حين كتب فرانز فانون قبل أكثر من ستة عـقـود عـن «مـعـذبـي الأرض»، لـم يكن يتحدث فـقـط عـــن اسـتـعـمـار عـسـكـري مــبــاشــر، بـــل عن منظومة كاملة قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد رحيل الجيوش والأعـام الأجنبية. كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أفريقيا بــعــد الاســـتـــقـــال هـــو أن تــــرث نـخـبـهـا المحلية أدوات الهيمنة نفسها، وأن يتحول الاستقلال السياسي إلى مجرد واجهة لارتباط اقتصادي وثقافي دائم بالخارج، وإلى استيلاب سياسي مدمج في المنظومة الاستعمارية الجديدة. الـيـوم، يبدو أن رئيس الـــوزراء السنغالي المــقــال عـثـمـان سـونـكـو يــحــاول أن يـقـدم نفسه بـوصـفـه امـــتـــدادا لــذلــك المـــشـــروع الــفــكــري غير المكتمل. ففي كتابه حول «إكمال عمل فانون»، لا يتعامل الرجل مع المفكر المارتينيكي بوصفه رمـزا ثوريا من الماضي، بل عـدّه مفتاحا لفهم مــــأزق أفـريـقـيـا الـــراهـــن. والـــواقـــع أن الـسـنـغـال نفسها تـحـولـت خـــال الـسـنـوات الأخــيــرة إلـى مـخـتـبـر سـيـاسـي لــهــذا الــنــقــاش الـكـبـيـر حـول مــعــنــى الــــســــيــــادة، وحــــــول حــــــدود الاســـتـــقـــال الحقيقي في أفريقيا الفرنكوفونية. لـــســـنـــوات طـــويـــلـــة، كـــانـــت الــســنــغــال تُــقــدم بوصفها «الاسـتـثـنـاء الـديـمـقـراطـي» فـي غرب أفـــريـــقـــيـــا، دولــــــة مـــســـتـــقـــرة ســـيـــاســـيـــا مــقــارنــة بـجـوارهـا المـضـطـرب. لكن هــذا الاسـتـقـرار كان يُــخـفـي شـــعـــورا مــتــزايــدا لـــدى جـــزء واســــع من الــنــخــبــة ومــــن الـــشـــبـــاب بــــأن الـــبـــاد لـــم تــغــادر فـعـلـيـا دائــــــرة الـــنـــفـــوذ الـــفـــرنـــســـي، ســـــواء عبر الاقــــتــــصــــاد أو الـــعـــمـــلـــة أو شـــبـــكـــات المــصــالــح الـسـيـاسـيـة والإداريــــــة. ومـــن هـنـا جـــاء صعود سونكو، ليس فقط بوصفه معارضا شعبويا أو زعيما احتجاجياً، بـل بوصفه تعبيرا عن مزاج أفريقي جديد يبحث عن قطيعة متعددة الأبـــــعـــــاد مـــــع مـــرحـــلـــة مـــــا بـــعـــد الاســــتــــقــــالات الوطنية التقليدية. ســـونـــكـــو يــــــدرك جـــيـــدا قـــــوة الــــرمــــزيــــة فـي خـطـاب فـرانـز فــانــون. فـالأخـيـر كــان يـحـذّر من «الـــبـــرجـــوازيـــة الـــوطـــنـــيـــة» الـــتـــي تــتــحــول بعد الاســــتــــقــــال إلــــــى وســــيــــط مـــحـــلـــي لــلــمــصــالــح الأجنبية، بدل أن تقود مشروعا وطنيا للتحرر والتنمية. وهذا بالضبط ما يحاول عثمان سونكو البناء عليه في خطابه السياسي، سـواء عبر مــهــاجــمــة شــبــكــات الـــنـــفـــوذ الـــقـــديـــمـــة، أو عبر الـــدعـــوة إلـــى اســتــعــادة الـسـيـطـرة عـلـى المــــوارد الطبيعية، أو مـن خــال التشكيك فـي طبيعة العلاقة الاقتصادية والنقدية مع فرنسا. لكن المسألة في السنغال تتجاوز مجرد الخطاب المـعـادي لفرنسا. فالرجل يـحـاول أن يطرح تصورا جديدا لموقع أفريقيا في العالم، في لحظة دولية تتراجع فيها الهيمنة الغربية الـتـقـلـيـديـة لـصـالـح تــعــدديــة قطبية آخــــذة في التشكل. ولـذلـك فــإن خطاب السلطة الجديدة فـي داكـــار لا يخاطب الـداخـل السنغالي فقط، وإنــمــا يـتـوجـه أيــضــا إلـــى جـيـل أفـريـقـي كامل يشعر بأن القارة ظلت لعقود مجرد هامش في النظام الدولي. غير أن الـتـحـدي الحقيقي يـبـدأ الآن، لأن الانـتـقـال مــن خـطـاب الــثــورة إلـــى إدارة الـدولـة ليس مهمة سهلة. ففانون نفسه كان يدرك أن الشعارات الكبرى قد تتحول سريعا إلى خيبة إذا لم تترجم إلـى واقـع اقتصادي واجتماعي مـــلـــمـــوس. والـــســـنـــغـــال تــــواجــــه الــــيــــوم وضــعــا حــســاســا: ديــــون مـرتـفـعـة، وبــطــالــة، وضـغـوط اجتماعية، وانتظارات شعبية ضخمة رفعتها ســــنــــوات الـــتـــعـــبـــئـــة الـــســـيـــاســـيـــة ضــــد الـــنـــظـــام السابق. ثـــــم إن مـــــشـــــروع «اســـــتـــــعـــــادة الــــســــيــــادة» يـظـل أكــثــر تـعـقـيـدا مـمـا يــبــدو فـــي الـخـطـابـات الـجـمـاهـيـريـة. فـالاقـتـصـاد الـسـنـغـالـي مرتبط بـــشـــبـــكـــات تـــمـــويـــل دولــــــيــــــة، والاســــتــــثــــمــــارات الأجنبية تظل ضــروريــة. كما أن أي مواجهة حــادة مع المؤسسات المالية الغربية قد تضع السلطة الجديدة أمام اختبارات قاسية. ولذلك تبدو داكــار حتى الآن وكأنها تحاول تحقيق توازن دقيق بين خطاب سيادي مرتفع السقف وبراغماتية تفرضها ضرورات الحكم. وربما لهذا السبب تحديدا تبدو تجربة السنغال مختلفة عـن موجة الانـقـابـات التي شهدتها منطقة الساحل. فسونكو الذي أصبح يترأس البرلمان بعد أن أُقيل من رئاسة الوزراء، والرئيس السنغالي ديـومـاي فــاي، يحاولان، كل بطريقته ومن موقعه، تقديم نموذج تغيير يـأتـي عبر صـنـاديـق الاقــتــراع لا عبر الثكنات الـعـسـكـريـة، وعـبـر إعــــادة صـيـاغـة الـعـاقـة مع الـــخـــارج مـــن داخــــل الـشـرعـيـة الـديـمـقـراطـيـة لا من خلال القطيعة الراديكالية. وهذا ما يمنح الــتــجــربــة الـسـنـغـالـيـة اهــتــمــامــا خـــاصـــا داخـــل أفريقيا وخارجها. فـي الـنـهـايـة، لا يتعلق الأمـــر فقط بكتاب أو بإعادة قـراءة فرانز فانون، بل بسؤال أكبر يتعلق بمستقبل أفريقيا نفسها: هل تستطيع القارة أن تنتج نموذجا جديدا للتحرر يتجاوز الشعارات القديمة؟ وهل يمكن تحقيق سيادة فعلية داخـــل عـالـم شـديـد الـتـرابـط والتعقيد؟ هــــذه هـــي الأســئــلــة الــتــي تـجـعـل مـــن الـسـنـغـال الـيـوم أكثر مـن مجرد حالة سياسية محلية، وتـجـعـل مــن عـثـمـان سـونـكـو أحـــد أبـــرز وجــوه التحول الفكري والسياسي في أفريقيا. Issue 17351 - العدد Sunday - 2026/5/31 الأحد قـــبـــل أيــــــام نـــشـــب ســــجــــال شــــديــــد فــــي بـــرنـــامـــج تــلــفــزيــونــي بـــشـــأن أســبــقــيــة «الـــنـــوتـــة» المـوسـيـقـيـة عــلــى الأفــــكــــار. والمـــــدافـــــع عـــن ذلــــك يــــرى أن الــفــكــرة المـتـبـنّــاة فـي هــذه القطعة أو تلك نـابـعـة مـن تأويل السامع للموسيقى، فلكل سامع تأويله الفكري أو القصصي أو الملحمي. بمعنى آخر، فإن ما يقدّمه العازف ليس فكرة مــقــصــودة، وإنــمــا مـسـاحـة رحــبــة ومـتـاحـة للتأمل والــتــفــاعــل. لـكـل ســامــع الأحــقّــيــة فــي أن يـصـنـع من أي قطعة موسيقية فكرته الخاصة، ولكن النوتة ليست مهمتها إيصال رسالة معيّنة. وفـــــي نـــظـــري أن المـــوســـيـــقـــى لــيــســت فــــكــــرة، أو دعـــوة، أو رســالــة، وإنـمـا حيلة حـسّــيـة، عمقها في اعتباطية دلالتها، وهي ليست دلالة حتى نحكّمها إلــى الـفـهـم... مـن هنا يـكـون التأثير الفلسفي على المـوسـيـقـى لـيـس تـأثـيـرا فــي جــوهــر المـــجـــال، وإنـمـا بالإيحاء إلى تماس المنتج للموسيقى مع المنجزات الفلسفية القائمة. بـــقـــيـــت المـــوســـيـــقـــى الـــكـــاســـيـــكـــيـــة مــــثــــا ضـمـن موضوعات التهم الطبقية مـع صعود الماركسية، وانتهت إلى أن تكون وجبة شعبية تعمل في المحال وأمــاكــن الـتـرفـيـه. حـمّــلـت المـوسـيـقـى خـطـأ الأفــكــار، وباتت مشجبا لانهيار النظريات الكبرى. يـــــــــرى، عــــلــــى ســـبـــيـــل المــــــثــــــال، إيـــفـــانـــجـــلـــيـــوس مـــوتـــســـوبـــولـــوس فـــي بـــحـــث لـــه عـــن «المـيـتـافـيـزيـقـا والموسيقى» أن «الموسيقى؛ كبقية النشاطات الفنية، تعبّر، ولكن بقوة أشد، عن التساؤل الميتافيزيقي، وذلك من خلال مضاعفته على طريقتها». إنـــه هـنـا يستمد دلالـــيّـــة المـوسـيـقـى مــن أســس أفـــاطـــونـــيـــة تــــربــــط المـــوســـيـــقـــى بــــالــــكــــون. غـــيـــر أن الموسيقى براءة مستمرة، وفطريّتها لا تكدّرها دِلاء النظريات المرهقة التي تستعمل الموسيقى دينيا ونضاليا أو دلالياً. نـــــــعـــــــم؛ إن المــــــوســــــيــــــقــــــى بـــــقـــــيـــــت مــــتــــمــــسّــــكــــة باستقلاليتها، وتأثّرها بالفضاءات الفلسفية ليس تأثرا دلالياً، إنما هو التأثر الـذي يمنح الموسيقى قـدرتـهـا عـلـى المـمـانـعـة ضــد تدجينها، ســـواء أكــان ضمن «الاتــهــام الـشـيـوعـي» أم أي ادعــــاءات أخــرى، ولا يمكن لمطرقة النضال أن تهشّم بيت الموسيقى العتيد. لــم تـكـن الـفـنـون مـنـعـزلـة عــن حـلـقـات الـنـقـاش أو صرعات النظريات أو غليان التأويل... كانت حاضرة ومُـــحَـــايِـــثَـــةً، بــل سـابـقـة فــي كثير مــن الأحـــايـــن، وآيــة ذلــــك أن المــوســيــقــى ارتــبــطــت بــالــتــحــولات الـبـشـريـة، فهي تتفاعل مـع المحيط وتـأخـذ منه وتعطيه؛ ذلك أن الـفـنـون إجــمــالاً، والموسيقى تـحـديـداً، لا تلبث أن تـخـاتـل الـنـظـريـة. ولـــو تـأمـلـنـا فــي سـيـر الــحــضــارات وشـــرر الـنـظـريـات لـوجـدنـا أن المـوسـيـقـى إمـــا تسبق الـتـحـول، وإمـــا تُــحَــايِــثَــه، وإمـــا تتبعه، فـهـي منفعلة بالتحول وفاعلة له، والأمـم التي تأسست تحولاتها ضمن فضاء الموسيقى استطاعت أن تفتتح مشروعا أبـــديـــا لـتـأمـيـم المــوســيــقــى وجـعـلـهـا لــغــة ســـائـــدة بين المــجــتــمــعــات... مـــن هـنـا يــكــون الــعــالــم عـبـثـا مـــن دون موسيقى، أو غلطة؛ كما هو تعبير الفيلسوف نيتشه. لـــــذلـــــك؛ يـــشـــكـــو الـــفـــيـــلـــســـوف فـــــــؤاد زكـــــريـــــا مـن عــــدم وجـــــود مـوسـيـقـى عــربــيــة بـيـنـمـا غــــرق عـالمـنـا بـ«الأغنية» العربية. والأغنية لا ترتبط بالفضاء المـوسـيـقـي بـالمـعـنـى الـــرحـــب، بــل تـتـحـوَّل الأصـــوات جيشا مــن الــخــدم للكلمات. مــن هـنـا صـــارت حتى موسيقانا شعرية، وطغت الأغنية على الموسيقى فـي الـحـال العربية، والموسيقيون الـعـرب جــزء من الحالة الشعرية بمعنى أو بآخر. الخلاصة؛ أن نـمـاذج التكوين الموسيقي على الــــطــــراز الأوروبـــــــــي، أو الــــروســــي، لـــم تــكــن ســائــدة عربياً؛ ذلــك أن الفضاء الموسيقي العربي ذو بعد شعري وكلاميّ، ولا يــزال... ومن هنا نكتشف علّة النقص في القدرة الموسيقية العربية على مستوى التأليف؛ إذ طغى التكوين الشعري، ومن ثم تحول النمط الموسيقي خادما للشعر. وعليه؛ فإن النمط الموسيقي لدينا يقوده الشعر أكثر مما تتجلى فيه الموسيقى. أثــــارت الـــورقـــة المــطــوَّلــة الـتـي نشرها رئيس الـــوزراء البريطاني الأسبق توني بـــلـــيـــر، عـــاصـــفـــة ســـيـــاســـيـــة داخـــــــل حـــزب العمال الحاكم. وكـــعـــادتـــهـــم اخـــتـــار مــعــلِّــقــو وســاســة وستمنستر، السؤال الأسهل: هل انتقاد بلير لكير ستارمر يمهد الطريق لخليفة محتمل؟ أو يدعم جناحا ضد آخر داخل الحزب؟ لـــكـــن هـــــذه الـــــقـــــراءة يــفــوتــهــا جــوهــر رسالة بلير. فــــالــــرجــــل الــــــــذي قــــــاد حــــــزب الـــعـــمـــال إلـــى أكـبـر انـتـصـار انـتـخـابـي فــي تاريخه ، لا يبدو منشغلا بمن 1997 الحديث عام يخلف ستارمر بقدر انشغاله بسؤال أكثر أهمية: ما المشروع السياسي الـذي يريد حــــزب الــعــمــال أن يـحـكـم بـريـطـانـيـا على أســـاســـه؟ وهــنــا تـكـمـن المـــفـــارقـــة؛ فعندما لم يكن 1997 وصل بلير إلى السلطة عام الــنــاخــبــون يـنـتـخـبـون شـخـصـا فـحـسـب، بــــل مـــشـــروعـــا ســـيـــاســـيـــا مـــتـــكـــامـــا عُــــرف بـ«العمال الجديد». أمـــضـــى الـــحـــزب ســـنـــوات طــويــلــة في إعــــداده وصـيـاغـتـه وتـسـويـقـه للناخبين. كـــــان هـــنـــاك تـــصـــور واضــــــح لـــاقـــتـــصـــاد، والـــخـــدمـــات الــعــامــة، والــعــاقــة مـــع قـطـاع الأعـــــمـــــال، وإصـــــــاح مـــؤســـســـات الــــدولــــة. اختلف الناس معه أو اتفقوا، لكنهم كانوا يعرفون ما الذي يمثله. أما في انتخابات ، فقد بدا المشهد مختلفاً. 2024 لا شــــك أن حــــــزب الــــعــــمــــال فــــــاز بـعـد سنوات طويلة في المعارضة، لكن أغلبية الناخبين كـانـوا يـصـوِّتـون للتخلص من حكومة المحافظين بعد أربعة عشر عاما من الحكم. كان السؤال المطروح أمـام الناخبين: هــل تـــريـــدون اســتــمــرار المـحـافـظـن؟ أكثر مـمـا كــــان: هــل تـــؤيـــدون مـشـروعـا عماليا جديدا ومحدداً؟ ومـن هنا تأتي ملاحظة بلير المؤلمة لحزبه. فــالــحــزب، فـــي رأيـــــه، أمــضــى سـنـوات المــعــارضــة يـنـاقـش الأشـــخـــاص أكــثــر مما ناقش الأفكار؛ ويتجادل حول الاتجاهات والــــتــــيــــارات أكـــثـــر مـــمـــا اجـــتـــهـــد فــــي بــنــاء مشروع متكامل للحكم. تنقَّل من اليسار الراديكالي في عهد جيريمي كوربن، إلى الوسط مع ستارمر، لكنه لم يُنتج حتى الآن ما يعادل المشروع الذي سبق وصول بلير إلى السلطة في التسعينات. ولهذا يـرفـض بلير اخــتــزال الأزمــــة الـحـالـيـة في معركة زعامة. ففي نـظـره، لا معنى كبيرا للسؤال: هــــل يـــحـــل وزيـــــــر الـــصـــحـــة الــــســــابــــق ويـــز سـتـريـتـنـغ مـحـل ســتــارمــر؟ أو هـــل يـعـود عــــمــــدة مــانـــشــســتــر آنـــــــدي بـــيـــرنـــهـــام إلـــى وستمنستر؟ أو هل تبرز شخصية أخرى مـن داخـــل الــحــزب؟ الــســؤال الأهـــم هــو: ما البرنامج الذي سيحمله أي زعيم جديد؟ ومــــن هــنــا جـــــاءت أهــمــيــة الــقــضــايــا الـتـي ركزت عليها دراسة بلير. فــهــو يـــدعـــو إلــــى نـــقـــاش جــــدي حــول الـنـمـو الاقــتــصــادي، والــطــاقــة، والـهـجـرة، والـذكـاء الاصطناعي، ومستقبل العلاقة مــع أوروبـــــا. كـمـا أنـــه يـدعـو إلـــى مراجعة بـــعـــض المـــســـلـــمـــات الـــتـــي أصـــبـــحـــت أقــــرب إلــى العقائد السياسية داخـــل أجـــزاء من الحزب. فبلير، الـــذي كــان مـن أبـــرز المـدافـعـن عــــــن بـــــقـــــاء بــــريــــطــــانــــيــــا داخـــــــــل الاتـــــحـــــاد الأوروبـــي، لا يدعو اليوم إلـى إعــادة فتح جدل «بريكست». كما أنه يوجه انتقادات إلـى معظم سياسات «صفر الانبعاثات» إذا جاءت على حساب النمو الاقتصادي وأمن الطاقة. وهـــــو يـــدعـــو أيـــضـــا إلـــــى الاســـتـــعـــداد الــجــدي لــثــورة الــذكــاء الاصـطـنـاعـي التي يراها أكبر تحول اقتصادي منذ الثورة الصناعية. هــذه المــواقــف أثـــارت غضب قطاعات مـن اليسار العمالي، الـــذي لا يـــزال ينظر إلــــى بـلـيـر مـــن خــــال إرث حــــرب الـــعـــراق. وهي انتقادات مفهومة، لأن حرب العراق سـتـبـقـى جــــزءا مـــن إرثــــه الــســيــاســي. لكن اللافت أن كثيرا من ردود الفعل انشغلت بمهاجمة بلير نفسه أكـثـر مــن مناقشة السؤال الذي طرحه. وربما كانت أهم رسالة في ورقة بلير هـــي تــحــذيــره مـــن تـحـويـل الـسـيـاسـة إلـى مجرد رد فعل على الخصوم. فكما أن «إسقاط المحافظين» لم يكن مشروعا للحكم في حد ذاتــه، فـإن «وقف نـايـجـل فـــــاراج» لـيـس مـشـروعـا سياسيا أيضا ً. وهـــنـــا يـلـمـس بـلـيـر نـقـطـة حـسـاسـة داخـــل حــزب الـعـمـال. فالصعود السريع لـــحـــزب «ريــــــفــــــورم» (الإصــــــــــاح) بــقــيــادة فـاراج، أثار حالة من القلق داخل الحزب الحاكم. وأصبح جزءا من النقاش السياسي يدور حول كيفية منع فاراج من الوصول إلــــــى الـــســـلـــطـــة، أو مــــن تـــوســـيـــع نـــفـــوذه الانـتـخـابـي. لـكـن بلير يُــحــذر ضمنا من هذا المنطق. فالأحزاب لا تفوز على المدى الطويل لأنها تخيف الناخبين من خصومها، بل عندما تُقنعهم بمشروعها هي. والناخب الـــذي صـــوَّت ضـد المحافظين بـالأمـس قد لا يـــصـــوِّت تـلـقـائـيـا ضـــد فـــــاراج غــــداً، إذا لــم يـجـد أمــامــه بـرنـامـجـا واضــحــا يعالج قضايا المعيشة والطاقة والنمو وفرص العمل. لذلك فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه بلير لا يتعلق بـاسـم الـزعـيـم المـقـبـل، بل بـطـبـيـعـة المــــشــــروع الـــــذي ســيــقــود حملة .2029 تقديمة للناخبين في فـــالأحـــزاب تستطيع تغيير الـزعـمـاء بسهولة. أما بناء مشروع سياسي قادر على إقناع الناخبين والاحتفاظ بثقتهم، فمسألة أصعب بكثير. ولهذا لا يُحذر بلير من نايجل فاراج، بقدر ما يُحذر من أن يصبح نايجل فاراج نــفــســه هـــو الـــبـــرنـــامـــج الــســيــاســي لـحـزب العمال. فهد سليمان الشقيران عادل درويش عبد الله ولد محمدي OPINION الرأي 14 بلير... محاولة لإنقاذ حزب العمال سجالات الموسيقى والأسبقيّة الفكرية عثمان سونكو يعيد فرانز فانون إلى السنغال لا يتعلق الأمر فقط بإعادة قراءة فرانز فانون بل بسؤال أكبر يتعلق بمستقبل أفريقيا بلير كان من أبرز المدافعين عن بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي النمط الموسيقي لدينا يقوده الشعر أكثر ممَّا تتجلَّى فيه الموسيقى
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky