اســــتــــدعــــى الـــــجـــــدل المـــتـــصـــاعـــد عـــــن مــــــدى دقـــة وشمول مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في متابعة أداء الدول الاقتصادي ومقارنتها بعضها ببعض، تكليف الأمـم المتحدة لجنة من الخبراء لتقييم هذا المــؤشــر المـعـمـول بــه مـنـذ أربـعـيـنـات الــقــرن المـاضـي، واقتراح البدائل. وصدر في شهر مايو (أيار) الماضي الـتـقـريـر الـنـهـائـي للجنة، الـتـي رأســهــا الاقـتـصـادي الهندي الأسـتـاذ بجامعة كورنيل كاوشيك باسو، والاقتصادية الأرجنتينية الأستاذة بجامعة تولين، نــــورا لـوسـتـيـج، بــعــنــوان «قـــيـــاس مـــا يــهــم: بوصلة لتقدم الناس والكوكب». وتضمّن التقرير، بعد عام من المشاورات، توصيات تقترح تغيير طريقة تقييم أداء الــــدول بـنـظـام مـحـاسـبـي جــديــد. ولا يستبعد التقرير الناتج المحلي الإجمالي، ولكنه يعتمد لوحة مــؤشــرات تتضمنه ولـكـن لا تحمّله مــا لا يحتمل، وتستند إلى أربعة محاور: رفاه عموم الناس 2 . السلام وحقوق الإنسان 1 الاستدامة 4 الإنصاف والشمول 3 . وكوكب الأرض والمتانة. ولنستأنس بالتاريخ لفهم المشكلة. ففي كتاب لـاقـتـصـاديـة الـبـريـطـانـيـة ديــــان كــويــل عــن بــدايــات اسـتـخـدام مـؤشـر الـنـاتـج المحلي الإجـمـالـي يتجلى الارتباط بين تطور الاهتمام بالحسابات القومية، ورصــد الأداء الاقـتـصـادي الـعـام منذ الـقـرن السابع عــشــر بـــالـــحـــروب والــــقــــدرة عــلــى جــبــايــة الــضــرائــب لتمويلها. وطـــــــــــوَّر الاقــــــتــــــصــــــادي الأمــــــيــــــركــــــي، الـــــروســـــي الأصـل، سيمون كوزنتس، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في تقرير . وفـــي مؤتمر 1934 للكونغرس الأمـيـركـي فــي عـــام تـم اعتماد 1944 بـريـتـون وودز الـــذي عُــقـد فـي عــام الــنــاتــج المــحــلــي الإجـــمـــالـــي مـــؤشـــرا رئـيـسـيـا لــــأداء الاقتصادي وتطوره للفترة التالية للحرب العالمية الثانية حتى اليوم. ويحصر المؤشر ما أنتجه الاقتصاد من سلع وخدمات في سنة محددة، ومكوناته هي الاستهلاك الإجمالي والإنـفـاق الحكومي، وصافي الـصـادرات. وقد توسع استخدام المؤشر بالرصد المستمر لأداء اقتصادات الدول، وبحكم الاعتياد أصبح هذا الرقم الإحـصـائـي البسيط بعد تــداولــه وشـيـوعـه بمثابة المؤشر العام لقياس نجاح وفشل الاقتصاد، وحول دلالاته تتنافس القوى السياسية، وتضطرب بسببه الأوضاع العامة، وقد تسقط بسببه حكومات. 2024 ) وفـي مقال منشور فـي سبتمبر (أيـلـول بمجلة «لانست»، استعرضت الباحثة أنجك جانسن ومـجـمـوعـة مــن الـبـاحـثـن عـلـى مــــدار خـمـسـة عقود أدبـــيـــات مــن مـــحـــاولات لـلـتـمـرد عـلـى الاعــتــمــاد على مـؤشـر نـمـو الـنـاتـج المـحـلـي مــؤشــرا أحــاديــا لقياس الـرفـاه والازدهــــار. فعلى الـرغـم مـن أن الناتج كانت له تاريخيا علاقة طردية بتحسن مستوى المعيشة؛ لكنه لا يقيسها بشكل مباشر. وإنـه بعد حد معين مـن الـدخـل تفتر العلاقة بـن زيـــادة الناتج والدخل من ناحية ومستوى المعيشة من ناحية أخرى. وإنه بمنظور طويل الأجل للعلاقة بين الرضا أو السعادة ونمو الدخل ينخفض تأثير الناتج منفرداً. فالناتج المـحـلـي لـيـس الـعـامـل الـوحـيـد فــي تـحـسـن مستوى المـعـيـشـة. ولـتـنـظـر فـــي أحـــــوال مـــن نـمـو الــنــاتــج مع انــحــســار فـــي فــــرص الــعــمــل، الـــتـــي تـشـهـدهـا بعض المجتمعات كـأن يكون الناتج كثيفا فـي رأس المـال، أو بتكنولوجيا طاردة للعمالة في بعض القطاعات. فــــهــــذا المــــؤشــــر لا يـــحـــســـب، ولــــــم يــــــدع حــســاب الـعـمـل بــا أجـــر كـرعـايـة الـطـفـل والمـحـتـاجـن للعون فــــي الأســــــــرة، رغـــــم قــيــمــتــهــا الإيـــجـــابـــيـــة لـلـمـجـتـمـع والاقتصاد. كما لا يكترث، ولم يدع الاكتراث بعدالة تـــوزيـــع الـــدخـــل. كــمــا لا يــقــيــس، ولــــم يــــدع الــقــيــاس، لتكلفة استنزاف الموارد الطبيعية الناضبة والتلوث البيئي. وبالتالي، فإن الناتج رغم أهميته الحيوية التي لا يجب بحال التهوين منها، ولا يجب أن يكون مقياسا منفصلا للرفاه أو العدالة أو الاستدامة، في أي مجتمع. ومن الجدير بالذكر، أن مصمم مؤشر الناتج المحلي الإجمالي سيمون كوزنتس نفسه قد حذَّر من استخدامه بمفرده لتقييم رفاه المجتمعات والأمـم. وحتى لا تشتط الحماسة بالبعض فيهمل هــذا المــؤشــر، فمن دون الـنـاتـج ونـمـوه نـمـوا مطردا وعادلا ومستداما فلا سبيل للتقدم بحال. وفــكــرة اســتــخــدام لــوحــة مـــؤشـــرات أو مفاتيح بدلا من الاعتماد على مؤشر وحيد، تم تناولها من قبل باجتهادات مختلفة. كان منها ما استعرضتُه مستشرفا لنتائج مــشــروع الأمـــم المـتـحـدة فــي هـذه الــصــحــيــفــة الــــغــــراء فــــي مـــقـــال مـــنـــشـــور فــــي أكــتــوبــر عـــن تـــوطـــن الــتــنــمــيــة. وقــد 2023 ) (تـــشـــريـــن الأول اســتــنــدت فــي هـــذا إلـــى مـجـمـوعـة عـمـل قــادهــا مايك ،2014 سبنس الحائز «نوبل في الاقتصاد» في عام وكنت أحـد أعضائها وخرجت بتقرير عن «نماذج الـنـمـو الــجــديــدة، والـتـحـديـات والــخــطــوات لتحقيق أنــــمــــاط لــنــمــو أكـــثـــر عــــدالــــة وشــــمــــولا واســــتــــدامــــة». وأضافت المجموعة إلى مؤشر نمو الناتج مؤشرات عن حساب رأس المال الطبيعي، والبطالة، والعدالة بين الجنسين، والتنافسية، والاستثمارات العامة، وتكافؤ الفرص. وبـــصـــدور تــقــريــر خـــبـــراء الأمـــــم المــتــحــدة نحن من المـؤشـرات التي تضمها 31 بصدد منظومة من لوحة مقسمة إلـى محاور أربعة رئيسية، ويرتبط أكثر مـن نصفها ارتباطا مباشرا بـأهـداف التنمية المـــســـتـــدامـــة: المـــحـــور الأول مـجـمـوعـة مـــؤشـــرات عن الـحـوكـمـة وكــفــاءة المـؤسـسـات وضـمـانـاتـهـا والثقة بها لترسي قواعد الحقوق والسلم للبشر والكوكب. والـثـانـي مقاييس تعكس أحــــوال الــنــاس المعيشية وظـــروفـــهـــم المـــاديـــة والـــعـــمـــل، والـــصـــحـــة، والـتـعـلـيـم، والأمــــــن، والــتــمــاســك الاجــتــمــاعــي، وجـــــودة الـبـيـئـة. والثالث معني بالعدالة والشمول ويقيّم من خلال مؤشرات الفقر، التفاوت في توزيع الدخل والفجوات بين مجموعات السكان وبين الأجيال. والرابع معني بـالاسـتـدامـة والمــتــانــة بـمـا يـربـط الأوضـــــاع الـراهـنـة بمستوى المعيشة المستقبلي، وذلك من خلال قياس أنـــــواع مـخـتـلـفـة لــــرأس المــــال بـمـا فـــي ذلـــك الـبـشـري، والاجتماعي، والمادي، والمؤسسي، والطبيعي. إذن، خرج التقرير وأوصى بما أوصى لقياس أداء الأمـــم بما هـو أدق وأشـمـل وأكـثـر دلالـــة لعموم الناس وصناع القرار، وفقا لتقرير معديه. والعبرة كـمـا هــي دائــمــا فــي الـسـيـاسـات الـعـامـة بالتطبيق، ولهذا نقاش آخر يتناوله مقال مقبل. -2024 ) مارس (آذار 13 قبل عامين تقريبا -في كان لي مقال في هذا المقام تحت عنوان: «ليس لنا إلا أنفسنا؟!». كـــــان الــــوقــــت آنـــــــذاك مــظــلــمــا بـــعـــد عـــامـــن مـن الــــحــــرب الأوكـــــرانـــــيـــــة، واهـــــتـــــزاز الـــنـــظـــام الـــدولـــي بعدها؛ والأخطر كان مرور نصف عام على حرب غــــزة الــخــامــســة، ومــــا بــــات ارتـــجـــاجـــا فـــي الـنـظـام الإقـلـيـمـي. الآن اكـتـمـلـت حـلـقـة الـــــزلازل الــتــي ألمـت بـالـعـالـم، والإقــلــيــم، وجـمـيـع الــــدول الـعـربـيـة بعد نشوب حـرب الخليج الرابعة التي أخـذت حلقات يوما في يونيو (حزيران) الماضي، 12 من حرب الـ حتى 2026 ) فبراير (شباط 28 حتى جاءت حرب وقـــتـــنـــا الـــحـــالـــي. مـــركـــب الــــحــــروب الــــثــــاث وضـــع الـعـالـم الـعـربـي فــي درجــــات عـالـيـة مــن السخونة الــتــي يـسـمـونـهـا عـلـى ضـــوء المـــعـــارك بالتصعيد الـــــذي فــــاق كـــل الــــحــــروب، والــــتــــوتــــرات الإقـلـيـمـيـة السابقة. وقع العالم العربي وسط مسلسل الشد والــــجــــذب الــــدولــــي الـــــذي طــــال الـــصـــن، وروســـيـــا، والولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب؛ وتــعــرضــت حـلـقـة اسـتـراتـيـجـيـة جـــديـــدة لأخــطــار بالغة ممثلة في مضيق «هرمز» ساد الظن العالي باستحالتها؛ ولـكـنـهـا فــي ظــل ظـــروف معاصرة انضمت إلى سابقتيها في مضيق «بـاب المندب» و«قناة السويس». وبعد أن كان الجناح الشرقي للعالم العربي معرضا للصواريخ التي أصابت دولا عربية خليجية من قبل الحوثيين، فإنه بات معرضا للضربات الإيرانية، ومن بعدها «الحشد الشعبي» وأمثاله في العراق. ازدحام هذه الحلقات وتداخلها جعلا المرحلة الحالية من العمل العربي في أدق مراحلها التي ستُوقع على النخب العربية عبئا ثقيلاً، وأثقل بــمــراحــل مـــن تـلـك المـنـعـطـفـات الــتــي خـبـرتـهـا. ولا يــوجــد مـــا يــؤكــد ذلـــك أكــثــر مـــن الـنـتـائـج الـحـالـيـة لـحـرب غــزة الـتـي تجسدت فـي مــبــادرة للسلام لم تـتـعـد نقطتها الأولــــى فــي التنفيذ، ومـــا زلـنـا في انــتــظــار صــــوت مـجـلـس ســامــهــا، نـــظـــرا لـطـغـيـان صوت حرب الخليج الرابعة. الحرب في الخليج في صعودها وهبوطها كانت آخر ما أشهرته هو ما سُمي «مذكرة تفاهم» بــن طــهــران وواشــنــطــن، وأحــيــانــا وثـيـقـة «إســـام آباد» نسبة إلى العاصمة الباكستانية. يجيئ هذا في الوقت الذي تأكل فيه إسرائيل في أراضي غزة، والضفة الغربية، ومعهما جنوب لبنان، وما بعد نهر الليطاني؛ ولا يوجد أي أفـق مضمون لقيام الدولة الفلسطينية حتى الآن. وســط ذلــك كله فــإن الـجـديـد فـي الأمـــر هـو أن «الـعـالـم الـعـربـي» لـم يعد كما كـــان، وبـعـد فــورات «الــربــيــع الــعــربــي» المـــزعـــوم، فـــإن تـــيـــارا إصـاحـيـا دخل إلى اثنتي عشرة دولة عربية لم توجد لديها ميليشيات من أي نوع، ولا فيها حرب أهلية بأي شكل. وسـط ذلـك كله جـرت التجارب الإصلاحية معبرة عن نضج تجاربها الوطنية، والتي باتت على استعداد للاستمرار في بناء الأوطان، بينما تــدفــع بـعـيـدا مـــحـــاولات الــتــوريــط، أو الاســتــفــزاز، وفـــــي الــحــقــيــقــة صـــمـــدت دول مــجــلــس الـــتـــعـــاون بحكمة ورويــــة أمــــام الـــعـــدوان الإيـــرانـــي الـغـاشـم، بينما تحافظ على أدائها السياسي الذي يحاصر الـــــحـــــرب. فــــي الـــــداخـــــل جــــــرت مـــعـــجـــزات لـلـتـغـلـب عـــلـــى الـــبـــيـــروقـــراطـــيـــة، والمـــحـــافـــظـــة، والـــرجـــعـــيـــة؛ بــقــدر مـــا ظــهــرت مــامــح اتـــبـــاع مــنــاهــج «الــكــمــون الاستراتيجي»، و«إدارة الثروات» بدلا من «الفتح الاستراتيجي»، و«توزيع الفقر»، والاستفادة إلى أكـبـر مـــدى مــن الـتـعـدديـة فــي الــتــجــارب التنموية العالمية، وخـاصـة تلك الواقعة فـي آسـيـا. وللمرة الأولــــى ربــمــا مـنـذ فــتــرات الاســتــقــال الأولــــي بعد الحروب العالمية، فإن تفعيل الداخل وقدراته بات أكـثـر أهمية مـن المـشـاهـد العالمية الـدولـيـة، اللهم إلا إذا كـانـت ذات ارتـبـاط وثـيـق بمعدلات النمو، والرقي، والرفعة. الأمـــر ببساطة يـقـودنـا إلـــى أنـــه فــي مواجهة واقـــــع مـشـتـعـل وكــثــيــر الـــشـــرر، لا بـــد مـــن تـحـالـف الـدول الـقـادرة، وسليمة البنية الداخلية، ولديها من الديموغرافيا، والجغرافيا، والقدرات ما يكفي للتعامل الـدبـلـومـاسـي، والـسـيـاسـي مـع الأطـــراف المختلفة لـأزمـة إقليميا وعـالمـيـا. هـي مـن ناحية تحاول تجنب اللهب الدائر، وتناضل من أجل منع امتداده واتساعه واستمراره. مصر، والسعودية، وقطر، وعُمان تشارك في جهود الوساطة بأشكال مـخـتـلـفـة، وتـبـقـى بــاقــي الأطـــــراف الـعـربـيـة المهمة فـــي الأردن، والــبــحــريــن، والـــكـــويـــت، وربـــمـــا أكـثـر، في دائـرة التشاور. ومع ذلك فإن الأمر يتطلب ما هـو أكـثـر، ولا يقل عـن استراتيجية متكاملة يتم رسمها ممن يتمتعون بالثقة، والتقاء المصالح. وســــوف تــكــون مـنـاسـبـة تــاريــخــيــة لـلـتـخـلـص من ثــقــافــة أدوات الـــتـــواصـــل الاجــتــمــاعــي الــتــي بـاتـت غالبة على شبكاتنا الإعلامية. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17354 - العدد Wednesday - 2026/6/3 الأربعاء عبد المنعم سعيد محمود محيي الدين ليس لنا إلا أنفسنا... مرة أخرى الناتج وما بعده والأهم ما قبله
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky