issue17343

13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17343 - العدد Saturday - 2026/5/23 السبت ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة اخــــتــــيــــار فـــرنـــســـا اســـتـــضـــافـــة الــقــمــة فـــي إيـــفـــيـــان، وســـعـــي الـــرئـــيـــس إيــمــانــويــل مــــاكــــرون إلــــى إغــــــراء تـــرمـــب بــعــشــاء فخم مـحـتـمـل فـــي فــــرســــاي، يــعــكــســان مـحـاولـة أوروبـــــــيـــــــة قــــديــــمــــة لاســــتــــعــــمــــال الــــرمــــزيــــة والضيافة والوجاهة التاريخية في تليين مـــزاج الـرئـيـس الأمـيـركـي. لكن المشكلة أن الخلاف لم يعد خلاف أسلوب؛ فواشنطن تــــريــــد تـــحـــويـــل «مـــجـــمـــوعـــة الـــســـبـــع» إلـــى أداة اصــــطــــفــــاف حــــــول أجـــــنـــــدة أمـــيـــركـــيـــة صــريــحــة تــشــمــل: تــصــديــر أدوات الـــذكـــاء الاصطناعي الأميركية، وتخفيف قبضة الــــصــــن عـــلـــى المـــــعـــــادن الــــحــــرجــــة، وربـــــط المساعدات بالتجارة، ورفـع إنتاج الطاقة الأحـــــفـــــوريـــــة، وتــــشــــديــــد الـــعـــقـــوبـــات عـلـى إيــــــران. وزيـــــر الـــخـــزانـــة الأمـــيـــركـــي سـكـوت بيسنت قـــال، خـــال اجـتـمـاع وزراء مالية «المجموعة» في باريس، إن «سحق تهديد الإرهاب» يتطلب من الحلفاء أن «ينهضوا وينضموا إلينا»، داعيا إلى الالتزام بنظام العقوبات ضـد التمويل الـــذي يـغـذّي «آلـة الحرب الإيرانية». هـــــــــذا يــــعــــنــــي أن الـــــقـــــمـــــة لـــــــن تــــكــــون بـــالـــضـــرورة قــمــة «رأب صــــــدع»، بـــل ربـمـا قــمــة «إدارة» لــلــصــدع؛ إذ إن الأوروبـــيـــن يستطيعون منح ترمب صورا دبلوماسية وعبارات عن الشراكة، لكنهم لا يستطيعون بــســهــولــة مـنـحـه مـــا يـــريـــده فــــعــــاً... وهــو الـــتـــفـــويـــض الـــســـيـــاســـي الأوروبــــــــــــي لـشـن حـرب مفتوحة ضد إيــران، أو «شيكا على بياض» في التجارة، أو قبولا بأن يتحوّل الأمـن الأوروبـــي إلـى «ورقــة ضغط» في يد البيت الأبـيـض، كلما اختلف الحلفاء مع واشنطن. إيران بين الرفض والتشدد الأوروبي المـفـارقـة أن أوروبــــا لــم تـكـن تاريخيا «نــــاعــــمــــة» تـــجـــاه إيــــــــران فــــي كــــل المـــلـــفـــات؛ فـــفـــي الـــبـــرنـــامـــج الـــــنـــــووي، والــــصــــواريــــخ، ودور «الـحـرس الــثــوري»، وملفات حقوق الإنـــســـان، تـبـنّــت عــواصــم أوروبـــيـــة عـديـدة مــــواقــــف قـــريـــبـــة مــــن الـــتـــشـــدد الأمـــيـــركـــي، وأحــيــانــا أكـثـر تـفـصـيـا مـنـه. لـكـن الـفـارق بـــن الــتــشــدّد الـدبـلـومـاسـي والـــدخـــول في حرب، واسع جداً. لذلك تمسكت العواصم الأوروبــيــة بخط يفصل بـن إدانـــة طهران والمـــشـــاركـــة فـــي عـمـلـيـة عـسـكـريـة تـقـودهـا واشنطن وتل أبيب. فـي ملف مضيق هـرمـز، وافـــق وزراء خــارجــيــة «مــجــمــوعــة الـــســبـــع» عــلــى مـبـدأ حـمـايـة حــريــة المـــاحـــة، لكنهم جـعـلـوا أي مهمة لـتـأمـن المـضـيـق مـشـروطـة بانتهاء الـــحـــرب، لا جــــزءا مـنـهـا. ولــقــد تـكـلّــم وزيــر الـخـارجـيـة الفرنسي جــان نـويـل بـــارو عن «تــــوافــــق واســـــــع» عــلـــى حــمــايــة «الــصــالـــح الـعـام» المتمثل في حريّة المـاحـة، لكنه لم يمنح واشنطن ما طلبته، وهـو مساهمة أوروبــــيــــة فـــوريـــة فـــي فــــرض مـــمـــرات آمـنـة خلال الحرب. بحسب «يـــورونـــيـــوز»، الـسـبـب هــو أن أوروبــــــا تـخـشـى أن يـــــؤدي إرســـــال سفنها إلــــى هـــرمـــز، تــحــت المــظــلــة الأمـــيـــركـــيـــة، إلــى تحويلها من طرف متضرّر اقتصاديا إلى طرف مشارك عسكرياً، بما يفتح الباب أمام ضربات إيرانية أو صدامات بحرية أو أزمة سياسية داخلية في برلماناتها. أيضا سؤال «ماذا بعد الحرب؟» يثقل الحسابات الأوروبية؛ فالدول التي عاشت تجارب أفغانستان والعراق وليبيا تعرف أن الـتـفـوق الـعـسـكـري الأمـيـركـي قـــادر على إســـقـــاط الــــتــــوازنــــات، لــكــنــه لا يــضــمــن، بل ربـمـا لا يسعى حتى إلـــى، «هـنـدسـة بدائل ســيــاســيــة مـــســـتـــقـــرة» وفـــــق المـــحـــلـــلـــن. لـــذا يرفض الأوروبيون أن يكونوا «شهود زور» على حرب لا يملكون قرار بدايتها ولا قرار نهايتها، ثم يُطلب منهم لاحقا دفع فواتير إعادة الاستقرار واللاجئين والطاقة. «هرمز» اختلال القوة... لا وحدة المصالح أزمـــــــة مـــضـــيـــق هــــرمــــز أبـــــــــرزت أيـــضـــا الـــــفـــــارق بــــن امــــتــــاك المـــصـــلـــحـــة وامـــتـــاك الــــقــــدرة. أوروبـــــــا، بـــا شــــك، مـــتـــضـــرّرة من اضطراب الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والـــتـــأمـــن، لـكـنـهـا لـيـسـت الـــقـــوة الـبـحـريـة الحاسمة في الخليج. فـــي المـــقـــابـــل، تــــرى واشــنــطــن أن على مَــن يستفيد مـن عـبـور النفط والـغـاز عبر المـــضـــيـــق أن يــــشــــارك فــــي حـــمـــايـــتـــه. وهــنــا يـــرد الأوروبـــيـــون - ضمنا - بــأن الـولايـات المتحدة هي التي اختارت توسيع الحرب. وبـالـتـالـي، فـــإن المـسـاهـمـة الأوروبـــيـــة بعد انـــدلاعـــهـــا تـعـنـي قـــبـــولا بـالاسـتـراتـيـجـيـة الأميركية لا مجرّد دفاع عن الملاحة. وتـــزداد الحسابات تعقيدا مـع سعي إيــــران لترسيخ نـفـوذ عملي فــي المضيق، عبر آلـيـات تفتيش وتـصـاريـح و«رســـوم» غــيــر رســمــيــة أحـــيـــانـــا، وبـــاتـــت تــمــيــز بين سفن مرتبطة بـــدول صديقة مثل الصين وروســـــيـــــا، وأخـــــــرى مــرتــبــطــة بـــالـــولايـــات المتحدة أو إسرائيل. وبحسب «رويترز»، هـذا الأمــر يجعل أي عملية بحرية غربية مــعــرّضــة لـلـتـحـول مـــن مـهـمـة حــمــايــة إلــى مواجهة مباشرة مع «الحرس الثوري». مــن هـنـا لا يـبـدو الامـتـنـاع الأوروبــــي مجرد جبن استراتيجي، كما يـراه ترمب، بل حسابا باردا للكلفة. أوروبـــــــــــا طـــبـــعـــا لا تــــريــــد أن تـخـسـر الــتــجــارة مـــع واشــنــطــن، ولا تــريــد صـدمـة نفطية، ولا تريد انتصارا إيرانياً، لكنها أيضا لا تريد أن تدخل حربا أميركية من دون إجماع داخلي أو تفويض واضـح أو تصوّر للنهاية. التجارة وغرينلاند... شراكة أم مساومة؟ مـــن جـهـة ثــانــيــة، الـــخـــاف الـعـسـكـري لا يـــنـــفـــصـــل عـــــن الـــــخـــــاف الـــــتـــــجـــــاري؛ إذ توصل الاتحاد الأوروبي أخيرا إلى اتفاق تشريعي أولـي لتطبيق التفاهم التجاري الــــذي أُبـــــرم مـــع تــرمــب فـــي يـولـيـو (تــمــوز) ، بما يشمل خفض رسوم على سلع 2025 أميركية وتجنب تصعيد أميركي جديد، خصوصا تهديدات الرسوم على السيارات الأوروبية. لكن الاتفاق لا يزال يحتاج إلى تــصــويــت نــهــائــي فـــي الـــبـــرلمـــان الأوروبــــــي بــحــلــول مـنـتـصـف يــونــيــو (حـــــزيـــــران)، أي بالتزامن تقريبا مع «قمة السبع». هــــــذا الــــتــــزامــــن مــــهــــم؛ فــــالأوروبــــيــــون يدخلون القمة وهم يحاولون تثبيت هدنة تجارية لا يثقون تماما بأنها ستصمد. ونـقـلـت «رويـــتـــرز» عــن أورســــولا فـــون ديـر لايـــــن، رئــيــســة المــفــوضــيــة الأوروبـــــيـــــة، أن الاتــفــاق «يعكس رغـبـة فـي إظـهـار أوروبـــا كشريك موثوق، لكنها تحمل أيضا رسالة مضادة لترمب هي: لا يمكن إدارة العلاقة عبر التهديد الدائم». أمــا غرينلاند فكانت لحظة كاشفة؛ فحين لوّح ترمب بالضغط على الدنمارك وأوروبـــا فـي ملف الـجـزيـرة، علّق البرلمان الأوروبـــي العمل على تشريعات الصفقة، واعتبر لانغه أن السيادة ووحدة الأراضي ليستا تفصيلا تجارياً. وهنا اصطدمت أوروبـــــا مــجــددا بـسـؤالـهـا الأصـــعـــب: كيف تـتـعـامـل مـــع رئــيــس أمــيــركــي يــمــزج الأمـــن بـالـتـجـارة، والحلف بالعقوبة، والصفقة بالولاء السياسي؟ ومن ثم تحوّلت غرينلاند إلى نموذج مكثّف لهذا التحول في العلاقة الأطلسية. فـالـجـزيـرة، الـتـابـعـة لـلـدنـمـارك والمتمتعة بـــحـــكـــم ذاتـــــــــــي، لــــــم تــــعــــد هــــامــــشــــا بـــعـــيـــدا قــــرب الـقـطــب الــشــمــالــي، بـــل صــــارت عـقـدة اسـتـراتـيـجـيـة بسبب مـوقـعـهـا ومـــواردهـــا من المعادن النادرة والطاقة، وسط تنافس أميركي - صيني - روسي متصاعد. لــــذلــــك ضــــاعــــف الاتــــــحــــــاد الأوروبـــــــــي مساعداته لها، وانـدفـع نحو استثمارات وشــــراكــــات أوســــــع، فـــي مــحــاولــة لاحـــتـــواء مساعي واشنطن إلـى توسيع حضورها العسكري والـتـجـاري هـنـاك. ومــن منظور بــروكــســل، لــم يـعـد مـلـف غـريـنـانـد مجرد خلاف مع ترمب، بل اختبارا لقدرة أوروبا عــلــى حــمــايــة مـجـالـهـا الاســتــراتــيــجــي من ًداخل التحالف نفسه. واشنطن تريد «بلير» جديدا إبّان حربي أفغانستان والعراق، لعب رئـيـس الــــوزراء البريطاني الأسـبـق توني بلير دور الجسر بـن واشنطن وأوروبـــا. وصـحـيـح أنـــه لــم يستطع إلــغــاء الـخـاف، لـكـنـه مـنـح واشــنــطــن غــطـــاء غـربـيـا مهماً، ومنح الأوروبيين قناة تأثير داخـل القرار الأميركي. أما اليوم، وفق تحليل «المجلس الأطــــلــــســــي» (أتــــانــــتــــيــــك كـــــاونـــــســـــل)، فـا يظهر زعيم أوروبـــي قـادر على أداء الـدور نفسه. رئيس الـــوزراء البريطاني الحالي كير سـتـارمـر لا يتمتع بــ«كـاريـزمـا» بلير الأطــلــســيــة، ولا يـتـمـتـع بـتـفـويـض شعبي لــــدخــــول حـــــرب شـــــرق أوســـطـــيـــة جــــديــــدة، وبــــخــــاصــــة بـــعـــد رفــــــض لــــنــــدن اســـتـــخـــدام قـواعـد بريطانية فـي مهام هجومية ضد إيران. ورد ترمب عليه بعبارة: «هذا ليس وينستون تشرتشل». حتى الزيارة الرسمية للملك تشارلز إلـــــى واشـــنـــطـــن عــــدّهــــا الـــبـــعـــض مــحــاولـــة لاستخدام «القوة الناعمة» الملكية لترميم العلاقة الخاصة. لكن الملكية لا تستطيع تعويض غياب قرار سياسي. خـطـاب الـعـرش والـرمـزيـة التاريخية قـد يـثـيـران إعـجـاب تـرمـب لحظة، لكنهما لا يــغــيــران حـقـيـقـة أن الــتــفــوق الـعـسـكـري والتكنولوجي والاقتصادي بات أميركيا بـصـورة لا تسمح لـأوروبـيـن بمخاطبة واشنطن من موقع الواعظ الحضاري. وهــــــنــــــا تــــكــــمــــن هـــــشـــــاشـــــة الــــخــــطــــاب الأوروبي: فهو يستند إلى القيم والتاريخ والــقــانــون الـــدولـــي، لكنه يـحـتـاج إلـــى قـوة صلبة كي لا يبدو مجرد اعتراض أخلاقي على قرارات تصنعها واشنطن وحدها. فـــي ألمــانــيــا، بـــدا الـــخـــاف أكــثــر حـــدة؛ إذ أعــلــنــت واشــنــطــن خـفـضـا فـــي الــوجــود 5 الـعـسـكـري الأمـيــركــي فــي أوروبــــا بنحو آلاف جــنــدي، وســـط تـــوتـــرات مــع الحلفاء حــول «حــرب إيــــران». وبعدما أعلنت أنها ألغت أيضا نشر وحـدات إلى بولندا، عاد نــائــب الــرئــيــس الأمــيــركــي جـــي دي فـانـس آلاف جندي 4 إلـــى الـتـأكـيـد عـلـى أن نـشـر في بولندا تأجّل ولم يُلغَ، لكنه شدّد على وجوب أن تعتمد أوروبا على نفسها. ويـــــــوم الــــثــــاثــــاء أكــــــد «الـــبـــنـــتـــاغـــون» بالفعل خفض عدد ألوية القوات الأميركية المنتشرة فـي أوروبـــا مـن أربـعـة إلــى ثلاثة 4700 آلاف إلـى 4 (يضم الـلـواء المقاتل من جــنــدي)، ليعود الانـتـشـار إلــى مستويات ، فــــي ظــــل ضــــغــــوط واشـــنـــطـــن 2021 عــــــام المتواصلة على القارة لتعزيز دفاعاتها. هـــــــذه الـــــرســـــالـــــة مــــفــــادهــــا أن المـــظــلـــة الأميركية لـم تعد مجرد الـتـزام أمـنـي، بل صارت أداة تذكير للأوروبيين بأن رفضهم مسايرة واشنطن له ثمن. وهـكـذا، يـرى محللون أن قمة إيفيان قد تنتج صورا ودية وبيانات عن الشراكة، وربــمــا تـسـاعـد فــي تثبيت هـدنـة تجارية أو تقليل حـــدة الــخــطــاب، لكنها لــن تحل المعضلة البنيوية، وهـي - أي واشنطن - تريد حلفاء يتحركون خلف قيادتها في لــحــظــات الــحــســم، وأوروبـــــــا تـــريـــد شــراكــة تمنحها حـق الاعــتــراض مـن دون خسارة الـحـمـايـة. وبـــن هـذيـن الـتـصـوّريـن تتسع الفجوة. وإذا لم تجد أوروبا زعامة قادرة عـلـى الـجـمـع بــن الــقــوة والمـــرونـــة، وإذا لم تـقـبـل واشــنــطــن بـــأن الـتـحـالـف لـيـس أمـــرا تـنـفـيـذيـا يــصــدر مــن الـبـيـت الأبـــيـــض، فـإن «قمة السبع» لن تكون بداية ترميم الثقة، بــــل مــحــطــة جــــديــــدة فــــي انـــتـــقـــال الــعــاقــة الأطـلـسـيـة مـــن «الــعــائــلــة الـسـيـاسـيـة» إلـى «المساومة الاستراتيجية». العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز) لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته فـــي قــمــة «مــجــمــوعــة الــســبــع» فـــي مـنـتـجـع إيــفــيــان الـجـبـلـي يونيو (حزيران)، خبرا بروتوكوليا 17 و 15 الفرنسي، بين عادياً. فالرئيس الذي يدخل القمة وهو على خلاف متراكم مـــع مـعـظـم الــحــلــفــاء الأوروبـــــيـــــن، لا يـــذهـــب فــقــط إلــــى لـقـاء اقتصادي وسياسي سنوي. بل يدخل إلى منصة ستقيس ما إذا كـان الصدع الأطلسي قابلا للترميم، أم أن الخلاف حول إيـران والتجارة والصين وأوكرانيا وغرينلاند كشف عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وأوروبــا. وفق بيان البيت الأبيض، فإن واشنطن تريد من القمة بناء تـوافـقـات حـــول الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، والــتــجــارة، وسـاسـل المــعــادن الـحـرجـة، والـهـجـرة، ومكافحة المـــخـــدرات، والـطـاقـة؛ بيد أن «حـرب إيــران» ستبقى في خلفية كل الملفات؛ لأنها باتت الامتحان الأكثر حساسية لمعنى التحالف نفسه. ثم إن هـذه الـحـرب تضع القمة فـي إطــار أوســـع، هـو أزمــة الثقة بين «ضفتي» الأطلسي، حيث تطالب واشنطن الأوروبيين بــمــجــاراة قـــرارهـــا الاســتــراتــيــجــي، بـيـنـمـا يــــرد الأوروبـــيـــون بخطاب الشرعية الدولية والحذر من «التورط» العسكري. هل ينجو التحالف الأميركي ـ الأوروبي من حرب إيران؟ واشنطن: إيلي يوسف الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي > لم يعد محصورا في ملف واحـد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران والدفاع. ومع أن ألمانيا وفرنسا تشكلان الرافعة الاقتصادية والسياسية الأهـــم داخـــل الاتـحـاد الأوروبـــــي... بـرلـن بثقلها الصناعي والتجاري، وباريس بطموحها السيادي والدفاعي. فــإن نـقـاط الـخـاف مـع واشنطن ليست واحـــدة. فمع ألمانيا، يتمحور الـخـاف حــول ثـاثـة مستويات: الـتـردد العسكري، والاعــتــمــاد الأمــنــي، والـحـسـابـات الاقـتـصـاديـة. فـبـرلـن تريد حــمــايــة المــظــلــة الأمـــيـــركـــيـــة، لـكـنـهـا تــتــحــاشــى الانــــخــــراط في مــغــامــرات عـسـكـريـة لا تـمـلـك قـــرارهـــا، خـصـوصـا حـــن تمس الطاقة والأسـواق. كما أن اقتصادها الصناعي يجعلها أكثر حساسية تجاه الحروب التجارية والرسوم الأميركية، وأشد حذرا في التعامل مع الصين بوصفها شريكا تجاريا لا يمكن الانفصال عنه سريعاً. أما فرنسا، فترى الخلاف من زاوية «السيادة الأوروبية». بـــاريـــس لا تـــرفـــض الــتــحــالــف مـــع واشـــنـــطـــن، لـكـنـهـا تـرفـض أن يــتــحــول إلــــى تـبـعـيـة اســتــراتــيــجــيــة. ولـــــذا تـــدفـــع بــاتــجــاه «اسـتـقـالـيـة أوروبـــيـــة» فــي الــدفــاع والـطـاقـة والتكنولوجيا، وتتعامل مع أزمات مثل غرينلاند والقطب الشمالي والمعادن النادرة بوصفها اختبارات مباشرة لقدرة أوروبا على حماية مجالها الحيوي. ومن هنا، يصبح الصدام مع ترمب أعمق من خلاف تكتيكي، لأنه يمس سؤال القيادة داخل الغرب: هل تقود واشنطن وحدها، أم تُدار الشراكة بتوازن أكبر؟ بــريــطــانــيــا تـــبـــدو حـــالـــة أكـــثـــر الــتــبــاســا. فــهــي الأقــــرب تاريخيا إلى واشنطن، والأقدر على لعب دور الجسر داخل الغرب، لكنها لم تعد تملك هامش توني بلير، ولا المـزاج الشعبي الذي يسمح بمغامرات جديدة في الشرق الأوسط. لـذلـك تــحــاول لـنـدن الـحـفـاظ عـلـى «الــعــاقــة الــخــاصــة» مع الـولايـات المتحدة، مـن دون أن تتحول إلـى ملحق تلقائي بكل قرار عسكري أميركي. أمـــا إســبــانــيــا، فـتـمـثـل الــنــمــوذج الــيــســاري الأوضـــــح في الاعـتـراض الأوروبـــي على واشنطن، ليس فـي «حــرب إيــران» فقط، بل أيضا في «حـرب غـزة»، حيث اتخذت مدريد مواقف أكثر حدة تجاه إسرائيل وأكثر انتقادا للغطاء الأميركي لها. ومن هذا الموقع، تنظر إسبانيا إلى الأزمـات الشرق أوسطية عبر الشرعية الـدولـيـة، وحـقـوق المـدنـيـن، ومـخـاطـر الهجرة والـتـطـرف فـي المـتـوسـط. وهـــي، مثل دول أوروبــيــة أخـــرى، لا تريد أن تدفع تكلفة قـــرارات استراتيجية أميركية لا تشارك في صنعها. ASHARQ AL-AWSAT أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضا الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky