issue17354

يصر عمالقة التكنولوجيا على أن الذكاء الاصطناعي أكثر التقنيات تطورا في تاريخ البشرية على الإطـــاق، بل ذهب سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، إلــى حـد وصــف ظـهـوره بـأنـه «أعــمــق» مـن اكـتـشـاف الـنـار أو اخــتــراع الـكـهـربـاء. وزاد رجـــل الأعــمــال مـــارك أنـدريـسـن على ذلك، إذ رأى أن الذكاء الاصطناعي «ربما يكون أكثر التقنيات ثورية في تاريخ البشرية». ربـــمـــا، لــكــن لا يـــــزال كـــثـــيـــرون، الــــيــــوم، يـسـتـغـلـون هــذه التكنولوجيا لإنتاج مقاطع إباحية ومقاطع فيديو للقطط - أمــــور لا تُــحــدث فــرقــا يُــذكــر فــي الــحــيــاة. وقـــد تــبــدو بعض اســتــخــدامــات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي رجـعـيـة تـمـامـا. والــافــت أن الــروحــانــيــة، الـتـي طـالمـا ارتـبـطـت بـالـثـقـافـات «الـبـدائـيـة» والـــخـــوارق، اكتسبت حـيـاة جـديـدة عبر «روبــوتــات المـــوت»، التي تُمكّن الأحـيـاء من التواصل مع نُسخ طِبق الأصــل من أحبائهم المتوفّين. ولا تُــعـد هــذه المـــرة الأولـــى الـتـي يـجـري فيها المـــزج بين الحداثة من جهة، والغيب والخوارق من جهة أخـرى. جدير بالذكر أنـه لـدى ظهور تقنيات أحدثت تحولا كبيرا قبل ما يقرب من قرنين، حدث رد فعل مماثل. فَكّرْ، على سبيل المثال، فيما حدث عندما واجه البشر، للمرة الأولـى، هذا الاختراع الجديد المحيِّر: التلغراف. ظـــــهـــــرت الــــفــــكــــرة الأســـــاســـــيـــــة لـــلـــجـــهـــاز أوائــــــــــل الــــقــــرن التاسع عـشـر، عندما بــدأ العلماء فهم خصائص الظواهر الـكـهـرومـغـنـاطـيـسـيـة. وفـــي ثـاثـيـنـات الــقــرن الـتـاسـع عشر، نـجـح رجــــان ـ صــامــويــل إف بــي مــــورس وألــفــريــد فـيـل ـ في بناء نموذج عملي للتلغراف. وتألّف هذا النموذج من جهاز إرسال، مكون من بطارية ترسل نبضات كهربائية عبر سلك. وفي الطرف الآخـر، كان جهاز الاستقبال يحتوي على إبرة مغناطيسية تتحرك استجابة لوجود التيار أو انعدامه. وعــنــدمــا كــــان الــشــخــص، الـــــذي يــتــولــى تـشـغـيـل جـهـاز الإرســـــــال، يـغـيـر مــــدة بـــقـــاء الــــدائــــرة مــفــتــوحــة، كــــان بـإمـكـان الــشــخــص عــلــى جـــانـــب الاســتــقــبــال الــتــمــيــيــز بـــن الإشــــــارات الـطـويـلـة والـقـصـيـرة. وأصــبــح هـــذا الـنـظـام الـثـنـائـي أســاس «النقاط» و«الشرطات» الشهيرة في «شيفرة مورس»، وجرى تـخـصـيـص تـسـلـسـل مـخـتـلـف مـــن الــنــقــاط والـــشـــرطـــات لكل حـرف من حـروف الأبجدية. وقـد ابتكر مـورس وفيل طريقة للتواصل الفوري عبر مسافات شاسعة. .1844 وأقام الثنائي عرضا عاما للتلغراف عام في غضون عامين، بدأت أسلاك التلغراف تربط الناس ببعضهم بـعـضـا. وأعــجــب الـسـيـنـاتـور جـــون ســي كـالـهـون، الــذي لـم يكن معروفا بحساسيته المفرطة، بكيفية «امـتـداد الأســـاك السحرية فـي جميع الاتـجـاهـات فــوق الأرض»، ما يخلق ما وصفه بـ«شبكات غامضة». حينها، كان التلغراف، مثل الــذكــاء الاصطناعي الــيــوم، عصيا على الــوصــف. فقط مفردات اللغة المعنية بالخوارق بدت مناسبة للحديث عنه. وربما يساعد هذا في تفسير ما حدث بعد ذلك. في عام ، أبلغت شقيقتان صغيرتان - كيت ومـاجـي فوكس - 1848 في شمال ولاية نيويورك، بسماعهما أصـوات طَــرْق غريبة، زعمتا أنها صادرة عن روح رجل مقتول، دفنه المالك السابق 14 و 11 للمنزل في قبو منزلهما. كانت الفتاتان، البالغتان عاماً، على قناعة بـأن الطرقات الغامضة لم تكن عشوائية، كـــان الــرجــل يــحــاول إخـبـارهـمـا بــشــيء مـــا. وتـــا ذلـــك إجـــراء محادثات. وسرعان ما ادعت الشقيقتان فوكس أنهما تتواصلان مع أرواح أخرى رحلت عن الدنيا، كما فعل عدد متزايد من الأفراد الآخرين، ومعظمهم من النساء، الذين اكتسبوا فجأة الموهبة نفسها في «التواصل مع الأرواح». وما جرى الكشف عنه بعد عقود بوصفه مزحة، سرعان ما تحوَّل إلـى حركة جماهيرية اجتاحت البلاد، وفي النهاية شتى أرجاء العالم الناطق باللغة الإنجليزية. وتـولـدت قناعة لـدى ملايين الأميركيين بــأن بإمكانهم التحدث إلى الموتى، ودخلت جلسات استحضار الأرواح في الثقافة السائدة. وعبّر أندرو جاكسون ديفيس، الذي يمكن الـقـول إنــه أهــم مُـــروّج للروحانية فـي الــولايــات المـتـحـدة، عن . وقال إن التحدث إلى الموتى «ليس 1850 الأمر صراحة، عام أشـد تعقيدا أو روعــة» من كيفية إرســال التلغراف الرسائل عبر الأسلاك. وبـالمـثـل، أكَّـــد أبــولــوس مـــون، روحــانــي بـــارز آخـــر، هذه الفكرة، مشيرا بوضوح إلى «تشابه بين طريقة التواصل بين العالمين الروحي والطبيعي عبر طَرقات كهربائية، وطريقة التواصل بين الأماكن البعيدة عبر التلغراف المغناطيسي». وعبْر هذه الرؤية، تُصبح طرقات الأرواح مُماثلة لـ«شيفرة مورس» في التلغراف، «مُطابقة لأحرف الأبجدية». وقد دعّمت سلسلة كاملة من التفسيرات الميتافيزيقية هـــذا الـتـشـابـه، مُــشـبـهـة الـتـلـغـراف المغناطيسي، الـــذي حطّم حـــدود الــزمــان والمــكــان، بــ«الـتـلـغـراف الـسـمـاوي» الـــذي وحّــد الأحياء والأمـــوات. وقـد أشــادت أول صحيفة أصدرتها هذه الحركة، «التلغراف الروحي»، بهذا الربط. وعندما سعى ديفيس إلى تحديد هوية مَن بين الموتى كان مسؤولا عن توحيد عالمي الأحياء والأمـــوات، ادّعـى أن روح بنجامين فرنكلين، الذي يُنسب إليه الفضل الأول وراء اكتشاف الكهرباء، كانت العامل المحوري هنا. وسرعان ما ظهر فرنكلين مرارا في جلسات تحضير الأرواح، وتحاور مع الأميركيين المُتحمسين لسماع حكمته. كما جرى استدعاء جورج واشنطن، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، من العالم الآخر هو الآخر. قد يبدو هذا كأنه حركة هامشية، لكنَّه، في واقع الأمر، اجـتـذب مـايـن المـؤيـديـن مـن الطبقتين المتوسطة والعليا. يُذكر أن كثيرا من مهندسي الكهرباء، الذين أمضوا حياتهم المـهـنـيـة فـــي مـــجـــال الـــتـــلـــغـــراف، حــمــلــوا بــداخــلــهــم اهـتـمـامـا شخصيا عميقا بالروحانية، مثل كـرومـويـل فـارلـي، الـذي أسهم في بناء كابل التلغراف عبر المحيط الأطلسي، وحضر جـلـسـات تحضير الأرواح، الـتـي نظّمتها إحـــدى شقيقات فوكس. اللافت أن تقنيات أخرى بدت سحرية، للوهلة الأولى، أثـــــارت ردود فـعـل مـمـاثـلـة. مـــثـــاً، حـفـز اخـــتـــراع الـتـصـويـر الـــفـــوتـــوغـــرافـــي حـــركـــة ســعــت إلــــى تــوثــيــق «الأشــــبــــاح» عبر الـصـور. كما أشعل ظهور الهاتف موجة روحـانـيـة أخــرى. ويُـــعـــد أحــــدث إصـــــدار مـــن هـــذه الـــظـــاهـــرة، المـــدعـــوم بـالـذكـاء الاصطناعي، الوارث المباشر لهذا التقليد. بـــالـــنـــظـــر إلـــــــى مـــــا ســـــبـــــق، يـــنـــبـــغـــي ألا يُـــفـــاجـــئـــنـــا أن الـتـكـنـولـوجـيـا المـتـقـدمـة لا تــــزال تُــثـيـر مــمــارســات مرتبطة بالتواصل مع الأرواح، أقـرب إلـى ممارسات المجتمعات ما قبل الحديثة. ورغـــم براعتنا فـي صناعة الآلات، أراهـــن أن كثيرا منا يفضل ســرا متعة السحر والـجـمـال على الـراحـة الــبــاردة الـتـي تـوفـرهـا التكنولوجيا الـحـديـثـة. الحقيقة أن هذا تحديدا ما يجعلنا بشرا ـ الأمر الذي يميزنا عن الذكاء الاصطناعي. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» تقول الحكمة إن الحقيقة قد يحاول البعض التشكيك فيها أو التقليل من شأنها، لكنَّها تبقى حقيقة قائمة لا يـمـكـن إنــكــارهــا. والـحـقـيـقـة الــتــي أكــدهــا مــوســم حــج هـذا العام أن المملكة العربية السعودية تواصل تقديم نموذج اســتــثــنــائــي فـــي إدارة الـــحـــج وخـــدمـــة ضـــيـــوف الــرحــمــن، مستندة إلى خبرة تراكمية طويلة ورؤية متجددة تسعى إلـى تطوير الخدمات عاما بعد عـام؛ فالحج ليس مجرد مناسبة موسمية، بل عملية تنظيمية ولوجستية وأمنية معقدة تتطلب إدارة ملايين البشر القادمين من مختلف أنحاء العالم خـال أيــام مـحـدودة وفـي مساحة جغرافية محددة. ورغم ضخامة هذا التحدي، أثبتت المملكة مجددا قدرتها على إدارة الحشود بكفاءة عالية، وتوفير بيئة آمـنـة ومـيـسـرة تمكن الـحـجـاج مــن أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة. ويعود هذا النجاح إلى الإرادة الراسخة التي جـعـلـت خــدمــة الــحــرمــن الـشـريـفـن وقـاصـديـهـمـا أولــويــة وطنية منذ تأسيس المملكة على يـد المـلـك عبد العزيز - رحمه الله - واستمرت نهجا ثابتا في عهد أبنائه الملوك مـن بـعـده، كما يعكس حجم الاسـتـثـمـارات الكبيرة التي وجهتها الدولة لتطوير المشاعر المقدسة والبنية التحتية وشبكات النقل والخدمات الصحية والأمنية. ومـــن أبــــرز مــامــح حـــج هـــذا الـــعـــام الــحــضــور الـافـت للتقنية في مختلف مراحل الخدمة؛ فقد أصبحت الأنظمة الــذكــيــة والـتـطـبـيـقـات الــرقــمــيــة جـــــزءا أســاســيــا مـــن إدارة الحشود، ومتابعة الحركة، وتقديم الخدمات، ورفع كفاءة الاسـتـجـابـة لــلــحــالات الــطــارئــة. ولـــم تـعـد الـتـقـنـيـة مجرد وسيلة مساندة، بل أصبحت عنصرا رئيسيا في منظومة الحج الحديثة، تسهم في رفع جودة الخدمات، وتحسين تـجـربـة الـــحـــاج، كـمـا بــــرزت حــالــة الانــضــبــاط والتنسيق الـعـالـيـة بــن مختلف الـجـهـات المـشـاركـة فــي الــحــج، وهـو مـا انعكس على انسيابية الـحـركـة، وسـرعـة التعامل مع التحديات الميدانية؛ فالنجاح الذي يشاهده الجميع على أرض الــواقــع هـو نتيجة تخطيط دقـيـق وعـمـل متواصل ومراجعة مستمرة للدروس المستفادة من المواسم السابقة بهدف تطوير الأداء، وتجاوز أي ملاحظات محتملة. وفـــي الـجـانـب الإنــســانــي، تـتـجـلَّــى واحــــدة مــن أجمل صور الحج السعودي؛ فالعاملون في مختلف القطاعات الأمنية والصحية والخدمية والتطوعية يقدمون نموذجا مشرفا في العطاء والتفاني، يجمع بين الحزم في تطبيق الأنـظـمـة، والـحـرص على راحـــة الحجاج وخدمتهم. وقد وثـــقـــت عـــدســـات الـــحـــجـــاج ووســــائــــل الإعــــــام الـــعـــديـــد من المـواقـف الإنسانية التي تعكس القيم الأصيلة للمجتمع الــســعــودي، وروح المـسـؤولـيـة الـتـي يـتـحـلَّــى بـهـا أبــنــاؤه، كما أسهمت التغطية الإعلامية الواسعة في نقل صورة الحج إلى العالم، وإبراز حجم الجهود المبذولة والخدمات المـــقـــدمـــة لــضــيــوف الـــرحـــمـــن؛ مـــا عــــزز مـــن مــكــانــة المـمـلـكـة بوصفها الـدولـة الأقـــدر على إدارة هــذا التجمع البشري الفريد. وفـــي الــخــتــام، يبقى نـجـاح الـحـج ثـمـرة لتوجيهات الـــقـــيـــادة الـــرشـــيـــدة وجـــهـــود آلاف الــعــامــلــن مـــن مختلف الـقـطـاعـات، الـذيـن يعملون بـــروح الفريق الـواحـد لخدمة ضيوف الرحمن. إنها رسـالـة إنسانية وحضارية تؤكد فـي كـل عــام أن خـدمـة الحجاج ليست واجـبـا فحسب، بل شرف عظيم ومسؤولية تتشرف المملكة بحملها، والقيام بها على أكمل وجه. مــــعــــضــــلــــة الــــــــصــــــــراع فـــــــي لــــبــــنــــان أنَّـــــه لـــن يـنـتـهـي بــمــجــرد وقــــف إطـــاق الــــنــــار، وضـــمـــان عــــدم تـــكـــرار الـــعـــدوان الإسرائيلي وتنفيذ قرار حصر السلاح فــــي يــــد الـــــدولـــــة، إنَّــــمــــا أيـــضـــا -وربَّــــمــــا أساساً- التعامل مع بيئة «حزب الله» التي أبدت تململها من النزوح المتكرر، وانـــتـــقـــدت أحـــيـــانـــا الــــحــــزب، وحــمَّــلــتــه جانبا من مسؤولية ما أصابها، ومع ذلك سيظل التحدي الأكبر بعد انتهاء الــــحــــرب يــتــعــلــق أســــاســــا بــمــعــالــجــات أساسية داخل المؤسسات اللبنانية. والــحــقــيــقــة أن الــــرهــــان الـحـقـيـقـي لـــن يـــكـــون فـــي «انــــقــــاب» بـيـئـة «حـــزب الله» على الحزب بسبب المآسي التي خلفتها حــروبــه والـضـحـايـا والــدمــار الــــذي حـــل بـمـنـاطـقـهـا؛ لأن جـانـبـا من هــــــذه الـــبـــيـــئـــة ســـيـــظـــل يـــعـــتـــبـــر ســـاح الحزب جـزءا من قوَّته داخـل التركيبة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة، وحـــتـــى لــــو قَــــبِــــل بـنـهـايـة الهيمنة لصالح المكانة. إن الـــســـؤال الــــذي يـجـب أن يُــطـرح عقب نهاية الحرب سيكون ليس فقط أمـنـيـا؛ بــل سـيـكـون أســاســا اجتماعيا وســـيـــاســـيـــا وأنــــثــــروبــــولــــوجــــيــــا حـــول تـاريـخ الـطـوائـف اللبنانية، ودورهـــا، وطبيعة النظام اللبناني منذ استقلال الـــبـــلـــد وقـــبـــلـــه مــــن أجـــــل «فـــــك شــيــفــرة» هذا التفرد الـذي عرفته تجربة «حزب الـــــلـــــه» بـــــصـــــورة لـــــم تـــعـــرفـــهـــا تـــجـــارب بقية الــطــوائــف، وهـــذا الاسـتـثـمـار في العسكرة والتنظيم المسلح الـذي كسر مـعـادلـة الـتـوافـق والــــردع المـتـبـادل بين المــكــونــات الـلـبـنـانـيـة، لـصـالـح نـمـوذج مـــســـلـــح هـــيـــمـــن عـــــقـــــودا عــــلــــى الـــــقـــــرار السياسي والعسكري. ومـــن هـنـا سـيُــصـبـح الـــســـؤال: أيـن ستذهب طاقة «حـزب الله» الداخلية؟ فــــي المــــائــــة مـن 90 ومــــــــاذا ســيــفــعــل الـــــــــ عـــنـــاصـــر الــــحــــزب الــــذيــــن لا يـــحـــاربـــون إسرائيل؟ وإلــى مَــن سيتوجهون بعد انتهاء الحرب؟ الــــــخــــــوف عــــلــــى الـــــسِّـــــلـــــم الأهــــلــــي مـــشـــروع؛ لأن تـطـبـيـق الـــقـــرار الـــــذي لا بديل عنه في حصرية السلاح في يد الـــدولـــة لــن يــكــون ســهــاً، ولــكــن الأكـثـر صـــعـــوبـــة ســـيـــكـــون فــــي تـــحـــويـــل بـيـئـة «حــــــزب الــــلــــه» إلـــــى بــيــئــة تــشــبــه بـقـيـة البيئات اللبنانية التي تعرف التنوع والخلاف السياسي، ولا يختزل فيها حزب أو ثنائي حزبي طائفة كاملة في مشروع سياسي واحد. إن أي مـــهـــتـــم أو مـــتـــابـــع لــلــشــأن اللبناني سيندهش من تغلغل مشروع «حــــــزب الــــلــــه» فــــي أوســـــــاط قـــطـــاع مـن اللبنانيين على مدار أكثر من ربع قرن، وكــيــف تـــحـــوَّل ســـاح الـــحـــزب مـــن قـوة تحرير ضد الاحتلال الإسرائيلي عام إلى قوة هيمنة وسيطرة وإقحام 2000 الــــبــــاد والـــعـــبـــاد فــــي حــــــروب لـصـالـح الآخرين. والــحــقــيــقــة أن مـــشـــاريـــع الــتــشــدد الديني والعقائدي شهدتها الطوائف والأديـــــــــــــــان كــــلــــهــــا فــــــي داخــــــــــل لـــبـــنـــان وخـــارجـــه، ولـكـنـهـا كــانــت دائــمــا تمثل جانبا من مكونات هذه الطائفة أو تلك، فقد عـرف لبنان تـشـددا سُنِّياً، وعـرف تشددا مسيحياً، ولكن الفرق أن هؤلاء لـم ينجحوا فـي أخــذ طوائفهم رهينة لمشاريعهم السياسية أو المذهبية. لا شك في أن التحدي الذي يواجه تـنـفـيـذ قـــــرار حــصــريــة الـــســـاح فـــي يد الــــدولــــة يـعـتـبـر مـــن الأمــــــور الـصـعـبـة، ولكن تحدي تحويل بيئة «حزب الله» إلـــى بـيـئـة تـشـبـه بـقـيـة الـلـبـنـانـيـن هو الأمر الأصعب ولكنه ليس مستحيلاً، وليس بمعنى أن يتحدثوا مثل بقية اللبنانيين، ولا أن يـكـون لـهـم المـوقـف السياسي نفسه، إنما يكون بداخلهم التنوع الصحي الموجود في الطوائف كــلــهــا، وأن يـقـتـنـعـوا بــــأن الـــســـاح لن يجلب مكانة ولا تفوقاً، وأن يقتنعوا بـــدعـــم مـــؤســـســـات الــــدولــــة لــكــي تـكـون قادرة على حماية الجميع. علينا أن نـتـذكـر أن بــلــدا صغيرا مـــثـــل لـــبـــنـــان قـــــــدَّم مــــن خـــــال طـــوائـــفـــه كـــلـــهـــا ســـيـــاســـيـــن وفــــنــــانــــن وأدبــــــــاء كـــــبـــــاراً، وأيــــضــــا مـــقـــاومـــن لـــاحـــتـــال إذا لــــزم الأمـــــر، كــمــا أنــــه يـــعـــرف ثـقـافـة عــابــرة لـلـطـوائـف تــقــوم عـلـى الـتـجـارة والـخـدمـات والسياحة، وقـــدَّم مبدعين في المجالات كلها نافسوا دولا راسخة فــــي المــنــطــقــة عـــــدد ســكــانــهــا أكـــثـــر مـن عـشـرة أضــعــاف سـكـان لـبـنـان، لـــذا بـدا غريبا على هـذا البلد هيمنة مشروع التشدد الديني وولايـة الفقيه المرتبط بمصالح دولـــة إقليمية، ليصبح هو «صوت الطائفة الوحيد»! إن التحدي الــذي سيواجه لبنان عقب انـتـهـاء الـحـرب سيكون مشروع «حــــزب الـــلـــه»، والــقــيــمــة الــتــي فـرضـهـا عــلـــى قـــطـــاع مــــن الــلــبــنــانــيــن، وصـــــوَّر لـهـم أن ســاحــه هــو مــصــدر الـحـمـايـة، وبفضله تغيَّر وضع الطائفة الشيعية ومكانتها داخل الواقع اللبناني. والحقيقة أن هذا الكلام كله مردود عليه، ولمواجهته سيحتاج البلد إلى تـصـور متكامل اقـتـصـادي وسياسي وثـــقـــافـــي لــلــتــعــامــل مــــع هـــــذا الـــوضـــع، وكــــيــــف يـــمـــكـــن إعـــــــــادة تـــأهـــيـــل ودمـــــج العناصر غير المقاتلة في الحزب داخل مــؤســســات الـــدولـــة، وإيـــجـــاد مـداخـيـل مـالـيـة بـديـلـة لـتـلـك الــتــي كــانــت تنهال مـــن إيــــــران عــلــى الـــحـــزب ومــؤســســاتــه المــدنــيــة، ومـــا هـــو مـسـتـقـبـل الـعـنـاصـر العقائدية المقاتلة التي تحمل منظومة قيم مختلفة عـن تلك المــوجــودة داخـل الجيش اللبناني؟ نعتقد أن لبنان قادر على تجاوز هـــذه المـسـائـل إذا تــوفــرت الإرادة لـدى الـــجـــمـــيـــع، وإذا أراد الـــلـــبـــنـــانـــيـــون أن يــلــتــفــتــوا لـــبـــنـــاء بـــلـــدهـــم الـــــــذي أكــلــتــه الحروب. OPINION الرأي 12 Issue 17354 - العدد Wednesday - 2026/6/3 الأربعاء الحج والسعودية... الحقيقة المحسومة الذكاء الاصطناعي يحيي المزج بين الحداثة والغيبيات معركة لبنان الداخلية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com عمرو الشوبكي إبراهيم العثيمين *ستيفين ميم

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky