مـــــــددت جــــولــــة المـــــفـــــاوضـــــات الـــثـــالـــثـــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة - يوماً، ليستمر «نظرياً» وقف 45 » الإسرائيلية، «الهدنة الــنــار، وأعـلـنـت فـتـح مـسـار أمـنـي إلـــى جـانـب السياسي. وتـضـمـن بـيـان «الـخـارجـيـة» الأمـيـركـيـة عــن المـفـاوضـات، دعــــوة إلـــى «ســــام مــســتــدام بـــن الــبــلــديــن»، و«الاعـــتـــراف بسيادة كل منهما وسلامته الإقليمية وأمن حقيقي على طول حدودهما». مــا تــم الـتـوصـل إلـيـه قــد يـكـون بــدايــة إعـــان نـوايـا؛ فـــبـــيـــروت عــــبّــــرت عــــن اعـــــتـــــزام الـــــوصـــــول إلـــــى تــفــاهــمــات وتـرتـيـبـات تـنـهـي حــالــة الـــحـــرب. والــبــيــان الأمــيــركــي عن سـيـادة كاملة أسقط بالمبدأ مـشـروع «المنطقة الـعـازلـة»، أي جـــوهـــر المــخــطــط الإســـرائـــيـــلـــي عـــن «الــــدفــــاع المــتــقــدم» عــن الـــحـــدود، الــــذي يُــبـنـى فــي أراضــــي الــبــلــدان المــجــاورة تـطـبـيـقـا لـــرؤيـــة جـابـوتـنـسـكـي لــلــحــدود الــحــديــديــة غير القابلة للاختراق. ونظريا يفتح سقوط مشروع «المنطقة العازلة» باب عودة النازحين قسرا وإطلاق عملية إعادة الإعمار. لكن الواقع الراهن يرسم معالم هوة سحيقة بين أطـمـاع الـعـدو الإسـرائـيـلـي وتـحـويـل مـا تـقـدم إلــى واقــع؛ فالحرب الإسرائيلية على لبنان، التي حولت العمران إلى غبار ورمـاد وخساراتها البشرية مروعة، تدخل مرحلة وجع أكبر وخسائر أكثر خطورة. الآيديولوجية الإيرانية التي تسترهن عبر وكيلها المـحـلـي المـسـلـح «حــــزب الـــلـــه»، لـبـنـان خــدمــة لمصالحها، تُقلقها اســتــعــادة بــيــروت حقها الـحـصـري بـالـتـفـاوض، لأنــه مـؤشـر اسـتـعـادة السلطة المنتخبة للقرار الوطني، فـــيـــضـــرب ذلـــــك ســــرديــــة مــــحــــور المـــمـــانـــعـــة بـــــ«المــــقــــاومــــة» الدائمة. وأي منحى لتسوية قد تعيد الاستقرار، ينهي هـــذه الــســرديــة ويـهـمـش دعــاتــهــا، ويـفـتـح بـــاب الـحـسـاب العسير معهم. وفي وضع «حزب السلاح الإيراني»، فإن الحساب، أمــام القضاء والـنـاس، لن يتأخر: تنظيم أخذ حروب مدمرة، فتسبب في إبادة 3 لبنان خلال عقدين إلى شباب الجنوب وعمرانه. قاسم سليماني قرر لحسابات ، الـشـهـيـرة بـعـبـارة 2006 ) إيــرانــيــة، حـــرب يـولـيـو (تـــمـــوز حسن نصر الله: «لـو كنت أعـلـم»! وإسماعيل قاآني قرر كارثة «إسناد» غزة. و«الحرس الثوري» الممسك بالتنظيم الحزبي بعد هزيمة «الإسناد» الأول، قرر «إسناد» إيران في الحرب. فتنبهت لذلك الحكومة اللبنانية وتقرر حظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله»، واعتباره خارجا عـن الـقـانـون، وتـرفـض وجـــود «الــحــرس الــثــوري» وتأمر بترحيل عناصره. لكل ذلك بدأت طهران عبر واجهتها المحلية تصعيدا سياسيا وعسكرياً، لأن في ذلك عناصر الدفاع عن النموذج الممانع الذي دمّر البلد ومنع استعادة الدولة. «حزب الله» حــذّر السلطة مما سمّاه «التنازل المجاني» و«الخيارات المنحرفة»، وهدد بأن لذلك «تداعيات على استقرار لبنان دولة ومجتمعاً». مجدداً؛ هدّد بتفجير البلد، وفي ميدان «عـــــدم الــتــشــبــث بـــــــالأرض» أرهـــــب الـــنـــاس لــحــجــب حقهم بالحزن والألم؛ فالحزن «وهن لعزيمة الأمة» وفق النائب محمد رعـد (...) ومضى «حـزب الـسـاح» المتراجع بعيدا نـحـو الــزهــرانــي، بــإطــاق مـسـيـرات «انـقـضـاضـيـة» يعظم الـعـدو الإسـرائـيـلـي مـن فاعليتها ليمضي بقضم الأرض بلدة مسحت أكثريتها 84 شمال الليطاني. فإلى احتلال عن الخريطة، بات ما يماثلها من بلدات تحت النار، وامتد الخط الأصفر نحو البقاع الغربي! وتـبـقـى الأطــمــاع الصهيونية أشـــد خــطــورة؛ فعلى يوم عن موعد الانتخابات الإسرائيلية، 100 مسافة نحو ستشتد الـحـرب على لـبـنـان. بــدم اللبنانيين وعمرانهم يـجـري نتنياهو مـجـرم الـحـرب الإسـرائـيـلـي انتخاباته، مستفيدا من ذرائع عديدة؛ أهمها التمسك بالسلاح، وهو منعدم الفاعلية بات عبئا على «البيئة» والجنوب ولبنان. ويستكمل الـعـدو الإسـرائـيـلـي مخطط تفكيك الاجتماع الشيعي والتهجير الـجـمـاعـي. فتبدو أولــويــة نتنياهو تشتيت البيئة الحاضنة لــ«حـزب الـلـه»، وقـضـم الأرض وجعلها غير صالحة للعيش: مصحرة خالية من البشر، ما يخلق الوقائع الأخطر على الأرض، وفي الطريق يتم تباعا تقويض البنية العسكرية الميليشياوية. ، احتفظوا 1948 الفلسطينيون الـذيـن اقُتلعوا عـام 500 بمفاتيح الـبـيـوت، لكن الاقـتـاع الــذي طــال أكثر مـن بلدة وقـريـة، استتبع بالهدم الكامل، استنادا إلـى رؤية مـفـادهـا أن الـسـيـطـرة النهائية تحسم فــي شـكـل الأرض ومن سيقيم عليها. الأجيال اللاحقة ورثت المفاتيح، لكن لا قرى ولا بيوت ولا أبواب، وأساسا لا عودة. هـــنـــا تـــبـــدو الـــوظـــيـــفـــة الــحــقــيــقــيــة لــتــفــجــيــر عـــمـــران الجنوب، وإنهاء معالمه، واستخدام الجرافات لتسويته بـــــالأرض داخـــــل «الـــخـــط الأصــــفــــر»، تـعـتـبـر وســيــلــة كسر شــــروط الــحــيــاة؛ مـــا يـعـنـي، فـــي الــحــالــة الـلـبـنـانـيـة، تـرك الـــبـــاب مـــواربـــا لـيـعـاد تـشـكـيـل المـنـطـقـة وتـنـظـيـمـهـا وفـق ميزان القوى. وكما حدث في فلسطين، فالمواطن اللبناني المتمسك بالمفتاح يرى بأم العين كيف حل العدم. وأبدا لا ينبغي تجاهل تهديدات مجرمي الحرب؛ أمثال بن غفير وسموتريتش، وطروحات التطرف للمفاوض الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر، وكلهم من دعـاة تجاوز اتفاقيات «سايكس بـيـكـو»(...). مملوءة جعبة العدو الإسرائيلي بتوصيف ما يجري بأنه إجـــراءات دفاعية، لكن الخطر الكبير أنه يعيد صياغة علاقة الأرض باللبنانيين. طبعا ، لكن 1948 لم يعد العالم يعيش زمن نكبة فلسطين عام الأخـــطـــار حـقـيـقـيـة رغـــم الــقــيــود والـــتـــوازنـــات الإقـلـيـمـيـة، والحرب الأوكرانية مثال خطير! إنها الهندسة الجغرافية والسكانية الأخطر الآخذة في التمدد، وقد لا تنجو منها بلدة واحــدة في كل جبل عامل وأبعد منه. إنها هندسة تــحــاصــر الــجــنــوب ولـــبـــنـــان. جـــرائـــم الـــعـــدو الإســرائــيــلــي وأطماعه لا حد لها، والجرائم متكاملة الأركــان مسؤول عنها نظام الملالي ووكيله «الفيلق اللبناني»، فهم قدموا لـبـنـان لـقـمـة سـائـغـة لـلـعـدو الإســرائــيــلــي، ولا ينبغي أن يفلتوا من الحساب. ولأن مـــســـار اســــتــــعــــادة الأرض والــــســــيــــادة طــويــل وشاق، فما يجري سيعيد صياغة العلاقة بين اللبنانيين بعضهم ببعض. الأخطار داهمة والمخاوف قد تترسخ، ما لم تكن السلطة أولاً، وثانيا البنى الجديدة في المجتمع المـدركـة حجم الأخـطـار الوجودية، في موقع الـقـدرة على احتواء التوترات وتداعيات نزوح طويل! هناك تحولات كبرى في التاريخ تشكل فرصة هائلة على الرغم مما تبدو عليه إذا لم نقرأ السياق ومـا وراء فوضى الأحـــداث اليومية. ولا شـك فـي أن هذه الأزمة غير المسبوقة في تاريخ الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران وأذرعها، إحدى تلك اللحظات التاريخية التي يمكن أن تـمـنـح دول الاعـــتـــدال وفـــي مقدمتها الـسـعـوديـة فرصة تاريخية، لا سيما أن الرياض أحسنت بحكم تقاليدها العريقة النظر إلــى الأزمـــات فـي التعامل مــعــهــا بــحــصــافــة، وهــــي الـــيـــوم تــجــنــي أيـــضـــا ثـمـار اسـتـثـمـارهـا الـطـويـل فــي الـبـنـيـة الـتـحـتـيـة وتـنـويـع خياراتها، إضافة إلى عامل لا يمكن تجاهله يتمثل » في عهد خادم الحرمين 2030 في ما أطلقته «رؤية الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشغف عظيم من ولـي العهد الأمير محمد بن سلمان، بمسارات إصــاحــيــة شــامــلــة وجـــذريـــة مـــن الــخــطــأ الـكـبـيـر أن تُختزل في الجانب الاقتصادي، بل كانت في عمقها الأول: إعـادة تأسيس مفهوم السيادة الوطنية بكل أبعادها. أمـا بعد، فلطالما اعتمد الأمــن الخليجي على شراكات دولية، وهذا جزء قديم من تاريخ المنطقة، فمثلا الــولايــات المتحدة وقفت مـن دون تـحـرّك عام عـلـى ســقــوط أوثــــق حـلـفـائـهـا الإقـلـيـمـيـن في 1979 إيران، كما أنها لم تحرك ساكنا في البحرين ومصر إبان ما سُمي «الربيع العربي» لولا المعالجة النوعية السعودية لدعم الاستقرار في كل الدول التي مستها رياح «الربيع» المزعوم، كما أن الموقف السلبي تجاه هـجـوم بقيق كـــان أحـــد تـلـك المنعطفات الـكـبـرى في إعــــادة الـتـقـيـيـم. والــحــق يـقـال ربـمـا كـــان الاسـتـثـنـاء الوحيد الــذي يستحق الإشـــادة هو تحرير الكويت ، عــــدا ذلــــك فــــإن كـــل الــتــحــديــات الـصـعـبـة 1991 عــــام فـي تـاريـخ المنطقة كـانـت الـــدول الـكـبـرى تبحث عن مصالحها الاسـتـراتـيـجـيـة، وهـــذا مــن حـقـهـا. وكــان هـذا على رأس أولـويـات التحول السعودي مـا بعد الــرؤيــة؛ إذ قـامـت خــال عـقـد مـن الآن بـإطـاق رؤيـة استثنائية من الخطأ الكبير حصرها في التنويع الاقتصادي، بل يمكن القول إنها كانت إعلانا فاصلا واستراتيجيا على الاستثمار في الداخل السعودي: الأرض والمستقبل والمواطن، وهذا ما يمكن أن نصفه بالعقيدة السعودية التي أفرزتها الرؤية، وهو أعمق أثـــرا مــن أي صـفـقـات ســـاح أو تـحـالـفـات عسكرية، ولاحقا أطلقت المملكة منذ تلك اللحظة منظومة من المبادرات الدفاعية تمثّل قطيعة حقيقية مع نماذج الاعـــتـــمـــاد تــاريــخــيــا؛ إذ بـــاتـــت الـــشـــركـــة الــســعــوديــة للصناعات العسكرية تستهدف توطين خمسين في ، بعد أن كان 2030 المائة من الإنفاق الدفاعي بحلول في المائة قبل إطلاق الرؤية، 8 هذا الرقم لا يتجاوز كـمـا أن مــشــاريــع الــشــراكــة مـــع كــبــريــات المـؤسـسـات الدفاعية انتقلت من مجرد عقود تسليم إلى عقود تشترط نقل التكنولوجيا والمعرفة، وبناء الكفاءات الوطنية والصناعة المستدامة. عــلــى الـصـعـيـد الــدبــلــومــاســي، كـــانـــت اتـفـاقـيـة التي حسّنت العلاقات السعودية - الإيرانية، 2023 وخفّضت التصعيد، وطرحت تفاهمات أعادت - ولا شــك - رســـم خـريـطـة الـتـوقـعـات الإقليمية بـأسـرهـا، وأثـبـتـت أن المملكة قــــادرة عـلـى صـنـاعـة التسويات وليس انتظارها من أحد. تملك المملكة اليوم من الأوراق ما لم تملكه في أي مرحلة سابقة؛ فهي الاقتصاد الأكبر في المنطقة، وصاحبة أضخم احتياطات نفطية، والـدولـة التي أثبتت قدرتها على الـحـوار الــنِّــدّي مـع طـهـران ومع واشنطن في آن واحد من دون أن تفقد مصداقيتها، بـــســـبـــب الـــــوضـــــوح فــــي طــــــرح كــــل المـــلـــفـــات بـــــــأدوات دبلوماسية لم يعهدها الإقليم من قبل. ومـــن هـنـا، لا يمكن فــي ظــل الأوضــــاع الـراهـنـة تصور أي حل لهذه الفوضى المتراكمة على المنطقة مـن دون مـعـاهـدات إقليمية شاملة تـكـون الـريـاض أحد أهم محركيها الأساسيين، متبنية إعادة ترتيب وتموضع تحفظ المصالح المشتركة لــدول المنطقة، وتُعيد تعريف أدوار كـل طـرف بما يعكس موازين القوى الفعلية. مــــا يــمــيــز الــلــحــظــة الـــراهـــنـــة أن مـــبـــدأ احـــتـــرام السيادة لم يعد خطابا دفاعياً، بل بات ركيزة النظام الــدولــي الـجـديـد الـــذي يـتـشـكّــل، ولـيـس بــخــاف على أحـد الـــدور الــذي تلعبه الـريـاض فـي تبني مشاريع تنموية من حولها، من مشاريع البنى التحتية في أفريقيا وآسيا الوسطى وعدد من البلدان العربية، بنموذج استثنائي لا يقوم على نماذج الوصاية، واشتراطات التدخل في السياسات الداخلية لتلك الدول. اليوم أمـن الخليج مسؤولية مشتركة لجميع الـدول المعنية، بتنسيق بينها لا يجب ولا يمكن أن يكون متطابقا في كل الملفات السياسية - فهذا ثبُت أنــه صعب المـنـال - بـل تحالفات عملية مبنية على محددات واضحة ومشتركة: أمن بحري مشترك في الممرات المائية ومنها «هرمز»، وتبادل لكل رسائل وبـيـانـات الإنـــذار المبكر، وتـدريـبـات مشتركة لإزالــة الألــغــام، وتكامل اقـتـصـادي يمنح جميع الأطـــراف، بـمـا فيها إيـــــران، مصلحة تـنـمـويـة تكفل اسـتـدامـة سلامة أمن الممرات. هــــذه الأزمـــــة رغــــم صـعـوبـاتـهـا غــيــر المـسـبـوقـة منحت المملكة القدرة على استشراف مكانتها كأهم لاعـب فاعل في المنطقة، وهـذا لا علاقة له بقدراتها الـعـسـكـريـة الـــتـــي تـــأتـــي فـــي المـــقـــدمـــة، وإنـــمـــا بسبب الـبـنـى التحتية الـتـي استثمرتها عـلـى مـــدى عقود في الداخل، وزاد ذلك أضعافا مع الرؤية الطموحة الـتـي حـولـت المـنـظـومـات اللوجستية إلـــى أحـــد أهـم الــرســامــيــل الـــتـــي آتــــت أكــلــهــا فـــي هــــذه الأزمـــــــة، كما شهدناه مع ميناء جـدة الإسـامـي الـذي تحول إلى مركز إقليمي ينافس كبار الموانئ في المنطقة، كما أن طموحات الرياض اللوجستية تمتد لتشمل ربط الشرق بالغرب عبر ممرات برية وبحرية تجعل من المملكة نقطة عبور لا يمكن تجاوزها. على مستوى ملف النفط، أثبتت السعودية في ظل إدارة لـ«أوبك بلس» خلال سنوات التقلب الحادة فــي أســــواق الـنـفـط، قـــدرة تـفـاوضـيـة واستراتيجية غير مسبوقة؛ إذ انتقلت من إدارة الإنتاج إلى إدارة التوقعات الدولية من خلال استشراف استراتيجيات العرض والطلب في اللحظات الحساسة. والحق أن هــذا المـزيـج الـسـعـودي الـــذي يجمع بـن احتياطات الــنــفــط، والمــــوانــــئ الـتـنـافـسـيـة المـــتـــطـــورة، والمـــمـــرات اللوجستية، واستراتيجيات إدارة الــســوق... منح الرياض أوراقــا في مرحلة إعـادة البناء الإقليمي لا تملكها أي دولة أخرى. حـتـمـا ســتــهــدأ الـــحـــرب، وتـــبـــدأ مــرحــلــة إعــــادة الإعـــمـــار والــتــكــامــل الاقـــتـــصـــادي، وحـيـنـهـا ستكون السعودية بما تملكه من ثقل ورمزية وحكمة الأكثر تــأهــيــا لــقــيــادة فــاعــلــة فـــي الـــشـــرق الأوســــــط؛ لأنـهـا لــم تنتظر نـهـايـة الـعـاصـفـة، بــل مـضـت بمشروعها التنموي في خضم وعمق الأزمة من دون أن تنسى مــد يـدهـا لمــن حـولـهـا فــي أكـثـر الـلـحـظـات قـتـامـة في منطقة الشرق الأوسط. Issue 17339 - العدد Tuesday - 2026/5/19 الثلاثاء يوسف الديني OPINION الرأي 14 «مناطق صفراء» تعيد صياغة علاقة اللبنانيين بالأرض! حنا صالح السعودية: ثمار الرؤية في أزمنة الفوضى النزف السوري المستمر يعتقد كثيرون بـأن سوريا لم تشهد في تاريخها مــوجــة نــــزوح وهـــجـــرة عـلـى نـحـو مـــا حـــدث بـعـد انـــدلاع وحــتــى الــيــوم قـريـبـا مــن منتصف عـام 2011 ثــــورة عـــام ، ولهذا الاعتقاد ما يبرره؛ وأبرز التبريرات أن عدد 2026 مـلـيـون نـسـمـة، شكلوا 14 مــن نــزحــوا وهـــاجـــروا تــجــاوز ، وهذا لم 2010 نحو ثلثي سكان سوريا وفق أرقـام عام يحصل على الأقل طوال القرن الماضي بكل ما شهده من أحــــداث فــي الــداخــل وفــي المـحـيـط الإقـلـيـمـي، وبينها في الداخل انقلابات وصراعات دموية مثل عنف السبعينات والثمانينات بين النظام وخصومه، وفي المحيط حروب دخلتها سوريا أو شاركت فيها؛ منها الحروب العربية ، والتدخل السوري العميق 73 و 67 و 48 - الإسرائيلية في والمــديــد فـي الـحـرب اللبنانية، وقــد استمر نحو نصف قرن، حاربت فيه قوات الأسد ضد كل الأطراف هناك. وأحــاطــت ظـــروف صعبة وقـاسـيـة بـمـوجـة الـنـزوح والهجرة؛ سواء التي تمت في الداخل السوري أو باتجاه شــتــات خــارجــي واســــع، خـصـوصـا مــن حـيـث أسـبـابـهـا، والأهم فيها أنها جزء من حرب نظام الأسد ضد الشعب، وتهجير جماعي فـي مخطط تغيير ديمغرافي، وفيها أيـضـا أنـهـا جــرت تحت تهديد القتل والاعـتـقـال الأســوأ مــنــه، إضـــافـــة إلـــى أنــهــا واجـــهـــت عــجــزا إقـلـيـمـيـا ودولــيــا في الـقـدرة على استيعابها وتلبية احتياجات الحدود الإنـسـانـيـة الـدنـيـا لمــايــن، تــركــوا دون أي سـنـد، وحتى الذين تم إسنادهم بصورة أو أخرى من لاجئين ومقيمين بـــرعـــايـــة أقـــاربـــهـــم ومـــعـــارفـــهـــم فـــي بـــلـــدان عـــــدة، لـــم تكن ملايين 6 أمـورهـم مستقرة تماما ودائـمـا، وقضى نحو من النازحين في بلدان الـجـوار والقريبة منها، سنوات طويلة وصعبة في مخيمات بائسة تحت سلطة طبقت سياسات أمنية شديدة، عبرت عن عداوات سياسية ضد اللاجئين. وســط ظـــروف الــنــزوح والـهـجـرة، كـانـت التقديرات تتجه للقول إن سقوط نظام الأســد سـيـؤدي حتما إلى عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، والانخراط فــي مـعـركـة تطبيع حـيـاتـهـم الـتـي دمـــرت الــحــرب معظم معالمها الإنسانية والمـاديـة، إن لم نقل كلها، ولعل هذا يفسر موجات الفرح والأمل التي أطلقها السوريون بعد هروب بشار الأسد وأركانه، وإعلان السلطة الجديدة. وللحق، فإن عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، ليست حلما أو رغبة؛ بل هي عمل مربوط بما هـو عليه الـحـال والــواقــع والـطـمـوحـات، ليس للشخص والعائلة الراغبين في العودة، إنما أيضا بالنسبة للمكان الهدف من جهة، والبيئة العامة في البلد وواقع السلطة من جهة ثانية، وخلاصة العوامل الثلاثة هي التي تجعل العودة ممكنة. أغــــلــــب الــــراغــــبــــن فــــي الـــــعـــــودة لا يـــمـــلـــكـــون قـــــدرات وإمكانات مادية تساعدهم في العودة والعيش بسوريا، هـــذا حـتـى إذا كـانـت بـيـوتـهـم وعـقـاراتـهـم قـابـلـة للسكن والاستخدام، إضافة إلى أن فرص وظروف العمل سواء لدى القطاع الخاص الذي يعيش أوضاعا صعبة، أو لدى الدولة ومؤسساتها التي اعتاد قطاع كبير من السوريين العمل لديها، وهـي أكبر رب عمل، وتشغل مؤسساتها حيزا مهما في مختلف القطاعات الخدمية والإنتاجية، وهـذه الحقيقة اختفت من الـواقـع الـسـوري، لأن سنوات حــرب النظام الطويلة دمـــرت، وعطلت بـصـورة كلية أو جـزئـيـة أغـلـب مـؤسـسـات الــدولــة الإنـتـاجـيـة والـخـدمـيـة، وقتلت وسجنت، وهجرت الكثير من خبراتها وكوادرها، ،2024 ) وبعد إسقاط النظام في ديسمبر (كانون الأول أجـــهـــزت الـسـلـطـات الــجــديــدة عـلـى كـثـيـر مـــن مـؤسـسـات الـــدولـــة، خـصـوصـا مــا اتـصـل منها بالجيش والأجــهــزة الأمنية، التي فرط عقدها، وكأنها لم تكن. ولأســـبـــاب عـــدة أبـــرزهـــا الـعـقـوبـات الــدولــيــة، وعــدم توفر الإمكانات المادية والـكـوادر والخبرات، فقد سارت الدولة ببطء في إقامة مؤسسات وهياكل جديدة وبديلة، وعجزت عن إصلاح وتشغيل أغلب ما بقي من مؤسسات النظام البائد وبناء مؤسسات جديدة، وبالنتيجة ساء الوضع في ميادين العمل وقطاعاته، وزاد الوضع سوءا في سوق العمل وارتفعت البطالة، وهـذه بعض أسباب منعت عودة واسعة للنازحين واللاجئين، بل إن الأسباب ذاتها دفعت سوريين ممن بقوا في البلاد خلال سنوات الـثـورة وحــرب النظام، إلـى السعي للخروج إلـى أي بلد لـلـعـمـل والــعــيــش، وربـــمـــا لــاســتــقــرار هـــنـــاك، نـتـيـجـة ما حصل من تطورات أمنية وسياسية بعد سقوط النظام، ومنها أحداث الساحل والجنوب في السويداء، والصراع مـع «قـسـد» فـي شـمـال وشـمـال شـرقـي سـوريـا الـــذي وإن انتهى إلى اتفاق، لكنه ما زال محاطا باحتمالات سلبية، يرغب أغلب السوريين في ألا تحدث. لـــقـــد صــــــارت أســــبــــاب عـــــدم عــــــودة الــــســــوريــــن إلـــى مدنهم وقــراهــم فـي جملة أسـبـاب تـدفـع بعض سوريي الداخل للتوجه نحو الخارج، وغالبا فإن الوضع سوف يتفاقم في ظل وقائع بينها ارتفاع الأسعار والتضخم وزيــــادة مــعــدلات الـفـقـر وصـعـوبـات الـحـيـاة الأخــــرى، ما لـم يـحـدث تـدخـل قــوي وفـاعـل مـن جـانـب الحكومة التي لا شـــك أنـــهـــا لمــســت جـــوهـــر المـــشـــاكـــل الـــتـــي تـمـنـع الــبــاد مــن نـهـوض حقيقي، مــن بــن خـطـواتـه المـهـمـة اسـتـعـادة أبـنـائـهـا مـــن الــشــتــات الـــذيـــن يـشـكـلـون الـحـيـز الأهــــم من قـدراتـهـا وثـرواتـهـا، ومنع آخـريـن مـن الالـتـحـاق بهم في مسار اغتراب جديد، وكلاهما سيسهم في أخذ سوريا والـــســـوريـــن إلــــى مـسـتـقـبـل مـــن الــنــمــو والـــتـــقـــدم مـقـرونـا بالعدالة والمساواة. إن تــدخــل الـسـلـطـة المــطــلــوب خـلـيـط مـــن سـيـاسـات وإجـــــــــــراءات إصــــاحــــيــــة، فــــي بـــــاب الأولــــــــى انـــتـــقـــال إلـــى ســيــاســة مـعـلـنـة وفــــق خــطــط وأهــــــداف واضـــحـــة وقـابـلـة لــلــقــيــاس والــتــعــديــل لإنـــهـــاض الــقــطــاعــات الاقــتــصــاديــة الإنتاجية، وتلبية احتياجات نموها برعاية المنتجين ومــشــروعــاتــهــم، ورفــــع قــــدرات الـعـامـلـن وإعـــــادة تأهيل مـؤسـسـات الـخـدمـة وتــأمــن حـمـايـة أسـواقـهـا الوطنية، وتعزيز فـرص تحولها عملية الإنـتـاج مـن الاكتفاء إلى إنتاج تصديري منافس. وثـــمـــة حـــاجـــة مــلــحــة؛ وهـــــي تـقــيـيــد الـــتـــوجـــه نـحـو مشروعات غير ذات تأثير عميق على البنية الاقتصادية الاجتماعية. فايز سارة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky