issue17343

أعلنت وزارة الـشـؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمـوريـتـانـيـن فــي الــخــارج «احـتـجـاج مـوريـتـانـيـا الشديد ورفضها الـقـاطـع»، لمـا شهده محيط سفارتها فـي باماكو مـــن تــصــرفــات، وصـفـتـهـا بـأنـهـا «انــتــهــاك لـحـرمـة بعثتها الدبلوماسية، ومخالفة للأعراف والمواثيق الدولية». جــاء ذلــك فـي بـيـان صـــادر عـن الــــوزارة ليل الخميسالجمعة، قـالـت فيه إنـهـا اسـتـدعـت سفير جمهورية مالي المُعتمَد لدى موريتانيا، باكاري دومبيا، حيث أبلغه وزير الـخـارجـيـة محمد سـالـم ولـــد مــــرزوك احـتـجـاج موريتانيا الشديد، و«رفضها القاطع لما شهده محيط سفارتها في باماكو من تصرفات تنتهك حرمة بعثتها الدبلوماسية». وأضــــافــــت الــــــــوزارة أن ولــــد مــــــرزوك أكــــد لـلـسـفـيـر أن أمــــن الـــســـفـــارة وســـامـــة طــاقــمــهــا، وكـــذلـــك أمــــن المــواطــنــن الموريتانيين فـي مالي وممتلكاتهم، «مسؤولية تقع على عاتق دولة الاعتماد، وفقا للاتفاقات والأعراف الدولية ذات الـصـلـة»، مــشــددا عـلـى أن مـوريـتـانـيـا تنتظر مــن الحكومة المالية الشقيقة اتـخـاذ الإجــــراءات الـازمـة لحماية البعثة، والمــواطــنــن المـوريـتـانـيـن وممتلكاتهم، ومـنـع تــكــرار مثل هذه التصرفات، مع حرصها على معالجة أي إشكالات بين البلدين، عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة. جــــاء هــــذا الــبــيــان بــعــد أن تـــداولـــت مــنــصــات إعـامـيـة ومــواقــع تــواصــل اجـتـمـاعـي فــي مـالـي تـصـريـحـات وُصـفـت بالتحريضية، دعــت إلــى اسـتـهـداف متاجر الموريتانيين، على خلفية الهجمات التي تتعرَّض لها الشاحنات المالية على محور موريتانيا - مالي، من طرف الحركات المتطرفة. وبـحـسـب مـــا تـــم تـــداولـــه، فـقـد اتـهـمـت جــهــات مـوالـيـة للمجلس العسكري الحاكم في باماكو موريتانيا، بصورة غـيـر مــبــاشــرة، بــالــوقــوف وراء مـــا وصـفـتـه بـــ«الــحــصــار»، مـسـتـنـدة إلــــى كــــون بــعــض الــهــجــمــات المـسـلـحـة اسـتـهـدفـت شــــاحــــنــــات مـــالـــيـــة دون الــــتــــعــــرض - بـــحـــســـب ادعــــائــــهــــا - للموريتانيين. وأثــــــارت هــــذه الــتــصــريــحــات مــوجــة اســتــيــاء واســعــة، خصوصا لما تحمله من خطاب تصعيدي، وتحريض ضد الجالية الموريتانية ومصالحها التجارية في مالي، وسط مـــخـــاوف مـــن انــعــكــاســات ذلــــك عــلــى أوضـــــاع المـوريـتـانـيـن المقيمين هناك. ويأتي هذا التوتر في ظل وضع أمني متقلب تشهده المنطقة، وتصاعد الخطاب الإعـامـي والسياسي المرتبط بالأزمات الأمنية بين دول الساحل. وكــان ناشطون فـي العاصمة المالية باماكو قـد هـــدَّدوا، الخميس، باتخاذ إجراءات تصعيدية ضد المصالح الموريتانية في مالي، وقالوا إن إحــراق أي شاحنة نقل للمؤن والبضائع داخـــل الأراضـــــي المـالـيـة سيقابلها انـتـقـام مــن مـحـات التجار الموريتانيين، وضرب المصالح الموريتانية في مالي. واخــــتــــار الـــنـــاشـــطـــون المــــوالــــون لـلـمـجـلـس الـعـسـكـري الــحــاكــم مـبـنـى الــســفــارة المــوريــتــانــيــة فـــي بــامــاكــو لتنظيم وقفتهم الاحتجاجية، التي جاءت بدعوة من حراك شعبي يعرف باسم «تجمع خمس سنوات وأكثر»، المُؤيِّد والمُطالِب بـبـقـاء العسكر فــي الـحـكـم لـفـتـرة طـويـلـة، بـزعـامـة الـجـنـرال عاصمي غويتا. وقـال المحتجون إن وقفتهم تأتي ردا على الهجمات، الــتــي تـسـتـهـدف ســاســل الإمــــــداد عــلــى المـــحـــاور الـطـرقـيـة، المؤدية إلى العاصمة باماكو، والتي تنفِّذها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بـ«القاعدة». ودعا النشطاء الحكومة الموريتانية إلى التعاون مع مالي، ومـع دول الساحل؛ لمنع استهداف سلاسل الإمــداد، وعـــدم توفير المـــاذ الآمـــن، أو الـقـاعـدة الخلفية للجماعات الإرهابية المسلحة. 8 أخبار NEWS Issue 17343 - العدد Saturday - 2026/5/23 السبت ASHARQ AL-AWSAT دعوات تحريضية في مالي تستهدف متاجر الموريتانيين بعد هجمات على شاحنات موريتانيا تحتج على انتهاك حرمة سفارتها في باماكو نواكشوط: «الشرق الأوسط» قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني) سنوات لرئيس هيئة مكافحة الفساد السابق 10 تونس: السجن قضت محكمة تونسية بسجن الرئيس السابق لهيئة مـكـافـحـة الـــفـــســـاد، شــوقــي الــطــبــيــب، عــشــر ســـنـــوات بتهمة «الـــتـــدلـــيـــس»، خــــال تــولّــيــه المــنــصــب، وفــــق مـــا أفــــــاد، أمــس الجمعة، أحد أعضاء هيئة الدفاع عنه، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وفـــي خــتــام جـلـسـة، عُــقــدت الـخـمـيـس، قــــررت المحكمة الابـتـدائـيـة سجنه لمــدة عشر ســنــوات، بتُهم أبــرزهــا «مسك واستعمال مدلس»، وفق ما أوضح محاميه سمير ديلو. عــــامــــا) هــــو الــعــمــيــد الــســابــق 62( وشــــوقــــي الــطــبــيــب لــلــمــحــامــن الــتــونــســيــن. وتــتــعــلــق هــــذه الــقــضــيــة بـتـقـريـر أرسلته الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إلـى مجلس نواب ، تضمّن معطيات تتهم رئيس 2020 الشعب السابق في عام الحكومة حينها، إلياس الفخفاخ، بتضارب المصالح لعدم تـخـلّــيـه عـــن حــصــص يـمـتـلـكـهـا فـــي شـــركـــة مـتـخـصـصـة في تـدويـر الـنـفـايـات حظيت بمناقصات حكومية، وفــق ديلو ووسائل إعلام محلية. وتـــولّـــى الـطـبـيـب، المـــعـــروف فـــي الأوســـــاط الـقـانـونـيـة، والــــذي تــولّــى الـــدفـــاع عــن عـــدد مــن الـشـخـصـيـات المـعـارِضـة المسجونة، رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من يناير . وقـرر 2020 ) أغسطس (آب 24 إلــى 2016 ) (كــانــون الـثـانـي ، بعد أن 2021 الرئيس قيس سعيّد حل الهيئة في صيف عام تفرَّد بالسلطة، وعلَّق نشاط البرلمان، وأقال رئيس الحكومة آنذاك هشام المشيشي. أبـريـل (نـيـسـان) المـاضـي، 14 والطبيب مسجون منذ ومُــاحَــق فـي عــدة قضايا تتعلق بـــ«خــروقــات» فـي تسيير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. كما يُلاحَق شوقي الطبيب في قضايا أخـرى بتُهم «اخـتـاس وتبييض أمـــوال»، خلال رئاسته الهيئة. تونس: «الشرق الأوسطٍ» بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا سـلّــطـت قـضـيـة الـلـيـبـي خــالــد الــهــيــشــري، المـــاثـــل أمـــام المـحـكـمـة الـجـنـائـيـة الــدولــيــة بتهمة «ارتـــكـــاب جــرائــم حـرب واغتصاب واستعباد»، الـضـوء على ملف الانتهاكات في البلاد، وسط دعوات بضرورة محاسبة المتورطين كافة في عمليات تعذيب وقتل، منذ الانفلات الأمني الذي ساد ليبيا .2011 منذ عام وانــتــهــت المـحـكـمـة الـــدولـــيـــة، الــخــمــيــس، مـــن جـلـسـات 47( «تأكيد التهم» في قضية المدعي العام ضد الهيشري عاماً)، أحد المسؤولين الكبار عن سجن معيتيقة بطرابلس، فـيـمـا تــبــدأ الـــدائـــرة الـتـمـهـيـديـة الأولــــى مــداولاتــهــا تمهيدا يوما ً. 60 لإصدار قرارها خلال وقـــال المــدعــون إن الهيشري «اعــتــدى على سجينات، وعذبهن واغتصبهن في إطار نمط من التعذيب الجنسي»، تــهــمــة بـــارتـــكـــاب جـــرائـــم 17 وطـــلـــبـــوا مــــن الـــقـــضـــاة تـــأكـــيـــد ضـــد الإنــســانــيــة وجـــرائـــم حــــرب؛ مـنـهـا الـقـتـل والاغــتــصــاب والاضـطـهـاد والاستعباد، خـال الفترة الممتدة مـن فبراير .2020 حتى أوائل 2015 ) (شباط 2025 ) ومـنـذ اعـتـقـال الهيشري فـي يوليو (تــمــوز خلال وجوده بألمانيا، اعتبر حقوقيون ونشطاء ليبيون هــذا الإجــــراء «خـطـوة إيـجـابـيـة» للحد مـن الانـتـهـاكـات، الـــتـــي تــرتــكــبــهــا تــشــكــيــات مـسـلـحـة بــحــق مـحـتـجـزيـن ومهاجرين غير نظاميين. وذكر المدعون العامون أن الهيشري، الذي كان يشرف أيضا على جناح النساء في السجن «سيئ السمعة»، عرف عنه بأنه كان يعذب بلا رحمة، مما دفع المعتقلين إلى تلقيبه بـ «عزارئيل». وقال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الدكتور عبد المنعم الحُر، إن قضية الهيشري تضع المحكمة الدولية «أمام تحديات قانونية، تتطلب دقة متناهية لضمان عدالة الإجراءات»، مشددا على «ضرورة أن تستند التهم الموجهة إلى معايير واضحة في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الــدولــي، بعيدا عـن التسييس، مـع مـراعـاة (مبدأ التكامل) الـــذي يعطي الأولــويــة للقضاء الـوطـنـي، إذا كان قادرا وراغبا في الملاحقة». عبّر الحُر، الذي حضر جلسة «تأكيد التهم» الموجهة لـلـهـيـشـري بـالمـحـكـمـة فــي لاهــــاي، عــن رفــضــه «أي مـحـاولـة لاخــــتــــزال الــــنــــزاع فـــي قــضــيــة فــــرديــــة؛ فــالمــطــالــبــة بــالــعــدالــة للهيشري يجب أن تكون فاتحة لمسار شامل، يحاسب كل المتورطين فـي جـرائـم الـحـرب والـجـرائـم ضـد الإنسانية في ليبيا، دون استثناء». وشـــدد الـحـر فـي تصريحه لــ«الـشـرق الأوســــط»، على الــتــمــســك بــــ«ســـيـــادة الـــقـــانـــون الــــدولــــي، وعـــــدم الإفــــــات من العقاب»، متحدثا عن «إشكالية تكمن في مدى قدرة الادعاء على تقديم أدلة دامغة، تربط المسؤولية الجنائية الفردية للمتهم بالانتهاكات المنسوبة إليه، خصوصا في ظل بيئة نزاع معقدة كالتي تشهدها ليبيا». وكـشـفـت وثــائــق المـحـكـمـة الـجـنـائـيـة أن الـهـيـشـري لم يـقـدم ردا رسـمـيـا بـعـد عـلـى الـتـهـم المـــذكـــورة، لـكـن محاميه طـلـبـوا مــن الـقـضـاة رفـــض الـتـهـم، وطـعـنـوا فــي اختصاص المحكمة في نظر هـذه القضية. وقــال الحر: «مـا يهمنا في المنظمة إنسانية القضية؛ فخلف كل تهمة حقوق مهضومة وضحايا ينتظرون الإنصاف منذ سنوات». لذا دعا الحر المحكمة إلى «تفعيل مشاركة الضحايا في الإجـــراءات بشكل أوســع، وضمان وصــول صوتهم إلى قاعة المحكمة، ليعبروا عن حجم معاناتهم وما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة». وتفاعل سياسيون ونشطاء ومنظمات حقوقية في ليبيا مع مثول الهيشري أمام «الجنائية الدولية»، وطالبوا بـمـحـاسـبـة بــاقــي «المـــتـــورطـــن» فـــي قـضـايـا تـعـذيـب وقـتـل، مشيرين إلى أن «جرائم الميليشيات المرتكبة بحق سجناء ومــواطــنــن ومــهــاجــريــن سـتـظـل تـــطـــاردهـــم»، وأن المحكمة «ستظل سيفا على رقاب من لم تطله يد العدالة في ليبيا». وقـال الحر إننا «نراقب من كثب مـدى التزام المحكمة الجنائية بالحياد التام؛ وننتظر أن تكون هذه القضية لبنة حقيقية في بناء دولة القانون بليبيا، وليس مجرد إجراء شكلي في أروقة المحاكم الدولية»، مشددا على «عدم الإفلات من العقاب». وبحسب رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان فــــي لـــيـــبـــيـــا، أحـــمـــد عـــبـــد الـــحـــكـــيـــم حــــمــــزة، الــــــذي حـضـر الجلسات، فإن قضية الهيشري تدخل مرحلة المـداولات السرية داخــل الـدائـرة التمهيدية للمحكمة، وسيراجع الـقـضـاة الأدلــــة المـقـدمـة مــن الادعـــــاء، وردود ومـرافـعـات فـريـق الــدفــاع وشـــهـــادات الـضـحـايـا والمـــذكـــرات المرتبطة بالقضية. وقــال حمزة: «مهما طـال زمـن الإفــات من العقاب، فلن يفلت مرتكبو انتهاكات حقوق الإنـسـان فـي ليبيا من المحاسبة والمساءلة عبر جميع الوسائل القانونية والـقـضـائـيـة والـحـقـوقـيـة المـحـلـيـة والـــدولـــيـــة؛ بـمـا يكفل للضحايا حقوقهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف». وتنظر المحكمة الجنائية الدولية في مزاعم «جرائم حـــرب وجـــرائـــم ضـــد الإنــســانــيــة» بـلـيـبـيـا، مـنـذ أن أحـــال .2011 مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في القاهرة: جمال جوهر الإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟ ســــنــــوات مــــن الــــحــــرب، 3 بـــعـــد أكــــثــــر مــــن يـبـدو الــســودان أمـــام لحظة مختلفة سياسيا وإنــســانــيــا. لـيـس لأن المـــعـــارك تــوقــفــت، أو لأن أحــد طـرفـي الـصـراع حسم المـواجـهـة عسكرياً، بل لأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال؛ داخليا وإقليميا ودوليا ً. ومـــــــــع تـــــصـــــاعـــــد الــــــضــــــغــــــوط الــــــدولــــــيــــــة، والـــتـــحـــركـــات الإقــلــيــمــيــة المـــكـــثـــفـــة، والانـــهـــيـــار الإنساني المتسارع، تتكرر الأسئلة ذاتها في الأوســــاط السياسية والإعــامــيــة: هـل اقتربت الـــحـــرب مـــن لـحـظـة الــتــســويــة، أم أن الـــســـودان المـــوبـــوء بــالــحــروب يـتـجـه نـحـو صــــراع طـويـل يشبه حروبه السابقة؟ الــــتــــاريــــخ الــــســــودانــــي لا يــــقــــدم إجــــابــــات مطمئنة، فمعظم الــحــروب الـكـبـرى فـي البلاد امــــتــــدت لـــعـــقـــود؛ الــــحــــرب الأهـــلـــيـــة الأولـــــــى فـي ،)1972 - 1955( عــامــا 17 الــجــنــوب اســتــمــرت )، بـيـنـمـا 2005 - 1983( عـــامـــا 22 والـــثـــانـــيـــة - 2003( ً عاما 17 استمرت حـرب دارفـــور نحو ) وجميعها حُسِمت بالعودة إلى الحوار 2020 والـتـفـاهـم والـــســـام. لـذلـك يـضـع الـسـودانـيـون قلوبهم بـن أيديهم خشية أن تتحول الحرب الــحــالــيــة إلــــى فــصــل جـــديـــد مـــن تــلــك الـــحـــروب الطويلة والمفتوحة. لكن ثمة من يرى أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها. فــمــنــذ انــــــــدلاع المــــواجــــهــــات بــــن الــجــيــش و«قــــوات الـدعـم الـسـريـع»، فـي أبـريـل (نيسان) ، راهــــــن الـــطـــرفـــان عـــلـــى حـــســـم عـسـكـري 2023 ســـريـــع. غـيـر أن دخــــول الـــحـــرب عـامـهـا الــرابــع كـشـف بــوضــوح حـــدود هـــذا الـــرهـــان؛ فـالمـعـارك الـتـي تـمـددت مـن الـخـرطـوم إلــى بـورتـسـودان، ودارفــــور وكــردفــان ثـم النيل الأزرق، لـم تنتج انتصارا حاسما لأي طرف، لكنها دفعت البلاد إلـــى واحــــدة مــن أســــوأ الأزمـــــات الإنـسـانـيـة في العالم. ومـــــــــع تـــــعـــــقّـــــد المـــــشـــــهـــــد المـــــــيـــــــدانـــــــي، بـــــدأ المجتمع الـدولـي ينظر إلـى الحرب السودانية بـاعـتـبـارهـا تـهـديـدا يـتـجـاوز حـــدود الــســودان نـــفـــســـه؛ فــــالــــتــــوتــــرات المـــتـــصـــاعـــدة فــــي الــبــحــر الأحـمـر، ومـخـاوف اتـسـاع الفوضى فـي القرن الأفــريــقــي، وتـــزايـــد مــوجــات الـــنـــزوح والـهـجـرة غـيـر الـشـرعـيـة، كلها عــوامــل دفـعـت الـعـواصـم الغربية والإقليمية إلـى تكثيف الضغوط من أجل الوصول إلى تسوية سياسية. وفــــي هــــذا الـــســـيـــاق، شـــكّـــل مــؤتــمــر بـرلـن الأخـيـر محطة مهمة، بعدما أجمعت عشرات الـــــــدول والمـــنـــظـــمـــات الـــدولـــيـــة عـــلـــى أن الأزمـــــة السودانية «لا يمكن حسمها عسكرياً»، وأكدت دعـمـهـا الــواضــح لمـسـار تـفـاوضـي شــامــل. كما كثفت الـــولايـــات المـتـحـدة والاتـــحـــاد الأوروبــــي تـحـركـاتـهـمـا الـدبـلـومـاسـيـة لـلـدفـع نـحـو وقـف إطلاق النار؛ خصوصا مع تزايد المخاوف من اتساع دائرة الفوضى في المنطقة. ومـــن أبــــرز المـــؤشـــرات عـلـى هـــذا الـتـحـول، تـــصـــريـــحـــات مـــســـتـــشـــار الــــرئــــيــــس الأمـــيـــركـــي لـلـشـؤون العربية والأفـريـقـيـة، مسعد بولس، الذي أكد أنه «لا وجود لحل عسكري للنزاع في الــســودان»، مشيرا إلـى وجــود «إجـمـاع دولـي» لـدفـع الأطـــــراف نـحـو الــتــفــاوض ووقـــف إطــاق الـــنـــار. كـمـا تــحــدث عـــن جــهــود أمـيـركـيـة لـدعـم هدنات إنسانية تمهّد لوقف دائم للقتال. صحيح أن هـذا التحول الـدولـي لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت وشيكة، لكنه يكشف عن قناعة متزايدة لـدى القوى المؤثرة بأن استمرار الحرب قد يقود إلى انهيار الدولة الـسـودانـيـة بـالـكـامـل، وهـــو سـيـنـاريـو تخشاه قــــوى إقـلـيـمـيـة ودولــــيــــة عــــديــــدة، خـــاصـــة دول الجوار. وشـهـدت الأشـهـر الأخـيـرة حـراكـا إقليميا أكثر نشاطا مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، حـن وُصـفـت بأنها «الـحـرب المنسية»؛ فهناك تنسيق متزايد بين الاتحاد الأفريقي، ومنظمة «إيــغــاد»، وجامعة الـــدول العربية، إلـى جانب تحركات خليجية ومصرية وأفريقية تهدف إلـى منع تفكك الـسـودان أو تحوله إلـى ساحة صراع إقليمي مفتوح. وتــدرك هـذه الأطـــراف أن استمرار الحرب لن يهدد الـسـودان وحــده، بل سيؤثر مباشرة عـــلـــى أمـــــن الـــبـــحـــر الأحــــمــــر، وحــــركــــة الـــتـــجـــارة الــدولــيــة، واســتــقــرار دول الـــجـــوار، بـمـا يجعل التوصل إلى تسوية سياسية ضرورة إقليمية، وليس مجرد مطلب سوداني داخلي. فـي الـداخـل الـسـودانـي، ورغــم أن الجيش الـسـودانـي لا يـــزال متمسكا بخطاب استمرار العمليات العسكرية، أبقى الباب مواربا أمام الحلول السياسية. ففي تصريحات بدت ذات دلالات سياسية، قـال البرهان، أخيراً، إن «أي شخص وصل إلى قناعة ووضـع السلاح، فإن حضن الوطن مفتوح له»، وهي رسالة فسّرها مراقبون باعتبارها محاولة لفتح الباب أمام تسويات محتملة أو تشجيع انشقاقات داخل «قـــوات الـدعـم الـسـريـع»، عبر تقديم ضمانات ضمنية لـلـراغـبـن فــي الــعــودة والانـــخـــراط في ترتيبات جديدة. ومـــع ذلـــك، يــواصــل الــبــرهــان الـتـأكـيـد في أكـــثـــر مــــن مــنــاســبــة بـــــأن الـــجـــيـــش «مـــــــاض فـي اســتــعــادة الـــدولـــة ومــؤســســاتــهــا»، فـــي مـؤشـر يـعـكـس تـمـسـك المــؤســســة الـعـسـكـريـة بسقفها السياسي والعسكري في أي مفاوضات مقبلة، وهـــو مـــا يـشـيـر إلـــى أن الــطــريــق نـحـو تسوية شاملة لا يزال محفوفا بتعقيدات كبيرة، رغم تزايد الضغوط لإنهاء الحرب. ضغوط إنسانية لــكــن الــعــامــل الأكـــثـــر ضـغـطـا عــلــى جميع الأطراف ربما لم يعد عسكريا أو سياسياً، بل إنسانيّ. فقد حــذّرت الأمـم المتحدة ومنظمات الــغــذاء الـدولـيـة مـن أن الــســودان يـواجـه حاليا واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم. ووفق تــقــريــر «الـتـصـنـيـف المــرحــلــي المــتــكــامــل لـأمـن .2026 ) )» الصادر في مايو (أيار IPC( الغذائي مـلـيـون ســـودانـــي مـسـتـويـات 20 يـعـانـي نـحـو حـــادة مـن انـعـدام الأمـــن الـغـذائـي، فيما يواجه عشرات الآلاف خطر المجاعة، مع وجود مناطق عــــدة مـــهـــددة بـــكـــارثـــة إنــســانــيــة إذا اســتــمــرت الحرب. وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية الــعــالمــي، ســيــنـدي مـــاكـــن، إن «الـــجـــوع وســـوء الـتـغـذيـة يـــهـــددان حــيــاة المـــايـــن»، داعـــيـــة إلـى تـحـرك عـاجـل لمـنـع تــحــوّل الأزمــــة إلـــى «مـأسـاة كبرى». أمــــا المـــديـــرة الـتـنـفـيـذيـة لـــ«الــيــونــيــســف»، كاثرين راســـل، فقد وصفت الـوضـع الإنساني بـــأنـــه بــلــغ مــرحــلــة مـــأســـاويـــة، مــشــيــرة إلــــى أن أطـــفـــالا يــصــلــون إلــــى المـــرافـــق الـصـحـيـة «وهـــم أضعف من أن يبكوا». وفـــي الأوســـــاط الــســودانــيــة، بـــدأت تتسع دائـــــرة الأصــــــوات الـــداعـــيـــة إلــــى إنـــهـــاء الــحــرب، رغـــم اســتــمــرار الانــقــســام حـــول شـكـل التسوية المــمــكــنــة. ويـــــرى بــعــض المـحـلـلـن المــقــربــن من الجيش أن تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب لا يعني بالضرورة قبول بقاء «قـوات الدعم السريع» كقوة موازية للدولة، ما يجعل أي تـسـويـة مستقبلية مـرتـبـطـة بـــإعـــادة بـنـاء مؤسسة عسكرية موحدة. كما يــرى مـراقـبـون أن تصاعد الضغوط الـــــدولـــــيـــــة، إلـــــــى جــــانــــب الإنــــــهــــــاك الـــعـــســـكـــري والـــــتـــــدهـــــور الإنـــــســـــانـــــي، قـــــد يــــدفــــع الأطــــــــراف المـتـحـاربـة إلـــى قــبــول تـسـويـة سـيـاسـيـة خـال المرحلة المقبلة. وفــي هــذا الـسـيـاق، قــال الأمـن الـسـيـاسـي لـحـزب المـؤتـمـر الــســودانــي، شريف محمد عثمان، إنــه «لا حـل عسكريا ولا سلام دون قيادة مدنية حقيقية»، في إشـارة إلى أن إنهاء الحرب يتطلب تسوية شاملة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها. ويــــــــرى مـــــراقـــــبـــــون آخــــــــــرون أن المـــشـــهـــد السوداني يقف حاليا عند نقطة توازن معقدة بين احتمالات السلام واستمرار الحرب. ويقول المـحـلـل الـسـيـاسـي محمد لطيف إن المعطيات الــــدولــــيــــة والــــضــــغــــوط الــــخــــارجــــيــــة ومـــعـــانـــاة المــواطــنــن تـجـعـل الــســام «أقـــــرب مــن أي وقـت مضى»، لكنه يشير في المقابل إلى أن استمرار فتح جبهات جديدة للقتال، وتعقيدات المشهد الإقليمي لا تزال تدفع نحو إطالة أمد الصراع، ما يبقي كل الاحتمالات مفتوحة. ومـــن زاويـــــة أمـنـيـة واســتــراتــيــجــيــة، يـرى الــخــبــيــر الـــعـــســـكـــري الــعــمــيــد الـــدكـــتـــور جــمــال الـشـهـيـد أن الـــســـودان يـقـف أمــــام مـفـتـرق طـرق بالغ الخطورة، بين تسوية سياسية تفرضها حـالـة الإنــهــاك العسكري والـضـغـوط الـدولـيـة، والانزلاق إلى نموذج «الحرب الممتدة»؛ حيث لا يتمكن أي طرف من تحقيق حسم كامل، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تدريجيا تحت وطأة الاستنزاف العسكري والاقتصادي والإنساني. ويحذر الشهيد من أن عامل الزمن لم يعد فـي صـالـح الــســودان، وأن كـل يــوم إضـافـي من الحرب يضاعف تكلفة السلام مستقبلاً. ورغـــــم كـــل هــــذه المــــؤشــــرات، فــــإن الأسـئـلـة الـكـبـرى لا تـــزال مـفـتـوحـة: هــل وصـلـت الـحـرب فعلا إلى مرحلة الإنهاك التي تسبق التسويات، أم أن السودان لا يزال في بداية صراع طويل لم تتشكل ملامح نهايته بعد؟ لندن: عيدروس عبد العزيز

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky