OPINION الرأي 12 Issue 17353 - العدد Tuesday - 2026/6/2 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com هل تصبح أوروبا قوة عالمية ثالثة؟! بـــعـــد الانـــــتـــــصـــــار فـــــي الـــــحـــــرب الـــعـــالمـــيـــة الثانية على الـنـازيـة، تـعـزَّزت وشـائـج المحبة والصداقة، والمصالح، والـرؤيـة المشتركة بين أوروبـــــا وأمــيــركــا فـصـاغـتـا مـعـا عــالــم مــا بعد الــــحــــرب، بـــقـــواعـــده الـــتـــجـــاريـــة، والــعــســكــريــة، ومـــؤســـســـاتـــه المــــالــــيــــة، وقـــوانـــيـــنـــه الــبــحــريــة والفضائية، وما له علاقة بحياة البشر. وهذا مـهَّــد لخطة مـارشـال لإعـمـار أوروبـــا المهدَّمة، وتـأسـيـس حـلـف الـنـاتـو لمـواجـهـة الشيوعية، وعزَّز الصلات الدينية والثقافية والتاريخية، وتماسك نخب الـقـارتـن بمفاهيم الليبرالية والديمقراطية. الــــحــــصــــيــــلــــة أنَّــــــهــــــمــــــا هــــــزمــــــا الاتــــــحــــــاد الــــســــوفــــيــــاتــــي مــــــن دون إطــــــــــاق رصـــــاصـــــة، وأصبحت أميركا لفترة وجيزة القطب الأوحد الـــذي يُــطــاع، ولا يـقـوى أحــد على معارضته. ومـع مجيء الرئيس الأميركي دونـالـد ترمب في ولايته الأولـى، تغيَّرت المعادلة، ولأسباب كثيرة، فساءت العلاقة مع أوروبا كثيراً، لكنها لـم تنهَر لأن نخبا أمـيـركـيـة، ووزراء، أدركـــوا أهمية أوروبــا ليس عاطفيا بل استراتيجياً. ترمب، في ولايته الثانية، وبعد سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب، وإخضاعه نسبيا مؤسسات الدولة، صدع بشغف تلك العلاقة، وتـركـهـا معلقة بخيط رفـيـع، قـد ينقطع عند هزة الريح الأولى. حـــــاول قـــــادة أوروبـــــــا انـــتـــهـــاج سـيـاسـة الاحـــــــتـــــــواء، والــــخــــضــــوع لــــتــــرمــــب، وتــحــمــل الــــتــــقــــريــــع، لإدراكـــــــهـــــــم تــــبــــعــــات الانــــســــحــــاب الأمـــيـــركـــي عــلــى أمــنــهــم، ولمّــــا لـــم تـنـجـح تلك أنَّ 2026 المـــحـــاولات، تـيـقـنـوا مــع بــدايــة عـــام ترمب ذهب بعيداً، بتدخله في شؤون أوروبا الــداخــلــيــة، وبـمـطـالـبـتـه بـجـزيـرة غـريـنـانـد، وتــــأيــــيــــده لـــبـــوتـــن ضــمــنــيــا عـــبـــر تـخـفـيـض 400 مليار إلـى 19 مساعداته لأوكـرانـيـا مـن مليون دولار، ثم استبعادهم من مفاوضات تحقيق السلام في أوكرانيا، وعرضه تسوية مــحــابــيــة لـــبـــوتـــن، وضـــــــارة بـــأمـــن أوروبـــــــا، وأخيرا مهاجمته إيران من دون استشارتهم، ومطالبته بـضـربـهـا، وهـــز اقـتـصـادهـم عبر إغلاق مضيق هرمز. ومـمـا أثـارهـم أكـثـر تخفيض عــدد قواته فـي أوروبــــا، تمهيدا لسحبها كلها، ودونـمـا مــــشــــاورة، مــعــرضــا أمــنــهــم لـلـخـطـر فـــي وجــه تــهــديــدات روســيــة تـتـصـاعـد وتــنــذر بــكــوارث. هذه التراكمات شكَّلت قناعة عندهم أن ترمب، كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فــي مـنـتـدى دافــــوس المــاضــي، «يــريــد إضـعـاف أوروبا وإخضاعها». ولمواجهة سياسة ترمب اعـــتـــمـــدوا ثــــاث مـــقـــاربـــات: تــعــزيــز الــدفــاعــات الـــعـــســـكـــريـــة الأوروبـــــــيـــــــة، وعــــقــــد الاتـــفـــاقـــيـــات التجارية ثنائياً، والـحـفـاظ على الـعـاقـة مع أميركا بمنطق «الصفقة الترمبية». أولاً، دفــــاعــــيــــا، قـــطـــعـــوا شــــوطــــا مـهـمـا فـي 5 بـــرفـــع نــســبــة الإنــــفــــاق الــعــســكــريــة إلـــــى المـــائـــة مـــن الإنـــتـــاج المــحــلــي الــكــلــي، وخـصـص مــلــيــار دولار تُـــــوزَّع 175 الاتـــحـــاد الأوروبـــــــي وفـــــق قــــــروض مـــيـــسَّـــرة عـــلـــى شــــركــــات إنـــتـــاج الأسلحة فـي الاتـحـاد الأوروبــــي، وبــإرشــادات أن يــركــز الـتـصـنـيـع عــلــى الأســلــحــة الـعـمـلـيـة، مثل «الـــدرون»، ذات التكلفة البسيطة مقارنة بالأسلحة المعقدة والثقيلة؛ ويعمل الاتحاد الأوروبــــــــــــي عـــلـــى مـــــشـــــروع «بـــرومـــيـــثـــيـــوس» الـفـضـائـي لإطـــاق أقــمــار اصطناعية تنافس شركة «سبيس إكس» المملوكة لإيلون ماسك، عـــاوة عـلـى مظلة نــوويــة أوروبـــيـــة تتزعمها فرنسا وبريطانيا بديلا للمظلة الأميركية. ثـــانـــيـــا، تــــجــــاريــــا، لــــم يــــصــــادق الاتـــحـــاد الأوروبـي على اتفاقية يوليو (تموز) الماضي تـــريـــلـــيـــون) الـــتـــي أعـــطـــت لأمـــيـــركـــا حـــق 1.6( تــصــديــر مـنـتـجـاتـهـا الـصـنـاعـيـة لأوروبــــــا من دون رســــوم مـقـابـل تـخـفـيـض الـضـريـبـة على في المائة؛ 15 إلى 30 الصادرات الأوروبية من كــمــا هــــــدَّد الاتــــحــــاد الأوروبــــــــي بـتـطـبـيـق بند «محاربة الإكراه التجاري» وبموجبه سيطبق بالمثل إجـــراءات ضريبة، ويقيد حـق الدخول للسوق الأوروبية. كـــمـــا وقَّـــــــع الاتـــــحـــــاد اتـــفـــاقـــيـــات ثــنــائــيــة مــع إنـدونـيـسـيـا وأسـتـرالـيـا وجــنــوب أفريقيا ملياراً، ومـع دول جنوب أميركا؛ 470 بقيمة وهذه الاتفاقيات تأطرت وفق صفقات ثنائية خارج الأطر الأممية. هذا الزخم سيسمح لهم أن يـــفـــاوضـــوا عــلــى قــــدم المــــســــاواة مـــع الـصـن وأمـيـركـا. ثـالـثـا، اعـتـمـدوا مـبـدأ جـديـدا يمكن وصفه بالمبدأ الأوروبـــي «الترمبي»، محاكاة لمبدأ ترمب النفعي، ومفاده أن أوروبا سترسم علاقاتها مـع أميركا وفـق المصلحة، ودونما الـــنـــظـــر إلــــــى الــــعــــاقــــة الـــتـــاريـــخـــيـــة، وعــنــصــر الـــعـــاطـــفـــة: الـــتـــعـــاون عـــنـــد تـــطـــابـــق المـــصـــالـــح، والافــــتــــراق عـنـد الـــتـــضـــارب. لــهــذا هــــدَّد تـرمـب أوروبــــا بالوعيد إن لـم تـصـادق على الاتـفـاق الـتـجـاري، وهاجمها لـعـدم الانـضـمـام لحربه مــع إيــــران؛ لـكـن أوروبــــا ردت بـــأن حـــرب إيـــران لـيـسـت حـــربـــهـــا، والاتــــفــــاق الـــتـــجـــاري خـاضـع لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، ووقفت ضده في غرينلاند وأجـــرت مــنــاورات عسكرية فوقها، ورفــعــت سـقـف الــدعــم لأوكــرانــيــا لمـنـع تسوية أميركية لا تراعي مصالح أوروبا. بـــهـــذه المــــقــــاربــــات الــــثــــاث بــــــدأت أوروبــــــا تـخـرج مـن عـبـاءة أمـيـركـا، وتحقق الاستقلال الاســتــراتــيــجــي، لــكــن يـبـقـى خــوفــهــا أن يفسر ترمب ذلك تحدياً، ويقلل علانية من التزاماته بـالـدفـاع عـن أوروبــــا، بينما الرئيس الـروسـي فلاديمير بوتين يرفع سقف الإثارة، بمسيَّرات، وتـهـديـدات، قـد تتطور لاحـتـال دول فـي بحر البلطيق أو أقصى الشمال. هذا الخوف يجبر أوروبــــا على المـسـايـرة، وضـبـط النفس ريثما يـتـحـقـق الاســـتـــقـــال الاســتــراتــيــجــي المـــوعـــود. وتدرك أوروبا أنها أقوى الآن بعد فشل روسيا فــــي احــــتــــال أوكـــــرانـــــيـــــا، وخـــســـارتـــهـــا نـصـف مليون جندي، وأراضــي احتلتها في الشهور الأخــيــرة، عــاوة على تـدهـور الاقـتـصـاد، بهذا تـؤكـد أوروبـــــا الـتـزامـهـا بـأمـن أوكــرانــيــا، وأنــه على بوتين قبول تسوية عادلة، وإذا ما قبلها فـالـفـضـل يـــعـــود لــتــرمــب لإخـــراجـــهـــا قـــســـرا من عباءة أميركا لتصبح قوة عالمية ثالثة. أحمد محمود عجاج بين فائض القوة واستعصاء الحسم في الصراعات الكبرى، لا تكمن المشكلة دائما في معرفة ما تريدُه الدول؛ بل في أن كل طرف يدخل المواجهة وهو يقاتل مـن أجــل هــدف مختلف. وهــذا تحديدا مـا يجعل العلاقة بين الـولايـات المتحدة وإيــران تبدو منذ سنوات، كأنَّها في حلقة مـفـرغـة مـــن الـتـصـعـيـد والـــتـــفـــاوض والــعــقــوبــات والــتــهــديــدات المتبادلة، مـن دون أن تصل إلـى الحسم. فواشنطن وطهران لا تخوضان المعركة نفسَها أصـاً، حتى لو استخدمتا اللغة ذاتَها. منذ انسحاب الرئيس دونالد ترمب من الاتفاق النووي ، بـــدا واضـــحـــا أن الـقـضـيـة بـالـنـسـبـة إلــيــه ليست 2018 عـــام مرتبطة فقط بنسبة تخصيب الـيـورانـيـوم أو عــدد أجهزة الـــطـــرد المــــركــــزي فــحــســب؛ بـــل ســيــاســيــة وشــخــصــيــة أيــضــا. فالرجل بنى جـزءا أساسيا من خطابه على أن اتفاق بـاراك أوبـامـا مع إيــران كـان «أســوأ صفقة في الـتـاريـخ»، وبالتالي لم يعد الهدف مجرد ضبط البرنامج النووي الإيـرانـي؛ بل إثبات أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون «أفـضـلَ» من الأول وأكـثـر تــشــدداً، وإظــهــار تـرمـب بوصفه الـرئـيـس الـــذي أجبر طهران على تقديم تنازلات أكبر. مــــن هـــنـــا يــمــكــن فـــهـــم مــــا يـــبـــدو تــنــاقــضــا فــــي الــســيــاســة الأمـــيـــركـــيـــة تـــجـــاه إيــــــــران. ضـــغـــط اقـــتـــصـــادي غـــيـــر مــســبــوق، وتــهــديــدات عسكرية مـتـكـررة، واغــتــيــالات مـبـاشـرة، يقابلها في الوقت عينِه فتح أبــواب التفاوض والحديث عن إمكانية التوصل إلى صفقة كبرى. كأن واشنطن لم تحسم حتى الآن مـا إذا كانت تريد تغيير سلوك النظام الإيــرانــي أم تغييره، وإذا كــانــت المـشـكـلـة الـبـرنـامـج الـــنـــووي أم تـشـمـل الـصـواريـخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وشبكة الحلفاء. فـــي هـــذا المــشــهــد، تـبـقـى إســـرائـــيـــل عـنـصـرا أســاســيــا في التصعيد؛ إذ تنظر إلـى تحوُّل إيــران إلـى دولـة نووية أو إلى قوة إقليمية بوصفها تهديدا وجوديا لا يمكن احتواؤه. لذلك اعتمدت سياسة تقوم على الاستنزاف والضربات الوقائية، مـع الضغط المستمر لدفع واشنطن نحو خــيــارات متشددة، حتى جعلت الحرب واقعاً. إيـــــران تـمـكَّــنـت مــن الـتـكـيّــف، بــخــاف كـثـيـر مــن الأنـظـمـة التقليدية؛ لا تتعامل مع العقوبات أو الضغوط بمنطق الأزمة المؤقتة، بل بوصفها جزءا دائما من طبيعة النظام، تضعفها، لكنَّها في الوقت نفسه أسهمت في إنتاج نظام أكثر خبرة في العيش تحت الضغط، وأكثر قدرة على تحويل الحصار إلى ، قام النظام على «الصمود 1979 جزء من آلية بقائه. منذ ثورة الطويل» وتحويل الحصار إلـى أداة تعبئة داخلية. لذلك لم تــؤد العقوبات إلـى انـهـيـاره؛ بـل إلـى إعـــادة تشكيل اقتصاده وأدواتــــه الأمنية وحتى خطابه السياسي. ومــن هنا يصبح المــوضــوع الــنَّــووي جــزءا مـن فلسفة الـبـقـاء، لا مـجـرد مشروع عسكري. هــل تـريـد إيـــــران فـعـا امـــتـــاك قنبلة نـــوويـــة؟ هـنـا تبدو الصورة أكثر تعقيداً. قد لا يكون هدف طهران تصنيع سلاح نــــووي بــقــدر الـــوصـــول إلــــى وضــــع «دولـــــة الـعـتـبـة الـــنـــوويـــة»؛ أي دولـــة تمتلك الـــقـــدرة والـتـقـنـيـة عـلـى إنــتــاج القنبلة خـال فترة قصيرة مـن دون إعــان رسـمـي. وهــذا يمنحُها أفضلية استراتيجية مزدوجة: ردع فعلي، وتجنّب تكلفة التحول إلى دولة نووية معلنة. فـامـتـاك القنبلة رسـمـيـا قــد يفتح الــبــاب أمـــام مـواجـهـة عــســكــريــة شـــامـــلـــة أو ســـبـــاق تــســلــح إقــلــيــمــي واســـــــع، بـيـنـمـا البقاء على حافة القوة النووية يمنح إيـران مساحة غموض استراتيجية، تجعل خصومَها مضطرين إلى التعامل معها بوصفها قــوة يصعب تجاهلها أو مهاجمتها بسهولة. قد تكون «القدرة على تصنيع القنبلة» أهم بالنسبة إلى طهران من القنبلة نفسها. وربَّما لهذا السبب تحديداً، تبدو إيـران، رغم كل الضربات والخسائر، قادرة على الصمود. فالحديث عن خسائرها العسكرية أو الاقتصادية صحيح، لكن المشكلة أن خصومها، رغــم تفوقهم الـهـائـل، لـم ينجحوا فـي تحويل هذه الخسائر إلى هزيمة كاملة. لقد خسرت طهران منشآت وقـادة ونفوذاً، لكنَّها نجحت في الحفاظ على جوهر النظام والاستمرار. من جهة أخـرى، المشروع الإيراني لم يتمدد فقط بسبب قـــوتـــه الـــذاتـــيـــة؛ بـــل أيـــضـــا بـسـبـب أخـــطـــاء خــصــومــه. فـالـغـزو الأمــيــركــي لــلــعــراق والـــحـــرب الــســوريــة والـتـبـايـنـات الـعـربـيـة، والتردد الأميركي بين الحرب والتفاوض، كلها فتحت فراغات تمدد داخلها النفوذ الإيـرانـي. وحتى إسرائيل، رغم تفوقِها العسكري الهائل، وقعت في خطيئة القوة المفرطة، فتحوَّلت الـحـروب الطويلة والـدمـار الـواسـع فـي غـزة وبعدها بجنوب لبنان، من أداة ردع إلى عامل يعيد إنتاج سردية «المقاومة» التي تتغذى عليها إيـران ومحورها. مشاهد الحرب والدمار أسهمت في تعزيز البيئة السياسية والنفسية التي يتحرك داخـلـهـا الـنـظـام الإيــرانــي وأذرعــــه. لـذلـك تـبـدو طــهــران الـيـوم، للمفارقة، ضعيفة، لكنَّها أكثر اقتناعا بأن خصومها عاجزون عن كسرها. المعضلة في الصراع الأميركي - الإيراني أن أميركا تمتلك فائض القوة، لكن ينقصها وضوح الهدف، بينما إيران أكثر ثباتا لمـا تـعـدّه «الـصـمـود». ولـذلـك يستمر الـنـزاع دون نهاية حاسمة. فلا واشنطن التي تمتلك أدوات الضغط نجحت في فـرض تسوية نهائية لافتقارها إلـى رؤيــة إقليمية واضحة، ولا إيران استطاعت تحويل قدرتها على التكيّف مع الخسائر واستنزاف الخصوم إلى انتصار. لعل المنطقة دخلت زمنا جـديـداً، حيث يستطيع جميع الــقــوى تـعـطـيـل هـزيـمـتـهـا، لـكـنَّــهـا تـعـجـز عــن إنــتــاج انـتـصـار حـــاســـم، لتنتقل مـــن مـرحـلـة الـــحـــروب الـحـاسـمـة إلـــى مرحلة إدارتها. سام منسى «حوار شانغريلا» وحرب «الإندوباسيفيك» انطلقت الأسبوع الماضي أعمال قمة «حــوار شانغريلا» الأمنية التابعة لـ«المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في سنغافورة في دورتها الثالثة والعشرين، التي تعد قمة الأمن الأهم في منطقة آسيا (الإندوباسيفيك). ضــم الـتـجـمـع عــــددا وافـــــرا مــن كــبــار المــســؤولــن الأمـنـيـن دولــــة، فــي مـقـدمـهـم وزراء دفــــاع كل 45 والاســتــخــبــاريــن، مــن مـن أميركا وأستراليا وفرنسا والـيـابـان، فـي حـن غـاب وزيـر الدفاع الصيني، ما فتح الباب واسعا للهواجس حول نتيجة قمة ترمب - بينغ الأخيرة، وما إذا كانت قد نجحت في تهدئة الأجـــــــواء بـــن واشـــنـــطـــن وبـــكـــن، وبــــدايــــة مــرحــلــة جـــديـــدة من الاستقرار الاستراتيجي أم لا. يـلـفـت الـنـظـر فـــي الــــحــــوارات الــتــي جـــرت خـــال فـعـالـيـات الـحـوار هيمنة أجـــواء المـواجـهـات الــبــاردة، وهــذا مـا تبدى من خـــال كلمة وزيـــر الــدفــاع الأمـيـركـي هيغسيت بــدايــة، غـيـر أن الزعيم الأعلى لفيتنام ورئيس الدولة تو لام كان أكثر شمولا في توصيف حالة العالم ومخاوفه. لام وضـــــع الــجــمــيــع، شـــرقـــا وغــــربــــا، أمــــــام واقــــــع مــــا قـبـل الانــفــجــار، ومــامــح حـافـة الــهــاويــة، معتبرا أن هـنـاك مخاطر متعددة وحالة متزايدة من عدم اليقين، لا سيما في ظل ثلاث أزمات جوهرية: تآكل القواعد والقوانين الدولية، أزمة نماذج التنمية بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وتغير المناخ، وأزمة الثقة بين الدول. هــنــا يـــبـــدو واضـــحـــا أن لــغــة الــخــطــاب الأمـــمـــي مـــن عند مؤتمر دافــوس، مــرورا بميونيخ للأمن العالمي، وصــولا إلى شانغريلا، تبدو واحـدة، من جهة المخاوف، وأوضـاع العالم المتردي، بخاصة في ظل الضغوطات المتزايدة التي تواجهها الــــــدول الــصــغــيــرة والمـــتـــوســـطـــة، إذ تــجــد نـفـسـهـا فـــي مـوقـع الاخــتــيــار والاصــطــفــاف إلـــى طـــرف أو آخـــر فــي ظــل التنافس الجيوسياسي المتصاعد. جــــاءت أعــمــال حــــوار شـانـغـريـا، وســـط حــالــة الضبابية الــتــي تـخـيـم عــلــى الـــعـــالـــم، بــخــاصــة فـــي ظـــل عــــدم الــيــقــن حــول الأزمة الأميركية - الإيرانية، وعدم القدرة على التنبؤ بتقلبات الــســيــاســة الأمـــيـــركـــيـــة، وعـــواقـــب ذلــــك عــلــى مــفــهــوم الاســتــقــرار العالمي. فــي كلمته بـــدا واضــحــا أن وزيــــر الـــدفـــاع الأمــيــركــي بيت هيغسيت يحمل رؤيـــة مـا بعينها، فـالـرجـل ذهــب إلــى منطقة «الإندوباسيفيك» منطلقا من استراتيجية أميركية قديمة يعاد إحياؤها من جديد، ونعني بها «الاستدارة نحو آسيا»، التي على يـد إدارة الرئيس الأسـبـق بـاراك 2011 تمت بلورتها عـام أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. حديث الاســتــدارة لـم يكن ســوى النسخة المـطـورة لوثيقة ، التي تعرف باسم 1997 القرن الأميركية للمحافظين الجدد لعام »، والــهــدف منها حـصـار الـصـن كـي لا تتمدد خـارجـا، PNCA« وقطع الطريق على صحوة روسيا كما العنقاء من رماد الحقبة السوفياتية. من هنا كـان خطاب هيغسيت المهم عن حتمية زيـادة في المائة من 3.5 دول المنطقة لإنفاقها الدفاعي إلـى نسبة ناتجها الإجمالي. على أن النقطة الأخطر التي أشــار إليها موصولة بفكرة تـــــوازن الاســـتـــقـــرار فـــي آســـيـــا، وعــــدم الــســمــاح لأي دولــــة بـفـرض هيمنتها بشكل مطلق على المنطقة، بخاصة الصين. لم يــوار أو يــدار وزيــر الـدفـاع الأميركي مخاوف واشنطن من الحشود العسكرية الصينية في جميع أنحاء منطقة المحيط الهادئ، حسب وصفه. هل تسعى واشنطن لمواجهة ساخنة في «الإندوباسيفيك» مع الصين؟ يـنـكـر سـيـد الـبـنـتـاغـون ذلـــك رســمــيــا، لـكـن مــؤكــد جـــدا أن حــــوارات شـانـغـريـا حملت الجميع عـلـى التفكير فــي إمكانية تحول المواجهات الباردة الجارية هناك إلى صدامات ساخنة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار التقارير التي ظهرت الأسبوع الماضي عن توسع الصناعة العسكرية الصينية، بما في ذلك تـشـيـيـد مــنــصــات يـعـتـقـد أنـــهـــا مـخـصـصـة لـلـتـرسـانـة الــنــوويــة الصينية، إذ تمتلك الصين صواريخ نووية قـادرة بالفعل على الـــوصـــول إلـــى أي مـديـنـة فــي الـــولايـــات المــتــحــدة. يـبـدو المشهد، وعـلـى الـرغـم مـن المــحــاولات الـواهـيـة للتطمينات المـتـبـادلـة بين واشنطن وبكين، مزعجا بالفعل، خصوصا بعد أن أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن بكين تبني شبكات مترامية الأطراف من منصات الإطـاق والمخابئ ونقاط الاتصال من صوامع نووية معزولة تحتوي على صواريخ الجيش الصيني الأطول مدى. لــعــل مـــن نــافــلــة الـــقـــول إن الإعــــــان الـــرســـمـــي مـــن الــجــانــب الأميركي عن قيام «تحالف أوكـوس» بتطوير غواصات مسيرة بشراكة أميركية بريطانية أسترالية وخروجها إلى النور العام المقبل لدليل قاطع على أن عسكرة «الإندوباسيفيك» قائمة وبما يتجاوز مخاوف الحرب الباردة. مـــن روســـيـــا إلــــى الـــصـــن الـــتـــاريـــخ يـــكـــرر نـفـسـه أم أحـــداثـــه تتشابه؟ إميل أمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky