10 تحقيق FEATURES Issue 17347 - العدد Wednesday - 2026/5/27 الأربعاء ASHARQ AL-AWSAT أميركا واللقاحات... هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟ يجمع الأطباء وعلماء الأمراض على أن «الـــحـــصـــبـــة» لا تــحــتــاج إلــــى كــثــيــر من الثغرات كي تعود. فهي من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، ويكفي تراجع محدود في مـعـدلات التلقيح كـي تتحول حـالـة وافــدة إلى بؤرة محلية. ووفـــــــــــق بـــــيـــــانـــــات مـــــــراكـــــــز مـــكـــافـــحـــة الأمراض والوقاية منها، سجَّلت الولايات ما 2026 ) مـــايـــو (أيــــــار 14 المــتــحــدة حــتــى إصـابـة مـؤكـدة بالحصبة 1893 مجموعه 27 ولايــــــة أو نـــطــاقـــا صـــحــيـــا، مــــع 40 فــــي في 93 تفشيا جديدا خلال العام، وارتباط المــائــة مــن الــحــالات بتفشيات قـائـمـة. كما مـا مجموعه 2025 سجلت الـبـاد فـي عـام تفشياً، مقارنة 48 إصـابـة مـؤكـدة و 2288 . هــذه 2024 إصـــابـــة فــقــط فـــي عــــام 285 بـــــــ الأرقام لا تعني مجرد زيادة إحصائية، بل تشير إلى أن «درع المناعة الجماعية» بات مثقوبا في مناطق متعددة. تــــزداد خــطــورة المــؤشــر لأن الــولايــات المــــتــــحــــدة كـــــانـــــت أعــــلــــنــــت الــــقــــضــــاء عــلــى الانــتــقــال المـحـلـي المـسـتـمـر لـلـحـصـبـة منذ . لـكـن الـقـضـاء لا يعني اختفاء 2000 عـــام الفيروس مـن العالم، بـل يعني أن النظام الصحي قادر على منع تحوله إلى سلسلة انتقال داخلية. وعندما تتراجع معدلات التطعيم، تسقط هذه القدرة. ويشير مجلس الـعـاقـات الخارجية إلـــى أن دولا عـــدة فــقــدت أو بــاتــت مـهـددة بـــفـــقـــدان وضـــــع الـــقـــضـــاء عـــلـــى الــحــصــبــة، بينها كندا ودول أوروبية وآسيوية، وأن الولايات المتحدة والمكسيك تواجهان خطر مـــراجـــعـــة وضــعــهــمــا مـــن مـنـظـمـة الـصـحـة للبلدان الأميركية. وهنا المعيار العلمي واضـح: يحتاج فـــي المــائــة 95 المــجــتــمــع إلــــى تـلـقـيـح نــحــو مـن أفـــراده ضـد الحصبة لتحقيق المناعة الـجـمـاعـيـة. والــلــقــاح نـفـسـه لـيـس مـوضـع شك علمي جدي؛ فمراكز مكافحة الأمراض تقول إن جرعة واحـــدة مـن لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية فعالة بنسبة فـــــي المـــــائـــــة ضـــــد الـــحـــصـــبـــة، وتـــرتـــفـــع 93 فـي المـائـة بعد جرعتين. 97 الفعالية إلــى لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعرفة، بل في تآكل الثقة بها. بلد العلم... ومجتمع الشك الانــقــســام الأمــيــركــي حـــول الـلـقـاحـات ليس جديداً، لكنه اتخذ بعد وباء «كوفيد » طابعا أكثر حزبية، مـع تآكل الثقة 19 - فــي الإرشــــــادات المـتـغـيـرة وتــحــول المـعـرفـة الـطـبـيـة إلــــى مـــــادة فـــي حــــرب ثــقــافــيــة. في مـراحـل سابقة، كانت معارضة اللقاحات تـوجـد داخـــل مجموعات دينية محافظة، أو تــيــارات «الـطـب الطبيعي»، أو أوســاط لـيـبـرالـيـة قـلـقـة مـــن شـــركــات الأدويــــــة. لكن الــــوبــــاء أعــــــاد تــــوزيــــع الـــخـــريـــطـــة: صــــارت الـــكـــمـــامـــة والــــلــــقــــاح والإغــــــــــاق وإلــــزامــــيــــة التطعيم إشارات هوية سياسية، لا مجرد أدوات للصحة عامة فقط. في استطلاع أجرته «بوليتيكو» عبر 3851 مؤسسة «بابليك فـيـرسـت» وشـمـل بالغاً، برزت شريحة واسعة من الأميركيين تشكك في سلامة اللقاحات، وتؤيد تقليل عــــدد الـــجـــرعـــات، وتـمـيــل إلــــى اعــتــبــار حق الـفـرد فـي تقرير مـا يدخل جسده أهــم من منع انتشار المـرض. كما أشار الاستطلاع إلى أن قرابة نصف البالغين يرون أن علم الــلــقــاحــات لا يـــــزال مـــوضـــع نـــقـــاش، أو أن فرض اللقاحات يسبب ضرراً. هـــــذا المــــــــزاج لا يــنــفــصــل عــــن صــعــود حــركــة «لـنـجـعـل أمــيــركــا صـحـيـة مــجــدداً» المــرتــبــطــة ســيــاســيــا بـكـيـنـيـدي جــونــيــور. فـالـحـركـة تـمـزج بــن نـقـد شــركــات الــــدواء، والـقـلـق مـن الأغــذيــة المصنعة، والـشـك في المـــبـــيــدات، ومــعــارضــة جـــزء مـــن سـيـاسـات اللقاحات. هذه التركيبة تمنحها جاذبية مزدوجة: فهي تخاطب ناخبين محافظين يــرفــضــون تـــدخـــل الــــدولــــة، ونــاخــبــن غير مـحـافـظـن يــرتــابــون مــن نــفــوذ الــشــركــات. لكن الخطر يظهر حين يتحول نقد مشروع لــلــمــصــالــح الــــدوائــــيــــة إلـــــى إنــــكــــار لـــأدلـــة العلمية الأساسية. كينيدي يقحم السياسة في جدول التطعيم تـــعـــيـــن كـــيـــنـــيـــدي عـــلـــى رأس وزارة الـصـحـة لــم يـكـن تفصيلا إداريـــــا. فالرجل بنى جـــزءا كبيرا مـن حـضـوره الـعـام على الـــتـــشـــكـــيـــك فـــــي ســــامــــة الــــلــــقــــاحــــات، رغـــم أن الادعـــــــــــاءات الأكــــثــــر شـــهـــرة عــــن عــاقــة اللقاحات بالتوحد دُحضت علميا مـراراً. ومـــع دخــولــه الـــــوزارة، انـتـقـل الـخـطـاب من هـــامـــش الــقــنــاعــات الــســيــاســيــة إلــــى مـركـز القرار الصحي. تـــــقـــــول «رويــــــــتــــــــرز» إن مـــجـــمـــوعـــات مـرتـبـطـة بـحـركـة كـيـنـيـدي دفــعــت بـاتـجـاه مــــشــــروعــــات قــــوانــــن مـــنـــاهـــضـــة لإلـــزامـــيـــة الـــلـــقـــاحـــات فــــي ولايــــــــات عـــــــدة، لـــكـــن هـــذه المـشـروعـات مُنيت بـهـزائـم واسـعـة بعدما حـشـدت منظمات طبية وصـحـيـة، بينها الأكــــاديــــمــــيــــة الأمـــيـــركـــيـــة لـــطـــب الأطــــفــــال، ضــدهــا. الــافــت أن هـــذه الــهــزائــم حصلت حتى في ولايـات جمهورية، ما يشير إلى أن الـقـاعـدة المحافظة ليست كتلة واحــدة معادية للقاحات، وأن كثيرا من الناخبين يميزون بين الاعتراض على البيروقراطية وبين تفكيك متطلبات التطعيم المدرسي. ومــع ذلـــك، لا يمكن التقليل مـن الأثـر السياسي للتشكيك الرسمي. فحين يسمع المـــــواطـــــن رســــائــــل مــتــنــاقــضــة مــــن الـــدولـــة نفسها، يضعف الامتثال الطوعي. وحين يـصـبـح وزيــــر الــصــحــة نـفـسـه رمــــزا لـتـيـار يشكك في اللقاحات، فـإن كل تفش جديد يتحول إلى معركة تأويل: هل السبب هو الهجرة والسفر العالمي؟ أم تراجع الثقة؟ أم خفض التمويل؟ أم الإعلام؟ في الواقع، كل هذه العوامل قد تتداخل، لكن القيادة الصحية مسؤولة عـن تقليل الالتباس لا زيادته. بين حرية الجسد وواجب الدولة الـــســـؤال الــقــانــونــي فـــي قـلـب الـنـقـاش الأميركي هو: إلى أي حد تستطيع الدولة إلزام الفرد بإجراء طبي لحماية الآخرين؟ الـتـاريـخ الـدسـتـوري الأمـيـركـي يجيب من حيث المبدأ منذ قضية «جاكوبسون ضد ، حـــن أيَّــــدت 1905 مــاســاشــوســتــس» عــــام المحكمة العليا سلطة الــولايــة فــي فـرض التطعيم ضد الجدري باعتباره ممارسة مـــشـــروعـــة لــــ«ســـلـــطـــة الــــشــــرطــــة» لـحـمـايـة الـــصـــحـــة الــــعــــامــــة. وتــــعــــود الـــقـــضـــيـــة إلـــى رفض القس السويدي هننغ جاكوبسون الامتثال لقانون في ولاية ماساشوستس يـــفـــرض الــتــطــعــيــم ضــــد الــــجــــدري أو دفـــع غـرامـة صغيرة. فطعن فـي القانون باسم الحرية الفردية، لكن المحكمة العليا رأت أن حق الفرد يتراجع عندما يهدد رفضه الصحة العامة. ورغم أن الحكم لم يقل إن الدولة تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسد المواطن، لكنه أكد أن الحرية الفردية ليست مـطـلـقـة عــنــدمــا يــتــرتــب عــلــى مـمـارسـتـهـا خطر مباشر على المجتمع. مـــنـــذ ذلـــــك الــــوقــــت، قـــامـــت ســيــاســات التطعيم المـــدرســـي فــي الـــولايـــات المتحدة على منطق مشابه: لا تجبر الـدولـة عادة كـــل شــخــص بــالــقــوة الــجــســديــة عــلــى أخــذ الـلـقـاح، لكنها تـربـط الالـتـحـاق بـالمـدارس الـــعـــامـــة أو بــعــض الـــوظـــائـــف أو الأمـــاكـــن الحساسة بمتطلبات صحية من بينها أن يكون المـرء قد حصل على اللقاحات التي تُعد أساسية. وفي المقابل، أبقت الولايات على استثناءات طبية، وأحيانا دينية أو فلسفية. غير أن اتساع هذه الاستثناءات يـحـولـهـا مـــن ضـمـانـة حـقـوقـيـة إلـــى ثـغـرة وبـــائـــيـــة. فـــالـــقـــانـــون لا يــحــمــي الـــفـــرد من الدولة فقط، بل يحمي الضعفاء أيضا من قرارات الآخرين. هنا يكمن التوتر الأميركي العميق. فـثـقـافـة الــحــريــة الـــفـــرديـــة تـجـعـل كثيرين يـرون اللقاح قــرارا شخصيا خالصاً، لكن الأمـــراض المعدية لا تعترف بهذا الفصل. رفــض الـلـقـاح ليس كـرفـض عــاج لا يؤثر إلا فـي صـاحـبـه؛ إنــه قـــرار قـد يفتح طريق العدوى أمـام مجتمع كامل. لذلك، تصبح مـــســـؤولـــيـــة الــــدولــــة مـــــزدوجـــــة: أن تــشــرح وتـقـنـع وتـبـنـي الـثـقـة أولاً، وأن تستخدم الإلزام المتدرج عندما يهدد التردد الصحة العامة. «إيبولا» يفضح الهشاشة إذا كـــانـــت الــحــصــبــة تــكــشــف ثـــغـــرات الــــداخــــل، فــــإن «إيــــبــــولا» يــكــشــف هـشـاشـة الجدار الخارجي للأمن الصحي الأميركي. الـتـفـشـي الــحــالــي فـــي الـكـونـغـو وأوغـــنـــدا، المرتبط بسلالة «بونديبوغيو» الـنـادرة، أثـــــــار قـــلـــقـــا خــــاصــــا، لأنـــــه لا يــــوجــــد لــقــاح مـرخـص أو عـــاج نـوعـي ضــدهــا، بخلاف بعض سـالات «إيـبـولا» الأخــرى. وأعلنت مايو (أيار) 16 منظمة الصحة العالمية في أن الـتـفـشـي يـشـكـل طـــارئـــة صحية 2026 عامة ذات قلق دولي، مع تأكيد حالات في الكونغو وأوغندا، ووجود مئات الحالات المشتبه بها ووفيات عديدة. كما أن طبيعة المنطقة تضيف المنطقة خـطـرا مضاعفاً. فـإيـتـوري ومنطقة شرق الكونغو ليستا مـجـرد رقـعـة صحية، بل مساحة نــزاع، وتعدين، وحركة حدودية، وضــــعــــف مــــؤســــســــات، وانـــــعـــــدام ثـــقـــة بـن الــــســــكــــان والـــــســـــلـــــطـــــات. وفـــــــي مــــثــــل هــــذه البيئات، لا يكفي إرسـال معدات وقاية أو إنشاء عـيـادات عــزل. فالاستجابة الفعالة تـحـتـاج إلـــى تتبع مـخـالـطـن، ودفـــن آمــن، ومختبرات، وعاملين محليين موثوقين، وشبكات إنذار مبكر. أي أن الأمن الصحي يـبـدأ قبل ظـهـور الـحـالـة الأولـــى فـي مطار أميركي. هـنـا تتصاعد الاتــهــامــات لسياسات إدارة تــــرمــــب. فـــقـــد نــقــلــت وســــائــــل إعــــام أميركية بينها «أكسيوس» و«بوليتيكو» و«واشنطن بوست» تحذيرات خبراء من أن تفكيك برامج «يو إس إيد»، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتقليص دور مراكز مكافحة الأمراض في برامج عالمية، وجهت ضربة لبنية الرصد والاستجابة. كما نقلت عن لجنة الإنقاذ الدولية قولها إن خفض التمويل ترك المنطقة «مكشوفة بشكل خطير»، وإن ارتفاع الحالات يعكس أن أنــظــمــة المـــراقـــبـــة بـــــدأت تـــاحـــق حـــالات تفش كان جاريا على الأرجح منذ فترة. إدارة ترمب ترد بأنها موَّلت عيادات علاجية وأرسلت معدات وتشغل تنسيقا بـن الــوكــالات. لكن الاعـتـراض الجوهري، بحسب خبراء، هو أن الاستجابة المتأخرة لا تـعـوض دائـمــا عــن الـوقـايـة المـبـكـرة. في الأوبئة، الساعة الأولى قد تساوي أسابيع لاحقة من الجهد. «الحرية الطبية» والتكلفة الجماعية تعتمد الـحـركـات المناهضة للتلقيح المـــلـــزم عــلــى لــغــة جــــذابــــة: «حـــريـــة طـبـيـة»، و«حق الاختيار»، و«شفافية»، و«مقاومة نــفــوذ شـــركـــات الـــــــدواء». ولا يـمـكـن إنــكــار أن جــزءا من هـذه الأسئلة مـشـروع. تاريخ الـدواء لا يخلو من تضارب مصالح، ومن تسويق عــدوانــي، ومــن إخـفـاقـات رقابية. » تـرك في الذاكرة 19- كما أن وبـاء «كـوفـيـد الأميركية شـعـورا بـالارتـبـاك بسبب تبدل الإرشادات، والقيود الاجتماعية، والصراع بين العلماء والسياسيين. لـــكـــن المـــشـــكـــلـــة تــــبــــدأ حــــن تُــســتــخــدم أخطاء المؤسسات لتقويض الطب الوقائي كله. فإصلاح الرقابة على شركات الـدواء لا يــعــنــي إســــقــــاط الـــلـــقـــاحـــات. والمــطــالــبــة بشفافية بيانات السلامة لا تعني مساواة الـــدراســـات الـعـلـمـيـة المُــحـكـمـة بـمـنـشـورات التضليل الـتـي أغــرقــت وســائــل الـتـواصـل الاجتماعي فـي ذلـك الـوقـت. كما أن القلق مـــــن تــــســــرع بــــعــــض الــــتــــرخــــيــــص لا يـــبـــرر تجاهل لـقـاحـات ثبتت فعاليتها لعقود. والكلفة هنا لا تقع بالتساوي. فالعائلات القادرة قد تؤخر اللقاح لكنها تملك أطباء ومعلومات ووسائل علاج. أما المجتمعات الـــفـــقـــيـــرة، والمــــــــدارس المــكــتــظــة، والمــنــاطــق الـــريـــفـــيـــة، والمـــــهـــــاجـــــرون، والأطـــــفـــــال غـيـر المؤهلين طبيا للتطعيم، فيدفعون الثمن الأكـــبـــر. لــذلــك، فـــإن تــراجــع التطعيم ليس مجرد خيار فــردي، بل يعمّق اللامساواة الصحية، بحسب الخبراء. دولة عظمى أمام سؤال الثقة الــقــضــيــة فـــي الــنــهــايــة لــيــســت مـــا إذا كانت الـولايـات المتحدة تملك العلم؛ فهي تملكه لا شــك. وليست مـا إذا كانت تملك المــــــال؛ فــهــي تـمـلـكـه أيـــضـــا، وإن اخـتـلـفـت أولويات الإنفاق. السؤال هو ما إذا كانت تملك الثقة العامة الـازمـة لتحويل العلم إلى سلوك جماعي. لقد أظهرت هزائم مشروعات القوانين المــنــاهــضــة لــلــقــاحــات فـــي ولايـــــات عــــدة أن المجتمع الأميركي لم ينقلب بالكامل على الـتـطـعـيـم، وأن هــنــاك مــقــاومــة مؤسسية وشـــعـــبـــيـــة لـــتـــفـــكـــيـــك مـــتـــطـــلـــبـــات الـــصـــحـــة الـــعـــامـــة. لــكــن أرقـــــــام الـــحـــصــبــة، وصــعــود الخطاب المشكك، وتسييس وزارة الصحة، وتراجع البنية العالمية للرصد، كلها تقول إن النظام الصحي الأميركي دخل مرحلة أكثر هشاشة. الأوبـئـة لا تبدأ عــادة ككارثة شاملة. تـــبـــدأ بـــثـــغـــرة صـــغـــيـــرة: عـــائـــلـــة لــــم تـطـعـم أطـــــفـــــالـــــهـــــا، مــــقــــاطــــعــــة انــــخــــفــــضــــت فــيــهــا التغطية، عـيـادة أُغـلـق تمويلها، مختبر فـقـد مـوظـفـيـه، أو رســالــة سياسية زرعــت الشك في لحظة حرجة. ومن هذه الثغرات تتسع الدائرة. لـــذلـــك، لا تـكـفـي الــــعــــودة إلــــى خـطـاب تقني عـن «سـامـة الـلـقـاح». المطلوب عقد اجـتـمـاعـي صـحـي جـــديـــد: شـفـافـيـة أكـبـر، ورقابة أقوى على شركات الدواء، واعتراف بأخطاء مرحلة «كوفيد»، وخطاب علمي أقل تعالياً، وحـزم قانوني عندما يتحول الرفض الفردي إلى خطر عـام. فأميركا لا تواجه نقصا في اللقاحات بقدر ما تواجه نقصا في الثقة، وهذه، في زمن الأوبئة، قد تكون العدوى الأخطر. مايو الحالي (رويترز) 21 طفلان أميركيان ينظران عبر الزجاج إلى والدهما المصاب بـ«إيبولا» في غرفة الحجر الصحي في أحد مستشفيات برلين في في بلد يملك بعضا من أضخم المختبرات الطبية في العالم، وأقـــوى شـركـات الــــدواء، وأكـبـر منظومات البحث والتطوير، يبدو الـــتـــردد الأمــيــركــي المـتـصـاعـد حــيــال الـلـقـاحـات مــفــارقــة صــادمــة. فالولايات المتحدة التي قادت سباقات إنتاج اللقاحات، ودفعت أحيانا نحو تسريع ترخيص علاجات وأدوية قبل دول غربية أخرى أكثر تحفظاً، تجد نفسها اليوم أمام عودة أمراض تشبه أمراض البلدان النامية، ويُفترض أنها صارت من ذاكرة الطب الوقائي في البلدان المـتـطـورة. عــودة الحصبة إلـى الانتشار الـواسـع، وتـجـدد المخاوف من «إيبولا» وفيروسات أخرى مثل «هانتا»، لا تعكس أزمة وبائية فحسب، بل تكشف أيضا أزمة ثقة بين العلم والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين السياسة والمؤسسات الصحية. تزداد المفارقة حدّة الـيـوم فـي عهد إدارة الرئيس دونـالـد تـرمـب، إذ يتزامن القلق من موجات وبائية جديدة مع اتهامات لـــإدارة بأنها أضعفت أدوات الوقاية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما تجلَّى بالفعل منذ عـودة ترمب إلى البيت الأبيض، عبر تقليص المساعدات الصحية الخارجية، وتفكيك أجزاء من بنية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيـد)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتخفيض أدوار مراكز مكافحة الأمــراض والوقاية منها. وفـي الـداخـل، جاء تسليم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتاريخ طويل من التشكيك في اللقاحات، ليحوّل النقاش الصحي إلــى مواجهة سياسية وثقافية مفتوحة. وهـذه ليست مجرد مسألة طبية، بل هي اختبار لمعنى الحرية الفردية حين يصبح قرار شخص واحد بعدم تلقي اللقاح خطرا على طفل رضيع، أو مريض سرطان، أو مجتمع بأكمله. بين حق نقد شركات الدواء... وأزمة تهدد الصحة العامة واشنطن: إيلي يوسف دمى رفعها معارضون لسياسات «الصحة العالمية» حيال الأوبئة أمام مبنى الجمعية العامة في جنيف (أ.ف.ب) مجموعات ضغط مرتبطة بوزير الصحة روبرت كينيدي دفعت بمشاريع قوانين ضد إلزامية التلقيح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky