issue17343

هـل تشهد الـولايـات المتحدة نوعا مـن أنـــواع الصحوة الــديــنــيــة، بــعــد أن تــراجــعــت مــكــانــة الـــديـــن فـــي الـــبـــاد خــال العقود الماضية، وهل يمكن للتجربة الديمقراطية أن تستمر منفصلة عن الإيمان والروحانيات؟ مـــؤخـــرا كـتـب الــبــروفــســور غــريــغــوري كــونــتــي، المـنّــظـر الـسـيـاسـي والأســـتـــاذ المـــشـــارك فــي قـسـم الــعــلــوم السياسية بجامعة برنستون الأمـيـركـيـة الـعـريـقـة، مـقـالا فـي صحيفة «واشــنــطــن بـــوســـت» عـــن تـــراجـــع المــعــرفــة الــديــنــيــة، بـالـتـالـي الممارسات الروحية، وسط الشباب الأميركي، وقد بلغ الأمر حد أنه وخلال محاضرة له عن الدين وحرية التعبير، راعه ما اكتشفه من عدم دراية هؤلاء بالوصايا العشر. هـــل يــعــنــي ذلــــك أن هـــنـــاك أزمــــــة حـقـيـقـيـة تــلــف شـبـاب الولايات المتحدة؟ في مؤلفه الشهير «على جناحين»، وصف الفيلسوف الأمـــيـــركـــي الــكــاثــولــيــكــي الـــراحـــل مــايــكــل نـــوفـــان دور الـعـقـل والإيــــمــــان فـــي تــأســيــس الــــولايــــات المـــتـــحـــدة، وكـــيـــف أنـهـمـا ساعدا الآبــاء المؤسسين في وضـع لبنات قوية للجمهورية الأميركية، وقــد بلغ الأمــر بالرئيس إبــراهــام لنكولن، الـذي يعتبره الكثير من الأميركيين خليفة الآباء المؤسسين، أن قال إن أميركا «شعب مختار تقريباً». على أن الناظر لأميركا فـي العقود الخمسة الأخـيـرة، يـرى حالة واضحة من التراجع الديني والإيماني، لصالح مـسـاحـات واسـعـة مـن العلمانية وعـــدم الـــدرايـــة، ناهيك عن موجات من التطرف الأخلاقي والانحلال، والترويج للكثير من شواذ الأمور التي تنافي وتجافي الفطرة الإنسانية، وقد كان تيار اليسار الديمقراطي المتشدد إلى حد التطرف وراء تلك الموجات. لكن على الـجـانـب الآخـــر، لا تخلو الــولايــات المتحدة، وكي نكون موضوعيين، من رموز وجماعات لا تزال ترى في أميركا قبسا من الضوء للعودة إلى عمق الحياة الروحية، ونفض غبار التحلل الأخلاقي الذي أصاب الكثير من المواقع والمواضع في داخلها. هل هي مصادفة قدرية أم موضوعية أن يسعى عشرات الآلاف من الشباب الأميركيين نهار الأحد الماضي في السابع عـشـر مــن مـايـو (أيـــــار) الــحــالــي، للتجمع فــي منطقة «المـــول الوطني»، ورفع الصلوات بشكل حار؟ ، وفي اليوم 1776 سنة، أي في عام 250 المعروف أنه قبل ذاتـــه، أي الـسـابـع عشر مـن الشهر نفسه، أعـلـن الكونغرس الـــقـــاري، وهـــو الـهـيـئـة الـتـشـريـعـيـة والـسـيـاسـيـة الــتــي قــادت المستعمرات الثلاث عشرة خلال الثورة الأميركية، ذلك النهار يوما للصلاة، وقـد سبق ذلـك بوقت قليل إعــان الاستقلال .1776 الأميركي في الرابع من يوليو (تموز) من عام هل يشبه اليوم الأمس؟ بعيدا عـن الـصـراعـات الحزبية، والمنافسة السياسية الضارية، القائمة والقادمة، في كافة بقاع وأصقاع الولايات الـتـي لا تـــزال متحدة حتى الـسـاعـة، يمكن الـجـزم بــأن فـراغ العلمانية الجافة، الخالية من أي تنوير بحسب الفيلسوف الفرنسي، ريجيس دوبرييه، ولدت في القلوب حاجة ماسة لــلــعــودة إلــــى الإيــــمــــان، ولــــم تـفـلـح الــــذكــــاءات الاصـطـنـاعـيـة، أو الـحـوسـبـة الـكـمـومـيـة، وكــافــة وســائــل رفـاهـيـة الـــذكـــاءات الاصـــطـــنـــاعـــيـــة فــــي أن تـــكـــون الـــبـــديـــل، الــــــذي يـــصـــل الأرض بالسماء، ومـن هنا يفهم المــرء فكرة عــودة شباب الأمــة إلى الصلاة ورفع الأكف ضارعين خاشعين. إلـى هنا يبدو الأمـر مقبولا ومعقولاً، لكن الإشكالية الـحـقـيـقـيـة الــتــي ولـــدهـــا تـجـمـع الأحــــد المـــاضـــي هـــو مـــا رآه البعض مزجا بين ما هو ديني وما هو سياسي، خلال تلك الفعالية. تدهشنا البيانات الـصـادرة عن مركز «بيو» للأبحاث في قلب واشنطن، التي تجزم بأن أكثر من ربع الأميركيين يصفون أنفسهم بأنهم مـلـحـدون، أو «لا أدريــــون»، أو غير مليوناً 75 منتمين لأي ديـن، وهـذا معناه أن هناك أكثر من من الأميركيين أبدوا حالة من عدم الرضا عن تجمع الصلاة الأخير. وجـه الاعـتـراض مفاده أن الحدث يكاد يكون التفافا على وضعية وهـويـة الجمهورية الأمـيـركـيـة، الـتـي ينص الـتـعـديـل الأول لـدسـتـورهـا عـلـى أن «الـكـونـغـرس لا يسن أي قــانــون يتعلق بتأسيس ديـــن رســمــي، أو يمنع حرية ممارسته». بــعــبــارة أخــــرى اعـتـبـر المـــايـــن مـــن الأمــيــركــيــن مـوجـة التدين حقا شخصيا لكل فرد أميركي، لكن بطابع ولو شبه رســمــي، مـمـا يـقـود إلـــى شـيـوع وذيــــوع فـكـرة أمـيـركـا كـدولـة تأسست على رؤية أو هوية إيمانية، وهو الأمر الذي يختلف من حوله الأميركيون حتى الساعة. المثير في تجمع الأحد الماضي، أنه يستبق الاحتفالات عاما على نشوء 250 التي تجري فـي عموم الـبـاد، بـمـرور وارتـــقـــاء الـجـمـهـوريـة الأمـيـركـيـة، والـنـقـاشـات الـــدائـــرة حـول مستقبل البلاد وإلى أين تمضي. صــــاة «المـــــول الـــوطـــنـــي» تــقــودنــا مـــن جــديــد إلــــى فـكـرة الــثــنــائــيــة الأمـــيـــركـــيـــة الـــراســـخـــة، فــفــي حـــن يـسـتـهـل إعـــان الاستقلال بكلمات «نحن الشعب»، ينقش على الـدولار رمز الهيمنة والسطوة لفظة «في الله نحن نثق». الخلاصة ستظل أميركا دولة علمانية الهوية، مغرقة في الهوى الديني. لـــطـــالمـــا ارتـــبـــطـــت ثـــقـــافـــة الـــبـــراغـــمـــاتـــيـــة بـــالـــولايـــات المتحدة الأميركية. ومع الرئيس الراهن، دونالد ترمب، كــدنــا نـنـسـى قــصــة هــــذا الارتــــبــــاط؛ مـــن مـنـطـلـق ســيــادة خطاب الهيمنة الدولية، الأمر الذي جعل من «تفاعلات» البيت الأبيض مع أحــداث العالم، و«دور» واشنطن في خـلـق الأحــــداث و«تـوجـيـهـهـا» خـــال الـسـنـوات الأخــيــرة، الباب الخاص والمختلف في كتاب السياسة الخارجية الأميركية. غير أن ما يتصل عـادة بثقافة الــدول يظل متجذرا حـتـى لــو غـــاب عــن الـظـهـور وتــــوارى عــن الـعـن المــجــردة. ويبدو لنا أن زيـارة الدولة الرسمية التي أجراها ترمب إلــى الـصـن مـؤخـرا مـثـال على عمق ثقافة البراغماتية التي استنجد بها الرئيس نفسه لإدارة ما باتت تسمى «الأزمة الإيرانية». قبل أشهر قليلة كان البيت الأبيض على قمة التوتر فــي عـاقـتـه بــالــصــن، وشُـــنّـــت حـــرب تــجــاريــة رُفــــع فيها السلاح الفتاك المربك للميزان التجاري الصيني: الرسوم الجمركية. وقـد أسـالـت الـزيـارة كثيرا مـن الحبر، وتبنى فيها رئــيــس الـــولايـــات المــتــحــدة سـلـوكـا دبـلـومـاسـيـا مختلفا ولافــتــا؛ فـكـان منضبطا دبـلـومـاسـيـا، على غير الـعـادة، ومحترِما للبروتوكول الصيني الصارم، ولم نر الرئيس الأمــيــركــي يـرتـجـل غـيـر عــابــئ بـمـا يـمـكـن أن يــحــدث من زلات لــــســــان. لـــقـــد قـــــدم خـــطـــابـــا يـــعـــزز عـــاقـــة الـــصـــداقـــة والقرب والتهدئة، وقاطع نبرة التحدي والـصـدام التي مــيــزت الــعــاقــة بــالــصــن عــلــى امـــتـــداد الــفــتــرة المــاضــيــة. وهنا تحديدا رأى العالم ترمب البراغماتي الراغب في تهدئة الوضع بالشرق الأوسط وتجاوز الأزمة الإيرانية بالتحالف مع دولة صاعدة وقوية، مع ما يعنيه هذا من تنازلات تجارية في «حرب الرسوم». إذن؛ نسجل نقلة نوعية في خطاب البيت الأبيض تجاه الصين، حيث كانت هـذه الأخيرة تُعد خطرا على الأمــن القومي الأميركي. كما أن الرفع القاسي للرسوم الـجـمـركـيـة هـــو فـــي إطــــار حـمـايـة المـنـتـجـات الأمـيـركـيـة. واخـتـيـار المـلـف الـتـجـاري تـحـديـدا فــي مـواجـهـة الـصـن، إنـمـا يـعـود إلــى حقيقة أن الـتـجـارة هـي العمود الفقري للاقتصاد الصيني. وفي مقابل هذه الحرب التجارية التي بدت ظاهرة ؛ أي منذ الولاية الأولى لترمب، فإن مَن يعتقد 2018 منذ أنها تقوم على قطيعة بينهما، يعد خارج ميزان تقييم العلاقات بين هاتين الدولتين، حيث إن هناك ما يسمى «الاعـــتـــمـــاد الاقـــتـــصـــادي المـــتـــبـــادل» و«اســـتـــقـــرار سـاسـل الـــتـــوريـــد الـــعـــالمـــيـــة»، وهـــمـــا يــطــبــعــان بـــشـــدة الـــتـــبـــادلات بينهما: الولايات المتحدة تعتمد على الصين في المكونات الإلكترونية والتصنيع والمـعـادن الـنـادرة، والـصـن، من جهتها، تعد أكبر مستهلك لمنتجات الـولايـات المتحدة الزراعية، مثل الحبوب وغيرها. كما أن الحرب التجارية لم تُلغ جهود الوساطة بينهما في الأزمات. نعتقد أن الوعي بهذه النقطة؛ التي لطالما تخفيها الــحــرب الـتـجـاريـة مــع الــصــن، مــن المــهــم تعميقه؛ حتى نكسر القوالب الجاهزة في قــراءة العلاقات السياسية، وأيضا لنبتعد عن المبالغة في تصوير العلاقة بين الصين وإيران. بين الدول القوية أو المتقاربة في القوة؛ وإن كانت تتصارع وكل قوة تخلق معسكرا من الدول لمصلحتها، وفي اللحظات الدولية الجادة، يفعل التقارب، الذي كان في المطبخ السري لنادي الأقوياء، فعله ولو قليلاً. الــــســــؤال: لمـصـلـحـة مَــــن يـــصـــب فـــي الأســــــاس سـعـي واشنطن إلى التقارب وتهدئة التوترات مع بكين؛ وكيف ستخلط الصين الأوراق الرابحة من دون أن تتسرب ورقة خاسرة؟ لا شك في أن هناك حيرة صينية حاليا بشأن كيفية إدارة الفرصة من دون أي خسارة؛ ذلك أن لجوء الولايات المتحدة إلـى الصين لن يكون من دون دفـع مقابل، وهي تـــــدرك ذلــــك جـــيـــداً؛ بـــل إنـــهـــا تـــــدرك المــقــابــل المــفــضــل لــدى الصين؛ المتمثل في خفض الرسوم الجمركية ورفع اليد تماماً، ولو بشكل غير ظاهر، عن ملف تايوان. الــســؤال الـثـانـي: لـنـفـرض أن الـــولايـــات المـتـحـدة من أجل معالجة أزمة مضيق هرمز وإضعاف إيران ستقدم التنازلات الـازمـة، فهل يكفي هـذا المقابل لجعل الصين تدير ظهرها بالكامل لإيـران وهي المشتري الأول للنفط الإيــرانــي وبالعملة الصينية، وهــل يمكن إسـقـاط ورقـة إيران، مع ما يعني ذلك من ترك الشرق الأوسط؛ المنطقة الحيوية في العالم؟ حتى الآن تبدو الصين رابحة، والأكيد أنها معنية بمصلحتها، ولكن على الطريقة الصينية وكيفية فهم المصلحة في مداها البعيد. فالصين قوة مستقبلية، وكل خـطـوة تَــحـسِــب فيها الـحـاضـر والمـسـتـقـبـل، إضــافــة إلـى أن مقاربتها العلاقات الدولية تختلف فيها عن البيت الأبيض. الكرة في ملعب بكين، والمطلوب تمريرها، واعتماد تكتيك «أقصى درجات الربح» من دون خسارة أو مغامرة غير محسوبة. ، بـــدا 2003 مـــنـــذ ســـقـــوط بــــغــــداد عـــــام العراق وكأنَّه انتقل من احتلال مباشر إلى وصـــايـــات مــتــعــددة، ومـــن مـــشـــروع «إعــــادة بــنــاء الـــدولـــة» الــــذي حـمـلـه الــحــاكــم المـدنـي الأمـيـركـي بــول بريمر، إلــى مـشـروع «إدارة النفوذ» الــذي مثّله لاحقا قاسم سليماني ثم إسماعيل قاآني، وبين الرجلين، ضاعت هــــويــــة الــــــعــــــراق فـــــي مــــرجــــوحــــة المـــصـــالـــح الإقــلــيــمــيــة والــــدولــــيــــة، حــتــى بــــات الـــســـؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما زال العراق دولة ذات قــــرار مـسـتـقـل، أم ســاحــة مـفـتـوحـة لـصـراع الآخرين؟ حـن دخلت الـقـوات الأميركية بغداد، رُفع شعار بناء نموذج ديمقراطي اتحادي جديد، لكن القرارات الأولى، وفي مقدمتها حــل الـجـيـش واجـتـثـاث مـؤسـسـات الــدولــة، فتحت أبواب الفوضى، وأطلقت ديناميات طــائــفــيــة ومــســلــحــة مــــا زال الــــعــــراق يــدفــع ثـمـنـهـا، لــقــد أُســـقـــط الــنــظــام الـــســـابـــق، لكن الـــدولـــة نفسها دخــلــت فــي تـفـكـك تـدريـجـي سمح بصعود قوى ما دون الدولة، وولادة جــــمــــاعــــات مـــســـلـــحـــة ارتــــبــــطــــت بـــمـــشـــاريـــع تتجاوز الحدود. في تلك الفجوة تمددت إيران بمهارة، لــــم تـــدخـــل بـــالـــدبـــابـــات، بــــل عـــبـــر الأحــــــزاب والعقائد والسلاح والاقتصاد، وعبر بناء شبكة معقدة من الفصائل التي تحولت مع الوقت إلـى قـوة مـوازيـة للدولة، بل أحيانا أعــلــى مـنـهـا تــأثــيــراً، وهـــكـــذا انـتـقـل الــعــراق عمليا من إدارة الاحتلال الأميركي إلى إدارة النفوذ الإيراني، ومن بريمر إلى سليماني ثم قاآني، مع فارق أن الأول كان ظاهرا في موقع الحاكم، أما الآخران فقد تحركا غالبا مــن خـلـف الــســتــار، داخــــل الأحـــــزاب والـكـتـل والــــــــوزارات والمــعــابــر والـــقـــرار الأمـــنـــي، فلم يـعـد الــنــفــوذ الإيـــرانـــي مــجــرد عــاقــة جـــوار أو تحالف سـيـاسـي، بـل صــار فـي لحظات كثيرة عاملا حاسما في تشكيل الحكومات، واخـتـيـار رئـيـس الــــوزراء، وترتيب حقائب سيادية وخدمية واقتصادية، بحيث تمر أسـمـاء كثيرة عبر «مـمـرات قـبـول» داخلية وخـــارجـــيـــة قــبــل إعـــانـــهـــا دســـتـــوريـــا، هنا تتراجع فكرة التفويض الشعبي، ويتحول صــنــدوق الاقـــتـــراع إلـــى مـحـطـة أولــــى فقط، فيما تُــــدار الـتـسـويـات الحقيقية فــي غـرف مــغــلــقــة، بــــن ضـــغـــط الــــســــاح، وحـــســـابـــات واشـنـطـن، ورســائــل طــهــران، ولـذلـك تتكرر ولادة حكومات توافقية مشلولة، تخشى الفصائل أكثر مما تخشى البرلمان، وتوازن بـــن الـــخـــارج أكــثــر مـمـا تـسـتـجـيـب لمـطـالـب الداخل. الأخــــــطــــــر أن هــــــــذا الـــــنـــــفـــــوذ لــــــم يــقــف عـــنـــد الـــســـيـــاســـة، بــــل تــــمــــدد إلــــــى مــفــاصــل المــــال والــطــاقــة والمـــصـــارف وحــركــة الــــدولار والمــنــافــذ الــحــدوديــة، والـفـضـيـحـة الأخــيــرة الـتـي أعلنتها الـخـزانـة الأمـيـركـيـة، بفرض عـــقـــوبـــات عــلــى مـــســـؤول عـــراقـــي رفـــيـــع في وزارة الـنـفـط، بتهمة تسهيل خـلـط النفط الإيـــرانـــي بـالـعـراقـي وتـــزويـــر وثــائــق وفتح مــســارات تـهـريـب لمصلحة إيــــران وفصائل مـرتـبـطـة بـهـا، حـتـى مــع نـفـي وزارة النفط الـعـراقـيـة، تكشف حـجـم هـشـاشـة الـسـيـادة حـن تتحول مؤسسات الـدولـة إلــى أدوات محتملة لـالـتـفـاف عـلـى الــعــقــوبــات، إنـهـا ليست قضية فساد عابرة، بل مؤشر على اقتصاد ظل يموّل النفوذ ويستنزف الدولة معا ً. ومـــــن هـــــذه الــــــزاويــــــة، لا يـــمـــكـــن فـصـل الـــعـــراق عـــن الـــحـــرب الأخـــيـــرة فـــي المـنـطـقـة، فـــجـــزء مــهــم مـــن أســـبـــاب الـتـصـعـيـد ارتــبــط بـمـحـاولـة إيــــران تـحـويـل الــعــراق إلـــى عمق متقدم لمشروعها، وممر اقتصادي وأمني يـخـفـف عـنـهـا الـــحـــصـــار، ومــنــصــة رســائــل ضــــد الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة ودول الــخــلــيــج. فـقـد تـحـولـت بـعـض الـفـصـائـل إلـــى أدوات ضغط عابرة للحدود، تستهدف المصالح الأميركية، وتهدد أمن الخليج بالصواريخ والــــطــــائــــرات المــــســــيّــــرة، وتـــضـــع بــــغــــداد فـي مواجهة أزمـات لم يخترها العراقيون، ولا تـخـدم أولـويـاتـهـم فــي الاســتــقــرار والعيش والتنمية، وحين تنطلق الرسائل العسكرية من أراض عراقية، أو تُنسب إلـى جماعات عـراقـيـة، فـــإن الــدولــة كلها تُــدفــع إلـــى خانة الاتهام، حتى لو كان قرارها الرسمي يعلن النأي بالنفس ورفض التصعيد. وفي الوقت ذاته، يدفع إقليم كردستان ثمنا خاصا لهذا الصراع، فالقصف المتكرر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، سواء من «الحرس الثوري» أو من جماعات مرتبطة بفيلق القدس داخـل العراق، لم يكن مجرد رســــائــــل أمـــنـــيـــة ضــــد خـــصـــوم طــــهــــران، بـل محاولة لإخضاع مساحة عراقية ظلت أكثر تمسكا بـالـفـيـدرالـيـة والانــفــتــاح والـــتـــوازن فـــــي عــــاقــــاتــــهــــا، وهــــنــــا يــــتــــداخــــل الأمــــنــــي بــالــســيــاســي: فــكــل اســـتـــهـــداف لـإقـلـيـم هو أيـضـا اسـتـهـداف لفكرة الــعــراق الاتــحــادي، ولأي نـمـوذج لا يـريـد الــذوبــان فـي مركزية السلاح والوصاية. وسط هذا المشهد، تبدو الديمقراطية الـــعـــراقـــيـــة كــأنــهــا تــعــمــل بــنــصــف رئـــــة، فلا ديمقراطية حقيقية مع تعدد مراكز القوة المسلحة، ولا فيدرالية مستقرة حين يُنظر إلـــــى كــــردســــتــــان بـــوصـــفـــه مــشــكــلــة يـنـبـغـي تـــطـــويـــقـــهـــا لا شـــريـــكـــا دســــتــــوريــــا يـنـبـغـي احـــتـــرامـــه، لـــذلـــك لـــم تــكــن أزمــــــات الـــرواتـــب والنفط والموازنة والصلاحيات بعيدة عن الصراع الخفي على هوية العراق: هل يكون دولة مواطنة وشراكة، أم ساحة نفوذ تُدار بمنطق الغلبة؟ الــــيــــوم، وبـــعـــد أكـــثـــر مـــن عــقــديــن على ســـقـــوط بــــغــــداد، يـــبـــدو الــــعــــراق مـعـلـقـا بين مـــــشـــــروع دولـــــــة ومــــشــــاريــــع وصـــــايـــــة، بـن دستور ينص على الشراكة وواقـع تفرضه تـــوازنـــات الـــســـاح، وهــويــة وطـنـيـة جامعة وهــــويــــات فــرعــيــة تــتــغــذى عــلــى الانـــقـــســام، ولـــهـــذا ربـــمـــا لـــم تــكــن المــشــكــلــة فـــي انــتــقــال الــعــراق مـن بريمر إلــى قـاآنـي فـقـط، بـل في عجز نخبته السياسية عن بناء دولة تمنع أصلا ظهور أي بريمر جديد أو قاآني آخر. OPINION الرأي 14 Issue 17343 - العدد Saturday - 2026/5/23 السبت إدارة الفرصة على الطريقة الصينية أميركا بين العلمانية والموجة الدينية العراق من بريمر إلى قاآني... في مرجوحة الهوية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com كفاح محمود آمال موسى إميل أمين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky