الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17347 - العدد Wednesday - 2026/5/27 الأربعاء السلام من فم الحرب؟ غرور القوة واستنزاف الدول قبل أسبوع، وقـت كتابة المقال، كانت دورة الحرب والـسـام في الحرب على إيــران قد دارت فــي اتــجــاه اسـتـبـعـاد الـهـجـوم الأمـيـركـي المتوقع على إيــــران، والـــذي نـعـرف بعد ذلـــك، على لسان القيادة الأميركية، أن حدوثه كان مع فجر اليوم الــتــالــي. هــل كـــان ذلـــك صــادقــا أم لا، لـيـس مهما بعد تـكـرار الـواقـعـة: التهديد بـالـحـرب وبعدها يـأتـي قــرب الــســام. الـرئـيـس الأمـيـركـي جعل من الــحــديــث عـــن الـــحـــرب والـــهـــروب مـنـهـا نــوعــا من المـهـارة التي تدفع السخونة في عــروق التطرف الإيراني، فيقدِّم الأميركيون ما يُعلم أنهم سوف يــرفــضــونــه؛ بـيـنـمـا يـتـفـاعـل الــرئــيــس تــرمــب مع الأمر فيُقدِّم ما يعرف تماما أن الإيرانيين سوف يرفضونه. هذه النوعية من الإيقاع كافية تماما للأسواق الدولية التي ترتفع فيها أسعار النفط وتنهار؛ وترتفع فيها أثمان العملات خصوصا وتنخفض. مــــئــــات مـــــن الـــســـلـــع المـــرتـــبـــطـــة بـــالـــنـــفـــط مـن «الـهـيـلـيـوم» إلـــى «الـكـبـريـت» تنقلت بــن أسـعـار مـــخـــتـــلـــفـــة، ولـــكـــنـــهـــا فـــــي كـــــل الأحـــــــــــوال تــفــضــي إلــــــى خـــســـائـــر قـــيـــاســـيـــة. الأزمـــــــــة الاقـــتـــصـــاديـــة والاســــتــــراتــــيــــجــــيــــة الــــدولــــيــــة تـــكـــفـــي لـــكـــثـــيـــر مـن الاضـــطـــراب فــي ســـوق الـسـيـاسـة الـعـالمـيـة؛ وهـو اضطراب يكفي لتوسيع الحرب التي بـدأت بين إسرائيل والـولايـات المتحدة من ناحية، وإيــران من ناحية أخرى. الأصـــل فــي الأمــــور أن الــســام يظهر مــن فم الـــحـــرب كـــل مـــــرة، حــتــى كــــان اســـتـــخـــدام الـقـنـبـلـة الــــذريــــة فــــي هــيــروشــيــمــا ونــــاغــــازاكــــي مــــن أجـــل وصــــول الـــحـــرب إلـــى نــهــايــة، ومـــن بـعـدهـا تـقـوم الصداقة الأميركية - اليابانية. حرب الخليج الثانية وقوامها كان احتلال الـعـراق (صـــدام حسين) للكويت، فتحت العيون على أنه لا توجد حرب في إقليم الشرق الأوسط من دون أن تطل على الصراع العربي - الإسرائيلي حتى ولــو كانت دولــة عربية تعتدي على دولـة عربية أخرى. ومع نهاية الحرب لم يُعقَد مؤتمر كبير لإنهاء الحرب، أو تصفية المسائل المعلقة، وإنـــمـــا جـــرى عـقـد مـؤتـمـر مـــدريـــد لـحـل الــصــراع التعيس بـن الـعـرب والإسـرائـيـلـيـن. كـل القوى العظمى في العالم كانت حاضرة، وكان الجميع بين العرب حاضرين، وجـرت مفاوضات ثنائية وأخــــرى مـتـعـددة الأطـــــراف. كـانـت الدبلوماسية على أشـدهـا؛ ومعها كانت عمليات الاستيطان لا تـتـوقـف؛ أمـــا الاســتــعــداد لإحــبــاط الــســام فقد زاد مــــن بـــعـــد الــــســــام الإســـرائـــيـــلـــي - الأردنـــــــي، وتوقيع اتفاق أوسلو الذي أقام السلطة الوطنية الفلسطينية الأولــــى عـلـى الأرض الفلسطينية في التاريخ؛ وكلاهما لم يمنع لا اغتيال رئيس الـوزراء الإسرائيلي إسحق رابـن؛ ولا العمليات الانـــتـــحـــاريـــة الــحــمــســاويــة الـــتـــي تــلــت مــمــارســة السلطة الوطنية سلطاتها. كل ما سبق فيه قدر كبير من التشاؤم حول المستقبل، ولـكـن الـكـاتـب الإسـرائـيـلـي غيرشون بــاســكــن لـــه وجـــهـــة نــظــر أخـــــرى مــتــفــائــلــة، وفــي موقعه الإلكتروني مـا يلي: «للمرة الأولـــى منذ سنوات طويلة، أعتقد أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد يكون أقرب بكثير مما يتخيّل معظم الناس. ليس لأن (حماس) تغيّرت، ولا لأن الاحتلال انتهى، بل لأن المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط قد تغيّر بصورة جذرية»... بعد ، وبعد 2023 ) السابع من أكتوبر (تشرين الأول قـضـيـة الـــرهـــائـــن، والـــحـــرب فـــي غــــزة، والــتــوســع الاستيطاني الهائل والتطهير العرقي الجاري في الضفة الغربية، يبدو هذا الكلام بالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين والفلسطينيين ضربا من الخيال. فمعظم الإسرائيليين لم يعودوا يؤمنون بـــأن الـفـلـسـطـيـنـيـن شـــركـــاء حـقـيـقـيـون لـلـسـام، ومعظم الفلسطينيين لـم يــعــودوا يعتقدون أن إسرائيل تنوي إنهاء الاحتلال أو السماح بقيام اسـتـقـال فلسطيني حقيقي. ومــع ذلـــك، فخلف الـــصـــدمـــة والـــــيـــــأس، أصـــبـــحـــت أســـــس الــتــســويــة السياسية الإقليمية أكثر نضجا اليوم مما كانت عليه في أي وقت منذ سنوات أوسلو. إن معالم الـسـام معروفة منذ زمــن طويل: مع تبادل 1967 دولـتـان على أســاس حــدود عـام متفق عليه لـأراضـي، وترتيبات أمنية تضمن أمن إسرائيل وسيادة فلسطين، والقدس عاصمة للدولتين، وضمانات إقليمية. نحن لا نعاني من نقص في المعرفة الدبلوماسية، بل من نقص في الشجاعة السياسية. ما يراه الكاتب مصدر الشجاعة السياسية لــيــس هـــو شــرق 2026 أن الـــشـــرق الأوســــــط عــــام أوســــــط المــــاضــــي. فـــالـــســـعـــوديـــة ودول الـخـلـيـج ومـــصـــر والأردن ولـــبـــنـــان وســـــوريـــــا والمــــغــــرب، جميعها تمتلك مصالح استراتيجية في التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني. وهـــنـــاك إدراك مـــتـــزايـــد بــــأن إعــــــادة إعـــمـــار غــزة والاسـتـقـرار فـي المنطقة لا يمكن أن يتحققا من دون أفق سياسي للفلسطينيين. مفتاح تحقيق هذه المعادلة الذهبية هو الانتخابات المقبلة في إسرائيل التي يعرضها كما لو كانت ليست حلا فـقـط لـلـعـرب وإنــمــا لـإسـرائـيـلـيـن أيــضــا الـذيـن بات عليهم الاختيار ما بين نتنياهو واستمرار الـــحـــرب، وفـــــرص الـــســـام المـمـكـنـة لمـنـطـقـة بـاتـت تشتاق إلى فرصة للبناء والتعمير والتَّقدُّم. الـقـضـيـة تـفـتـح الـطـريـق لكثير مــن التفكير والـفـكـر الـــذي يسعى فــي الـتـرجـمـة العملية إلـى طــريــق لـيـس فـقـط لـتـقـريـر المـصـيـر الفلسطيني وإنما مصير الأمن الإقليمي والتنمية المشتركة لمصير إقليم عانى الكثير. ليس أخطر أزمـــات الأنظمة المستبدة أنها تـقـمـع الـــداخـــل فـحـسـب؛ بــل إنــهــا تـحـتـاج دائـمـا إلـــى صـــراع خــارجــي يـبـرر هـــذا الـقـمـع، ويـوحّــد الــجــمــهــور خــلــف الــســلــطــة، ويــمــنــح الإخــفــاقــات الاقـتـصـاديـة والـسـيـاسـيـة غــطــاء عاطفيا تحت شعارات الأمن القومي والكرامة والسيادة، وفي كثير من الأحـيـان، لا تتحول الحرب إلـى خيار اضطراري؛ بل إلى أداة حكم، وآلية لإعادة إنتاج الشرعية كلما اهـتـزت أسسها الـداخـلـيـة، ومن هنا تبدأ المشكلة الكبرى: حين يتحول فائض الـقـوة إلـى وهـم سياسي، ويتحوّل الـغـرور إلى طـريـقـة فـــي إدارة الـــدولـــة. فـعـنـد تـلـك الـلـحـظـة، لا يــعــود الـخـطـأ مــجــرد ســـوء تـقـديـر عـــابـــر؛ بل يصبح عقيدة حكم تدفع الــدول تدريجيا نحو الاستنزاف والإنهاك، وربما الانهيار. الـــحـــرب الــعــراقــيــة - الإيـــرانـــيـــة كــانــت المـثـال الأكــــثــــر قــــســــوة فــــي تــــاريــــخ المـــنـــطـــقـــة الـــحـــديـــث، ثماني سـنـوات مـن النزيف المـتـبـادل بـن عامي ، جـــرى خـالـهـا شـحـن الـشـارعـن 1988 و 1980 العراقي والإيـرانـي بخطابات قومية ومذهبية وتـــاريـــخـــيـــة صـــــورت الــــصــــراع بــوصــفــه مـعـركـة وجــــود، لـكـن الـنـتـيـجـة الـنـهـائـيـة لــم تـكـن نصرا حـاسـمـا لأي طـــرف؛ بــل كـانـت مـئـات الآلاف من القتلى والجرحى، واقتصادين منهكين، وفرصا تنموية ضـائـعـة، ودولــتــن خرجتا مـن الحرب أكثر هشاشة وأقل قدرة على بناء الاستقرار. غير أن المأساة العراقية لم تتوقف عند تلك ،1990 ) الــحــرب؛ ففي الـثـانـي مـن أغسطس (آب انــدفــع الــنــظــام الــعــراقــي إلـــى غـــزو الــكــويــت، في لحظة اخـتـلـط فيها غـــرور الــقــوة بـسـوء تقدير النظام الـدولـي، وظـن صـدام حسين أن المجتمع الدولي سيكتفي بالإدانة، وأن القوة العسكرية قادرة على فرض الأمر الواقع، لكن ما عُد آنذاك استعراضا للقوة فتح على العراق أبواب كارثة تاريخية: حـرب الخليج، ثـم الحصار الطويل، ثـم التآكل الـداخـلـي لـلـدولـة، وصـــولا إلــى الغزو وســقــوط بــغــداد وانـهـيـار 2003 الأمــيــركــي عـــام الــنــظــام لاحـــقـــا، ولـــم تـكـن الــكــارثــة فـــي الـهـزيـمـة الـعـسـكـريـة وحـــدهـــا؛ بــل فــي الـثـمـن الــــذي دفعه المجتمع والــدولــة مـعـا، فقد خسر الـعـراق جـزءا كبيرا من بناه الاقتصادية والخدمية، وتعرض نسيجه الاجتماعي لتصدعات عميقة، بينما دفعت الأجيال العراقية تكلفة الحروب من أمنها ومعيشتها وصحتها ومستقبلها. وهنا يظهر أحد أكثر دروس المنطقة قسوة: الـــدول لا تسقط دائـمـا بفعل مــؤامــرة خارجية، بـل كثيرا مـا تـبـدأ بالسقوط حـن تفقد نخبها الـحـاكـمـة الـــقـــدرة عـلـى الـتـمـيـيـز بـــن الـشـجـاعـة والـتـهـور، وبــن الـسـيـادة والـعـنـاد، وبــن القوة والاستعراض، ومن هذه الزاوية تحديداً، يبرز المــشــهــد الإيــــرانــــي الــــراهــــن، فــــإيــــران، الـــتـــي بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من النفوذ والأذرع المسلحة خارج حدودها، بدت لسنوات كــأنــهــا تــحــقــق تــــمــــددا اســتــراتــيــجــيــا مـنـخـفـض التكلفة مـقـارنـة بــالــحــروب الـتـقـلـيـديـة، غـيـر أن هـــذا الــنــمــوذج نـفـسـه حـمـل فـــي داخـــلـــه عناصر استنزافه؛ لأنه وسّــع ساحات الاشتباك، وربط الاقـتـصـاد الـوطـنـي بحالة تـوتـر دائــمــة، وحــوّل موارد الدولة تدريجيا من التنمية والاستثمار إلى الأمن والتسلح وإدارة الصراعات المفتوحة. ومـع تصاعد التوتر الأميركي - الإيـرانـي، ومـــا يـرافـقـه مــن ضــربــات وضــغــوط اقـتـصـاديـة وأمــنــيــة، تــبــدو المـنـطـقـة كـأنـهـا تستعيد بعض ملامح المراحل التي سبقت الانفجارات الكبرى فـــي تــاريــخــهــا الـــحـــديـــث، فــالــحــرب الــحــديــثــة لم تـعـد مــجــرد مــواجــهــة بــن جــيــوش؛ بــل اخـتـبـار شامل لقدرة الدولة على الصمود: اقتصادها، وعـــمـــلـــتـــهـــا، وبــــنــــاهــــا الـــتـــحـــتـــيـــة، وشــرعــيــتــهــا الــداخــلــيــة، وعــاقــاتــهــا الــخــارجــيــة، والــتــجــارب التاريخية تظهر أن الدول التي تنشغل بتوسيع نـفـوذهـا أكـثـر مــن انشغالها بـبـنـاء مجتمعها، تصل غالبا إلـى لحظة يرتد فيها الحريق إلى الــــداخــــل، عــنــدهــا تـــبـــدأ الأســــــواق بـــالاضـــطـــراب، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتتراجع الثقة العامة، وتــتــســع الــفــجــوة بـــن الــخــطــاب الآيــديــولــوجــي والواقع المعيشي. في المقابل، ثمة نمط آخر من القيادة لا يرى الحكمة ضعفاً، ولا الحوار تنازلاً، بل يعتبر أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية المجتمع مـن الانـهـيـار لا بـعـدد الجبهات الـتـي تفتحها، فالتاريخ لا يخلّد الذين أشعلوا الحرائق بقدر مــا يـتـذكـر الــذيــن مـنـعـوا وقـوعـهـا، فلقد أثبتت تـجـارب المنطقة أن الـحـروب الطويلة لا تصنع دولا قــويــة بــقــدر مـــا تـنـتـج مـجـتـمـعـات منهكة واقتصادات هشة ومؤسسات متآكلة، فالأنظمة الـــتـــي تـــبـــدأ مــعــاركــهــا بـــاســـم المـــجـــد والـــكـــرامـــة، تنتهي غالبا إلى مزيد من العزلة والاستنزاف والتراجع الحضاري. ولـــعـــل أخـــطـــر مــــا فــــي هـــــذه الــــحــــروب لـيـس عـــدد ضـحـايـاهـا فــقــط؛ بـــل قــدرتــهــا عـلـى إقـنـاع الــشــعــوب بـــأن الـــخـــراب بــطــولــة، وأن بــنــاء عـدو خارجي أسهل من بناء دولـة حقيقية، وعندما يتحول الـغـرور إلــى بـديـل عـن العقل، والشعار إلـــى بــديــل عـــن الاقـــتـــصـــاد، والـــســـاح إلـــى بـديـل عـن المـؤسـسـات، تصبح الــدولــة، مهما امتلكت من قوة وخطابات، أكثر اقترابا من الاستنزاف والإنهاك، وربما السقوط. عبد المنعم سعيد كفاح محمود
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky