مــتــى تـنـتـهـي هــــذه الــــروايــــة؟ ولمــــــاذا يتسلل أبطالها إلى مسرح لبنان؟ رواية الغرام والانتقام من أجمل بلد عربي، البلد الذي جلب الحداثة إلى المشرق العربي. من صناعة التأليف والنشر إلى القواميس والمـــوســـوعـــات، إلـــى الـصـحـافـة والــفــنــون والـفـكـر، ويـــمـــكـــن كـــتـــابـــة آلاف الأســــمــــاء الــلــبــنــانــيــة الــتــي أسهمت في تشكيل الوعي العربي الحديث دون تردد. هــل نـبـدأ عـنـد جــبــران خليل جـــبـــران، وأمــن الـريـحـانـي وميخائيل نعيمة، ولا نـتـوقـف عند بـــطـــرس الــبــســتــانــي ونــاصــيــف الـــيـــازجـــي ورواد النهضة العربية؟ وهـــــل نــغــفــل شــــــارل مـــالـــك الــــــذي شــــــارك فـي صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحسين مـــروة ومــهــدي عـامـل فــي الـفـكـر والـفـلـسـفـة؟ وهـل نـتـجـاهـل شــعــر سـعـيـد عــقــل والأخـــطـــل الصغير وخليل حاوي، وغناء فيروز وصباح، وموسيقى الأخوين رحباني ووديع الصافي؟ أما في السياسة فقد لا يعرف الجيل الحالي فـــــؤاد شـــهـــاب وكـــمـــال جــنــبــاط وصـــائـــب ســـام، وعشرات غيرهم. إن لبنان لـم يكن مـجـرد دولـــة صغيرة على شـــاطـــئ المـــتـــوســـط، فــقــد كــــان عــلــى الـــــــدوام فـكـرة ثـقـافـيـة كــبــرى، ومـــنـــارة عـربـيـة تــجــاوز تأثيرها حدود الجغرافيا. الجميع مغرم بلبنان إلى حد القتل! فمن الحب ما قتل. يريده لنفسه مرة، وينتقم منه مرات، وكأنه أرض اختبار وميدان رماية مفتوح للمتصارعين، فعلى مدى قرن كامل تهب عليه العواصف من كل اتجاه، وكـأن جغرافيته الفريدة، باتت جـزءا من مأساة شعبه العريق! نـــتـــذكـــر كـــيـــف ســــالــــت أنــــهــــار الـــــــدم فــــي زمـــن الــســفــاح جــمــال بــاشــا، وكــيــف عـــرف اللبنانيون عـلـى امـــتـــداد تـاريـخـهـم الــحــديــث الـقـهـر والـعـنـف والـــوصـــايـــة، والآن يــجــدون أنـفـسـهـم بــن مطرقة إســـرائـــيـــل وســـنـــدان الـــتـــدخـــات الإيـــرانـــيـــة، وكـــأن بلادهم ما زالت أرضا مستباحة تتنازعها القوى الإقليمية، لا تريد أن تغادرها إلا بعد أن تحصل على نصيبها من النفوذ والغنيمة. هـــل حـــان الـــوقـــت لإنـــهـــاء الـــروايـــة اللبنانية التراجيدية؟ وهـل آن الأوان للتخلص مـن أدران الــطــائــفــيــة والمـــذهـــبـــيـــة، وقــــد اســتــنــزفــت الـــدولـــة، وأضــعــفــت المــجــتــمــع، لـيـعـيـش الـلـبـنـانـيـون على أرضهم دون اختطاف من هذا المحور أو ذاك؟ يقول عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح وتـــمـــارس الــعــنــف المــــشــــروع، ولــبــنــان فـــي حـاجـة ماسة إلى استعادة هذه القاعدة، بحيث تصبح الدولة وحدها صاحبة القرار والسيادة والسلاح، فلا يبقى في البلاد مركز قوة ينافسها أو يعلو عليها. شـاء حظ لبنان أن يقع في شـرك الجغرافيا المـلـتـهـبـة، فـــكـــان مـــن أوائـــــل الـــبـــلـــدان الـــتـــي دفـعـت ثمن الــصــراع الـعـربـي الإسـرائـيـلـي، ومـنـذ إنشاء فـجـأة، تدفق إليه اللاجئون 1948 إسـرائـيـل عــام الفلسطينيون، والحروب المتلاحقة والاجتياحات الإســـرائـــيـــلـــيـــة، أصـــبـــح لــبــنــان جـــــزءا مـــن مــعــادلــة إقليمية معقدة تفوق قدرته على الاحتمال. وفــي الـوقـت نفسه، وجــد أصـحـاب المشاريع الإقليمية فـي تركيبته الطائفية الهشة مدخلا ســهــا للتأثير والــنــفــوذ، وكـلـمـا أصــــاب المنطقة اضــــــطــــــراب، كــــــان لـــبـــنـــان مـــــن أوائـــــــــل المـــرشـــحـــن لـدفـع الـثـمـن، وكـأنـه الحلقة الــرخــوة فـي سلسلة الصراعات المتشابكة. هل نستطيع أن نقول إن الـدرس قد انتهى؟ وإن الحرب التي اندلعت منذ السابع من أكتوبر لم تعد تحتمل التمدد إلى 2023 ) (تشرين الأول جبهات جديدة؟ وهل يمكن أن تكون هذه الجولة الـدامـيـة هـي الأخـيـرة فـي مسلسل الـحـروب الـذي أنهك المنطقة لعقود؟ كـان الرئيس المصري الـراحـل أنــور السادات يقول: «ارفعوا أيديكم عن لبنان»، عندما تحولت بعض الـقـوى التي دخلت بـدعـوى حماية السلم الأهــلــي إلـــى قـــوى وصــايــة وهـيـمـنـة، والآن يبدو النداء أكثر إلحاحا واتساعاً: ارفعوا أيديكم عن لبنان، وعن سائر دول الإقليم العربي، فالشعوب لم تعد تحتمل دفع أثمان مشاريع الآخرين. لـــقـــد كــشــفــت الـــســـنـــوات الأخــــيــــرة أن الـــقـــوى الإقليمية والدولية، على اختلاف شعاراتها، لا تنظر إلى المنطقة باعتبارها وطنا للشعوب. ومع ذلك، تلوح في الأفق بوادر لحظة عربية جـديـدة، تتشكل بـن عــدد مـن الـقـوى الفاعلة في المـنـطـقـة، هـدفـهـا حـمـايـة الأمـــن الـقـومـي الـعـربـي، واستعادة مفهوم الدولة الوطنية والابتعاد عن الاستقطابات الحادة التي تمزق الإقليم. إن التجارب أثبتت أن بناء الدول أكثر جدوى من هدمها، وأن التنمية أكثر بقاء من الحروب، وأن المستقبل لا تصنعه الميليشيات ولا مشاريع الهيمنة، إنـمـا تصنعه الـــدول المستقرة الـقـادرة على حماية مواطنيها، وصيانة مصالحها. ويــبــقــى الــــســــؤال مــعــلــقــا: مــتــى تـنـتـهـي هــذه الــروايــة الـفـادحـة؟ ومـتـى يـعـود لبنان إلــى دوره الطبيعي، منارة للثقافة والفكر والإبـداع؟ ومتى ينتهي لبنان الساحة إلى لبنان الوطن؟ لبنان الذي أعطى العرب الشعر والموسيقى والفكر والصحافة والنهضة يستحق أن يعيش، وأن يـكـتـب فـصـلـه الـــقـــادم بـيـد أبــنــائــه الأذكـــيـــاء، وأن يعود كما كـان دائـمـا: وطنا للحياة وجسرا لـلـثـقـافـة، ولــيــس أرضــــا لاخـتـبـار الـقـتـلـة، والـحـق أقول: فلتنسوا لبنان قليلاً. Issue 17354 - العدد Wednesday - 2026/6/3 الأربعاء بــرحــيــل الــفــيــلــســوف الــفــرنــســي إدغــــار مـايـو/ 29 - 1921 يـولـيـو/تـمـوز 8( مــــوران ) يفقد المجال الفلسفي أحد أقطابه 2026 أيار الـــكـــبـــار؛ فــهــو فــيــلــســوف انــشــغــل بـالـنـظـريـة المعرفية كما في كتابه «المنهج» وبالتوازي مــع هـــذا الــخــط كـــان مـنـفـعـا بـالمــجــال الـعـام السياسي والدنيوي وله مداخلات وحوارات مطولة حول كل مستجد يجري في العالم، وما كان منعزلا في قوقعة النظريات الكلية بل بقي محافظا على مقالات وكتابات عن شؤون البشر اليومية، وكان لقوله أثر مهم في متابعيه وتلاميذه، وقد انشغل بمفاهيم يوميّة كالسعادة والقلق وحـــاول تأسيس مفهوم للعيش والحياة. لطالما مثَّلت علاقة الإنسان بالكينونة والــوجــود عـمـودا أصـيـا فـي بـنـاء الفلسفة عبر العصور. لم تكن الرحلة نحو الإجابة ســهــلــة، لا عــلــى مـــــوران ولا عــلــى الـفـاسـفـة الـسـابـقـن، ذلـــك لأن الإجــابــة عنها تستلزم خـوض دروب وعــرة كما هو تعبير هيدغر الـــشـــهـــيـــر، وعــــبــــر الـــعـــصـــور لــــم ولـــــن يــكــون الإنـــســـان مطمئناً، وإنــمــا سـيـظـل فــي حالة بـــحـــث دائــــمــــة عــنــهــا. مـــا مـــن إجــــابــــات لـحـل هذه المعضلة، وإنما قصارى ما وصل إليه التفكير الفلسفي مـجـرّد مـقـاربـات ولكنها جدّية وضرورية. ثمة من ذهب نحو طريق الــيــأس أو الــقــنــوط، والـبـعـض الآخـــر اخـتـار طـريـق الحكمة وفـهـم الـعـيـش وأتــقــن قـيـادة حياته. فــكــرة مـــــوران أنــــه مـــن المـسـتـحـيـل خلق وصــفــة سـحـريـة قــط مــن أجـــل الــوصــول لفك لـغـز الـقـلـق الــبــشــري تــجــاه مـــا يــواجــهــه من تحدّيات، ولكن الأهم من كل ذلك ما فتحته تلك التحديات من أسئلة. الــذروات التقنية القصوى الحاليّة أدّت بكثيرين إلى محاولة إنكار الحياة الذاتية بسبب محاولة تقليد حياة الآخرين. إن فكرة المقارنة مع الآخرين تنزع الحياة من طبيعتها، وهذا يتّضح في الموضات الإعلامية، والحالات السوشيالية التي تضع غـشـاوة خطيرة تجعل الإنسان في حالة عناد لإدراك ما يعيشه من نعيم، إنها «مأساة المقارنة» الجنونية. مما يميز الفيلسوف مــوران أنـه عاش كــل الــتــحــوّلات خـــال الــقــرن المـــاضـــي، وبنى عــلــيــهــا فــلــســفــتــه حـــــول الــــحــــيــــاة، بــــل أبــــدى مـاحـظـات أسـاسـيّــة حــول الـحـيـاة الجديدة الـــتـــي تُــــعــــاش الآن، وبــــخــــاصــــة مــــا يـتـعـلـق بـالـتـطـوّر العلمي الـرهـيـب، وثـــورة «الـذكــاء الاصطناعي». من أهم مؤلفاته «الأحمق الغبي هو من جزء، 100 لا يفكر» وهو مؤلَّف موسوعي من ومـــن مـؤلـفـاتـه أيــضــا: «الـسـيـنـمـا أو الـرجـل الــخــيــالــي» و«وحــــــدة الإنـــســـان» و«الإنـــســـان والموت»، ومن أهمها كتابه «المنهج». عـــلـــى ســـبـــيـــل المـــــثـــــال؛ رأى مــــــــوران فـي حـــوار معه حــول كتابه «المـنـهـج»: «أن فكرة فــن الـعـيـش قـديـمـة، كـرسـت فـلـسـفـات الهند والــــصــــن والــــعــــصــــور الـــيـــونـــانـــيـــة الــقــديــمــة نـفـسـهـا لـــهـــذا الـــبـــحـــث. إنـــهـــا تـــقـــدم نفسها اليوم بطريقة جديدة في حضارتنا تتميز بـالـتـصـنـيـع والــتــحــضــر والــتــنــمــيــة وتــفــوق الكمّي. إن التطلع المعاصر إلـى فـن الحياة هو أولا وقبل كل شيء رد فعل مفيد لأمراض حـضـارتـنـا، ومـكـنـنـة الــحــيــاة، والتخصص المــفــرط، والـكـرونـومـتـر. إن تعميم الشعور بـــالـــضـــيـــق، بـــمـــا فــــي ذلـــــك داخــــــل الـــرفـــاهـــيـــة المادية، يثير، كرد فعل، الحاجة إلى السلام الداخلي، والوفرة، والوفاء، أي التطلع إلى الحياة الحقيقية». وحين سُئل عن مفهومه المتداول حول إصـــاح الـحـيـاة أجـــاب بــوضــوح: «يـجـب أن يشمل إصلاح الحياة في الوقت نفسه اثنين مـن أعمق التطلعات الإنسانية التكميلية: التأكيد، (أنا) في الحرية والمسؤولية، وذلك الانـــدمـــاج لـــ(نــحــن) الــتــي تــؤسّــس الاعـتـمـاد عـــلـــى الآخــــريــــن فــــي الـــتـــعـــاطـــف، والـــصـــداقـــة والـــــحـــــب. يــشــجــعــنــا إصــــــاح الـــحـــيـــاة عـلـى الانضمام إلى المجتمعات من دون أن نفقد أيا من استقلاليتنا». تتعلق إحـدى أولويات إصـاح الحياة برأيه أن يتعلم الإنسان أشكالا جديدة من الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي؛ مــا تـسـمـى سياسة الـرعـايـة والاهـتـمـام بـالآخـريـن هـي جــزء من المشاريع الكبرى لإصلاح الحياة. الـــخـــاصـــة؛ أنــــه بــرحــيــل مــــــوران نـــدرك أن وضــع إجــابــات حـاسـمـة على المعضلات الـقـائـمـة أمـــر مستحيل، نـعـم هــو عـلـّـمـنـا أن الإنـسـان أضـاع زمنه ووجـــوده ووقته بغية إصــــاح الآخـــريـــن، مـــن دون إدراك مستوى الــــخــــراب فــــي حـــيـــاتـــه. لـــــب فـــكـــرة مـــــــوران أن إصــــاح الـحـيـاة قـيـمـة وجـــوديـــة عـلـيـا بغية صـيـاغـة مـقـاربـة للطمأنينة المــنــشــودة. أمـا الـتـبـاهـي انـطـاقـا مــن مـعـيـار مـقـارنـة الـــذات بـالآخـريـن فـهـذه هــي الـكـارثـة الـكـبـرى. هـذه فكرته الأساسية نحو حياة رشيدة صالحة، أما نظريّاته المعرفية الكبرى فيمكن قراءتها في مظانّها. رحل ورمى علينا أسئلته التي لم يُجِب عنها، وقال لنا إن الحكمة الدنيوية اليوميّة يمكنها أن تصقل التجربة النظريّة الفلسفية. أصبح من الشائع القول إن «حزب الإصلاح الـــبـــريـــطـــانـــي» قــــد غـــيّـــر نـــطـــاق الآراء المـــقـــبـــولـــة، والمقصود نطاق الآراء المقبولة لدى التيار السائد خــــال فـــتـــرة بـعـيـنـهـا. وقــــد نــجــح الــــحــــزب، الـــذي يقوده نايجل فاراج اليميني المتشدد، بالفعل في تغيير مسار النقاش البريطاني حـول الهجرة، تـمـامـا مثلما أشـعـلـت الأحـــــزاب الـسـابـقـة شـــرارة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وجاءت المكاسب هائلة؛ فمنذ تأسيسه قبل سبع سنوات فقط، ظل «حزب الإصلاح»، مهيمنا عـــلـــى الـــســـلـــطـــات المــحــلــيــة الإنـــجـــلـــيـــزيـــة. وتـشـيـر استطلاعات الـرأي إلى أن فـاراج في طريقه نحو منصب رئيس الوزراء في الانتخابات المقبلة. ومــن السهل نسيان أن «حـــزب الإصــــاح» لا يزال لديه ثمانية أعضاء فقط في البرلمان. ويأمل الــحــزب فــي إضــافــة مـقـعـد آخــــر، مــن خـــال ثلاثة أسابيع في انتخابات فرعية في ماكرفيلد بشمال غـربـي إنـجـلـتـرا. مثل هــذا الـفـوز سيأتي بمنزلة انـــتـــصـــار مـــضـــاعـــف، لأنــــه ســيــكــون عــلــى حـسـاب عمدة مانشستر، آنــدي بورنهام، الــذي يخوض الانتخابات على هذا المقعد، على أمل العودة إلى مجلس العموم، وخلافة كير ستارمر في منصب رئـيـس الــــوزراء عـن «حـــزب الـعـمـال». الحقيقة أن هذه الانتخابات تمثل لحظة تاريخية في مسار السياسة البريطانية. فـي المـقـابـل، ربـمـا تتعرقل طموحات «حـزب الإصـــــــــاح» مــــن حـــــزب «اســــتــــعــــادة بـــريـــطـــانـــيـــا»، المـــنـــافـــس الــــــذي يـــتّـــبـــع مــــســــارا مـــشـــابـــهـــا، والـــــذي اسـتـغـل تــحــوّل خـطـاب فـــــاراج، وعــــزّز مـوقـفـه في أقصى اليمين. هذا الأمر ليس خبرا سيئا لـ«حزب الإصلاح» فحسب، بل إن انخراط «حزب استعادة بـريـطـانـيـا» عـبـر وســائــل الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي فــي ســاحــات الـــصـــراع الـثـقـافـي، مـثـل التغييرات المــنــاخــيــة والــتــمــاســك الاجـــتـــمـــاعـــي، أمـــــر مُــحـبـط للغاية. وكما قـال ييتس، إذا لم يصمد الوسط، فإن الأمور بأكملها ستتداعى. وتكمن مشكلة تحطيم الـرمـوز فـي صعوبة السيطرة على الأمر. وبعد أن طمس فاراج حدود المـقـبـول، بـــات يُــكـافـح الآن للحفاظ عـلـى موقفه. وكثيرا ما يخفق حزبه في حشد مؤيديه، للبقاء على الجانب الصحيح من العنصرية الصارخة. كما أن خصومه من اليسار المتشدد، مثل «حزب الخضر»، يفشلون باستمرار في الاختبار نفسه فيما يتعلق بمعاداة السامية. الملاحَظ أنه في بعض الأحيان، عجز «حزب الإصــــــاح»، أو امــتــنــع، عـــن اسـتـبـعـاد المـرشـحـن الذين يعبرون عن آراء مقيتة تنطوي على تمييز جنسي، أو معاداة للسامية، أو تأييد لروسيا، أو كراهية للإسلام. أضف إلى ذلك، أنه لم يُبد حزما كـافـيـا فــي إدانــــة أعــمــال الـشـغـب، الـتـي تستهدف طالبي اللجوء. بمجرد الانخراط في هذا العالم الـــبـــشـــع، مـــا الـــــذي يــمــنــع الــنــاخــبــن المـنـاهـضـن للهجرة من الانضمام كليا إلى حزب «استعادة بريطانيا»؟ مـــــن جــــهــــتــــه، يـــــدافـــــع الـــــحـــــزب الــــجــــديــــد عــن نـــزعـــة وطـــنـــيـــة بــغــيــضــة يــطــلــق عــلــيــهــا «الـــنـــزعـــة الأنــغــلــوســكــســونــيــة الـــضـــيـــقـــة»، كـــانـــت تُـــعـــد فـي السابق مرفوضة، لكنها أصبحت الآن جـزءا من التيار السائد. مـــن جــهــتــه، يــهــاجــم المـــؤســـس روبــــــرت لــوي ومؤيدوه ما يسميه «الزحف المتواصل للإسلام المتطرف»، ولا يبدي اكتراثا بوصمه من اليمين المتطرف أو شخص عنصري. ويــــدافــــع حــــزب «اســـتـــعـــادة بــريــطــانــيــا» عن الترحيل الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين، على غرار أتباع حركة «اجعل أميركا عظيمة مرة أخـرى»، بمن في ذلك طالبو اللجوء. كما يقترح الـحـزب شـن غـــارات لـطـرد مـا يصل إلــى مليوني رجـــل وامـــــرأة وطـفـل عـلـى امـــتـــداد ثـــاث سـنـوات. وعـبـر مـنـشـور عـلـى مـوقـع «إكــــس»، قـــال لـــوي إن حــكــومــة يــقــودهــا حــــزب «اســـتـــعـــادة بـريـطـانـيـا» ستفرض حظرا على البرقع، ومحاكم الشريعة، وزواج الأقـــــــــــارب، والـــــذبـــــح الـــــحـــــال، والــــصــــاة الجماعية، علاوة على العمل عكس اتجاه الهجرة الجماعية، وترحيل الإسلاميين الأجانب، ووضع نهاية للإسلام السياسي. جدير بالذكر أن حزب «استعادة بريطانيا» تأسس قبل ثلاثة أشهر فقط، ومـع ذلـك فـاز بما في المائة من الأصــوات خلال 6 في المائة و 3 بين استطلاعات الرأي. قد لا تبدو هذه أرقاما كبيرة. ومــــع ذلـــــك، فــإنــهــا كــافــيــة لأن تــثــيــر قــلــق «حـــزب الإصــــــاح». وبـالـفـعـل، فـقـد الــحــزب الــــذي يـقـوده فـــــاراج بـالـفـعـل واحـــــدا مـــن كـــل ثـمـانـيـة مـؤيـديـن لصالح الـحـزب الـصـاعـد، حسب تـقـديـرات جون كيرتيس، المعني باستطلاعات الرأي. وفـــــي ظــــل المـــشـــهـــد الـــســـيـــاســـي الــبــريــطــانــي المتشظي والمتبدل باستمرار الآن، حلَّت خمسة أحزاب وطنية قادرة على المنافسة محل الثنائي القديم المكون من حزبي «العمال» و«المحافظين»، بالإضافة إلـى قـوى قومية قوية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. والمؤكد أن حزبا آخر في أقصى اليمين يزيد من حدة الارتباك. فـي ماكرفيلد، كشف اسـتـطـاع رأي حديث (وإن كـــــان عـــلـــى عـــيّـــنـــة صـــغـــيـــرة) عــــن أن حـــزب «اســــتــــعــــادة بـــريـــطـــانـــيـــا» يــحــتــل المــــركــــز الــثــالــث فـــي المــــائــــة، مــتــقــدمــا عــلــى المـحـافـظـن 7 بـنـسـبـة والديمقراطيين الليبراليين السائدين. وكان هذا كـافـيـا لإعـــاقـــة حـــزب «الإصـــــــاح»، الــــذي يتخلف فـي المـائـة. وتشير 3 عـن حــزب «الـعـمـال» بنسبة التقارير الميدانية إلـى أنـه ربما يقلل مـن تقدير مدى انتشار حزب «استعادة بريطانيا». وتشكل وسـائـل التواصل الاجتماعي جـزءا كـــبـــيـــرا مــــن نـــجـــاح الــــحــــزب. يُــــذكــــر أن لـــــدى لـــوي مليوني متابع على «فيسبوك» -عدد أكبر بكثير مــــن ســـتـــارمـــر. وحـــســـب جـــــاك بـــيـــكـــوك، الــبــاحــث لـدى مؤسسة «فوكالداتا»، يميل أنصار «حزب الإصــــــاح» إلـــى أن يــكــونــوا مـــن الــشــبــاب الــذكــور غير الحاصلين على شـهـادة جماعية، يعانون مـــن انـــعـــدام الاســـتـــقـــرار الاقـــتـــصـــادي، ويـسـتـقـون أخــــبــــارهــــم وآراءهــــــــــم بـــشـــكـــل كـــبـــيـــر مــــن وســـائـــل التواصل الاجتماعي. قـبـل الانــتــخــابــات المـحـلـيـة، الـشـهـر المــاضــي، ألقيت نظرة سريعة على الحسابات، التي تعرّف عـــن نـفـسـهـا بـوصـفـهـا تـابـعـة لــــ«حـــزب اسـتـعـادة بريطانيا». ووجدت عشرات الرسائل المصحوبة بـــصـــور لمــرشــحــي «حـــــزب الإصـــــــاح» مـــن الــســود والآســـيـــويـــن. وبـــــدا المــعــنــى الـضـمـنـي واضـــحـــا: تفتقر جماعة فاراج إلى النقاء العرقي الضروري. ولــــيــــس مــــن المـــســـتـــغـــرب أن يـــحـــظـــى «حــــزب استعادة بريطانيا» بدعم قوي من إيلون ماسك، المـــلـــيـــارديـــر المـــالـــك لــشــركــة «إكـــــــس»، والمـــهـــووس بمسألة العرق، والذي يشارك بانتظام منشورات «حـــــــزب اســــتــــعــــادة بــــريــــطــــانــــيــــا». وحـــــــذا حـــــذوه محرضون آخرون من اليمين المتطرف، بمن فيهم تـاكـر كـارلـسـون، الـــذي حظيت مقابلته مـع لوي على «يوتيوب» بملايين المشاهدات. وجــرى انتخاب لــوي، رجــل أعـمـال مليونير ورئــــيــــس نـــــــادي كــــــرة قــــــدم ســــابــــق، كــــــان عــضــوا بالبرلمان الأوروبي عن حزب «بريكست»، بقيادة ، تحت رايـــة حزب 2024 فــــاراج، فـي الـبـرلمـان عــام «الإصلاح». إلا أنه انطلق بمفرده قبل نحو عام، بعد سنوات من الخلاف مع زعيم الحزب. وعلى ما يبدو فإن الدافع كان تغريدة من ماسك -الذي كان يحب فـاراج، لكنه يـراه مفتقرا إلى الحماس القومي- يزعم فيها أن لوي يجب أن يتولى قيادة حزب «الإصلاح». وجـــاء صـعـود حـــزب «اســتــعــادة بريطانيا» ســـريـــعـــا، لــــدرجــــة أن حـــــزب «الإصـــــــــاح» أُصـــيـــب بــالــذعــر. وقـوبـلـت مـــحـــاولات تشجيع لـــوي على الـــتـــنـــحـــي، لــتــجــنــب انـــقـــســـام الـــيـــمـــن المـــنـــاهـــض للمهاجرين في ماكرفيلد، بالسخرية. أما حزب «المحافظين»، الذي خاض هذه المعركة معه على مدار سنوات، فسيتابع صراعات فاراج بابتسامة ساخرة. الـــــيـــــوم، يـــبـــدو حـــــزب «الإصــــــــــاح» مـنـقـسـمـا بــن أولــئــك الــراغــبــن فــي تصعيد الــهــجــوم على المـــهـــاجـــريـــن، وأولـــئـــك الـــذيـــن يــخــشــون أن يـــؤدي ذلـك إلـى إبعاد المنشقين عن حـزب «المحافظين». الأســبــوع المــاضــي، وجَّـــه المـتـحـدث بـاسـم الـحـزب لـــلـــشـــؤون الـــداخـــلـــيـــة، ضـــيـــا يــــوســــف، انـــتـــقـــادات إلــى روبـــرت جينريك، الــوزيــر المـحـافـظ السابق، الـــــــذي يـــــــرأس المــــلــــف الاقـــــتـــــصـــــادي داخـــــــل حـــزب «الإصـــــاح»، لإنــكــاره أن حـكـومـة فــــاراج سترحِّل الــرعــايــا الأجـــانـــب، الــذيــن يـعـيـشـون فــي المساكن الاجتماعية. ويـدافـع لـوي، من جهته، بفخر عن مثل هذه الخطة. ويميل حزبا «العمال» و«المحافظين»، اللذان عانيا من صعود حزب «الإصلاح»، إلى الاحتفاء بمصاعب فاراج. وينطبق هذا بشكل خاص على بورنهام، إذ إن كل صوت يُمنح لحزب «الإصلاح» في ماكرفيلد يعني صوتا أقل لحزب «الإصلاح». إلا أنـه لا ينبغي لأحـد أن يحتفل بصعود حزب كهذا. لـــــقـــــد خـــــلـــــق انـــــتـــــشـــــار وســـــــائـــــــل الـــــتـــــواصـــــل الاجتماعي وتـشـرذم النظام السياسي الظروف المـثـالـيـة لـــدخـــول حــــزب فـــظ وقـــومـــي عـــرقـــي، كـان فــي الـسـابـق مـحـصـورا فــي الـهـامـش، إلـــى التيار الرئيس. وعليه، أصبحنا جميعا أفقر حالاً. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» فهد سليمان الشقيران *روزا برينس جمال الكشكي OPINION الرأي 14 بريطانيا تُجر نحو مكان شديد البشاعة رحيل موران... قرن من الفلسفة والحكمة متى يعود لبنان إلى دوره الطبيعي؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky