عندما أعلنت شركة «غوغل» مؤخرا تغييرات جذرية في محرك الـبـحـث الـخـاص بـهـا -وهـــي الـتـغـيـيـرات الـتـي ستُلقي بظلالها على صفحة الروابط الزرقاء التي اعتدنا رؤيتها لأكثر من عقد من الزمان- انـتـاب المعلنون عبر الإنـتـرنـت حـالـة مـن الـذعـر الجماعي. ووصفت الشركة، التابعة لشركة «ألفابت»، هذا التحول بأنه الأكبر من نوعه عاماً، مشيرة إلى أن شريط البحث سيشهد «إعادة 25 منذ أكثر من تصور كاملة» اعتمادا على الذكاء الاصطناعي. بغض النظر عن أمـر الـروابـط الدعائية؛ إذ سيجري الآن بناء «إعـــانـــات الاسـتـكـشـاف الـتـفـاعـلـيـة» لتستقر داخـــل إجـــابـــات الـذكـاء الاصطناعي نفسها، وربما تتضمن وكيل دردشـة افتراضيا بحيث لا يضطر المستخدم أبدا إلى النقر للانتقال إلى أي موقع إلكتروني. وفــــي يــــوم الإعــــــان، أرســـــل واحـــــد مـــن جــمــاعــات الــضــغــط فـــي مـجـال الإعلانات عبر الإنترنت -ممن أعرفهم- رسالة نصية إلى جهة اتصاله فــي «غـــوغـــل» لمـعـرفـة مــا يعنيه هـــذا بالنسبة لصناعتهم، وجـــاءت الإجابة غامضة وغير ملزمة. ويبدو أن بعض العاملين في «غوغل» أنفسهم لا يعرفون إلى أين سيقود هذا الأمر. كـمـا واجــــه هـــذا الــتــحــول مــعــارضــة فـــوريـــة مـــن جـهـة تنظيمية بريطانية، التي أمرت «غوغل» بالسماح لأصحاب المواقع الإلكترونية بحظر استخدام محتواهم في ميزات البحث بالذكاء الاصطناعي الـــخـــاصـــة بـــهـــا. وســـيـــرى بــعــض الــنــاشــريــن فـــي ذلــــك إجــــــراء وقـائـيـا ضرورياً، بينما قد يخشى آخرون تفويت مسار جديد لجذب الأنظار بالوصول إلى جمهور أوسع؛ ويرجع ذلك إلى أن هذه التكنولوجيا لا تزال غير مجربة إلى حد كبير، كما أن تأثيرها لا يزال غير واضح المعالم. وعلى مـدار سنوات، اعتمدت الشركات على بضعة أساليب أساسية لتعزيز فرصها في تصدر نتائج بحث «غوغل»، مثل غمر شبكة الإنـتـرنـت بالكلمات المفتاحية أو دفــع الـشـركـات الأخـــرى إلى نشر ما تُعرف بـ«الروابط الخلفية» المؤدية إلى مواقعها، وهي طريقة لإثبات مصداقية الموقع لدى محرك البحث. غـيـر أن الـتـغـيـيـرات الـشـامـلـة والــجــديــدة الـتـي أجـرتـهـا الشركة العملاقة فـي مجال التكنولوجيا تعني أنــه على مــدار الـعـام المقبل أو نحو ذلــك، ستتراجع احتمالية رؤيــة مستخدمي الإنترنت لتلك الـــروابـــط الـــزرقـــاء؛ وبــــدلا مــن ذلــــك، سـيـتـفـاعـلـون مــع نــمــوذج الــذكــاء الاصــطــنــاعــي «جـيـمـيـنـاي» مـــن «غـــوغـــل» أو مـــع وكــــاء الـبـرمـجـيـات الافــتــراضــيــة الــتــي سـتـقـدم تـوصـيـات بــشــأن المـنـتـجـات، بــل ستحفز عمليات الشراء في نهاية المطاف. كانت «مراجعات الذكاء الاصطناعي» -وهي الإجابات الفردية المـوحـدة التي تـصـدَّرت نتائج البحث على مــدار العامين الماضيين- بمنزلة لمحة عـن الاسـتـحـواذ الأكـبـر للذكاء الاصطناعي على قطاع البحث، كما أثارت كثيرا من التخبط الأعمى من الشركات والمعلنين المتلهفين لاستمالة «جيميناي» وأشباهه بدلا من مجرد نظام «بيغ رانـــك». وبــات الفن الخفي الجديد لتحسين محركات البحث يُعرف » (حيث أصبحت لفظة «التوليدي» هي اللفظة الأولى GEO« باسم في هذا المصطلح)، وهو يحمل على نحو مفارق طابعا أكثر إنسانية مقارنة بعصر الروابط الخلفية. ولكي تلفت الشركات انتباه الذكاء الاصطناعي، يتعين عليها نشر مزيد من المحادثات والنقاشات حول نفسها في أرجاء شبكة الإنترنت. فــــي هـــــذا الــــصــــدد، يـــقـــول دانــــيــــال هــــولــــم، رئـــيـــس قـــســـم الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي فــي وكــالــة الإعـــانـــات «دبـلـيـو بــي بـــي»: «يـمـيـل البشر إلـى الـشـراء مدفوعين بالعاطفة، غير أن وكــاء الـذكـاء الاصطناعي سيكونون أكثر عقلانية ومنطقية». ولكن كـل هـذا لـن يمنع أدوات الذكاء الاصطناعي الأصغر حجماً، والتابعة لجهات خارجية، من ســلــوك مــســار الإعـــانـــات غـيـر المــبــاشــرة لـلـمـنـتـجـات. ويـعـكـف هولم حاليا على بناء تطبيق يصفه بأنه «مرشد افتراضي» يعمل بالذكاء الاصطناعي لتحديد حالات التوافق المحتملة بين البشر (على غرار تطبيق «تيندر») بالإضافة إلى التوافق مع المنتجات. أمـــا مــا يعنيه ذلـــك عـلـى نـطـاق أوســـع بالنسبة إلـــى الإعــانــات عبر الإنترنت فهو أمـر يصعب التنبؤ بـه. ففي مؤتمر تكنولوجيا الإعلانات الذي عُقد مؤخرا في لندن، أخبرني عديد من الحاضرين من أبناء هذا القطاع أنه على الرغم من اعتيادهم التكيف مع التغييرات الخوارزمية التي أحدثتها «غوغل» أو «فيسبوك» على مـدار العقد الماضي، فإن تحولات الذكاء الاصطناعي الأخيرة جعلتهم يشعرون كأن الأرض تميد من تحت أقدامهم. وتوقع بعضهم انكماش السوق العالمية للإعلانات عبر الإنترنت على مـدار السنوات القليلة المقبلة نتيجة لذلك. كانت السمة الطاغية على المشهد هـي حالة عــدم اليقين -بما في ذلـك بين المطلعين داخــل شركة «ألفابت» نفسها- بشأن الكيفية التي سيغيِّر بها الناس طريقة استخدامهم «غوغل» أو تفاعلهم مع الإعلانات المدرجة في نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ولطالما استندت «غـوغـل» في عملها على التجريب، واختبار الميزات والخصائص عبر مجموعات مختلفة من المستخدمين لمعرفة ما يستجيبون له بأكبر قدر من الحماسة؛ ولذا فهي تميل إلى اتباع المسار الذي يسلكه الجمهور عبر الإنترنت. وفي هذه المـرة، تتحرك «غوغل» نحو مسار غير مريح -للشركة وللمعلنين على حد سواء. إذ إن الاندفاع وراء توجه الذكاء الاصطناعي التوليدي قد قادها إلى تفكيك جـزء من نموذج أعمال «النقر على الـروابـط» الـذي جلب لها ثروة هائلة، وينقسم المحللون حول ما إذا كانت هذه فكرة سديدة من عدمها. إذ يحذر البعض من التآكل الذاتي الواضح لنموذجها عالي الربحية، في حين يرى آخرون أن «غوغل» نفسها ستكون على ما يرام بفضل أعمالها المتوسعة في مجال الحوسبة السحابية. ويجادل إريك شيريدان، المحلل لدى مجموعة «غولدمان ساكس»، بأن حجم البنية التحتية والـذكـاء الاصطناعي لـدى «غـوغـل» سيحافظ على نموها، حتى لو تعرضت أعمال إعلانات البحث التقليدية للتراجع مع تولي وكلاء الذكاء الاصطناعي مهام البحث بشكل أكبر. وفي الوقت ذاته، تساعد الأرباح المحقَّقة من نموذج الإعلانات الـــقـــديـــم شـــركـــة «غــــوغــــل» فـــي تــمــويــل تــحــولــهــا الــكــبــيــر نــحــو الـــذكـــاء الاصطناعي، إلى جانب حملة لجمع الأموال تستغل هوس الأسواق العامة بالذكاء الاصطناعي. وقـالـت شركة «ألـفـابـت» هـذا الأسبوع مليارات 10 مليار دولار من الأسهم، بما في ذلك 80 إنها بصدد جمع دولار من شركة «بيركشاير هاثاواي» المملوكة لـوارن بافيت، وذلك لـتـحـمـل تـكـالـيـف الـــقـــدرة الـحـوسـبـيـة الـــتـــي تــقــف وراء طـمـوحـاتـهـا الجديدة. لـذا، بينما يُبحر التطور الـذي تشهده «غوغل» بها نحو مياه مجهولة، فإن هذا قد يشكل في نهاية المطاف مشكلة لـ«ألفابت» أقل بكثير مما يشكّله للمعلنين. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» هناك قضايا تقوم خطة معالجتها على بناء وعي فردي ذاتي قوي مثل مسألة الإقلاع عن التدخين، والاعتماد في عملية الإقناع على خـطـورتـه الصحيّة على صحة الــفــرد. غير أن القضايا ذات الصلة بالحياة في كوكب الأرض مشروطة بوعي العالم بأسره، وبمدى تفعيل ذلك الوعي في شكل خطة وقرارات وتضافر جهود دوليّة. ومَــن يتعمق قليلا فـي فحوى هــذا الـشـرط، فـإنَّــه سيفهم السر بيسر لأن قضيتَي تغيُّرات المـنـاخ وتأثير هـذه التغيرات لا تمسان رقعة واحدة على كوكب الأرض دون سواها، ولا تشملان شعبا دون آخر، بل تمسان الحياة في كوكب الأرض وتنزلان العقاب بمَن قاموا بالأنشطة المتسببة في تغيُّر المناخ، وبضحايا تلك الأنشطة الذين لا صلة لهم بالأنشطة ذات التأثير على صحة الأرض وعافيتها. يــصــادف الــيــوم تــاريــخ حـــدث دولـــي يتمثَّل فــي «الــيــوم العالمي للبيئة»، الـذي يحمل دعـوة مُجدَّدة للعمل المناخي رغم كل الإخفاق الــذي يشهده العالم بسبب عـدم الإيـفـاء بتعهداته مـن تـاريـخ اتفاق إلى اليوم. 2015 باريس وكما نعلم، فإن هذا الاتفاق يمثل أول اتفاق قانوني وقّعت عليه سنوات، والتركيز 5 دولة، وتم التعهد بالقيام بخطط وطنية كل 200 على الحياد الكربوني، وبناء مدن آيكولوجية، وتمويل كل الخطط التي تقلل من تأثيرات الأنشطة التي أدت إلى تغيُّر المناخ المتمثل - أي التغير - في ارتفاع درجات الحرارة وازدياد الحرائق والعواصف والفيضانات. عاماً، وواقعيا أثبت علماء 11 نحن نتحدث عن اتفاق يعود إلى المناخ أن العقد الأخير هو أكثر السنوات حرارة، إضافة إلى أن الالتزام بخفض الانبعاثات الدفينة ظل هدفا دون إرادة فعلية. ما يُلاحَظ أن هناك خطابا حول المناخ في العالم. بل إن غالبية الدول قامت بخطة وطنية لتغيرات المناخ. وهناك جهود وميزانيات خـصـصـتـهـا بـعـض الـــــدول لمـــا يـسـمـى الاقــتــصــاد الأخـــضـــر والأزرق، ومقاطعة استعمال الـبـاسـتـيـك... ولـكـن هــذه الـجـهـود قليلة وغير عامة، ووتيرة التراكم في الغالب بطيئة رغم أننا أمام قضية ترتبط لا بجودة الحياة فحسب، بل بالحياة ذاتها، الأمر الذي يجعل منها ضرورة الضرورات وليست ترفاً. إذن، الـــوعـــي مــــوجــــود، ولـــكـــن المــشــكــلــة فـــي الـتـجـسـيـد الـفـعـلـي والعملي لهذا الوعي. أي إننا أمـام فجوة بين الوعي والسلوك على مستوى عالمي، رغم أن المخاطر عالية: لو ظلت هذه الفجوة مستمرة أرباع السكان بعد رُبع قرن. كما سيرتفع 3 فإن الجفاف سيؤثر على في 50 التعرُّض لتلوث الهواء بما يتجاوز الحدود المأمونة بنسبة المائة. لا يوجد نقص في المعلومات. والمخاطر محدّدة بدقة متناهية. ولكن المفقود هـو التعاطي مـع تغيُّرات المـنـاخ بـإعـان حالة طـوارئ عـالمـيـة، وجـعـل هـــذا المـلـف الـحـيـوي الــجــاد أولــويــة دائــمــة، لا أولـويـة مؤجلة. لا شــك فــي أن الـعـقـد الأخــيــر لــم يـكـن ســهــاً، ويـكـفـي تـداعـيـات جائحة «كوفيد»، التي استأثرت بالانتباه والميزانيات، ومخلفاتها الاقتصادية وحتى الصحية التي لا تزال إلى اليوم. كذلك التوترات الحاصلة في بقاع عدّة في الخريطة العالمية تسهم في تعميق رداءة الـوضـع البيئي، إضـافـة إلــى اسـتـنـزاف الخسائر والـتـداعـيـات؛ مما يجعل ملف تغيُّرات المناخ واستحقاقاته في أسفل قائمة الأولويات. ماذا ينفع وضع خطط وطنية لمعالجة تأثيرات تغيُّر المناخ دون توفير ميزانية لذلك؟ طبعا المـصـاريـف الـطـارئـة لـلـدول - التي مجملها بسبب تــوتــرات دولـيـة - تـــؤدي بــدورهــا إلــى ارتــفــاع أسـعـار الحبوب والطاقة، وهـي مصدر استنزاف وتحويل وجهة الاعتمادات مــن مـسـار التنمية المـسـتـدامـة والـعـمـل المـنـاخـي إلـــى مواجهة الـحـاجـيـات الـيـومـيـة للشعوب والمــصــاريــف الـطـارئـة الـتـي لم يُحسَب لها حساب، ولا قدرة للدولة على مجابهتها من دون التضحية بـالـتـمـويـات المخصصة للملفات الاستراتيجية التنموية. نعتقد أن هذه النقطة هي مربط الفرس، باعتبار أنه ليس فقط هناك تنصل من الدول التي تعهَّدت في قمم متتالية بتمويل تغيُّرات المناخ ودعـم الــدول الضحية في عملية التصدِّي المكلفة والصعبة اجتماعياً، بل إننا في وضع آخر مفاده أن حتى الدول التي تريد أن تعول على نفسها في هذا الملف تجد نفسها مشوشة بمجابهة تداعيات عدم الاستقرار الدولي. يـبـدو لنا أن الـدعـوة إلــى العمل المناخي مـن الخطأ أن يتم التسويق لها بوصفها دعوة مستقلة وملفا خاصاً، بل إن المقاربة الأكثر جـدوى والعملية أكثر تتحقق بربط تأثيرات تغيُّر المناخ عـلـى الــصــحــة، والــــزراعــــة، والاقـــتـــصـــاد، ونـسـبـة الــنــمــو، والمـــيـــزان الـتـجـاري، والـفـقـر، والـبـطـالـة، والأســــرة، والـعـنـف بشتى أنـواعـه. ذلــك أن تـأثـيـرات تـغـيـرات المـنـاخ ليست بيئية فقط بـقـدر مـا هي اقتصادية واجتماعية. ومن منطلق الطابع المركب لأي دعوة تخص العمل المناخي، فهي آليا تشترط إرادة سياسية دولـيّــة. وفـي مثل هـذا اليوم قد يكون من الأجدى الدعوة إلى: ليكن العمل المناخي أولوية عالمية دولة 200 من أجل تدارك البطء الحاصل في الوعود التي قطعتها .2015 في اجتماع باريس التاريخي هـــل يـمـكـن الـتـأجـيـل أكـــثـــر، والـــحـــال أن الأرض تـحـتـاج إلـى الإسعاف والعلاج؟ حين يتمركز جنود العدو الإســــرائــــيــــلــــي عـــلـــى بُــــعــــد مــئــات الأمتار من منزل جدي في قرية النبطية الفوقا، على مسافة تقل عـن كيلومترين عـن قلب مدينة النبطية وسوقها القديمة التي ســـــــــوّى الــــقــــصــــف الإســــرائــــيــــلــــي معظم أبنيتها بالأرض، فهذا لا يعني فقط أنك ترى عدوك بالعين المجردة. في الحقيقة، إنه انكشاف وتراجع ميداني أمام تقدم عسكري إسرائيلي قد يصل إلـى مدينة النبطية أو مـا بعدها. وهـو الانكشاف والـتـراجـع ذاتــه الــذي يُهدد مدينة صور ومحيطها، سواء بمزيد من الدمار الشامل أو بخطر الاحتلال. هذا التقدم الميداني الإسرائيلي باتجاه مدينتين مركزيتين في الجنوب، وفشل «الثنائي الشيعي» المتحكم بالطائفة، في الدفاع عنهما، على الرغم من التضحيات الكبيرة التي يقدمها المقاتلون على الجبهات، يضعه أمام امتحانين فشل في كليهما. فـ«حزب الله» سقط في امتحان السلاح الذي لم يمنع العدو من التقدم البري، فيما سقط رئيس حركة «أمل» نبيه بري في امتحان الوقت، بعدما حـاول ربـط مصير الجنوب بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، قبل أن يُعلن أخـيـرا أنـه يملك موافقة «حــزب الـلـه» على وقـف إطــاق الـنـار. إلا أن هذه الموافقة المتأخرة لا تنطبق عليها المقولة الشهيرة: «أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبداً». لـم يــدرك «الثنائي» أن الـوقـت كالسيل، إن لـم تقطعه قطعك، فلقد خسر عــامــل الــوقــت نتيجة رهــانــاتــه غـيـر الـدقـيـقـة عـلـى طــهــران وقـــراءاتـــه الخاطئة لبنيامين نتنياهو، الذي لم يلتزم سابقا بأي اتفاق، ولن يلتزم اليوم حتى لو وافقت تل أبيب على بنود بيان واشنطن المشترك الذي رهن وقف النار بخروج الحزب من مناطق جنوب النهر. جنوبياً، تبدو الهدنة معلّقة على حبال الترقب، إن لـم نقل مستحيلة، وهذا يعني مزيدا من الخسائر في الأرواح والأرزاق، وارتفاعا في منسوب القلق لدى الجنوبيين الذين عبّروا عن خوفهم على مصيرهم وقلقهم على مستقبلهم في نداءين منفصلين صدرا عن ناشطين من مدينتي صور والنبطية. تكمن أهمية النداءين في أنهما انطلقا من قلب الجنوب. فصور تُمثل العاصمة التاريخية للساحل الجنوبي، فيما تُمثل النبطية القلب الإداري والسياسي للداخل الجنوبي. لذلك فإن صدور النداءين أوحى بوجود خطاب جنوبي مدني يتجاوز حـدود مدينة واحــدة نحو مساحة أوسـع من الجنوب اللبناني. إنــه إعـــان عـن ظـهـور صــوت جنوبي مـدنـي يطالب بحماية الناس والـدولـة معاً، أكثر مما هو سجال سياسي مباشر مع أي طــرف، وإن كـان رد فعل «حــزب الله» عليه قد اتسم بقدر كبير من العصبية، فيما التزم جمهور حركة «أمل» بالصمت. اجـتـمـاعـيـا وسـيـاسـيـا، يـتـجـاوز نــــداءا صـــور والـنـبـطـيـة كونهما صرخة إنسانية ضد الحرب والدمار، ليشكلا أول اعتراض علني واسع على السلاح، ويعبّرا عن حق الجنوبيين في البقاء والحياة. كما يوجهان المسؤولية مباشرة إلـى «الثنائي الشيعي» الــذي باتت مواقفه وسياساته وارتـبـاطـاتـه، فـي نظر قطاع متزايد من الجنوبيين، تُهدد وجود الجنوب وسكانه أكثر مما تحميهم. وفي لحظته الراهنة، يُمثل هذا الموقف تحولا مهما في الوعي الجنوبي، إذ ينتقل من انتقاد أداء «الثنائي الشيعي» إلى التشكيك في جـدوى السلاح، والدعوة إلى البحث عن أشكال أخرى من المواجهة لا تؤدي إلى تدمير المجتمع الجنوبي وتهجيره. أما خارج إطار النداءين، وفي الفضاء الجنوبي العام، فقد باتت التحولات داخل البيئة الجنوبية الشيعية، بفعل التكلفة المتزايدة للحرب، أكثر وضوحاً. صحيح أن تقدير حجم هذه التحولات ومدى عمقها ما زال محل نقاش، إلا أن المؤشرات تتراوح بين حالة إنهاك اجتماعي وجماعي وتراجع في الاستجابة والتعبئة، وشعور عام بأن بيئة قدمت تضحيات هائلة باتت اليوم قلقة من النتائج أكثر من أي وقت مضى. وإذا كـان هـذا الـجـدل الجنوبي المفتوح لـن يتحول سريعا إلـى معارضة سياسية معلنة، فإنه يُشكل بداية تأسيس لاعـتـراض متزايد على سياسات «حـــزب الـلـه»، وعـلـى دوره ووظيفة الـسـاح ومستقبله. وهـــذا يعني، فـي أحد وجوهه، بداية تحول اجتماعي وسياسي داخل البيئة الشيعية نفسها. ومـن النداءين التأسيسيين إلـى الهدنة الهشة، لا تبدو الأطــراف المعنية راغبة أو قادرة على تنفيذ التزاماتها كاملة. فالدولة اللبنانية ليست جاهزة، بقدراتها السياسية واللوجستية الذاتية، وتحتاج إلـى توافق داخلي ودعم خارجي لتطبيق الاتفاق، أما نتنياهو فلا يبدو مستعدا لوقف أعماله العدائية، فيما طهران لا تزال ترفض فصل المسارات بصورة نهائية. في المقابل، يبقى نداء أهل الجنوب هو الصخرة الأخيرة التي يستندون إلــيــهــا. إنــــه أكــثــر وآخــــر مـــا يـمـلـكـونـه فـــي مــواجــهــة مَــــن يـــدمـــرهـــم، ومــــن يـقـامـر بمصيرهم، فيما يقفون على حافة مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات... OPINION الرأي 12 Issue 17356 - العدد Friday - 2026/6/5 الجمعة ًالوعي المتقطع بإشارات الأرض تحوُّل «غوغل» نحو الذكاء الاصطناعي يثير ذعرا جماعيا جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص آمال موسى *بارمي أولسون
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky