issue17339

بعد الإعـــان عـن التريليون المـصـروف أو المـفـقـود في بضع سنين، أصبح مصير ثــروات ليبيا والنهب الممنهج مطروحا للنقاش والـجـدل، بل وحتى للصراع والتوظيف السياسي بين الأطراف المتخاصمة. فوجود ليبيا في قائمة الـفـسـاد الـعـالمـي مــن حـيـث غـيـاب الـشـفـافـيـة، جـعـل كثيرين يـتـخـوَّفـون على مستقبل الـبـاد وثـرواتـهـا فـي ظــل صـراع سـيـاسـي أفــضــى إلـــى تــشــظ حـكـومـي، حـتـى أصــبــح للبلاد حـكـومـتـان وعــمــلــتــان؛ حـيـث الــديــنــار المــعــدنــي فـــي الـشـرق والـــديـــنـــار الـــورقـــي فـــي الـــغـــرب، ولا يـسـتـخـدم أحــدهــمــا في مناطق سيطرة الآخر. في الترتيب العالمي لمؤشر 173 تحتل ليبيا المرتبة الــ دولـــة حــول الــعــام، حيث 180 مـن أصــل 2024 الـفـسـاد لـعـام الأكـثـر فـسـادا فـي العالم، 10 جــاءت ليبيا مـن بـن الـــدول الــــ بالإضافة لوجودها ضمن العشر الأوائل في قائمة الفساد .2024 لعام اليوم بعد أن كشفت هيئة الرقابة الإداريــة في ليبيا، بصورة وصفتها بـ«الدقيقة»، الواقع المالي والإداري للدولة بلغ 2011 الليبية، مؤكدة أن حجم الإنفاق العام منذ عـام تريليونا ومليار دينار ليبي، وصـف رئيس الهيئة الرقم بــ«المـخـيـف». فالتقرير الـرقـابـي الـــذي وُصِــــف بــ«المـخـيـف» تناول للمرة الأولى عرضا للوضع المالي للدولة، وحساب م، والـتـي 2023 - 2012 الإيـــــرادات والـنـفـقـات خـــال الأعــــوام تطلق ناقوس خطر حول الإنفاق غير المنضبط، بل والمبالغ فيه، لـدرجـة إهـــدار المــال الـعـام وســوء التصرف فيه، ولهذا كان تقرير الرقابة الإدارية يهدف إلى دق «ناقوس الخطر». مسألة إهدار المال العام والإنفاق الضخم في ليبيا بعد ، قد تفسر ما ذكــره المبعوث الدولي 2011 ) فبراير (شـبـاط السابق غسان لامة، حين قال إن «هناك مليونيرا جديدا كل يـوم فـي ليبيا»، مشيرا إلـى أن الطبقة الوسطى «تتقلص يوما بعد آخر، والطبقة السياسية في ليبيا لديها كم كبير من الفساد يندى له الجبين، وهناك من يجني ثروات طائلة من المناصب يجري استثمارها خارج ليبيا». المبعوث الدولي السابق أكَّد أن ليبيا تُنهب ولا تُسرق فقط، مما يعكس الحالة المخيفة عن حجم الإنفاق وشبهات الفساد المالي الضخم، الذي تؤكده تقارير رقابية حكومية ولـيـسـت تـهـمـا أو تــقــاريــر صـحـافـيـة يـسـهـل الــتــهــرب منها ونعتها بـ«المضللة». فــ«الـكـلـيـبـتـوقـراطـيـون» يـنـهـبـون ليبيا بـشـكـل منظم حتى سال لعابهم نحو الأمــوال الليبية المجمدة في بنوك العالم، وأيضا محاولات نهب الاستثمارات الخارجية التي تـعـود لحقبة نـظـام الـراحـل معمر الـقـذافـي. والآن تـــدار من قبل أشخاص أو جماعات محسوبة على جماعة الإسـام الــســيــاســي، وأغـلـبـهـا فـــي حــالــة خـسـائـر مـسـتـمـرة دون أن تـحـقـق أربـــاحـــا تــذكــر نـتـيـجـة الــفــســاد والــنــهــب، مـمـا يـؤكـد مــحــاولات هـــذه الـجـمـاعـات المـسـتـمـرة للسيطرة عـلـى المــال الليبي، وجعله «بيت مال الجماعة» كما كانت تتعاطى مع مصرف ليبيا المركزي سابقا في بداية حقبة «ثورة» فبراير .2011 ؛ فقد صرح 2011 تاريخ الفساد الكبير بدأ منذ عام رئيس أول حكومة بعد ثورة فبراير بكارثة إنفاق خمسة مليارات دينار على قرطاسية مكتبية لديوان الحكومة، مما يؤكد هـول الإنـفـاق المخيف وإهـــدار المــال الـعـام، رغم وجـود تقارير رقابية من الأجهزة الرقابية الليبية التي تنقسم إلـى جهات متعددة، منها هيئة الرقابة الإداريــة وديـــــوان المـحـاسـبـة وهـيـئـة مـكـافـحـة الــفــســاد، وجميعها أجهزة رقابية تتبع السلطة التشريعية وليس الحكومة، ولكن المقلق هو غياب المحاسبة للمدانين في تقارير هذه الأجــهــزة الـرقـابـيـة، مما يجعل المــواطــن الليبي فـي حالة فــزع وتــخــوف؛ كــون ليبيا إلــى الـيـوم لا يـــزال اقتصادها ريعيا غير إنتاجي ولا استثمارات تذكر، وبالتالي فإن إنفاق أرقام مفزعة من الأموال الليبية تتجاوز التريليون يجعل الجميع في حالة فزع وخوف وليس قلقا فقط على مستقبل اقتصاد ليبيا. التقارير عـن الإنــفــاق الـهـائـل دون أثــر مقنع على الأرض أو فـي الخدمات الصحية والتعليمية وحتى المعيشية لـلـمـواطـن الـلـيـبـي، جـــاءت أيـضـا فــي تقارير دولية، ومنها موقع «دويتشه فيله» الألماني الذي قال إن «حجم أمـوال ليبيا التي جنتها من عائدات النفط تريليونات دولار»، 3 تقدر بأكثر مـن 1969 منذ عــام ولا أحــد يعلم كـم صــرف منها، أو حتى كيف صرفت عاماً، ولا كم تبقى منها طيلة السنوات العشر 42 طيلة ونيف العجاف التي تلت حكم القذافي، حيث حكمت الـفـوضـى الــعــارمــة ليبيا، مــع اســتــمــرار حـالـة الـرفـض مـــن بــعــض أطــــــراف الأزمــــــة الـلـيـبـيـة لأي مــــبــــادرة حــل، واعتبارها أجندة خارجية وتخوين المشاركين فيها. إنها حالة مـن الـرفـض المطلق دون مـبـررات حقيقية، خاصة في ظل القبول المستتر باستمرار الفوضى والجمود السياسي، دون التحرك قيد أنملة نحو فرص الحل القابلة للنجاح وإنهاء الفوضى والفساد. OPINION الرأي 12 Issue 17339 - العدد Tuesday - 2026/5/19 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com السلام والحرب واليقين المفقود حرب أوكرانيا وتغيُّر موازين القوى في العالم؟! لم توقف إسرائيل قصفَها للأراضي اللبنانية خلال المفاوضات الجارية في واشنطن بين وفدي البلدين برعاية أميركية، ولو مؤقتاً، حتى لا تُضعف الحكومة اللبنانية التي تحاول، عبر كل السبل «الآمـنـة»، حصر السلاح بيد الدولة. كما أنها لا تريد فقدان دعم قطاعات من خارج بيئة «حـــزب الــلــه»، يفجعها الاســتــهــداف الإسـرائـيـلـي الممنهج لـلـمـدنـيـن والمـــنـــشـــآت المـــدنـــيـــة، ويـــزيـــد تـشـكـكـهـا فـــي قـــدرة الحكومة على ردع قــوة الاحــتــال الغاشمة الـتـي تواصل قصفها من دون أي رادع. وإذا كــــان وضــــع لــبــنــان مــعــقــدا عـــن أي بــلــد خـاضـت مفاوضات سلام أو حرب مع إسرائيل؛ لأن لبنان لم يدخل هـــذه الـــحـــرب، إنـمـا دخـلـهـا تنظيم مسلح قـــرر بـمـفـرده أن يشعل حــرب «إســنــاد إيــــران»، وهــو أمــر يختلف عـن حالة بـلـد مـثـل مـصـر حــاربــت لـتـحـريـر أرضــهــا المـحـتـلـة فــي عـام ، ثم دخلت في مفاوضات «فض الاشتباك»، ثم كانت 1973 مـبـادرة الرئيس الـسـادات وزيـارتـه للقدس وتوقيعه على اتفاق سلام منفرد استعاد بمقتضاه أراضي مصر المحتلة وظـلـت بـاقـي ملفات الـصـراع العربي - الإسـرائـيـلـي عالقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية حتى اتفاق أوسلو في الـــذي أجهضته أســاســا إســرائــيــل بـالاسـتـيـطـان في 1993 الضفة وحصار غزة. يقيناً، أداء الحكومة الإسرائيلية الحالية يختلف عن أداء كل الحكومات السابقة، بخاصة بعد التحولات التي أصابت المجتمع الإسرائيلي، ولم يعد الانقسام بين حزبي الليكود والـعـمـل، أو بـن اليمين والـيـسـار والــوســط، إنما بـن المتطرفين والأشـــد تطرفاً؛ وهـو مـا أثـر بشكل مباشر على الثقة في السلام بديلا مضمونا وآمنا للجميع، على خــــاف مـــا جــــرى فـــي عــهــد الــرئــيــس الــــســــادات الــــذي كـانـت لــديــه مــع مـؤيـديـه ثـقـة ويــقــن بــجــدوى الــســام ونـتـائـجـه، بـــل وعـــــدّه مـــرادفـــا لــلــرخــاء والـتـنـمـيـة وحـــل مـشـاكـل مصر الاقـتـصـاديـة، كما أنــه كــان لـه مـــردود مباشر على الأرض بانسحاب إسرائيل من سيناء وعودتها للسيادة المصرية وصـــارت اتفاقية كـامـب ديفيد مـن «ثـوابـت المنطقة» على مـدار ما يقرب من نصف قرن تغيرت فيها أمـور كثيرة إلا هـذا الاتـفـاق الـذي ظل باقيا وضمن عـدم انــدلاع حـرب بين القاهرة وتل أبيب. هذه الثقة في السلام جعلت خيار الحرب مستبعداً، بـخـاصـة إن مـــن رفـــع لـــواءهـــا فـــي ذلـــك الـــوقـــت عــربــيــا، هو «جـبـهـة الـصـمـود والــتــصــدي» الـتـي حــاربــت بعضها ولـم تـــحـــارب إســـرائـــيـــل، وتـغـيـر الـــحـــال عـقـب الـــثـــورة الإيــرانــيــة وأصبح للأخيرة أذرع وحلفاء في المنطقة رفعوا جميعا 7 لواء الحرب والمقاومة المسلحة حتى وصلنا إلى عملية التي قامت بها «حماس»، ثم 2023 ) أكتوبر (تشرين الأول انجرار لبنان في حـرب مع إسرائيل أشعلها «حـزب الله» «لإســـنـــاد غــــزة» ثــم «إســـنـــاد إيـــــران» وكــانــت أخــيــرا الـحـرب الأميركية - الإسرائيلية على إيـــران بكل آثـارهـا السلبية على دول المنطقة والعالم. والحقيقة، أن نتائج هذه الحروب لم تكن خطوة على طريق تحرير فلسطين أو يمكن وصفها «بحروب التحرير الشعبية» التي خاضتها شعوب كثيرة من أجل الاستقلال والـتـحـرر، إنما أبقت على الاحـتـال ومـــددت مساحته في غـــزة ولـبـنـان، وأضـعـفـت مــن قــــدرات إيــــران، وأصــبــح هناك تشكيك فـي داخـــل كـل بيئة رفـعـت لـــواء الـحـرب والمـقـاومـة المسلحة في جدواها في السياق الحالي، وفي قدرتها حتى على تحقيق الأهداف التي رفعتها. خـيـار الــحــرب والــســام فــي مـسـار الــصــراع الـعـربـي - الإسرائيلي كان دائما محل ثقة تصل لحد اليقين للمدافعين عـن كـل خـيـار، فمن حـاربـوا مـن الجانب العربي فـي أعـوام ، وبصرف النظر عن الأداء، والنصر 1973 و 1967 و 1948 والــهــزيــمــة، فـقـد كـــانـــوا مـؤمـنـن بـــأن الـــحـــرب هـــي الـطـريـق الوحيد لتحرير الأرض واستعادة الحقوق، ولم يكن لدى الـجـنـدي المــصــري الـــذي عـبـر قـنـاة الـسـويـس شــك بـــأن هـذا هو الطريق الوحيد الـذي يمكن من خلاله تحرير سيناء ، وعاد 1967 والأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل عام هذا اليقين «بصورة عكسية» مع مبادرة السادات للسلام، فلم يكن لدى الرجل شك من أنه سيحقق هدفه بالسلام وأن سيناء «رجعت كاملة لينا» (كما غنت شـاديـة) بخطوته الجريئة حتى لو عارضها الكثيرون. من المؤكد أن الثقة في خيارات المنطقة سلما أو حربا وغابت تقريبا في السنوات 2003 اهتزت مع غزو العراق في الثلاث الأخيرة، فالحرب أو المقاومة المسلحة لم تعد تحمل الثقة واليقين ذاتهما اللذين حملهما الكثيرون في جدوى حروبنا السابقة، بما فيها حرب تحرير الجنوب اللبناني الـــتـــي كــــان هـــنـــاك يــقــن أن المـــقـــاومـــة المـسـلـحـة 2000 عــــام وضمنها «حزب الله» ستجبر إسرائيل على الانسحاب. تـــغـــيـــر الــــــوضــــــع حــــالــــيــــا جــــــذريــــــا، وفــــشــــلــــت حــــــروب التنظيمات المسلحة، وفي الوقت نفسه أصبح مطلوبا من المتمسكين بالاعتدال والسلام والمقاومة المدنية والقانونية لــاحــتــال أل يـتـخـلـوا عـــن أدوات الـــــردع، وأن يــعــرفــوا أن «إسرائيل الجديدة» لم يعد لها «صديق ولا عدو» وإن أي دولة محصنة فوق المحاسبة والقانون تُعد مصدر تهديد للجميع. سـنـوات مضت 4 أكثر مـن على العملية الخاصة الروسية التي أطلقها الرئيس الروسي فـــــاديـــــمـــــيـــــر بــــــوتــــــن لاحـــــتـــــال أوكــــرانــــيــــا، ولا تـــــزال أوكـــرانـــيـــا قادرة على الصمود. وأكثر من عـام مضى على ولايــة الرئيس الأمــــــيــــــركــــــي دونــــــــالــــــــد تـــــرمـــــب، ولم يف بوعده بإحلال السلام في أوكرانيا، رغم ممارسته أقسى الضغوط على الرئيس الأوكـرانـي فولوديمير زيلينسكي، وبـالـذات وقفه معظم المساعدات العسكرية لأوكرانيا. والسؤال المهم: لمـاذا تمكنت أوكرانيا من الصمود أمـام دولـة عظمى؟ ولمـاذا فشلت أميركا في إحلال السلام رغم أنها الداعم الأكبر لأوكرانيا؟ وما هي التبعات الجيوسياسية لهذا الصمود الأوكراني؟ ارتكزت أوكرانيا على دعامتين: أولاً، نوعية القيادة، والتفاف شعبها حولها، وثانيا الموقع الاستراتيجي، وارتباطه الحساس بالأمن الأوروبي. كما أن زيلينسكي لم يهرب عند وصول قوات بوتين لضواحي العاصمة كييف، ولم يلتفت لدعوات قادة أوروبـا وأميركا بضمان ترحيله ليقود المقاومة من الخارج؛ بل قال كلمته التاريخية: «القتال هنا. أريد ذخائر، وليس وسيلة نقل للخروج من الـبـاد». كـان بالإمكان أن يقع زيلينسكي أسيراً، أو يُقتل، ولكنه رأى أن المقاومة داخــل الـبـاد أشـد فاعلية مـن خارجها. هـذا الـقـرار أجبر الـرئـيـس جـو بــايــدن، وقـــادة أوروبــــا، على تغيير الاستراتيجية مـن الاعــتــراف بالاحتلال الروسي، كواقع، إلى الاصطفاف خلف الدولة الأوكرانية ودعمها بمقومات الدفاع؛ وكانت المعجزة إجبار القوات الروسية على الانسحاب من العاصمة إلى نقطة انطلاقها الأولى، وبهذا تغيرت الاستراتيجية الروسية من الاستهتار بأوكرانيا إلى إعـادة البناء، واتباع سياسة القضم التدريجي للأراضي، وتدمير مقومات الصمود الأوكراني. وتمكن بوتين من تحقيق إنجازات عسكرية في الدونباس؛ لكنه لم ينجح في السيطرة عليها كلياً، وتمكن كيلومتر من الأراضي في 300 الأوكرانيون في شهر مارس (آذار) الماضي من استرداد نحو المحاور الشرقية والجنوبية من أوكرانيا. هذا الاسترداد أسقط الادعاء بأن إقليم الدونباس أصبح روسياً، وأسقط مقولة ترمب بأن زيلينسكي لا يملك أوراقا للتفاوض، والأنجع أن يقبل بالأرض مقابل السلام. من حسن حظ أوكرانيا «موقعها الجيوسياسي»؛ فأوروبا ترى أوكرانيا درعا جغرافية تحميها مـن هجمات روسـيـة سريعة، وبالتالي بقاؤها كـدولـة يشكل استثمارا مقبولاً، مهما كانت تكلفته. وحــاول قـادة أوروبـــا إرضــاء بوتين بـدايـةً، فتنازلوا عن جزيرة القرم، وقبلوا بهيمنته السياسية على الدونباس، ولكنهم فوجئوا باحتلاله العاصمة الأوكرانية، وتـفـاجـأوا أكـثـر بصمود الـقـيـادة الأوكــرانــيــة؛ بـهـذا الــواقــع تشكَّل إجـمـاع أوروبــــي على أن استنزاف روسيا في أوكرانيا ضروري لإجبار بوتين على التفاوض. وقد تمكن الأوروبيون -رغم مواقف ترمب- من تحمُّل عبء الحرب الأوكرانية، وصرفوا مئات المليارات من الدولارات لدعمها عسكريا واقتصادياً؛ فأوروبا لم تعد مؤمنة بالتفاوض غير المتوازن؛ بل تعمل على قلب المعادلة العسكرية، واستنزاف بوتين، ليدرك أن الحل يكون باتفاق يضمن أمن أوكرانيا ومنه أمن أوروبا. هذا التغير أربك ترمب، لإدراكه قدرة أوكرانيا العسكرية، وإجماع أوروبا على دعمها. فمؤخرا تمكن الأوكران من ضرب العمق الروسي، ليطولوا العاصمة موسكو، وعطَّلوا كذلك الأسطول الروسي في البحر الأسود، وكلما طال الوقت زادت خسائر روسيا، وتوسعت قدرات أوكرانيا، وتشابكها عسكريا واقتصاديا مع أوروبـا؛ فأوكرانيا أصبحت مثل إسبارطة، دولة عسكرية، ومتقدمة، تصدِّر تكنولوجيا الأسلحة لدول مهمة في أوروبا والخليج العربي.هذه الوقائع أسقطت بديهيات في حـرب أوكرانيا، منها: استحالة قهر روسيا، وهشاشة أوروبـــا، وأن الأوراق بيد أميركا؛ فـأوروبـا بفضل تهديدات ترمب بدأت مسيرة بناء قدراتها العسكرية، وتشكيل «ناتو» أوروبي، واستطاعت أن تعوض كل الدعم الأميركي لأوكرانيا، وتمكنت من تعويم الاقتصاد الأوكراني؛ بل أصبحت قادرة على قول: «لا» لترمب في أزمتَي غرينلاند، والحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيـران. هذا التحول عناصر: 3 النوعي إذا ما استمر فسيفرز تبعات بالغة الأهمية، أهمها أولاً، سيحوِّل استقلال القرار الأوروبي أوروبا إلى قوة ثالثة بجانب الصين وأميركا. ثانياً، سيجبر انحسار النفوذ الروسي في أوكرانيا، وسقوط الأسد، والتراجعات في أفريقيا، روسيا على خيارين: التقارب أكثر مع الصين، أو حل الأزمة الأوكرانية بتوافقات مع أوروبــا. الحل الأول سيجعلها تابعة للصين، والثاني سيحوِّلها لقوة فاعلة ومؤثرة في أوروبا. ثـالـثـا، سـيـرسِّــخ وجـــود أوروبــــا -كــقــوة ثـالـثـة- مـكـانـة مهمة لـلـقـانـون الـــدولـــي، ولقيم الديمقراطية، وحرية في النظام العالمي، وهذا سيصب في صالح الدول الصغرى. الحرب الأوكرانية، والحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، من فوائدهما هزُّهما للنظام الـعـالمـي، وحمل الـقـوى العظمى على إدراك مـحـدوديـة الـقـوة، واسـتـيـاد تـوازنـات جديدة؛ فروسيا أدركت محدودية قوتها وكذلك أميركا، والصين ستعرف ذلك في تايوان، والجميع سيقتنع بأن منطق الغاب لا يجلب خيرا للقوي ولا للضعيف وأن الحل بتوازنات معقولة، والاحتكام لمرجعية قانونية، وإلا فإن البديل: حـروب مدمرة، ومـوت للحواضر، ومستقبل كالح. أحمد محمود عجاج عمرو الشوبكي جبريل العبيدي ليبيا والإنفاق والتريليون المفقود

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky