشهد معبراً. على دوي الاحتجاجات والـــتـــظـــاهـــرات غــــــادر الــــشــــاه مــحــمــد رضـــا بـهـلـوي بـــاده وتـركـهـا فــي عـهـدة حكومة شـــهـــبـــور بـــخـــتـــيـــار. حــــــاول المـــحـــيـــطـــون بـه تقديم المـغـادرة في صـورة «إجـــازة» لكنها كــانــت فـــي الـــواقـــع بــطــاقــة ســفــر بـــا عـــودة بعدما تخلى الحليف الأميركي عن حليفه. لــــن يـــتـــأخـــر المـــشـــهـــد - المـــنـــعـــطـــف فـي الـــــحـــــدوث. فـــفـــي الــــيــــوم الأول مــــن فــبــرايــر (شـبـاط) هبطت فـي مطار مهرباد طائرة آتية من باريس تحمل زائرا غير عادي هو آية الله روح الله الخميني بعد أربعة عشر عـامـا فـي المنفى. كــان الاستقبال الحاشد صـريـحـا فــي رســالــتــه. سـقـط نــظــام الـشـاه وانتصرت الثورة. راقــــــب أصــــحــــاب الـــــقـــــرار فــــي المـنـطـقـة والعالم المشهد وكان أكثرهم قلقا «السيد النائب» في عـراق «البعث» واسمه صدام حسين. ستتسارع التطورات في طهران مع إعــان «الجمهورية الإسلامية» وتكريس مبدأ ولاية الفقيه وتضمين الدستور نصا يــؤكــد «تــصــديــر الــــثــــورة» بـحـجـة «نــصــرة المستضعفين». صدام يرفض اغتيال الخميني كـــان يمكن لـكـل ذلـــك ألا يـحـدث أو أن يــحــدث بـطـريـقـة أخــــرى. خـــال إقـامـتـه في النجف كان الخميني صعبا ويحاول دائما التفلت من الضوابط التي تفرضها شروط وقع 1975 ) مارس (آذار 6 الاستضافة. في محمد رضـا بهلوي وصــدام حسين اتفاق الجزائر برعاية الرئيس هـواري بومدين. وكــــان مـــقـــررا بـعـد الـتـوقـيـع أن يـمـتـنـع كل طرف عن دعم معارضي الطرف الآخر. راجـعـت الأجــهــزة الـعـراقـيـة الخميني لـــكـــنـــه كــــــان يــتــنــصــل عــمــلــيــا مــــن الــتــعــهــد بالامتناع عن أي نشاط ضد نظام الشاه. ذات يــــوم اقـــتـــرحـــت الأجــــهــــزة عــلــى صـــدام تـرتـيـب عملية اغـتـيـال للخميني واتــهــام أجــهــزة الــشــاه بــالــوقــوف وراءهـــــا. وكـانـت المفاجأة أن صدام استغرب العرض قائلاً: «ألا يعرف أصحاب هذا الاقتراح أن العراق لا يـغـدر بـضـيـوفـه». هـكـذا بـقـي الخميني حيا ً. قنبلة في وسادة المرشد تـغـيـرت الأشـــيـــاء بـعـد انــــدلاع الـحـرب الـــعـــراقـــيـــة - الإيــــرانــــيــــة، وتــــحــــوّل اغــتــيــال الخميني هاجسا يـــازم مـديـر المـخـابـرات الــــعــــراقــــيــــة بـــــــــرزان الـــتـــكـــريـــتـــي. ولــــــم يـكـن الــوصــول إلـــى الخميني سـهـا لـكـن إيـــران أحكمت بناء مؤسساتها 1981 لم تكن في الأمنية. أقامت المخابرات العراقية علاقات مـــع «الــــحــــزب الــديــمــقــراطــي الــكــردســتــانــي الإيـــــرانـــــي» و«مــــجــــاهــــدي خـــلـــق» ونـسـقـت عــمــلــيــة تــفــجــيــر كـــبـــرى لمــجــلــس الـــشـــورى الإيـرانـي قتلت عشرات القياديين وتبعها اسـتـهـداف عـلـي خامنئي بـعـبـوة وضعت في آلة تسجيل وأدت إلى إصابته في يده. ألــح بـــرزان على اسـتـهـداف الخميني وتمكنت الأجــهــزة مـن الــوصــول إلــى رجل ديـن مقرب منه وزرعــت عبوة صغيرة في وســـــادة الـــوبـــر الــتــي تـخـصـه لــكــن الـعـبـوة انفجرت وهو بعيد عنها. وقد سمعت هذه الـــروايـــة مــن ســالــم الجميلي مــديــر شعبة أمـيـركـا فــي جـهـاز المــخــابــرات الـعـراقـي في عهد صدام. لـعـبـت المـــصـــادفـــات دورهـــــا فـــي رحـلـة الـخـمـيـنـي. لــم يـكـن أمــامــه غـيـر الانـصـيـاع لـرغـبـة الـــدولـــة الــعــراقــيــة بــمــغــادرتــهــا. في بـــاريـــس وبـــعـــد انــشــقــاقــه عـــن نـــظـــام بـشـار الأســـــــــد، قــــــال الــــنــــائــــب الــــســــابــــق لــلــرئــيــس السوري عبد الحليم خـدام إن مقربين من الخميني حـاولـوا استمزاجه حـول إمكان مـــجـــيء الـخـمـيـنـي إلــــى ســــوريــــا. وأوضــــح خـدام أن الرئيس حافظ الأسـد لم يكن في وارد قــبــول زائــــر مــن هـــذا الــنــوع يـمـكـن أن تـتـسـبـب إقــامــتــه لـيــس فـقـط فـــي أزمــــة بين العراق وسوريا بل ربما في حرب بينهما. لــهــذا أســـديـــت إلـــى المــقــربــن نصيحة بــــاســــتــــكــــشــــاف إمــــــكــــــان قـــــبـــــول الــــجــــزائــــر باستضافة الخميني. لم يتحمس الرجل المعني للفكرة معتبرا أن الـجـزائـر بعيدة وأن القيود قد تكون شديدة. ويقول خدام إنـــــه فـــوجـــئ بـــقـــبـــول فـــرنـــســـا بــاســتــضــافــة الـخـمـيـنـي وتـوفـيـر مـنـبـر دولــــي لـــه. خـال إقامته في «نوفل لو شاتو» توافد كثيرون لزيارته. حـــاولـــت الــســطــات الــعــراقــيــة اخـتـبـار نوايا الرجل الذي أثبت قدرته على تحريك الشارع الإيراني عبر التسجيلات التي كان أنـــصـــاره يـوزعـونـهـا ســـراً. كـــان عـلـي بــاوه المسؤول في المخابرات العراقية عن العلاقة مع الخميني خلال إقامته في العراق وكان يقدم لـه التسهيلات. مـن هنا ولــدت فكرة إرسال علي باوه إلى باريس. ويــــقــــول رجــــــال المــــخــــابــــرات فــــي عـهـد صدام إن باوه اصطحب معه شخصا آخر يرتدي ساعة قادرة على تسجيل المحادثة. اسـتـقـبـل الـخـمـيـنـي الـــزائـــريـــن مـــن دون أن يظهر أي مرونة. سأله الزائر عن برنامجه للمرحلة المقبلة فرد بعبارة تشبه القنبلة. قال إنه بعد إسقاط الشاه سيكون الهدف التالي «إسقاط نظام البعث الكافر». هاجس صدام «ولاية الفقيه» حين أطل الخميني من طهران محاطا بحشود غير مسبوقة أدرك السيد النائب أن الـعـاصـفـة لــن تـتـأخـر فــي الـهـبـوب على الـــعـــراق. قـــال أحـــد الــذيــن عـمـلـوا فــي قصر الرئاسة العراقي إن المسألة التي استوقفت صـــدام طـويـا وأقلقته هـي مسألة «ولايــة الفقيه» التي بلورها الخميني. اعتبر صدام أن «ولاية الفقيه» تعني أن من حق شخص غير عراقي أن يطالب الـــعـــراقـــي الـشـيـعـي بـــالـــولاء لــــه. ورأى في ذلـك اختراقا يهدد وحــدة الـعـراق. احتفظ صدام في مكتبه بكراس صغير عن الولي الفقيه وصلاحياته كما يفهمها الخميني. استقبل وزيـر 1980 ) فـي سبتمبر (أيـلـول الدولة للشؤون الخارجية حامد الجبوري ودار الحديث عن إيران وأعطاه الكراس. شـــعـــر صـــــــدام أن الـــــحـــــرب آتــــيــــة وأن الخميني يـريـد فتح الـطـريـق للتوغل في العالم العربي عبر إسقاط الجدار العراقي. اعتبر أنه إذا اختار الانتظار سيضطر إلى مقاتلة النظام الإيراني الجديد في شوارع بغداد إن لم يبادر إلى قتاله على الحدود بين البلدين وعبرها. وهناك من يعتقد أن الشعور باقتراب الحرب زاد قناعة صدام بأن العراق يحتاج في قصر الرئاسة إلى صـانـع الـقـرار الكبير، وأن إحـالـة الرئيس أحـمـد حسن البكر إلــى «الـتـقـاعـد» صـارت ضرورية. بعد عــودة «الـبـعـث» إلــى السلطة في اختار صـدام موقع «الرجل الثاني» 1968 لــــإفــــادة مــــن شـــرعـــيـــة الـــبـــكـــر فــــي الـجـيـش والحزب وبانتظار استكمال إعادة صياغة المؤسسات العسكرية والمدنية تحت زعامة 1979 ) يوليو (تموز 16 القائد الجديد. في سـقـط الـبـكـر كـثـمـرة نـاضـجـة بـعـدمـا كـان تــحــول مـنـذ ســنــوات أســيــرا بـرتـبـة رئيس للجمهورية. بدأ عهد صدام. ويــــروي الــجــبــوري أن إشـــكـــالا حصل فقصد قصر 1974 بينه وبـــن صـــدام فــي الرئاسة واستقبله البكر. قال للرئيس إنه جـــاء لـتـقـديـم اسـتـقـالـتـه وســأتــركــه يـــروي: نــهــض الــبــكــر وأشــــــار إلــــى كــرســيــه قـــائـــاً: «أبول على كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس». عاد البكر إلـــى كـرسـيـه وظــهــرت الـــدمـــوع فــي عينيه، وقـال: «الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قـبـول اسـتـقـالـتـك. مــن يقبل استقالتي أنـا؟ نحن أسـرى ولا نملك حق الاستقالة». «سنكسر رؤوس الإيرانيين» اتخذ صـدام حسين قـرار الحرب على إيــــــران قــبــل تــولــيــه الـــرئـــاســـة. كــــان صــاح عمر العلي إلـى جانب صـدام حين حاصر الـــقـــيـــاديـــون «الـــبـــعـــثـــيـــون» قــصــر الــرئــيــس ، وأرغــمــوه 1968 عـبـد الـرحـمـن عـــارف فــي على المـغـادرة. دخـل مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب «البعث» وتولى مسؤوليات وزارية. شــــــــارك صـــــدام 1979 فـــــي ســـبـــتـــمـــبـــر الرئيس في قمة عدم الانحياز التي عقدت فــي الـعـاصـمـة الـكـوبـيـة. استقبل الرئيس الــعــراقــي وزيـــر خـارجـيـة إيــــران الخمينية إبراهيم يزدي. كان الحديث بناء وإيجابيا على رغــم الإشــكــالات المـتـكـررة على حـدود البلدين. يـقـول صـــاح الـعـلـي إن رغـبـة راودتـــه فـي تعميق المـنـاخ الإيـجـابـي فتحدث إلى صـــــــدام الـــــــذي خــــــرج بـــعـــد الاجــــتــــمــــاع إلـــى الحديقة. شدد العلي على أهمية الحلول السلمية للخلافات وضرورة التركيز على الــتــنــمــيــة. اســتــمــع صـــــدام بــانــتــبــاه ثـــم رد قائلاً: «يا صلاح انتبه هذه الفرصة قد لا تتاح إلا مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كــل شـبـر احـتـلـوه وسنعيد شــط الــعــرب». وأضــــاف بلهجة حــازمــة: «هـــذا الــكــام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مــع إيــــران لا أريــــده أن يـتـكـرر عـلـى لسانك إطـــاقـــا. حـضـر نـفـسـك فــي الأمــــم المـتـحـدة. اســــمــــع مـــــا أقـــــولـــــه لـــــــك. ســــأكــــســــر رؤوس الإيرانيين وأرجع كل شبر من المحمرة إلى شــط الـــعـــرب». وبـعـد عـــام مــن لـقـاء هافانا سيطلق صدام حربه على إيران. شعر صدام حسين بالقلق من «ولاية الـفـقـيـه» والـــصـــدى الــــذي يـمـكـن أن تتركه لــــدى الـشـيـعـة الــعــراقــيــن. لاحــــظ أن ثـــورة الخميني وضعت أميركا في موقع العدو. وأن الاتـحـاد السوفياتي يقلق من امتداد الــريــاح الإيــرانــيــة إلـــى بـعـض جمهورياته الإســــامــــيــــة. وأن دول الـــخـــلـــيـــج الــعــربــي مــسـتــهـدفــة هـــي الأخــــــرى مـــن قــبــل الـــثـــورة الخمينية. رأى في الحرب على إيران مهمة قومية لا بد من أن تحظى بتعاطف عربي ودولــي، وأن العراق وحـده يستطيع كسر الموجة التي تهدد المنطقة واستقرارها. رجـــل آخـــر شـعـر بـــأن ثـــورة الخميني ســـتـــهـــز المـــنـــطـــقـــة وخــــرائــــطــــهــــا هـــــو المـــلـــك حـــســـن. اعــتــقــد صـــــدام أن تــفــكــك الـجـيـش الإيراني سيوفر له فرصة النصر السريع، خصوصا وأن إيــران كانت تعيش مرحلة مـخـاض واضـــطـــراب. أســـاء تقدير رد فعل الإيـــــرانـــــي الـــــعـــــادي عـــلـــى دخــــــول الــجــيــش الــــعــــراقــــي الأراضـــــــــي الإيــــرانــــيــــة وامــــتــــزاج المشاعر القومية بالدينية. في بدايات الحرب دعت وزارة الإعلام الـــعـــراقـــيـــة مـــؤســـســـات صــحــافــيــة لمــواكــبــة مـا يـجـري. أوفـدتـنـي «الـنـهـار» اللبنانية. كـــــان لا بــــد مــــن الـــتـــوجـــه إلـــى عـمـان ومـنـهـا بـــرا إلـــى بـغـداد. نــظــمــت وزارة الإعــــــام رحـلـة إلى البصرة. وخلال وجودنا عاما في المنفى (غيتي) 15 بعد 1979 ) الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط بشار الأسد مستقبلا قاسم سليماني (غيتي) 1987 أسرى حرب إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على الطعام في معسكر اعتقال بالرمادي خلال الحرب العراقية - الإيرانية عام معظم أهل الشرق الأوسـط ولـدوا بعد ذلك التاريخ. يغيب عن بالهم أنه ترك بصماته المكلفة على بلدانهم واستقرارهم وأيامهم. أنجب عواصف وحروبا وزعامات تجاوزت أحلامها وأخطارها حدود الخرائط التي أطلت منها. وثمة من يعتقد بـوجـود رابــط حقيقي بـن ذلــك الـتـاريـخ ومــا يشهده مضيق هرمز حاليا بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الذي يصعب العثور 1979 وترسانتها. إننا نتحدث عن عام بعده على عام ينافسه في أهميته أو خطورته. في ذلك العام نزلت طائرة الخميني في طهران آتية من باريس. لم يتأخر مفاعل الثورة الإيرانية في إرسال إشعاعاته خصوصا بعد تكريس مبدأ «ولاية الفقيه». وفيه أيضا سقط قصر الرئاسة العراقي في يد الرجل القوي صدام حسين ودفع الرئيس أحمد حسن البكر إلى التقاعد تحت أوجاع الشيخوخة، وربما الندم. وفـي العام نفسه وقّــع الرئيس المصري أنـور الـسـادات اتفاق كـامـب ديفيد مـع رئـيـس الــــوزراء الإسـرائـيـلـي مناحيم بيغن في واشنطن برعاية الرئيس جيمي كارتر. وستختلط تلك التطورات بحدث دولي كبير. ارتكب القيصر الروسي ليونيد بريجنيف خطيئة غزو أفغانستان. وقع في الفخ ومن صفوف المقاتلين هناك سيخرج أسامة بن لادن الذي سيفتتح لاحقا القرن الجديد بـ«غزوتي نيويورك وواشنطن» ممهدا الطريق من دون أن يقصد لاقتلاع نظام صدام حسين. )3 من 1( » قصة الهدير الإيراني من عاصفة الخميني إلى «طوفان السنوار الرياض: غسان شربل هاجس «ولاية الفقيه» دفع صدام إلى حرب لم تُسقط الخميني ثم أهدى إيران غزوه الكويت
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky