فـــي ســـيـــاق الـــجـــدل الــغــربــي حــــول المـــســـاواة بين الرجل والمـرأة برز سـؤال: «من يدفع فاتورة الـــــعـــــشـــــاء؟». كــــــان الــــغــــرض مــــن طــــرحــــه رمــــزيــــا، ومـقـصـده إلــغــاء الإشـــــارات الـتـي تـرسـخ لتراتب اجـتـمـاعـي يـضـع الــرجــل فــي مـقـام المـتـكـفـل. على الـسـطـح يــبــدو الــحــل بـسـيـطـا ومُــرضــيــا لجميع الأطـــــــراف: الـــرجـــل ســعــيــد، ســيــدفــع أقــــل، والمــــرأة سعيدة، ستتخلص من سيطرته. أين المشكلة؟ المشكلة فـي نمط التفكير الــذي يطرح هذه الرمزيات ويحولها طقسا مقصودا لـذاتـه، دالا بـمـحـض مـمـارسـتـه، وبــغــض الـنـظـر عــن مجمل الوضع العام من حولها. في الــدول الغربية تغير وضـع المــرأة مهنيا وتـشـريـعـيـا، لـكـن بقيت فـجـوة كـبـيـرة فــي حياة الأمـــهـــات مــنــهــن، تـجـعـل المــنــاصــفــة فـــي الأعـــبـــاء المادية مجحفة لها. ما بالك بمجتمع مثل مصر لا يملك أكثر من نصف نسائه العاملات وظائف رســمــيــة، وأجـــــــواؤه الـتـشـريـعـيـة والاجــتــمــاعــيــة لا تـــــزال تـتـعـامـل بـمـضـض مـــع مــشــاركــة المـــــرأة، وأحـــيـــانـــا يـسـتـخـدم خـــطـــاب المــــســــاواة فـــي إطـــار عـــقـــابـــي بـتـحـمـيـلـهـا مــــزيــــدا مــــن الأعـــــبـــــاء، دون البطانة التشريعية. والمنظور الـذكـوري ليس وحـده الملوم هنا، على مـا تشيع الـحـركـات النسوية. هـي شريكة فـــي هــــذا الإجــــحــــاف أيـــضـــا. لا أتـــحـــدث هــنــا عن ملف حقوق المرأة، بل عن نمط التفكير التقدمي والــحــركــة الـنـسـويـة مـــثـــالاً. وأولـــــى مـشـاكـلـه من وجهة نظري نفوره من كلمة الطبيعة. كأن كل ما هو طبيعي يجب تجاوزه لكي تستحق الهندسة الاجتماعية اسمها كمصممة لعالم جديد. الـطـبـيـعـة هـنـا تــقــدم تـفـهـمـا أفــضــل لسلوك النساء، وتخبرنا أنهن لا يحتجن إلـى تحويل «فــــاتــــورة الـــعـــشـــاء» أو غــيــرهــا مـــعـــيـــارا لإثــبــات الجدارة والاستقلال. بسبب فـتـرة الـحـمـل والــرضــاعــة والـرعـايـة، وهــي فـي الإنــســان طويلة بشكل خـــاص، تطور المـجـتـمـع الــبــشــري نـحـو تـفـضـيـل الأنـــثـــى للذكر الــــقــــادر عـــلـــى الـــتـــمـــويـــن والـــتـــمـــويـــل، مــــع حـفـنـة مـــن صـــفـــات أخــــــرى، تـــدعـــم احـــتـــمـــال الاســـتـــقـــرار والالـتـزام، بما يقلل من المخاطر التي تواجهها هي ونسلها. استعداد الذكر للإنفاق والبذل، ولو برمزية دفع الفاتورة، مؤشر أولي على جدارته وجديته. وإزالــــة هـــذه التكلفة وغـيـرهـا يـزيـد قــدرتــه على العلاقات العابرة؛ ما يخلق نمطا أقل استقراراً. الأنثى في مملكة الإنسان تتصرف بطريقة تــائــم أدوارا بـيـولـوجـيـة، تـمـامـا كـمـا تتصرف الأنثى في مملكة النحل بما يلائم تلك الأدوار. ولأسـبـاب تتعلق بالوعي الـبـشـري، تملك أنثى البشر القدرة على الاختيار الفردي، تنتقي فيه من الأدوار الاجتماعية ما تشاء وما تستطيع، لـكـنـه يـظـل اخــتــيــارا فـــرديـــا. لا يـنـبـغـي تحويله مقياسا لـلـجـودة، عبر شــعــارات مصنوعة، ولا ينبغي وصم النساء اللاتي لا يطقن تكاليفه، أو يخترن غيره. الــــخــــيــــارات الـــغـــافـــلـــة عــــن مـــجـــمـــل الــــصــــورة حـاضـرة فـي كثير مـن الأفـكـار التقدمية؛ كونها مـــدفـــوعـــة بـــرغـــبـــة فـــئـــة مــعــيــنــة فــــي «الـــهـــنـــدســـة الاجتماعية»، وكون الرافعة الأساسية لمنطقها الدعاية والبلاغة والتلاعب بالتاريخ تضخيما وتـــقـــلـــيـــصـــا. فــــي حــــن أن الـــتـــطـــور الاجــتــمــاعــي الطبيعي يتشكل عبر مسارات معقدة ومتداخلة، نكتشف قرنا بعد قرن أننا بعيدون عن الإحاطة بها علماً. الهندسة الاجتماعية بوجهيها التقدمي والرجعي، الواعد بخيال مستقبلي أو الساحب إلى نقطة ذهبية في الماضي، عملة واحـدة رغم ما يبدو بينهما من خلاف. تنتج أبنية مصممة على عجالة، ومرتكزة عــلــى رغـــبـــة أكـــثـــر مـــن كــونــهــا مـبـنـيـة عــلــى إلمـــام بـــالـــتـــفـــاصـــيـــل، ومـــــن ثــــم فـــهـــي غـــيـــر مــتــمــاســكــة، وتحتاج إلى جهد مضن لصيانتها، يضخّم دور الدولة بديلا عن المجتمع، ويستنزفها. والـهـنـدسـة الاجتماعية لا تتطور بطريقة طـبـيـعـيـة تــلــقــائــيــة، ومــــن ثـــم فــــإن فــرضــهــا على الناس غالبا ما يحتاج إلى قسر وعنوة وإجبار. كــمــا أن نــشــأتــهــا الــتــنــظــيــريــة وانـــفــصــالــهــا عـن الدليل التجريبي تجعل الاعتقاد فيها ذا طبيعة إيمانية متسامية على معايير القياس العملية. صحيحة دائــمــا والـخـطـأ فــي الـتـطـبـيـق. وهـكـذا تستمر الـــدورة بلا نهاية. يكسب منها دعاتها وتدفع المجتمعات تكلفة الفشل. ربــمــا يــكــون الــرئــيــس تــرمــب ارتـــــأى فـــي ضـوء زيارته إلى الصين وما سمعه وأسمعه خلالها في التحادث مع الرئيس شي جينبينغ، ثم في ضوء القمة الروسية – الصينية التي بـدت فيها بعض عبارات الرئيس بوتين ومضيفه الرئيس الصيني كـمـا لــو أنــهــا اسـتـكـمـال للقمة بــن الـرئـيـس ترمب والــرئــيــس الـصـيـنـي، تـحـفـيـزا للهمم لـانـتـقـال من التحديات إلـى واقعية الأحـــوال الدولية، وهــذا بدا على جانب من الوضوح في العبارات التي أورداها في بيان محادثاتهما، وأن الرئيس الأميركي وجد أن مــواصــلــة الــتــحــديــات مـــع إيـــــران قـــد تـجـعـل هـذه الأخيرة تجد سندا روسيا – صينيا فاعلا لها في مواجهة لا تريدها الدولتان المرتبطتان باتفاقات ومــعــاهــدات اسـتـراتـيـجـيـة وذات فـاعـلـيـة لــم يسبق حــدوثــهــا فـــي زمــــن ثـــاثـــي الــكــرمــلــن بــرجُــلــه الأول لـيـونـيـد بـريـجـنـيـف والــصــن بـزعـيـمـهـا الـتـاريـخـي مـاوتـسـي تــونــغ. ولـــو أن قـــادة الــصــراع فــي كـــل مِــن الــدول الثلاث الـولايـات المتحدة والصين وروسيا، وإيــــــــران، ومــعــهــم إســـرائـــيـــل نـتـنـيـاهـو خــصــوصــا، الملتحفة بموقف أميركي غير مسبوق، طلبوا من المـــراكـــز الــتــي تُـــجـــري الاســتــطــاعــات فـــي أنظمتهم الإجـــابـــة عـــن ســــؤال واحــــد فـقـط لـجـمْــع مـتـنـوع من المواطنين رجالا ونساء ومِن متوسطي العمر، هو: هل أنت مع وقْف الصراع الذي لم يُنتج سوى القتل والتدمير وبداية الانهيار الاقتصادي والخوف على المصير؟ لجاءت الإجابة بنسبة تقترب من المائة في المائة، وهي: نريد أن نعيش وتنصرف الأنظمة إلى التنمية ولا يعود هدير الصواريخ والمسيَّرات إلى ما هو عليه، وتأخذ مجتمعات العمل طريقها نحو الازدهار ويتم بالتعاون الدولي – الإقليمي بناء كل بيت تم تدميره والتعويض عن كل إنسان استهدفه صـــــاروخ أمــيــركــي وإيــــرانــــي أو بـنـيـامـيـنـي، أو من جانب الأذرع الإيرانية المدججة بكل أنواع السلاح. وقد يقال إن المرونة التي أبداها الرئيس ترمب جـــاءت بفعل تمنيات قـــادة الـــدول الخليجية. كما قد يقال إن الرئيس ترمب الذي هو على موعد مع انتخابات نصفية لمجلس النواب ومجلس الشيوخ - ومن شأن بقاء الحالة الإيرانية على ما هي عليه أو حسْمها حربياً، أن تتسبب في مفاجأة غير سارة لنتائج التصويت - قرر نقل موقفه من قمة التحدي إلـــــى مــــشــــارف الـــتـــبـــصـــر، فــتــهــدئــة الـــنـــفـــس الأمَّـــــــارة بالتحدي والتعظيم بنيّة اتـخـاذ الــقــرار الحاسم، تسوية تهدئ النفوس في الداخل وتجعل «الفضاء العربي – الخليجي – الأميركي» مطْمئِنّا إلـى حد ما أن ما بعد التهدئة استقرار للعباد وللبلاد. كما قد يكون انشغال البال بالجار الكوبي يحسم الأمر، ويضاف إليه ما ارتأى فِعْله مع رئيس فنزويلا غير المـحـسـوم مـصـيـره حـتـى الآن، الـــذي جـعـل الرئيس ترمب يتأمل بالعيني اليقظتي في واقـع الأحـوال وبنأي متدرج محتمَل الـحـدوث من جانب أميركا الأُخـــرى (الجنوبية) عن أميركا الكبرى (الـولايـات المتحدة). وفـــــي ضـــــوء هــــذيْــــن الاحــــتــــمــــالــــنْ: الاحـــتـــمـــال الانــتــخــابــي والاحـــتـــمـــال الـــكـــوبـــي، ارتــــــأى الـرئـيـس تــرمــب - تـــكـــرارا - تـجـاوبــا مــع نُــصــح مــن «الـفـضـاء الــعــربــي – الـخـلـيـجـي - الأمـــيـــركـــي»، وحِـــرصـــا على استقرار دوله، أن يعيد النظر فيما حدَث في منطقة الشرق الأوسط، وكيف أن إشراك إسرائيل نتنياهو بـأثـقـالـهـا وأفـعـالـهـا نـــوع غـيـر إنـسـانـي ارتــبــط بـه، وبـذلـك فــرَّط فيما كــان سيجعله مـاثـا فـي الـذاكـرة الإنسانية وهو الدفع لقيام الدولة الفلسطينية في زمن رئاسته. مـا يتمناه الإنـسـان فـي الــولايــات المتحدة هو التبصُّر لصاحب القرار بحيث يأتي بالطمأنينة، وأمـــا إيـــران فــإن التبصر يبقى أكـثـر جـــدوى لإيــران الـشـعـب والـــدولـــة والــســواعــد، الـتـي فــي هـــذه الـحـال لــن تـعـود تشتد لـكـي تــرمــي. وهـــذا الـتـبـصـر تتوق إليه سائر دول العالم التي أضنتها أهـوال الحرب والعقدة الهرمزية. والمأمول هو أن تتحول ملامح التفهم الواقعي من جانب طرفي الـصـراع، أميركا وإيــــــران، إلـــى إجــــــراءات تـــرفـــرف بـمـوجـبـهـا حمائم السلام في سماء المنطقة، التي يكفيها ما أصابها كما يكفي مـا أصــاب الـدولـتـن المتناطحتين ودول القارة الأوروبـيـة... بل وكل دول العالم. والشواهد كثيرة. جلست إلــى أحــد الإعـامـيـن ممن يـدّعـون أنَّــــهــــم مــــن أســــاطــــن الـــواقـــعـــيـــة فــــي الـــعـــاقـــات الـــدولـــيـــة، فـــتـــحـــدّث كــثــيــرا عـــن رونــــالــــد ريــغــان ومـــــارغـــــريـــــت ثــــاتــــشــــر والمــــحــــافــــظــــن مـــــن أهــــل الــواقــعــيــة الـسـيـاسـيـة، وبــــدا كــأنــه قـــرأ الـسـيـرة الــذاتــيــة لكليهما، وكــيــف تـعـامـا مــع الاتــحــاد السوفياتي، ثم كيف تعاملت مارغريت ثاتشر وحليفها جورج هيربرت ووكر بوش مع صدام ، ولـولاهـمـا 1991 حـسـن، وحــــررا الـكـويـت عـــام مـــا تــحــرر ذلــــك الــبــلــد. ثـــم تـــطـــرّق الــحــديــث إلــى الـحـرب الــدائــرة الآن بـن أميركا وإسـرائـيـل من نــاحــيــة وإيــــــران مـــن نــاحــيــة أخـــــرى، وتـــركـــت له حبل الـحـديـث، ثـم فـاجـأنـي بـالـقـول إن المعركة اليوم هي «معركة سرديات». وقفت من مكاني كـمـن لسعته عــقــرب، وقــلــت: كــيــف؟ وشــــرح لي عن الإعلام ودوره، وكيف تسوّق الدول نفسها ومشروعاتها الآيديولوجية بالرموز والصور وإعلام السوشيال ميديا. وهذه المرة لم تكن قد لسعتني عقرب، بل لدغني ثعبان. قلت له: كيف تقول هذا وأنـت، ومنذ لحظات، كنت تحدثني عـــــن الــــواقــــعــــيــــة فـــــي الــــعــــاقــــات الــــدولــــيــــة وعـــن المحافظين وعن ريغان وبوش وثاتشر، وتقول لي إنك من أنصار الواقعية والمؤمنين بها؟ وحــاولــت أن أحـكـي لــه، دون أن أتسبب في حـرج أو أبــدو أسـتـاذا متعالياً، عـن رحلتي منذ ،1993 الماجستير والدكتوراه التي أنهيتها عام وعن السياسة والعلاقات الدولية التي تعلمتها بــوصــفــهــا تــجــربــة شــخــصــيــة، دون أن أواجـــهـــه مباشرة في موضوع «السردية». قلت له: أنا كنت مثلك تماما في الثمانينات عـنـدمـا بــــدأت دراســــة المـاجـسـتـيـر، واقــعــيــا حتى الـنـخـاع، ومـــن تـامـيـذ كينيث والــتــز والـواقـعـيـة الـــــجـــــديـــــدة. حــــضــــرت لـــــه مــــحــــاضــــرة كــــبــــرى فـي الاجـتـمـاع الـسـنـوي لجمعية الـعـلـوم السياسية الأميركية، وهناك شاهدت بداية المعركة الفكرية التي يتحدث الناس عنها اليوم وكأنها اكتشاف جديد. يومها وقف مجموعة من الشباب المتأثرين بفوكو ودريــدا وإدوارد سعيد وناقد مصري لا يعرفه كثيرون اسمه إيهاب حسن، وكان أستاذا فــــي جـــامـــعـــة ويـــســـكـــنـــســـون، وقــــفــــوا يــهــاجــمــون الــواقــعــيــة الـــجـــديـــدة، ويــقــولــون إن الــعــالــم ليس مجرد صواريخ وردع وتحالفات، بل أيضا صور وخطابات ورموز وسرديات. بعدها ظهرت كتب أصبحت لاحقا مراجع لما يُسمى ما بعد البنيوية في العلاقات الدولية. لم أقل هذا لصاحبي بهذه الطريقة، بل كنت أكثر تبسيطاً. وحـــكـــيـــت لـــــه عـــــن مـــقـــالـــة ريــــتــــشــــارد آشــلـــي الشهيرة «فقر الواقعية الـجـديـدة»، التي هاجم فيها حياد المدرسة الواقعية. وقلت له عن كتاب ب. ج. ووكـــر «داخــــل/خــــارج: الــعــاقــات الـدولـيـة كنظرية سياسية»، ليقول إن تقسيم العالم إلى «داخــــــل آمـــــن» و«خـــــــارج فــــوضــــوي» مـــجـــرد بـنـاء ذهني صنعته الدولة الحديثة. ثم حدثته عن صدمتي الكبرى عن جيمس دير ديريان وكتاب «العلاقات الدولية/النصية»، والــــــذي كـتـبـه مـــع مــايــكــل شـــابـــيـــرو. والــــــذي كــان بمثابة البيان الأول لدخول ما بعد الحداثة في الـعـاقـات الـدولـيـة، وهــو كتاب مـن ضمن الكتب التي عرضتها للطلاب فـي جامعة جورجتاون كنقد لستيف والت تحديداً. ولم يستجب الطلاب كثيرا أيامها لفكرة أن الحرب ليست فقط دبابات وطــائــرات، بـل أيضا كاميرات وشـاشـات وصـور وشـــعـــارات ومــؤتــمــرات صـحـافـيـة. كـــان ذلـــك عـام .1997 كـــــــــان كــــيــــنــــيــــث والـــــــتـــــــز يــــســــخــــر مـــــــن هـــــذه الـطـروحـات، ويصفها بأنها غموض فلسفي لا يقدم بديلا حقيقياً. لكن المفارقة أن العالم اليوم يبدو أقــرب إلـى عالم ديـر ديـريـان منه إلـى عالم والتز. الـحـرب الحالية بـن أمـيـركـا وإسـرائـيـل من ناحية، وإيــران من ناحية أخـرى هي واحــدة من تجليات عالم ما بعد الحداثة، فلو استمعت إلى بعض المحللين لظننت أن مضيق هـرمـز يُغلق ويفتح كل ساعتين. لكن الحقيقة أن الأســواق لا تتحرك وفق الواقع البحري على سواحل عُمان وإيران، بقدر ما تتحرك وفق السردية التي تُبنى حول ذلك الواقع. قـد لا يتغير شــيء فعليا فـي حـركـة الملاحة أو تـدفـق النفط، لكن الأسـعـار تقفز لأن شريطا عـاجـا قــال إن إيـــران «قـــد» تغلق المضيق، أو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد كتب منشورا عـــلـــى مــنــصــتــه «تــــــــروث ســــوشــــيــــال»، ولمّـــــــح إلـــى «خـيـارات أخـرى مطروحة»، أو لأن صـورة ناقلة نـفـط مشتعلة اجــتــاحــت مــواقــع الــتــواصــل. هنا تصبح السردية نفسها حدثا اقتصادياً. وهذه بالضبط كانت فكرة دير ديريان منذ الـثـمـانـيـنـات: الـــقـــوة لـيـسـت فـقـط فـــي الـــصـــاروخ والأســــطــــول، بـــل فـــي الـــقـــدرة عـلـى إنـــتـــاج صـــورة ذهنية عـن الــصــاروخ والخطر المقبل. المستثمر لا يـشـتـري الـنـفـط؛ لأنـــه رأى سفينة تـتـوقـف في هرمز، بل لأنـه يخاف من الـروايـة التي تقول إن شيئا كبيرا قد يحدث غداً. ولهذا أصبح الحديث عن «فتح» و«إغـاق» مضيق هرمز جزءا من المعركة نفسها. فالمضيق يُــغـلـق إعــامــيــا قـبـل أن يُــغـلـق بــحــريــا، وتـتـحـرك الأسواق بالمخيلة قبل أن تتحرك بالسفن. كثير ممن يتحدثون الـيـوم عـن «السردية» في العالم العربي يقدمون أنفسهم باعتبارهم واقعيين من مدرسة كيسنجر أو ميرشايمر أو والت، في حين مفهوم السردية نفسه جاء من نقد هــؤلاء. الجمع بين والتز ودريــدا في طبق واحد يُشبه خلط السوشي بالفسيخ، ثم الحديث عن الأصالة الفكرية. الواقعية كانت ترى العالم باعتباره صراع قـــوى ومــصــالــح. أمَّــــا جـمـاعـة مـــا بـعـد الـبـنـيـويـة فقالوا إن تعريف «المصلحة» و«التهديد» نفسه جـزء من المعركة. مَــن يصنع الـروايـة يملك جزءا من القوة. ولــــهــــذا كـــنـــت أصــــعّــــد وأنـــــــا أســـتـــمـــع لــذلــك الإعـــــامـــــي «الــــواقــــعــــي جـــــــداً»، وهـــــو يـــشـــرح لـي بــحــمــاس نـــظـــريـــات «الــــســــرديــــة». الــــرجــــل، دون أن يـــدري، كــان يتحدث بلغة خـصـوم الواقعية الذين كان والتز يسخر منهم قبل أربعين عاما باعتبارهم مجرد فلاسفة غامضين متفرجين على الطريقة الأوروبــيــة فـي الفلسفة. يبدو أن أفــكــار الـثـمـانـيـنـات احـتـاجـت نـصـف قـــرن كامل حـتـى تـصـل إلـــى بـعـضـنـا فـــي الـــشـــرق الأوســــط، لكنها وصلت أخيراً، بعد أن تحولت من مدرسة دراسـات الاتساق الفكرية على الطريقة ما بعد الحداثية وما بعد البنيوية إلى موضة إعلامية. المهم أنها وصلت والسلام. OPINION الرأي 12 Issue 17352 - العدد Monday - 2026/6/1 الاثنين نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم نساء دفعن فاتورة العشاء «السردية» والعلاقات الدولية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي فؤاد مطر خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky