issue17345

أفــضــل مــجــال لـفـهـم شخصية «الإنـفـلـونـسـر» أو المـــؤثـــر هـــو المـــســـرح. حــيــث الــــقــــدرة عــلــى الأداء الــجــمــاهــيــري مَـــلـــكـــة ضــــروريــــة، لــكــن حـــن يـرتـبـط الجمهور بممثل معيّ، ولا يسأل في وجــوده عن صـنـعـة المــســرح مــن نـــص إبـــداعـــي ورؤيــــة وديــكــور وحركة ممثلين وفنون إلقاء، يصبح هذا الشخص وبالا على مهنته. وهذه بالتحديد مشكلة المؤثر، في أي مهنة، من الطب إلى الخطابة الدينية. عرفت مصر نمط المؤثر قبل عصر السوشال ميديا. على يده تحوَّلت المسرحيات إلى وصلات مــــن الارتـــــجـــــال تــتــمــحــور حـــــول شـــخـــص لا نـــص. ورأيــــنــــاه فـــي أطـــبـــاء يــخــلــطــون الـــعـــلـــم الـتـجـريـبـي بالإيمان الديني، ورأيناه في شيوخ تجرَّأوا على منابر الخطابة بلغة لا تليق بها. وكان الجمهور يرسل إليهم «لايـكـات» ذلـك الـزمـن، ويعيد تغريد أقوالهم. وفـي كـل تلك الـحـالات ابتلعت مـهـارة «الشو» روح الصنعة ومهارات الحرفة وأساساتها، فكانت أولـــى ضحايا المـؤثـر المـهـنـة الـتـي نشأ فيها، ربح وخسرت، وخسر المجتمع بخسارتها. المـجـتـمـعـات ذات الـتـقـالـيـد المـهـنـيـة الــراســخــة نجحت نسبيا في تحجيم المؤثر القديم. الانفتاح ضمن وجود أفكار مقابلة تختبر أفكاره وتفندها، وتقيِّمه بالمعايير الداخلية لصنعته. وفي الوقت نفسه حافظت الحيوية الاقـتـصـاديـة على وجـود طــبــقــة وســـطـــى، قـــــــادرة عــلــى تــمــويــل طـمـوحـاتـهـا والــدفــاع عـن ذائقتها وقيمها، فلم تـتـرك الساحة بالكامل للعشوائية أو الرداءة أو الاحتكار. لذلك حين طغى نمط المؤثر الحديث مع طوفان السوشال ميديا ظهرت جريمة المؤثر القديم. وجـد المؤثر الحديث بيئة ملائمة في مجتمع اخـتـفـى فـيـه مـقـيـاس الـــجـــودة مـنـذ زمــــن. يـمـكـن أن تــــؤرخ لــذلــك الـــزمـــن بــمــســرح الإيــفــيــهــات، أو أفـــام السينما المفلسة، ويمكن أن تؤرخ له بغياب كتاب المـــقـــالات لــصــالــح كـــتـــاب الــــنــــوادر، وغـــيـــاب شــعــراء العامية لصالح شعراء التنمر، كما يمكن أن تؤرخ لـــه بــالمــعــمــار الـــعـــشـــوائـــي... هــــذا مــلــمــوس وسـهـل التقييم. المؤثر القديم طمس روح صنعة أجادها، لكن الحديث نشأ بلا صنعة محددة، فَجَار على الصنائع كــلــهــا. الـــيـــوم فـــي الــســيــاســة وغـــــدا فـــي الاقـــتـــصـــاد. فـــي المـــســـاء يـوصـيـنـا بـــأن نــأتــي بــكــوب مـــن الـشـاي ونستمع إلـيـه وهــو يفند الخطط الاستراتيجية. فـــإن «ذهــــب الـلـيـل وطـلـع الـفـجـر»، وجــدتــه يخوض في الطب ويفاضل بين بروتوكولات العلاج. لا يكل ولا يمل، من الطاقة النووية إلـى الـثـروة السمكية إلـى أبحاث الفضاء. حتى الصخور التكتونية لم تستعص عليه. المؤثر القديم كان هاربا على الأرجح من قبضة الرقابة على الإبداع، إلى منطقة لا يزعج فيها أحدا هـنـا أو هـــنـــاك، ولا تــكــون الــخــســارة فـيـهـا قاصمة للظهر إن فشلت. لكن المؤثر الحديث، في كثير من الأحـيـان، صـار صــورة الرقابة والمتحدث باسمها. قدرته على حصد «اللايكات» أبرز مسوغاته. يليها في القائمة الفراغ. لم يعد المطلوب أن يمتلك معرفة، بـل صـار المطلوب أن يكون قـابـا لإعـــادة التشكيل. هذا ما يجعل فراغه ميزة، لأنَّه يُملأ بسرعة، ويُوجَّه بسهولة، ويصدر ضجيجا أعلى. فلنبتعد قليلا عن السِّجال الحاد حول المفاوضات واتـــفـــاقـــات الـــسَّـــام مــع إســرائــيــل بـتـاويـنـهـا المختلفة، والتي تختزل النقاش حول قبول أو رفض «حزب الله» لـهـا، بـهـدف مـقـاربـة أزمـــة أعـمـق بكثير لا تتعلق فقط بـمـوقـف الــحــزب؛ بــل بـمـا قــد يكشفه أي اتــفــاق محتمل عـن حقيقة الــدولــة اللبنانية والـنـظـام السياسي الـذي حكم البلاد لعقود. فإذا كانت الحروب -رغم فظاعتها- قـد سمحت بتأجيل المـسـائـل الـداخـلـيـة، فـــإن الـسـام أو الاستقرار طويل الأمد سيسحبان ذرائع التأجيل دفعة واحـــــدة، ويــضــعــان الـجـمـيـع أمــــام الـقـضـايـا الــتــي جـرى الهروب منها طويلاً. من هنا ضرورة فتح نقاش مواز للمفاوضات، يدور حول مرحلة ما بعد هذه الحرب. لا شك في أن أي تسوية ستضع «حـزب الله» أمام تـحـد وجـــودي مرتبط بهويته السياسية ومستقبله. فـــالـــحـــزب الـــــذي لـــم يـــقـــدِّم نــفــســه يـــومـــا كـــحـــزب لـبـنـانـي تـقـلـيـدي؛ بــل كـجـزء مــن مــشــروع إقليمي تــقــوده إيـــران، ســـيـــواجـــه تـــحـــدي الانـــتـــقـــال مـــن مـــوقـــع الـــقـــوة المـسـلـحـة العابرة للدولة، إلـى موقع الحزب السياسي الخاضع لمنطق الــدولــة وتـــوازنـــات الــداخــل اللبناني وتسوياته وحــدوده. والسؤال: هل يستطيع القيام بهذا التحول؟ أم أن ارتباطه بطهران آيديولوجيّا وتمكينيّا سيجعله بالغ الصعوبة؟ لـــكـــن الأزمـــــــة لا تــقــتــصــر عـــلـــى الــــحــــزب؛ بــــل تــطــول المـــنـــظـــومـــة الــســيــاســيــة بــرمــتــهــا الـــتـــي أفـــــــادت مــــن عـــدم الاستقرار للتنصل من مسؤولياتها. فالحروب سمحت لـلـدولـة الـلـبـنـانـيـة بـالـعـيـش فــي منطقة رمـــاديـــة بـــرَّرت فـيـهـا الــعــجــز والانـــقـــســـام بــالــعــامــل الأمـــنـــي المــضــطــرب. أمـا الـسـام، فسيضع الجميع أمــام اختبار صعب: هل تـسـتـطـيـع الـــدولـــة احــتــكــار الـــقـــرار الأمـــنـــي والـعـسـكـري والسياسي، وإدارة إعادة الإعمار والإصلاح، واستعادة الثقة الداخلية والخارجية؟ فالدولة لا تعاني فقط من ضعف سياسي؛ بل من تآكل مؤسساتها وعجزها عن إدارة الاقتصاد والخدمات وفرض القانون، جرَّاء نفوذ شبكات طائفية وزبائنية ومراكز قوى متداخلة، راكمت مصالحها داخل دولة مستضعَفة. وأي تـسـويـة ستعيد أيـضـا طـــرح مـسـألـة الـسـيـادة بوجهها الواقعي لا الخطابي، لجهة قدرة الدولة على فرض حصرية السلاح وحماية حدودها ومؤسساتها، وستفتح باب النقاش حول نظام المحاصصة الطائفية السياسي، بين من يتمسك بالمناصفة واتفاق الطائف، ومـــن يـــرى غـيـر ذلــــك. فـهـل بـمـقـدور الـطـبـقـة السياسية بمجملها -لا «حــزب الله» وحــده- الانتظام داخــل دولة فعلية تـقـيِّــد نـفـوذ الـجـمـيـع بـالـقـانـون والمــؤســســات، لا بمنطق الحصص والـتـوازنـات والهامش الـدائـم خارج سلطة الدولة؟ لبنان بحاجة إلى السلام والاستقرار بقدر حاجته إلـــى إعـــــادة تـأسـيـس سـيـاسـيـة تـعـيـد الاعــتــبــار لـلـدولـة كمرجعية وطنية مشتركة، بعدما تقاسمتها الطوائف ومراكز النفوذ. لذلك، فإن أي خروج من الأزمة سيحتاج إلـــــى تــكــتــل وطـــنـــي عـــابـــر لـــلـــطـــوائـــف، عـــنـــوانـــه الـــدولـــة والمؤسسات، لا توازن الرعايات الطائفية. تكتل يجمع بـن الـسـيـادة والإصــــاح؛ لأن خطيئة المـرحـلـة السابقة كـــانـــت الــتــعــامــل مـعـهـمـا كــأنــهــمــا مــــســــاران مـنـفـصـان: فريق يرفع شعار السيادة من دون مشروع إصلاحي، وآخــــر شــعــار الإصــــاح والـحـمـايـة الاجـتـمـاعـيـة، بينما يبرر بقاء السلاح ومنطق الدولة المـوازيـة. وقـد أثبتت الأزمــة اللبنانية أن غياب الدولة هو ما سمح بانهيار الاقتصاد والمؤسسات والسيادة معاً. وعـــلـــيـــه، يـــحـــتـــاج لـــبـــنـــان خـــطـــة إصـــــــاح واضـــحـــة يـضـعـهـا بـنـفـسـه قـبـل طـلـب أي دعـــم خـــارجـــي. فــالــدول العربية -والخليجية تـحـديـداً- تـريـد أن تــرى نظاما لا يعيد إنتاج أزماته، ولكنها قد تدعم مسارا جديّا يعيد بناء المـؤسـسـات والاقـتـصـاد والجيش والإدارة العامة على أسـس مختلفة. هل الانتقال متاح من ثقافة طلب الــرعــايــة الـخـارجـيـة إلـــى ثـقـافـة الــتــفــاوض مــع الــخــارج، انــطــاقــا مـــن مـــشـــروع وطــنــي واضـــــح، لا مـــن حـسـابـات الفئات والطوائف؟ تبقى معضلة عـاقـة «حـــزب الــلــه» ببيئته. إن أي مـشـروع لبناء الـدولـة سيبقى ناقصا إذا تعامل معها بـاعـتـبـارهـا مـجـرد امــتــداد لـلـحـزب، والـعـكـس صحيح. فـــشـــريـــحـــة واســــعــــة مـــنـــهـــا تـــعـــيـــش الــــيــــوم أيــــضــــا أزمــــة اقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة عميقة، ويُــخـشـى أن يُــفـهـم أي تراجع لدور الحزب كمحاولة لعزل الطائفة أو تقليص حـضـورهـا داخـــل الــنــظــام. لــذلــك، فـــإن اســتــعــادة الـدولـة تحتاج إلــى مـشـروع شـراكـة وطمأنة لا مـشـروع انتقام سياسي، وإلى إعادة دمج بيئة الحزب في فكرة الدولة كمصلحة فعلية لها؛ لا كخِصم وجودي. وتــبــرز أخــيــرا عـقـدة إسـرائـيـل وقابليتها للسلام. فــإســرائــيــل الـــيـــوم تـخـتـلـف كــثــيــرا عـــن مــرحــلــة اتــفــاقــات الـسـام السابقة: مجتمع أكثر يمينية، ونـفـوذ متزايد للتيارات الدينية والقومية المـتـشـددة، ومقاربة أمنية تقوم على إدارة الصراع لا حله. من هنا تُفهم الانتهاكات الـعـسـكـريـة المـسـتـمـرة لـلـبـنـان خـــال فــتــرات الــتــفــاوض، وكــأنَّــهــا تـــقـــوِّض عـمـلـيـا أي خــطــاب لـبـنـانـي يــدعــو إلـى حصرية السلاح وتعزيز الدولة. إنــمــا الـــســـؤال هــو مــا إذا كــانــت الــقــوى السياسية اللبنانية مستعدة لتحمل تكلفة الانتقال إلـى الدولة، والـــــخـــــروج مــــن الـــــتـــــوازن الـــهـــش الـــقـــائـــم عـــلـــى الـــخـــوف المــتــبــادل وتـقـاسـم الـنـفـوذ والــتــســويــات بــن الـطـوائـف، والاصـــطـــفـــافـــات ضـــمـــن المــــحــــاور الـــخـــارجـــيـــة. فـــالأزمـــة اللبنانية لا تـرتـبـط بـمـا تفعله إسـرائـيـل أو مــا يـريـده «حــزب الله» فقط؛ بل أيضا بعجز اللبنانيين أنفسهم عن الاتـفـاق على شكل الـدولـة التي يريدونها، وحـدود السلطة فيها، ومعنى الـسـيـادة الـتـي يرفعها الجميع شــعــاراً، ولكنهم يـتـجـنَّــبـون تكلفتها الـفـعـلـيـة. كـمـا لن نــغــيِّــب أن الـتـغـيـيـر يــتــأثــر بـــأوضـــاع الإقـــلـــيـــم، والـعـجـز اللبناني بعضه إقليمي. كــلــمــا جــــــاء مــــوســــم الـــحـــج وددت الـكـتـابـة، لـكـن الـقـلـم كـــان دائــمــا ممتلئا بــالمــعــانــي لا المـــــــداد. فـــــأول مـــــرة ذهـبـت فيها إلى مكة كانت لحظة تغيّر كبرى، ومـا لك إل أن تتأمَّل الـفـارق بين صلاة كــنــت تــؤديــهــا فـــي خـــط مـسـتـقـيـم نحو الـقـبـلـة، ولـحـظـة تـجـد نـفـسَــك فـيـهـا في قلب القبلة، ويمكنك أن تولّي وجهك ما شـئـت؛ شـرقـا وغـربـا وشــمــالا وجنوباً. حـالـة الــطــواف فـي العقل والـقـلـب حول الـكـعـبـة تـصـيـبـك بــقــشــعــريــرة، فتتأمل أمــورا أوســع وأكـبـر. فعندما تنظر إلى الـوجـوه فـي الـحـرم، التي تصل أحيانا إلــــى حـــد الــتــقــابــل، كــــل مـــن زاويـــتـــه في اتـجـاه الكعبة، لا بـد أن تــرِد على قلبك الآيـــة: «عـلـى سُـــرر متقابلين»، وتـسـأل: هــل «مـتـقـابـلـن» هـنـا مـجـرد تــدريــب أو بـروفـة على «متقابلين» هـنـاك؟ ولكن: «ولمن خاف مقام ربه جنتان»، فهل تلك الحالة التي نخلع فيها رداء الغل ووزر الضغينة والحسد هي الجنة الأولــى؟ ليس لدي شك في ذلك. لـــســـت أول مـــــن يـــكـــتـــب عـــــن الـــحـــج كـــتـــجـــربـــة شــــعــــوريــــة، فـــقـــد كـــتـــب عـنـهـا كثيرون مـن المسلمين وغير المسلمين، لــكــن هــــذا الـــنـــوع مـــن الــكــتــابــة تـمـيـز به الأنــــثــــروبــــولــــوجــــي المـــغـــربـــي عـــبـــد الــلــه حمودي في كتابه «حكاية حج: موسم في مكة». لم يكتب حمودي عن المناسك فـــقـــط، بــــل عــــن دخـــــــول الـــحـــج فــــي عــالــم الدولة الحديثة؛ القرعة، والتصاريح، والــــجــــوازات، والإجــــــراءات الـتـي تحيط بــــالمــــقــــدس... وكــــــان يــعــيــش تـــوتـــرا بين المؤمن الذي يؤدي الشعيرة، والباحث الــــذي يـسـجـل المـــاحـــظـــات عــلــى طـريـقـة «المـشـاهـد المــشــارك»، وهــو المنهج الـذي أسسه برونيسواف مالينوفسكي، ثم طــــوره لاحــقــا كــلــيــفــورد غــيــرتــز وطـــال أسد. لكن سؤال حمودي كان الأصعب: كيف يكتب الأنثروبولوجي عن ثقافة ينتمي إليها ويـؤمـن بعقيدتها؟ فهو لــم يـكـن يــراقــب الـحـجـيـج فـقـط، بــل كـان يشاهد نفسَه وهو يتحوّل إلى حاج. كــــنــــت أكـــــثـــــر حــــظــــا مـــــن حـــــمـــــودي؛ لأنـنـي لست أنثروبولوجياً، وإن كنت أمــلــك قـــــراءة نــقــديــة لـأنـثـروبـولـوجـيـا والإثنوغرافيا ضمن الحقول المعرفية. ذهـــبـــت إلــــى مــكــة مــؤمــنــا، ولـــكـــن مـؤمـن يـــريـــد أن يــــعــــرف. أردت أن أكــــــون فـي الــــزحــــام كــجــهــاز اســتــقــبــال يـلـتـقـط كل شــــيء بـــا أحـــكـــام مـسـبـقـة، قــــــادرا على تـــأمـــل لـحـظـة «عـــلـــى سُـــــرر مـتـقـابـلـن»، ثـم الانتقال إلـى معنى «فـي بيوت أذن الـلـه أن تُــرفــع»، لتسأل نفسك: هـل هذا البيت على الأرض أو مـرفـوع فوقَها؟ ومن هنا تبدأ رحلة أخرى بين الأرضي والسماوي، وبين المقدس وغير المقدس، وبين الحجر والمعنى. سمعت من أناس قالوا إنَّهم أثناء الطواف كانوا يشعرون كأنَّهم يطيرون فــوق الكعبة ويـــرون المـشـهـد مـن أعلى، ولم يداخلني شك في صدق تجربتهم. فـــالـــتـــحـــول يــــحــــدث بـــالـــفـــعـــل؛ يــتــحــول الإنــــســــان مـــن فــــرد عـــــادي إلــــى «حـــــاج». وهــنــا تــحــديــدا يـلـتـقـي الــحــس الـديـنـي بـالأنـثـروبـولـوجـيـا. فالأنثروبولوجي فيكتور تيرنر رأى أن الطقوس الكبرى ليست مجرد شعائر، بل «حالات عبور» ينتقل فيها الإنسان من وضع اجتماعي إلـــى آخـــر. والــحــاج بالفعل يـمـر بحالة تعليق للهوية؛ يخلع ملابسه المعتادة، ويفقد اسمَه وطبقته ومكانته، ليصبح مجرد «حاج». الإحرام هنا ليس لباسا فقط، بل مساواة مؤقتة، ومـوت رمزي للحياة اليومية قبل ولادة جديدة. ولــــو جــــاء أرجــــــون أبـــــــــادوراي إلــى الــحــج لـربَّــمـا قـــال إن مـكـة كــانــت مـركـزا لـلـعـولمـة قـبـل أن يــعــرف الـعـالـم الـعـولمـة الحديثة؛ ففيها حركة البشر والأفكار والأمــــوال والـلـغـات، وكــل مـا وصـفـه في كتابه «موديرنتي آت لارج» عن «عوالم التدفق» التي تصنع الحداثة المعولمة. لـكـن مـكـة تختلف عــن كــل مـــدن الـعـالـم؛ فالناس لا يأتون إليها كسياح أو تجار فقط، بل كضيوف لله. وربما لهذا ظل معنى «ضيف الـلـه» مـن أجمل المعاني فــي ثـقـافـتـنـا. كـــان لــي خـــال رحــمــه الله اسمه ضيف الله، وكان في اسم والدتي المعنى ذاته. واليوم فقط أفهم أن الاسم لم يكن مجرد تسمية، بل وصفا لحالة الــعــبــور المـــؤقـــت مـــن الــعــالــم إلـــى معنى أكبر منه. OPINION الرأي 12 Issue 17345 - العدد Monday - 2026/5/25 الاثنين لبنان والسلام كاشف المثالب بين المؤثر القديم... والجديد ضيوف الله وأنثروبولوجيا الحج وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي الحاج يمر بحالة تعليق للهوية يخلع ملابسه المعتادة ويفقد اسمَه وطبقته ومكانته ليصبح مجرد حاج سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky