الثقافة CULTURE 18 Issue 17340 - العدد Wednesday - 2026/5/20 الأربعاء قالب ثابت وتفاصيل متحولة تقاسيم نباتية أموية يــــتــــكــــوّن المـــــيـــــراث الـــفـــنـــي الأمــــــوي مــــــن مــــجــــمــــوعــــات مـــــتـــــعـــــدّدة الأنـــــــــواع والأصــــــنــــــاف، يــعــتــمــد كـــــل مــنــهــا عـلـى تـقـنـيّــات وتـقـالـيـد خـاصـة بـهـا. تُشكّل الحلل المنقوشة ركنا أساسيا من أركان هـذا المـيـراث، وتتمثّل فـي كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مـــادة الـجـص بشكل أسـاسـي. حـــلّـــت هــــذه الـــنـــقـــوش فـــي المـــقـــام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحـــــــدات زخـــرفـــيـــة صـــافـــيـــة، مـسـبـوكـة بأسلوب خـاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان. شكّل هذا الأسلوب الأموي امتدادا خــــاّقــــا لــلــتــقــالــيــد الـــتـــي انـــتـــشـــرت مـن قـبـل فـــي الــعــالــم الــســاســانــي، وتـجـلّــت خـــصـــوصـــيّـــتـــه فـــــي ابــــتــــكــــار عـــنـــاصـــر زخـــــرفـــــيـــــة جـــــــديـــــــدة، تــــــكــــــرّر صــــداهــــا فــــي الـــفـــنـــون الإســــامــــيــــة فــــي الــعــصــر الإســـامـــي الــوســيــط الـــاحـــق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفـي المـفـردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص مـــن أجــنــحــة مـتـحـف دمــشــق الــوطــنــي، خُـــصّـــص بـأكـمـلـه لـلـقـى الـــتـــي خـرجـت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر. تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلـــــى واجــــهــــة لمـــدخـــل مــتــحــف دمـــشـــق، وتــــقــــابــــل هــــــذه الــــواجــــهــــة الـــخـــارجـــيـــة واجـــهـــة داخــلــيــة، كــانــت تـــزيّـــن الــجــدار الــداخــلــي خـلـف الـــــرواق الــشــرقــي، وقـد بقيت منها أنقاض، تم جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأن على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله متر. تتبنّى 2.75 متر، وعرضه 16.70 هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تــــجــــمــــع بــــــن الــــــــزخــــــــارف الـــهـــنـــدســـيـــة والـــعـــنـــاصـــر الــنــبــاتــيــة المـــــحـــــوّرة، كـمـا تـحـوي عناصر تصويرية تـقـارب في صياغتها الأعــمــال المـنـحـوتـة. تـتـوزّع هــــذه الــحــلــل حــــول ســـت نـــوافـــذ كـبـيـرة من الجص المـخـرّم، تشكّل أســاس هذا التأليف الجامع. تــــتــــفــــرّد كـــــل نـــــافـــــذة مـــــن الـــنـــوافـــذ الست بمشبك جصّي زخـرفـي خـاص، يـتـجـلّــى فـــي شـبـكـة هـنـدسـيـة مـنـجـزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات مـن سلسلة نجوم سداسية الأطــــراف، وتـتـكـوّن شبكة ثانية حول ثـاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُــمـثّــل كـل مـن هاتين الشبكتين قالبا تشكيليا نموذجياً، اعتُمد في صياغة قـطـع أخــــرى خــرجــت مــن قــاعــات قصر الــحــيــر المـــتـــحـــدّدة، مـنـهـا قــطــع جـــاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جــاءت على شكل ألــواح عمودية وأفـــقـــيـــة، تــــعــــدّدت أحـــجـــامـــهـــا بـحـسـب وظيفتها الزينية المعمارية. ابــــتــــكــــر الـــــحـــــرفـــــيـــــون الأمــــــويــــــون تصاميم اعتمدت أطرا نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا فــــــي صــــيــــاغــــة هــــــــذه الأطــــــــــر مــخــتــلــف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة فـي المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسسا لـشـبـكـات تــمــيّــزت بــتــنــوع مــدهــش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة الـتـجـريـديـة، كما فـي الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعـتـمـدت على أشــكــال عـــدة، أبــرزهــا الـــدوالـــي الملتفة، وسـعـف النخيل المـسـطّــحـة. نـهـل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد تـولـيـف مـــا نـهـلـه بـشـكـل مـبـتـكـر. على سبيل المــثــال، اعتمد هــذا الـفـن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعـمـدة، وابتكر فـي صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طـريـقـة مــمــيّــزة، شـكّــلـت قــاعــدة انطلق منها الفن الإسـامـي التجريدي حتى بلغ مـا وُصـــف بــ«هـنـدسـة الــــروح» في عــصــره الــذهــبــي. يـشـهـد لــهــذا الـتـطـوّر فــي الـصـيـاغـة الـعـديـد مــن الـلـقـى التي خــــرجــــت مـــــن قـــصـــر الـــحـــيـــر الـــغـــربـــي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية المـوروثـة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة. تـحـضـر الـصـيـاغـة الـتـقـلـيـديـة في قطعة نحتيّة تـعـود على الأرجـــح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها سنتيمتراً، 78 مــتــر، وعــرضــهــا 1.10 وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى مـــنـــهـــا بـــــراعـــــم الــــعــــنــــب. هــــــذه الــقــطــعــة معروفة نسبياً، إذ تـم عرضها تباعا خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم بــرلــن، فــبــاريــس. تـتـبـع هـــذه الـشـجـرة طابعا مـحـوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هـــذه البنية بـأغـصـان متموجة حـيّــة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الــصــارم. تحمل هــذه الأغــصــان أوراقـــا طـــويـــلـــة مـــســـطّـــحـــة، حُـــــــــدّد نـــصـــل كـــل مـــنـــهـــا بـــخـــطـــوط نــــاتــــئــــة، كـــمـــا تـحـمـل ثـمـارا دائـريـة صغيرة الحجم يصعب تــحــديــد هــويّــتــهــا. فـــي الــقــســم الأســفــل مـــن الـــتـــألـــيـــف، تــظــهــر بــضــعــة عـنـاقـيـد مـن الـعـنـب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّــن وسط كل منها بثقب دائري. فــــي المــــقــــابــــل، تـــتـــجـــلّـــى الــصــيــاغــة المـبـتـكـرة فــي مـشـبـك نــافــذة يــعــود إلـى الــواجــهــة الــداخــلــيــة، وهـــو مــن الحجم مـتـر. 1.34 الـكـبـيـر، إذ يـبـلـغ ارتــفــاعــه يـتـكـوّن أســــاس هـــذا المـشـبـك مــن نخلة صـغـيـرة وطــويــلــة، يـرتـفـع جـذعـهـا في وسـط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صــيــغــت بــــصــــورة مـــتـــنـــاظـــرة. تــتــفــرّع مــن هـــذا الــجــذع أربــعــة أغــصــان كبيرة مـــــورقـــــة، تـــلـــتـــف عـــلـــى نــفــســهــا بـشـكـل لولبي في منظور مماثل. تـــــشـــــكّـــــل هـــــــــذه الأطـــــــــــر الـــــدائـــــريـــــة مــســاحــات تـحـمـل فـــي وســطــهــا أوراق دالـيـة مــحــوّرة، صيغت كـذلـك بصورة مــتــنــاظــرة. يـحـيـط بــهــذا المـشـبـك إطـــار زُيّــــــن بـسـلـسـلـة مـــن الأوراق الـنـبـاتـيـة المـحـوّرة، تتشابك وفقا لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق مــــن ثـــــاث بــــتــــات، وتـــحـــضـــر بـــصـــورة جـانـبـيـة، مـــرّة مــن جـهـة الـيـمـن، ومـــرّة من الجهة اليمنى، تبعا لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع. يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نـــمـــوذجـــا تــشــكــيــلــيــا يــــعــــود ويــحــضــر فـــي مـجـمـوعـة مـــن الألــــــواح والمــشــابــك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تـتـمـاثـل أبـــــداً، إذ إنــهــا تـخـتـلـف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عـــن ثــنــائــيــة الـــثـــابـــت والمـــتـــحـــوّل الـتـي تميّز بها الـفـن الإســامــي فـي تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة. محمود الزيباوي نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية شُغف بها السياب واعتبرت نفسها مزيجا من عشتار وولّدة لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة لــــم تـــكـــن الــــشــــاعــــرة الـــعـــراقـــيـــة لمـيـعـة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحـدة من الشاعرات المـغـمـورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيـــــــــوع الـــصـــيـــت عـــلـــى خـــريـــطـــة الــشــعــر الـــعـــربـــي المـــعـــاصـــر، بــــل كـــــان لاســـــم لمـيـعـة مكانة مـرمـوقـة بـن أسـمـاء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكـان له، بما يملكه من جـــرس إيــقــاعــي وتــجــانــس بـــن الـــحـــروف، رنينه الـخـاص فـي أسـمـاع محبي الشعر ومــتــذوقــيــه. أمـــا رنـيـنـه فــي الـقـلـوب فكان متأتيا عــن عــوامــل عـــدة؛ منها مــا يتصل بــجــمــالــهــا الــــافــــت وســـمـــرتـــهـــا الـــجـــذابـــة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الألـــيـــف ذي الـــديـــبـــاجـــة الأنـــيـــقـــة والـــجـــرأة اللافتة. ليس غريبا تبعا لذلك أن تشكل لميعة خـــال ســنــوات الـــدراســـة فــي دار المعلمين العليا في بغداد، أواخــر أربعينات القرن المـــنـــصـــرم، قـبـلـة أنـــظـــار الـــشـــعـــراء الـــذكـــور الـذيـن كـانـوا يتنافسون على الـفـوز منها بـلـفـتـة مــعــبــرة أو كـلـمـة إعـــجـــاب. ومــــع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بـهـا عشقا آنـــــذاك، فـإنـه كـــان الأعــلــى قامة عـلـى مـسـتـوى المــوهــبــة الـشـعـريـة والأشـــد حــســاســيــة وشـــعـــورا بــالــوحــشــة والـــعـــوز، والافتقار إلـى الحب، بقدر ما كـان الأكثر تعلقا بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهـو يرقد مريضا ُفي لندن: ْذكرتك يا لميعة والدجى ثلج وأمطار ِ ذكرت الطلعة السمراء ْ ذكرت يديك ترتجفان من فرْق ومن برْد تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء الأرجــــــح أن لمـيـعـة لـــم تــكــن لـتـجـافـي الـــحـــقـــيـــقـــة، حـــــن أعــــلــــنــــت غــــيــــر مـــــــرة أن عــاقــتــهــا بــالــســيــاب لـــم تـــتـــجـــاوز حـــدود الإعـــجـــاب بموهبته المــتــوقــدة، ورغبتها فــي أن ينظم فيها قـصـائـد الــغــزل، وبــأن تـحـاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقــد تـعـددت أسـبـاب الخلل فـي العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلا عن الـفـروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» المــيــالــة إلـــى المــــرح الاحــتــفــالــي، والـشـاعـر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة. كــــمــــا انـــعـــكـــســـت إشــــــكــــــالات الـــعـــاقـــة وتعقيداتها، في المـحـاورات الشعرية بين الـــطـــرفـــن. فـحـيـث كـتـبـت لمـيـعـة لـلـسـيـاب، فـــي قـصـيـدتـهـا «نــشــيــد الـــلـــقـــاء» المـــؤرخـــة «سـأهـواك حتى تجف الدموع، 1948 عـام بــعــيــنــي وتـــنـــهـــار هـــــذي الــــضــــلــــوع». كـــان الــســيــاب يـمـلـك مـــن الأدلـــــة والــــحــــدوس ما يـدفـعـه إلـــى الـتـشـكـيـك بــالــوعــود المخاتلة الـتـي تمنيه بها شاعرته الأثــيــرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُــرة قائلا «سـأهـواك، ما أكــذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ». عـلـى أن تـلـك الـعـاقـة المـلـتـبـسـة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئا عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سـوى التنقيب الفضولي عن حـقـيـقـة مـــا حــــدث بـــن الـــطـــرفـــن، دون أن يتكبدوا عـنـاء الالـتـفـات بـالـقـراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي. ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الـشـعـريـة تـحـتـاج إلـــى مـــا يـتـعـدى المـقـالـة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلا عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نـشـر لـهـا إيـلـيـا أبـــو مــاضــي فـــي جـريـدتـه «السمير» واحـــدة مـن قصائدها، متنبئا لها بمستقبل واعد. ولـعـل أكـثـر مـا يلفتنا فـي قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيـقـاعـات، الخليلية منها والتفعيلية، فـــضـــا عـــمـــا تــعــكــســه هـــــذه الـــقـــصـــائـــد مـن نــــضــــارة الـــلـــغـــة ورشــــاقــــة الأســـــلـــــوب. كـمـا يلفت فــي تـلـك الـتـجـربـة جـــذل صاحبتها الـــكـــرنـــفـــالـــي بـــالـــحـــيـــاة، وابــــتــــعــــادهــــا عـن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلا عن المراحل اللاحقة. ولا يحتاج المـرء إلـى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثمل نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتا حرص الشاعرة الـــتـــي تـنـتـمـي إلــــى حـــضـــارة بــالــغــة الــقــدم ومترعة بالأساطير، وإلـى ديانة تحتفي بـــالمـــاء والـــخـــضـــرة وتـــجـــدد الـــحـــيـــاة، على الـتـمـاهـي مــع صـــورة بــادهــا الأم، بحيث اعــتــبــرت نفسها الــرمــز الأمــثــل لخصوبة الـــــعـــــراق والــــوريــــثــــة الـــشـــرعـــيـــة لأســـاطـــيـــر آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل فــــي اخـــتـــيـــارهـــا لـــعـــنـــوانـــي مـجـمـوعـتـيـهـا الـــشـــعـــريـــتـــن «عـــــــودة الـــربـــيـــع» و«أغــــانــــي عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل فـي النصوص الجريئة والمعبرة لـــلـــمـــجـــمـــوعـــتـــن، حـــيـــث تُـــظـــهـــر الـــشـــاعـــرة نفسها مــرة على صـــورة عشتار وسـافـو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها: ْخل هذا الغموض وحيا تقيا لصلاة ما هوّمت في يقينك ْوإذا الآدمي فيك تنزّى وتمطّى العناق بين جفونك فاحتضن أيَّهن شئت تجدْني أنا كل النساء طوع يمينك عــلــى أن حــــرص الـــشـــاعـــرة عــلــى غــزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والـجـسـدي، كـانـت تقابله رغبة مــــوازيــــة فـــي مــنــازلــتــه عــلــى ســـاحـــة الـلـغـة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلـــك لــم يمنع الـشـاعـرة فــي الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بــن الـشـغـف الـقـلـبـي والـــطـــراوة الأنـثـويـة، كقولها في قصيدة «قبلة»: جهدي أحاول أن أشتف نظرته كأن كل حنيني فوق أجفاني ِتمتص قبلتُه روحي على شفتي فتستحيل عظامي خيط كتّان زكت فلم تُذهب الأيام جدّتها يا طيبها وشفاهي قلبُه الثاني ورغـــــــــم أن قـــــــــرار لمـــيـــعـــة بــــاســــتــــرداد نصيبها كاملا من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكرا على الـرجـال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة مـتـهـورة ووخـيـمـة الـعـواقـب، فإنها كانت تـمـلـك مـــن الـشـجـاعـة وقــــوة الــحــضــور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمـثـال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لــــنــــزار قــــبــــانــــي، فـــهـــي تــــتــــشــــارك مـــعـــه فـي الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب. عـــلـــى أن جـــــــرأة لمـــيـــعـــة الـــعـــالـــيـــة فـي انتهاك المحظورات لم تواكبها جــرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المــأهــولــة مــن الـنـفـس الإنــســانــيــة. كـمـا لم تــواكــبــهــا رغـــبـــة مــــوازيــــة فـــي الــبــحــث عن أشـــكـــال للتعبير أبــعــد مــــدى مـــن المــهــارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمـــر عـائـد إلــى قناعة لميعة بــأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين. وفـــي نـــوع مــن الـتـنـاغـم الـاشـعـوري مـــع اســمــهــا المــشــتــق مـــن الــلــمــعــان، كـانـت لمــيــعــة تـــــرى الـــشـــعـــر بـــوصـــفـــه إقــــامــــة فـي الـــنـــاحـــيـــة المــضــيــئــة مــــن الأشـــــيـــــاء، لا فـي الـــدهـــالـــيـــز المـــعـــتـــمـــة لــــلــــوســــاوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فـــردي بـامـتـيـاز فـهـي آمـنـت بـالمـقـابـل بـأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجا من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلـى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحــدهــا، بـل كــان يــؤازرهــا فـي ذلك تــيــار واســــع مـــن الــشــعــراء المــنــبــريــن، من أمــثــال الــجــواهــري وبــــدوي الـجـبـل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم. وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عــبــاس عـــمـــارة، فـــا بـــد مـــن الإشــــــارة إلـى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيدا في الاستجابة لنداءات الروح ومــــكــــابــــدات الأعـــــمـــــاق، وتـــحـــريـــر الـشـعـر مــن الــقــيــود، إلا أنــهــا ارتــضــت طـائـعـة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها مـن كـل نـــزوع جسدي أو رغــبــة آثـــمـــة. فـــي حـــن أن لمـيـعـة، الـتـي لـم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مـجـاراة نــازك في مغامرتها التجديدية، وغــــوصــــهــــا الــــــــرؤيــــــــوي، وتـــخـــفـــفـــهـــا مــن ضجيج اللغة. شوقي بزيع لميعة عباس عمارة لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثمل نرجسي بصورتها في المرايا «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء صــــــــدر حــــديــــثــــا عــــــن «مـــــنـــــشـــــورات الـــجـــمـــل»، روايـــــــة «صُــــنــــع فــــي الــــعــــراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مـسـارات شخصيات تبحث عــــن مــعــنــى لــلــحــيــاة وســـــط الـــتـــحـــولات القاسية. يمتزج في الـروايـة الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عــبــر أربـــعـــة أجـــيـــال مـــن الـــنـــســـاء، حيث لا يُــكــتَــب الـــتـــاريـــخ بــــالأحــــداث الــكــبــرى، بــل بـالـتـفـاصـيـل الـصـغـيـرة الــتــي تشبه الـــخـــيـــوط الــخــفــيــة الـــتـــي تـــشـــد الــحــيــاة بعضها إلـى بـعـض... هـذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نــســائــيــة تــــتــــوارث الــحــلــم كــمــا تـــتـــوارث الاسم والملامح. كــــمــــا أنـــــهـــــا لـــيـــســـت حــــكــــايــــات عــن المــاضــي فـقـط، بــل عــن اســتــمــرار المعنى حين يتغير كل شيء. وهـــي مـحـاولـة لالـتـقـاط مــا يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يـبـقـى مـــن الـحـلـم حـــن تـتـآكـل الأرواح، لــتــعــيــد طـــــرح ســــــؤال جــــوهــــري: «كــيــف يمكن للإنسان أن يحلم داخـــل وطــن لا يتوقف عن الحروب؟». جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الـنـاجـن فــي الــعــراق لـيـسـوا بـنـاجـن؛ لأن الخراب هنا ليس حدثا عابراً، بل قـــدر مـقـيـم. الــنــجــاة الـحـقـيـقـيـة ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الـــحـــكـــايـــات المـــنـــســـيـــة أتـــــت هـــذه الـــروايـــة ســيــرة مـمـتـدة لأربــعــة أجـيـال من النساء، أدركــن متأخرا أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق». وكــــــان قــــد صــــــدرت لــلــمــؤلــفــة أربــــع ،2018 » روايـــــات هـــي: «رائـــحـــة الــكــافــور ، و«الـكـلـب 2019 » و«صــلــصــال امـــرأتـــن ، التي 2023 » ، و«زهـــــرة 2021 » الأســــود وصـــلـــت لــلــقــائــمــة الـــطـــويـــلـــة لــــ«جـــائـــزة غسان كنفاني». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky