issue17350

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17350 - العدد Saturday - 2026/5/30 السبت حنه أرنت... تحليل النظام الشمولي بين الحرب والسلام... مأزق النظام الإيراني رحــل الـقـرن العشرون حـامـا على أكـتـاف سنواته الطويلة، رغم قصرها الزمني، عشرات الملايين من جثث الـقـتـلـى وجـــبـــالا مــن الـــركـــام الــتــي هـــوت فـــوق الضحايا الأبرياء في مدن الدنيا الواسعة. كان ذلك القرن ساحة لحربين عالميتين، أشعلتهما نزوات تحركت في رؤوس أشخاص قفزوا على كراسي القرار في دولهم، وامتلكوا قـوة أمـر الحرب وغـاب عنهم ألـق السلام. القرن التاسع عشر كان زمن ثورة الصناعة والفلسفة والفكر، وهللت العقول لعصر الحداثة العظيم. أوروبــا كانت منذ القرن السابع عشر مصنع ذلك المنعطف الإنساني العالمي الهائل، بما فيه من قوة الفكر والمــال والصناعة والـسـاح. الاستعمار والسيطرة على مــقــدرات الـشـعـوب فــي آسـيـا وأفـريـقـيـا كـــان الـنـدبـة التي وسمت ملامح دنيا آتية. لقد تغير كل شيء في الرؤوس وعلى الأرض. رتل طويل من المفكرين والفلاسفة والعلماء وهبوا حياتهم للإجابة عن أسئلة فرضت نفسها، وكان في مقدمتها: هل ما أُطلق عليه زمـن الحداثة كـان جنة الإنسان الجديد الموعودة؟ فتح ذلك السؤال الباب لثورة فـكـريـة عـنـوانـهـا مــا بـعـد الــحــداثــة. كـوكـبـة مــن المفكرين جمعتهم مدينة فرانكفورت الألمانية، وأسسوا ما أطلق عليه مدرسة فرانكفورت النقدية في الربع الأول من القرن العشرين. سيطرة الشيوعيين على السلطة في الاتحاد السوفياتي، والفاشيين فـي إيطاليا، وارتــفــاع أصــوات الهيمنة الشمولية فـي بقع مختلفة مـن الـعـالـم. هدفت مدرسة فرانكفورت الفكرية إلى نقد المجتمع الرأسمالي الحديث، وتحليل أشكال الهيمنة الفكرية والسياسية على الإنسان، وركزت على فهم المجتمع وتحرير الإنسان من الهيمنة. دور الإعــام والثقافة الحديثة في تشكيل الــــوعــــي الـــجـــمـــاهـــيـــري، وخــــطــــورة أن تـــتـــحـــول إلـــــى أداة للسيطرة على الشعوب بـدلا من العمل على تحريرها. كـانـت مــدرســة فـرانـكـفـورت الـنـقـديـة فــي الــقــرن العشرين مــن جـنـس أو لنقل مماثلة لمــدرســة أثـيـنـا الـتـي رسمها ، والمعلقة في قصر الفاتيكان، 1510 الفنان رافائيل عام التي ضمت الفلاسفة الكبار الذين أسسوا لفكر إنساني جـديـد، وكـــان مـن بينهم الفيلسوف الـعـربـي المسلم ابن رشد بعمامته البيضاء. الـــــقـــــرن الــــعــــشــــرون كــــــان زمــــــن الـــــحـــــروب والـــــدمـــــار والأسئلة الصاعقة. مدرسة أثينا في جدارية الفاتيكان، ومدرسة فرانكفورت النقدية، علاهما غبار العنف والدم الستاليني، والعنف الشمولي القهري الفاشي والنازي، بما صنعه من تقنية دعائية إعلامية، هيمنت بها على العقل والتفكير الجماهيري لشعوبها. فـــي ألمـــانـــيـــا الـــنـــازيـــة أحـــكـــم أدولــــــف هـتـلـر قبضته الحديدية بالعنف الأمني، والمذابح الجماعية وصناعة الآيديولوجيا المغيبة للعقل الفردي والشعبي. فـــتـــاة شـــابـــة وُلـــــــدت فــــي عـــائـــلـــة يـــهـــوديـــة ألمـــانـــيـــة، وتـرعـرعـت فـي زمــن المعتقلات وأفــــران الـغـاز ومـصـادرة العقل والتفكير. حنه أرنت درست الفلسفة على أستاذها الفيلسوف مارتن هيدغر، تعلقت بأفكاره وربطتها به علاقة عاطفية ساخنة. كانت صدمتها الكبيرة عندما انـضـم أسـتـاذهـا وحبيبها الفيلسوف مــارتــن هيدغر، الــذي يلقي المـحـاضـرات عـن العقل والإنـسـان الـحـر، إلى الحزب النازي الذي يسحق كل ما له علاقة بهذا المثلث الـــــذي يـــدرســـه هــيــدغــر لـطـلـبـتـه فـــي الــجــامــعــة. تـحـركـت الأسـئـلـة مـبـكـرا فــي رأس حـنـه أرنــــت، وانـطـلـقـت تــدرس وتـحـلـل وتـفـكـك مـحـركـات الــكــارثــة الـتـي حـلـت بـألمـانـيـا، وجــرفــت معها أسـتـاذهـا وحبيبها الفيلسوف الكبير هيدغر. بـدأت تغوص في أعماق المجتمع الألمـانـي، بما فيه مـن حـاكـم ومـحـكـوم، وتـــدرس كيف تمت السيطرة الــكــامــلــة عــلــى شــعــب قــــدم لــلــدنــيــا الــعــلــمــاء والــفــاســفــة والمـــفـــكـــريـــن، وصـــــار أدوات يـحـركـهـا عـــريـــف ســـابـــق في الـجـيـش الألمـــانـــي، ويـلـغـي عقله وزيـــر الـدعـايـة جـوزيـف غوبلز المختل، ويصب في رأسه أوهاما متفجرة تحرّض على العنف والحرب والكراهية، وتكرس عبادة بل تأليه ديـكـتـاتـور يــدفــع شـعـبـه إلـــى حـفـر الــفــنــاء طــائــعــا، وهـو يهتف ويصفق ويغني ويرقص له. خـــلـــصـــت حـــنـــه أرنـــــــت إلــــــى أن الـــجـــمـــاهـــيـــر يـمـكـن التلاعب بها بسهولة، وشككت في قــدرات المجتمعات الـحـديـثـة عـلـى حـمـايـة الـحـريـة الـحـقـيـقـيـة. فــي كتابها «أصــــــول الــشــمــولــيــة» حـــاولـــت أن تــحــلــل كــيــف ظـهـرت النازية والفاشية داخل عالم حديث ومتطور ومتحضر ظـاهـريـا. بالنسبة لـهـا الشمولية ليست ديكتاتورية عادية، بل شيء جديد تماما ظهر في العصر الحديث، فـهـي حـكـم يــفــرض الـسـيـطـرة عـلـى الإنـــســـان فــي داخـلـه وخــارجــه، وعـلـى تفكيره وأفـعـالـه ونـظـرتـه إلــى العالم بـــأســـره. الأنــظــمــة الــحــاكــمــة الــقــديــمــة كــانــت تـطـلـب من شعوبها الطاعة فقط، أما الأنظمة الشمولية الحديثة فـهـي تعمل عـلـى إعــــادة تشكيل الإنـــســـان ذاتــــه، وخلق إنسان جديد منفصل عن الحقيقة والتاريخ، وحتى عن ضميره الشخصي. لهذا اهتمت هذه الأنظمة بتكريس عزلة الإنسان ليصبح أكثر قابلية للسيطرة، ومؤمنا بالسرديات الكاذبة، وهـذا ما حـدث في ألمانيا النازية حـسـب تـحـلـيـلـهـا. رافــقــهــا ســــؤال لا يـغـيـب وهــــو، كيف سقطت ألمانيا بلد نيتشه وكانط وهيغل، وغيرهم من الـفـاسـفـة، تـحـت أقــــدام طغمة نــازيــة شــريــرة؟ الأنظمة الـشـمـولـيـة قــامــت عـلـى إخــفــاء الـحـقـيـقـة، وبــــدأت تكتب عـمـا أسـمـتـه بـالـنـظـام الــجــمــاهــيــري، فـالـجـمـيـع مـراقـب فـي مـا سمَّته الإنـسـان الجماهيري الــذي يفقد جـذوره الاجتماعية والفكرية، ويصبح آلة تحركها الشعارات والضجيج والدعاية والأكاذيب. كانت حنه أرنت تعتقد أن الآيديولوجيا الشمولية تمنح الإنسان تفسيرا كاملا ومغلقا ومريحا للعالم، وأن تخلق له أعداء في الداخل والـــخـــارج، وتـخـلـص إلـــى أن الــنــظــام الـشـمـولـي يرسخ سياسة الإرهاب، بحيث لا يثق إنسان في آخر، فالجميع مراقب ومعرض لأن يكون متهما في أي لحظة، ويصير الجميع قطيعا مـن الخائفين، تسهل السيطرة عليهم والتحكم فيهم. الرحلة في فكرها تطول. لــيــســت الــــحــــروب وحـــدهـــا كـــارثـــة عــلــى الــشــعــوب، فهناك حالة أكثر إنهاكا واستنزافاً، هي حالة «اللاحرب واللاسلم»، وهي الحالة التي تعيشها المنطقة اليوم بين إيـــران والـــولايـــات المـتـحـدة. فالتوتر قـائـم، والـتـهـديـدات لا تــتــوقــف، والأســــــواق قـلـقـة، والمـــمـــرات الـبـحـريـة تحت الحصار، لكن القرار النهائي لم يُحسم بعد. ذلك التردد لا يــعــود إلـــى الــحــســابــات الــدولــيــة فــقــط، بـــل إلـــى مـــأزق داخلي يعيشه النظام الإيراني نفسه، لأنه حتى الآن لم يقرر أي طريق يريد أن يسلك. طهران تريد اتفاقا يخفف الضغوط الاقتصادية الخانقة، لكنها في الوقت ذاته، تخشى أن يبدو الاتفاق وكأنه تراجع سياسي وآيديولوجي أمام جمهور، تمت تعبئته لعقود على فكرة مواجهة «الشيطان الأكـبـر». لذلك تحاول القيادة الإيرانية البحث عن تقديم وتأخير أولويات، تمنحها فرصة الادعاء أمام جمهورها بأنها انــتــزعــت نــصــرا سـيـاسـيـا أو اقــتــصــاديــا مـــن واشـنـطـن، حـتـى لــو كـــان ذلـــك الـنـصـر شكليا أو إعـامـيـا أكـثـر منه واقعياً. هي تريد المال وتريد هرمز وتريد إزالة الوجود الأميركي، وتريد الاحتفاظ بــالأذرع، والعالم يريد نزع الـسـاح الـنـووي وحـريـة المـــرور وقطع التدخل الإيـرانـي في الجوار. الــــداخــــل الإيــــرانــــي يـعـيـش حـــالـــة إنـــهـــاك حـقـيـقـيـة. الاقتصاد يتآكل، والعملة فقدت جزءا كبيرا من قيمتها، وفـــرص العمل تـتـراجـع، والطبقة الـوسـطـى الـتـي كانت يــومــا عــمــاد الاســتــقــرار الإيـــرانـــي أصـبـحـت أكــثــر ضيقا وقـــلـــقـــا. وداخــــــل يـنـتـظـر فـــرصـــة الــــخــــاص، لـــذلـــك يـبـدو واضحا أن المفاوض الإيراني يركز على الحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات، لأن تــلــك الأمـــــــوال لـــم تــعــد تـــرفـــا ســيــاســيــا، بـــل ضــــرورة لتأجيل الانفجار الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، تحاول طهران استخدام أوراق الضغط التقليدية. فهي تلوّح بمضيق هرمز، وتختلق الحجج القانونية، وتقارن بما لا يقارن، وتعيد التذكير بقدرتها على تهديد الملاحة الدولية أو المنشآت الحيوية في الخليج. كما تتمسك بأذرعها السياسية والعسكرية في لبنان والعراق واليمن، لأن بقاء تلك الأذرع يمنحها شـعـورا بأنها مـا زالـــت قـــادرة على التأثير فـي الإقليم، ورفــع تكلفة أي مواجهة مع خصومها، والمراهنة على نتائج الانتخابات النصفية في أميركا. غير أن تلك الأدوات لـم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها فـي المـاضـي. فالواقع تغير بعد الحرب، ودول الـخـلـيـج أصـبـحـت أكــثــر اســـتـــعـــدادا لـلـتـعـامـل مع التهديدات، كما أن الولايات المتحدة تبدو أقل استعجالا في تقديم التنازلات. بل إن واشنطن تتصرف بأن الزمن يعمل لصالحها، وأن اسـتـمـرار الضغوط الاقتصادية والنفسية سيؤدي تدريجيا إلى إنهاك الداخل الإيراني أكثر فأكثر، والجمهوريون يكسبون أصواتاً. ولــعــل أكــثــر مــا يـكـشـف حـجـم الـقـلـق داخــــل طـهـران هـو الارتــبــاك فـي التعامل مـع المجتمع الإيــرانــي نفسه. فالسماح بإطلاق الإنترنت بحرية لساعات، ثم التراجع السريع عن ذلك القرار، يعكس خوفا من سرعة التواصل بين الجمهور الساخط. السلطة تدرك أن وسائل الاتصال الحديثة لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت وسيلة لــتــبــادل أســـبـــاب الــغــضــب، وتـنـظـيـم الاحـــتـــجـــاج، وكـسـر العزلة النفسية بين الناس. ذلك القلق الداخلي أخطر على النظام من أي تهديد خـــارجـــي. فــالــتــاريــخ يــؤكــد أن الأنــظــمــة الآيـديـولـوجـيـة المـغـلـقـة لا تـسـقـط غـالـبـا بـسـبـب الــضــربــات الـعـسـكـريـة، بــل حــن تـفـقـد قـدرتـهـا عـلـى إقــنــاع جـمـهـورهـا بـجـدوى التضحيات المستمرة. وحــن يشعر المـواطـن أن حياته الـــيـــومـــيـــة تـــنـــهـــار، بــيــنــمــا تــســتــمــر الــســلــطــة فــــي تـــرديـــد الـشـعـارات، يـبـدأ الـتـآكـل الحقيقي مـن الــداخــل. مـن هنا يـمـكـن تـفـسـيـر ســيــاســة المــمــاطــلــة الــحــالــيــة. فــطــهــران لا تملك حتى الآن مـشـروع تـسـويـة، لكنها أيـضـا لا تريد الانـفـجـار الكبير. لـذلـك تـؤجـل، وتــلــوّح، وتختبر ردود الأفـعـال، على أمـل أن يمنحها الـوقـت فرصة أفـضـل. إلا أن الـوقـت نفسه قـد يتحول إلــى عــبء ثقيل عليها، لأن الأزمـــات الاقتصادية والاجتماعية لا تبقى ساكنة، بل تتراكم وتتضخم. المشكلة الجوهرية أن جزءا من العقل السياسي الإيراني لا يزال يعتقد أن إدارة الأزمات تكفي للبقاء، بينما الواقع يقول إن الشعوب تستطيع تحمل الصعوبات فترة محدودة فقط. أما حين تتحول المعاناة إلى نمط حياة دائم، فإن الصبر يبدأ بالتآكل، وتصبح المــمــاطــلــة مــجــرد تــأجــيــل لـلـحـظـة الانـــفـــجـــار. ويـــبـــدو أن القيادة الإيرانية تراهن على تعب المجتمع الدولي من الأزمــــات المـمـتـدة، معتقدة أن الـقـوى الـكـبـرى قـد تفضّل فــي الـنـهـايـة أي اتــفــاق ولـــو كـــان نـاقـصـا عـلـى اسـتـمـرار التوتر. إلا أن هذه القراءة قد لا تكون دقيقة بالكامل، لأن التجربة أظهرت أن الاقتصاد الإيراني هو الطرف الأكثر هـشـاشـة فـــي مــعــادلــة الاســـتـــنـــزاف الــطــويــل. فـالـشـركـات الأجنبية تتردد، والجيل الشاب بات أقل اقتناعا بخطاب التعبئة الــثــوريــة، وأكــثــر انــشــغــالا بمستقبل معيشته وفرصه الشخصية. كما أن استمرار التوتر يفرض على إيران تكلفة سياسية داخلية متصاعدة. فكل تأخير في الوصول إلـى حلول حقيقية يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويزيد شعور قطاعات واسعة بأن الأولويات الرسمية لا تعكس احتياجات الناس اليومية. المواطن الإيــــرانــــي يـــريـــد اقـــتـــصـــادا مــســتــقــراً، وخــــدمــــات أفــضــل، وانفتاحا على العالم، بينما لا يــزال جـزء من الخطاب السياسي الرسمي يعيش فـي مـعـارك المـاضـي ورمــوزه القديمة. وهــذه الفجوة النفسية بـن الـدولـة والمجتمع تصبح مـع الـوقـت أكـثـر خـطـورة مـن العقوبات نفسها. وفي النهاية، لا تستطيع أي سلطة أن تتجاهل مطالب مجتمع يريد حياة طبيعية. لـذا سـوف يفرض الشارع أولوياته. آخــر الـكـام: الـحـرب تدمر سريعا والـاسـلـم ينهك ببطء. عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky