issue17355

رغم الضجة الهائلة ومقاطع الفيديو الترويجية البراقة، لا يــزال ازدهـــار الـروبـوتـات الشبيهة بالبشر يجابه تحديات جمة؛ فمسألة الجدوى العملية، على سبيل المثال، ما زالت قيد الإثبات. وحتى أمر بسيط مثل صعود السلالم، يمكن أن يشكل عـدوا خفياً. بل إن البابا ليو نفسه عبّر عن مخاوفه بشأن تهديد هذه الروبوتات المحتمل لسبل عيش الناس. ومـــــع ذلــــــك، خـــــال «قـــمـــة الــــروبــــوتــــات الـشـبـيـهـة بــالــبــشــر»، المـنـعـقـدة فـــي طــوكــيــو، الأســـبـــوع المــاضــي، ســـــادت حـــالـــة مـــن الـــتـــفـــاؤل الــتــكــنــولــوجــي بمستقبل نتفاعل فيه جميعا مع آلات، صُنعت على صورتنا. وفي تلك الأثناء، جابت روبوتات ثنائية القدمين قاعة المؤتمر، بينما انشغلت أخرى في تقديم الحلوى على أطباق خزفية، وآلات على هيئة أطفال تلوّح للزوار. كان ذلك لمحة عن سوق تتوقع مؤسسة «مورغان ستانلي»، أن يصل حجمها نهاية المطاف إلى ضعف صناعة الــســيــارات، ليبلغ خمسة تريليونات دولار ، مع أكثر من مليار روبــوت بشري 2050 بحلول عـام قيد الاستخدام. وفــــي الـــوقـــت الـــــذي أصـــبـــح واضـــحـــا أن ازدهـــــار الروبوتات الشبيهة البشر هذا يسير بخطى واثقة، يــبــقــى الاخـــتـــبـــار الــحــقــيــقــي الآن مــــا إذا كـــانـــت هـــذه الروبوتات قادرة على استخدام الأصابع. الـــيـــوم، أحـــد أكــبــر الـتـحـديـات الـتـكـنـولـوجـيـة في مجال الروبوتات، إعادة خلق المعجزة، التي ألفناها، المتمثلة فــي الـيـد الـبـشـريـة؛ فـنـحـن، مــن دون تفكير، نعرف مقدار الضغط اللازم لكسر بيضة، أو ربط رباط الـحـذاء، أو دق مسمار. فـي هـذا الـصـدد، قـال جيمس ويــلــز، الــرئــيــس الـتـنـفـيـذي لـشـركـة «سـانـكـتـشـري إيـه آي»، فـي فانكوفر، خـال قمة طوكيو: «تظل البراعة الـحـركـيـة الــدقــيــقــة، الــعــائــق الأكـــبـــر»، مـضـيـفـا: «الـيـد الــبــشــريــة مــعــجــزة حـقـيـقـيـة»، فــهــي أداة عــامــة تـخـدم الاقتصاد العالمي بأكمله. ولهذا السبب كذلك قد تكون النماذج الأولية الأقل إثارة للاهتمام، أهم من تلك التي تنتشر بسرعة على الإنترنت. يُذكر أن أحد الباحثين في شركة «تويوتا»، بـــدأ عــرضــه الــرئــيــس بـمـقـاطـع لــروبــوتــات تـلـعـب كـرة السلة وتُبهر الجمهور، لكنه حث الحاضرين على ألا يربطوا الشركة فقط بهذه العروض. وقال تاكاهيدي يوشييكي، كبير المهندسين في وحـــدة الــروبــوتــات لــدى شـركـة «هـــونـــدا»، وأحـــد رواد هـــذا المـــجـــال مـنـذ أيــــام روبـــــوت «أســـيـــمـــو»، إن الأيـــدي والأصابع هي المفتاح لجعل الروبوتات عملية، على صعيد المجتمع. وقد كشفت الشركة عن نموذج أوَّلي ليد روبوتية جديدة، قادرة على أداء مهام دقيقة، مثل إدخــــال الـخـيـط فــي الإبــــرة، وشـــد الــبــراغــي الصغيرة. ولعل هــذه المــهــارات، التي قـد لا تبدو جـذابـة للوهلة الأولـــــى، هــي مــا سـيـحـدد مـصـيـر الـبـشـريـة فــي نهاية المطاف، أكثر من إتقان الرقص أو فنون القتال. من جهتها، تـدرك الصناعة ذلـك جيداً. فقد ركّز مـــا لا يــقــل عـــن نــصــف عــــدد الــخُــطــب الــتــي أُلــقــيــت في أثــنــاء الـقـمـة، عـلـى الـجـوانـب التكنولوجية لتصميم أيــــد لـــــآلات. وجــــرى وصـــف الــبــراعــة الـحـركـيـة بأنها «المــيــل الأخــيــر فــي مـسـار الأتــمــتــة»، حـسـب جونغهي » في سيول. RLWRLD« ريـو، مؤسس ومدير شركة وكان محقا في أن قطاعات واسعة من الصناعات، قد جـرى أتمتتها بالفعل، لكن الـجـزء الأخـيـر المعقَّد من الـعـمـل، لا يـــزال يعتمد على الأيـــدي البشرية. وطبقا لحساباته، فإن حل هذه المشكلة قد يفتح الباب أمام تريليونات دولار. 4 قيمة اقتصادية تصل إلى تشكل البيانات إحــدى العقبات؛ فنماذج اللغة الضخمة، التي تُشكّل أسـاس التطور الهائل الحالي فـي مجال الـذكـاء الاصطناعي، يجري تدريبها على كميات هائلة من النصوص المُستخرجة من الإنترنت. ويُــســاعــد هـــذا الآلات عـلـى الــتــواصــل بــطــرق تُــحـاكـي البشر، إلا أن هذا الأمر لا يعلِّمها كيفية التحرّك بأمان في العالم الحقيقي، الذي يصعب توقعه. وعـــــلـــــيـــــه، تــــحــــتــــاج الــــــروبــــــوتــــــات إلـــــــى بـــيـــانـــات مُتخصصة حـــول الـضـغـط والــقــوة والاحــتــكــاك وفهم الفيزياء. ولـذلـك، يُطلب مـن مزيد مـن عمال المصانع والــخــدمــات ارتــــداء أجــهــزة لجمع الـبـيـانـات فــي أثـنـاء الــعــمــل؛ بـمـعـنـى أنــهــم يُــــدرّبــــون الآلات الــتــي قـــد تُــحـل محلّهم يوما مــا. وقــد أسهم هــذا كذلك فـي ظهور ما تُسمى نـمـاذج الـعـالـم، الـتـي تـهـدف إلــى ســد الثغرات الفيزيائية، التي لا تستطيع نماذج اللغة استيعابها. إلا أننا ما زلنا على بُعد بضع سنوات، على الأقل، من لحظة انطلاق «تشات جي بي تي» للذكاء الاصطناعي الفيزيائي. ويُمثّل اللمس تحديا رئيسيا آخر. قال ليوبولد بير، نائب رئيس شركة «رينيساس إلكترونيكس»، الـتـي تـعـد عـمـاق أشــبــاه المــوصــات الـيـابـانـي، خـال جـلـسـة عُــقــدت يـــوم الـجـمـعـة المـــاضـــي: «لـــن يـجـتـاز أي مــن حـلـول الــيــوم اخـتـبـار (تــوريــنــغ) الـلـمـسـي». يجب أن يــكــون الـــروبـــوت المُــصـمـم لـلـمـسـاعـدة، داخــــل غـرف المستشفيات أو دور رعاية المسنين، قادرا على التمييز بين ما يلمسه، سـواء كان قضيبا فولاذيا أو بطانية أو إنساناً. وتعتمد فائدته وسلامته على هذه القدرة على التمييز. وفـــيـــمـــا يــتــعــلــق بــــالــــيــــابــــان، يُـــمـــثـــل هـــــذا فـــرصـــة ســـانـــحـــة؛ فــفــي الـــوقـــت الـــــذي تــســعــى الـــصـــن بـخـطـى حــثــيــثــة لــتــصــنــيــع الــــروبــــوتــــات الــشــبــيــهــة بــالــبــشــر، تمنحها شبكة الموردين الواسعة لليابان، وهوسها بـــالـــدقـــة الـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــة، مــــســــارا قـــويـــا لـــلـــعـــودة إلـــى المنافسة عبر أصعب مراحل تطوير الروبوت: الأيدي، والمحركات (عضلات الـروبـوت التي تُحركه، بـدلا من ثـــبـــاتـــه)، وأجـــهـــزة الاســتــشــعــار، والمـــــــواد. وفــــي عصر الذكاء الاصطناعي المادي، وعلى ما يبدو فإن العقبة لا تكمن في الذكاء، بل في أجهزة الاستشعار -مجال لطالما برعت فيه اليابان. كما أن اتقان صناعة الأيدي الروبوتية ودراسة المحاكاة الحيوية، قـد يفتح آفـاقـا جـديـدة لأنـــواع من الأتمتة أكثر فائدةً، من مجرد آلة تمشي تحمل وجهاً. يُـــذكـــر أن شـــركـــات نــاشــئــة مــثــل شـــركـــة «بـسـيـونـيـك» الأميركية (المشاركة كذلك في طوكيو، هذا الأسبوع) تُصنّع أيــادي إلكترونية حيوية لكل من الروبوتات والأشخاص، الذين يحتاجون إلى أطراف اصطناعية، مما يوضح كيف يُمكن لهذا البحث أن يُفيد الطرفين كليهما. مــن جـهـتـي، لـطـالمـا كــنــت مـتـشـكـكـةً، بـشـكـل عــام، فـي مسألة ازدهـــار الـروبـوتـات الشبيهة بالبشر. مع ذلــــك، يـسـهـل فـهـم جـاذبـيـتـهـا: فـقـد صُــمـمـت مـنـازلـنـا ومصانعنا ومستشفياتنا لتناسب جسم الإنـسـان، لذا من المغري بناء آلات على صورتنا. ومع ذلك، فإن شكل الإنسان الثنائي القدمين قد يحمل في طياته فخا هندسيا مقيداً؛ فميلنا الفطري إلــى إضـفـاء الصفات البشرية على التكنولوجيا قد يحد من إمكانات الروبوتات. لا تحتاج الآلات المفيدة إلـــى وجـــه (نـاهـيـك بشخصية؛ لا داعـــي لـلـخـوض في هـذا المـوضـوع) كي تتمكن من تنظيف الأرضـيـات، أو فـرز القمامة، أو الاضطلاع بالأعمال الشاقة والقذرة والخطيرة الأخرى، التي نُفضِّل جميعا تجنُّبها. إلا أن اليد تُغيّر الحسابات؛ فقد تُتيح مقابض أفضل وأكثر حساسية، مُثبّتة على آلات غير بشرية -مثل الحيوانات الرباعية الأرجــل، وأدوات المصانع، وحــتــى أجـــهـــزة الــرعــايــة الـصـحـيـة- قـيـمـة اقـتـصـاديـة هائلةً، دون الحاجة إلى أن يسير كل روبوت منتصباً، أو يبتسم في فيديو توضيحي. فـــــي نـــهـــايـــة المــــــطــــــاف، قـــــد لا يُــــحــــكَــــم عـــلـــى حـلـم الروبوتات الشبيهة بالبشر بمدى إتقانها لتقليدنا، بل بما نجرؤ على السماح لها بلمسه. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17355 - العدد Thursday - 2026/6/4 الخميس وقـفـت أتطلع إلــى المــعــروض عند بائعة الصحف، فــوقــعــت عــيــنــاي عــلــى نـسـخـة مـــن عــــدد قـــديـــم مـــن مجلة «الـــعـــربـــي» الــكــويــتــيــة، الـــتـــي نـــشـــأت عـلـيـهـا أجـــيـــال منذ .1958 صدورها في وتذكرت كيف أنها تُباع في السوق المصرية بجنيه وربــــع الــجــنــيــه، أي إن ثــمــن الـنـسـخـة أقــــل مـــن ربــــع ثمن الـنـسـخـة مـــن الـصـحـيـفـة الــيــومــيــة. ومـــن قـبـل كـــان سعر النسخة مـن المجلة الشهيرة أقــل مـن ذلــك، وكــان المعنى أن الحكومة في الكويت كانت تدعم كل نسخة بالكثير، وكان الهدف أن تصل المجلة إلى كل يد في أرض العرب. كان الشعار الذي يتصدر صفحات «العربي» يقول الآتـــي ولا يــــزال: مجلة شـهـريـة ثقافية مـصـورة يكتبها عـــرب لـيـقـرأهـا كــل الـــعـــرب. ولـــم يـكـن مــن المـمـكـن أن يجد شعارها رصيده بين القراء، إلا بوجود أسماء ذات وزن على رأسها، بدءا من الدكتور أحمد زكي، والأستاذ أحمد بهاء الدين، ومرورا بالدكتور محمد الرميحي، والدكتور سـلـيـمـان الـعـسـكـري، ثــم انــتــهــاء بـالـدكـتـور عــــادل العبد الجادر، وأخيرا الأستاذ إبراهيم المليفي رئيس تحريرها الحالي. لم يكن من الممكن أن يقرأها كل العرب، إلا إذا تلقت دعما ينزل بسعر النسخة إلى متناول كل يد، وكل قارئ، ولا كان من الممكن أن يقرأها كل العرب، إلا إذا توفرت لها إرادة كويتية رأت أن للكويت دورا ثقافيا في محيطها العربي لا بد أن تؤديه، وأن تكون المجلة وجها من وجوه ذلك الدور متعدد الوجوه. أتذكر سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية التي مثلت الأساس في مكتبات بكاملها لدى القراء العرب، وأتذكر مـجـلـة «عــالــم الـفـكـر» الــتــي لــم تـكـن تـتـوقـف عــن الإبــحــار فـــي المـــيـــاه الـفـكـريـة الـعـمـيـقـة، وأتـــذكـــر سـلـسـلـة «المــســرح الـعـالمـي» الـتـي كـانـت تنقل آيـــات المـسـرح فـي الـعـالـم إلى القارئ العربي، وأتذكر غيرها من نوعها الكثير، فأذكر كَم قدمت الكويت للعرب من خدمات ثقافية كبيرة على مستوى واسع. أتـذكـر هــذا الـوجـه الثقافي المـضـيء، ثـم أتـذكـر معه وجها آخــر على المستوى الإنـسـانـي اشتهرت بـه البلاد أيام الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد يرحمه الله. فلم يكن العالم يشهد أزمـة إنسانية في أي مكان، إلا وكنت تجد الكويت حاضرة في القلب منها تساعد وتسعف، ولـــم تـكـن تــفــرق بــن الــذيــن طـالـتـهـم الأزمــــة عـلـى أســاس لغة، أو دين، أو جنس، وإنما كانت تتطلع إلى الإنسان مـن حيث هـو إنـسـان وكـفـى، ولــم يكن غريبا أن يشتهر أمـيـرهـا الأسـبـق الشيخ صـبـاح بـأنـه «أمـيـر الإنسانية» فيحمل هذا اللقب في سنواته الأخيرة، ولا كان غريبا أن يتلقى تكريما من أمين عام الأمم المتحدة في مقرها في نيويورك على الدور واللقب. وعندما جاء الشيخ نواف الأحمد أميرا في ما بعد، ثــم الـشـيـخ مـشـعـل الأحــمــد أمــيــرهــا الــحــالــي، فـــإن مـسـار العمل الإنساني راح يتواصل رغم كل الظروف. وإلـى جـوار الوجه الثقافي، والإنساني، كـان هناك وجـه سياسي بـــارز، وكــان هـذا الـوجـه يتجلى مـرة على المـسـتـوى الـعـربـي المـتـضـامـن مــع قـضـايـا الأمــــة، ثــم مـرة أخـــرى عـلـى المـسـتـوى الــخــاص بالتطبيع مــع إسـرائـيـل، فكان موقف الحكومة الدائم والمعلن هو كالتالي: نحن آخـر مَــن سـوف يُطبّع، وأن الكويت سـوف تتابع طريق العرب والفلسطينيين جميعاً، وأنهم إذا ارتضوا طريقا فـي قضية الـعـاقـة مـع إسـرائـيـل ثـم مـضـوا فـيـه، فسوف تتبعهم هي، وسوف ترتضي ما يرتضون، وسوف تكون كَمَن يوقّع على ورقة وقّع عليها كل العرب. وبـنـاء على الـحـديـث الـنـبـوي الـشـريـف الـــذي يقول: مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يكن فبلسانه، فـــإن لــم يـكـن فـبـقـلـبـه، وذلــــك أضــعــف الإيـــمـــان. ولا بــد أن الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها الكويت بالطائرات المُسيرة والصواريخ من جانب إيـران، هي من قبيل هذا المنكر المشار إليه في الحديث الشريف. يجب أن تتلقى الــكــويــت الـــدعـــم والمـــســـانـــدة، عــلــى مــســتــوى الـحـكـومـات والشعوب والأفراد في أرض العرب. فالحكومات العربية تستطيع أن تساند الـكـويـت ضـد الــعــدوان فتكون كمن يغير المنكر باليد، وتستطيع من خلال إعلامها أن تساند فتكون كمن يغير المنكر باللسان، أما الشعوب أو الأفراد ففي مقدورها أن تتعاطف مع الكويت، فتكون كمن يغير المنكر بقلبه، لأنه لا يستطيع تغييره بيده ولا بلسانه. الكويت تجد نفسها مدعوة يوما بعد يوم إلى صد هـجـمـات الــصــواريــخ والمــســيــرات عـلـيـهـا، وهـــي الــتــي لم تحمل شــرا فـي أي يــوم تـجـاه الإيـرانـيـن، ولا فـكـرت في إلحاق أي أذى بإيراني، ولكن حكم الجوار الـذي قضت بـه الجغرافيا يجعل جـوارهـا مـع إيـــران مـن نــوع أحكام الــقَــدَر التي لا راد لها. ومــع إقــرارهــا بـذلـك، فإنها كانت ولا تــزال تدعو حكومة المـرشـد فـي طـهـران إلـى أن تكون مبادئ حُسن هذا الجوار مرعية على الشاطئ الإيراني من الخليج، بقدر ما هي مرعية على الشاطئ الكويتي في المقابل. تبذل كل حكومة عربية ما تستطيعه تجاه الكويت من عون ومساعدة، وإذا لم يكن المواطن العربي الذي نشأ على مجلة «العربي» منذ صدورها، قـادرا على أن يقدم مــا تـقـدمـه الـحـكـومـات، فليس أقـــل مــن إظــهــار التعاطف الذي هو أضعف الإيمان. فـي أجـــواء تطغى عليها الـخـافـات التي بــرزت فـي المـواقـف والتصريحات خـال الأيـام القليلة الماضية، انتظمت مجموعة من القوى السياسية السودانية في اجتماعات تشاورية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تستمر من يونيو (حزيران) الجاري، بهدف معلن 5 إلى 3 يتمثل فـي محاولة دفــع الجهود الـرامـيـة إلى إنهاء الحرب، وإطلاق عملية سياسية جديدة. لـكـن الحقيقة أن هـــذه الاجـتـمـاعـات التي تنظمها «الآلية الخماسية» (الاتحاد الأوروبي والاتـحـاد الأفريقي والأمــم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة إيقاد) تبدو فرص نجاحها مــــحــــدودة بــالــنــظــر إلــــى مـــخـــرجـــات مـــحـــاولات مـتـفـرقـة سـابـقـة، وحـجـم الانـقـسـامـات الـحـادة بين القوى السياسية، وتغييب بعض الأطراف الــفـاعـلـة، ومــحــاولــة تـهـمـيـش الــجــيــش، فـضـا عـــن هـيـمـنـة عـقـلـيـة الإقـــصـــاء، وافــتــقــار معظم المشاركين إلى تفويض شعبي حقيقي. فـــمـــنـــذ انـــــــــدلاع الـــــحـــــرب عُـــــقـــــدت عـــشـــرات الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات، لكنها ظلت تـــدور فــي حلقة مـفـرغـة، وبـقـيـت فــي معظمها مــجــرد مـنـابـر لـلـخـطـابـات والـتـصـريـحـات من دون تأثير ملموس على الأرض. وتتغذى هذه الحلقة المفرغة على عوامل جـــوهـــريـــة عـــــدة فــــي مــقــدمــتــهــا أزمــــــة الـتـمـثـيـل والشرعية. فمعظم القوى السياسية المشاركة تعاني انقسامات داخلية حــادة، وتفتقر إلى تفويض شعبي حقيقي، ما يجعل مشاركتها أقـــــــرب إلـــــى مـــحـــاولـــة الـــبـــقـــاء عـــلـــى الــخــريــطــة السياسية منها إلــى البحث الـجـاد عـن إنهاء الحرب. كما أن المواقف المتضاربة أو الملتبسة إزاء طرفي الحرب تزيد المشهد تعقيدا في وقت لا يحتمل الضبابية. وفي ظل انعدام الثقة، ليس مستغربا أن ينظر الجيش السوداني إلى هذه الاجــتــمــاعــات بـاعـتـبـارهـا مــحــاولــة لـالـتـفـاف وتهميشه، وبالتالي يرفضها. وتــــــــزداد الـــشـــكـــوك مــــع الاعـــتـــقـــاد الــســائــد لدى قطاعات من السودانيين بأن بعض هذه الاجـــتـــمـــاعـــات تــســتــخــدم أحـــيـــانـــا بــاعــتــبــارهــا غـطـاء لـتـرتـيـبـات إقليمية أو لترتيب النفوذ بــن أطــــراف خـارجـيـة تتقاطع مصالحها في الــــســــودان، أكــثــر مـــن كـونـهـا مـنـصـات مكرسة لصناعة سلام حقيقي ومستدام. وفـــــي نـــهـــايـــة المـــــطـــــاف، ورغـــــــم الـــبـــيـــانـــات الـخـتـامـيـة المــتــكــررة، يـظـل الــغــائــب الأكــبــر هو آلـيـة التنفيذ. فالتوصيات تُــعـلـن، والـجـولات تتوالى، بينما تواصل الحرب فرض إيقاعها الخاص على الواقع السوداني. هل هناك مخرج من هذه الحلقة المفرغة؟ نعم، لكن ذلــك يتطلب شجاعة سياسية وإقـــــرارا صـريـحـا بـــأن الإقـــصـــاء المـسـيـطـر على المشهد ليس مجرد عقبة أمــام الـحـل، بـل أحد الجذور العميقة للأزمة السودانية المزمنة. فقد أسهم هذا النهج في خلق الأجـواء التي قادت البلد إلى الحرب، وهو يساهم اليوم في إطالة أمدها. فعلى المستوى السياسي جعلت بعض الأطــــــــراف، مــثــل مــجــمــوعــة تــحــالــف «صـــمـــود» إقصاء الإسلاميين مطلبا مركزياً، بينما يرد الإســـامـــيـــون وأنـــصـــارهـــم بــالمــثــل ويــحــاولــون إقـصـاء خصومهم، وإبـعـادهـم عـن أي تسوية محتملة، وهــكــذا يـتـحـول الــخــاف السياسي إلـــى صــــراع وجـــــودي، حـيـث يـسـعـى كـــل طـرف إلـى إلـغـاء الآخـــر، وكــأن نجاح أي حـل مرهون بــاخــتــفــاء الــخــصــم بــالــكــامــل. غــيــر أن تــجــارب السودان، وتجارب دول أخرى مرت بصراعات مشابهة، تؤكد أن الإقصاء الشامل ليس وصفة للاستقرار، بل طريق لإعادة إنتاج الأزمات. إن اســتــمــرار مــعــادلــة «إمــــا نـحـن أو هـم» يــجــعــل الـــحـــديـــث عــــن تـــســـويـــة شـــامـــلـــة مــجــرد وهم، ويحول كل مبادرة سياسية إلى معركة جديدة. وإذا بقي إقصاء الآخر شرطا للحوار، فستظل الحرب بالنسبة إلـى كثيرين وسيلة للبقاء في المشهد. من هنا يبدأ الحل الواقعي بالاعتراف بأن لا أحد يستطيع احتكار السودان، وأن الشعب وحده هو صاحب الحق في أن يقصي أو يأتي بـمـن يــريــد عـبـر صـنـاديـق الاقـــتـــراع، فــي إطــار نظام يقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة، لا على الاحتكام إلى السلاح. بـصـورة أكـثـر وضـوحـا، فــإن الـخـروج من الأزمــة يتطلب وقـف شـروط الإقصاء المسبقة، والـــقـــبـــول بــــحــــوار وطـــنـــي شـــامـــل لا يـسـتـثـنـي أحـــداً. كما يتطلب التوافق على مبدأ العدالة والمــحــاســبــة، بـحـيـث يُــحـاسـب المــتــورطــون في جـــرائـــم الـــحـــرب والـــفـــســـاد وفــــق الـــقـــانـــون، من دون تـحـويـل الانــتــمــاء الــفــكــري أو الـسـيـاسـي إلـى تهمة بحد ذاتـهـا. فالسودان يحتاج الآن إلـــى بــنــاء «هـــويـــة سـيـاسـيـة انـتـقـالـيـة» تـؤجـل خلافات طبيعة الدولة المدنية أو الدينية إلى مرحلة لاحقة عبر جمعية تأسيسية منتخبة، والاكـــتـــفـــاء فـــي الـــوقـــت الـــراهـــن بــالــتــوافــق على ميثاق مبادئ يحمي الحقوق والحريات، ولا يـفـرض وصـايـة قـسـريـة. وهـــذا بـــدوره يتطلب مـن الجميع الانتقال مـن شـرط «أنــا أولاً» إلى مفهوم «الوطن أولاً». الـــســـودان بـحـاجـة إلـــى مــقــاربــات واقـعـيـة وحـلـول تضع مصلحة البلد فـوق الحسابات الحزبية والآيديولوجية. فالبلد يواجه حربا اسـتـثـنـائـيـة بـكـل المـقـايـيـس، فــي ظــل تـدخـات خارجية لم تعد خافية على أحد. هذه المرحلة تتطلب وضوحا في المواقف، وتشبثا بالثوابت الوطنية، ودفاعا عن وحدة السودان وسيادته، ورفض التدخلات الخارجية المؤججة للحرب بهدف إضعاف الدولة أو تقسيمها. وفــــــي الـــنـــهـــايـــة، فــــــإن أي تـــســـويـــة قــابــلــة لـــلـــحـــيـــاة لا بـــــد أن تــــكــــون ســــودانــــيــــة المــنــشــأ والقرار. فالمجتمع الدولي يستطيع أن يساعد ويـــدعـــم، لـكـنـه لــن يستطيع أن يـصـنـع سلاما حقيقيا نيابة عن السودانيين. وهذا يعني أن الخيارات المصيرية مثل كيفية إنهاء الحرب، وشـــكـــل الــســلــطــة المــقــبــلــة، ومـسـتـقـبـل حـامـلـي الـسـاح، تتخذ مـن داخــل الـــســودان... وبـــإرادة سودانية خالصة. المجتمع الدولي يستطيع أن يساعد ويدعم لكنه لن يستطيع أن يصنع سلاما حقيقيا نيابة عن السودانيين سليمان جودة عثمان ميرغني OPINION الرأي 14 السودان... سلام مؤجل في متاهة الإقصاء! ليس أقل من أضعف الإيمان مع الكويت الأيدي البشرية الشكل اختبار لوعود الذكاء الاصطناعي *كاثرين ثوربيك

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky