يمثل ديــــوان «بــــرزخ الــريــح» للشاعر غـــريـــب إســـكـــنـــدر تــجــربــة شــعــريــة تنتمي بــوضــوح إلـــى أفـــق الـحـداثـة الـعـربـيـة التي تستند بمعظمها إلـــى تـنـظـيـرات غربية، ولا غــرو فـي ذلــك إذا مـا عرفنا أن الشاعر يقيم بـلـنـدن، ويـكـتـب باللغتين الـعـربـيـة، والإنـــجـــلـــيـــزيـــة. وفـــــي هـــــذا الـــــديـــــوان الــــذي صدر مؤخرا عن «منشورات الاتحاد العام » تتراجع 2026 للأدباء والكتّاب في العراق الـحـكـايـة لـصـالـح الـــتـــأمّـــل، وتــتــقــدّم اللغة بوصفها أداة قلق واكتشاف فـي آن معاً. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام منطقة ملتبسة وشائكة: «الــبــرزخ» بوصفه حـدّا فاصلا وواصلا في الوقت نفسه، و«الريح» بوصفها قوة عابرة لا تستقر. هذا التوتر بـن الثبات والـتـحـوّل ينعكس فـي مجمل نـصـوص الــديــوان الـتـي تـبـدو كأنها تقيم في حالة عبور دائم. فـبـعـد تــجــربــة امـــتـــدت لأربـــعـــة عـقـود أصــدر خلالها الشاعر أكثر مـن مجموعة شــعــريــة، مـنـهـا «ســــواد بــاســق/ المـؤسـسـة » و«أفعى 2001 العربية للدراسات والنشر »، يــتــورّط 2011 كـلـكـامـش/ دار الــفــارابــي غـــريـــب إســـكـــنـــدر مــــن جـــديـــد بــــواحــــدة مـن إرهــــاصــــات الــــاّهــــوت مـمـثـلـة بــــ«الـــبـــرزخ» الــــذي يـنـبـثـق هــنــا بــوصــفــه دالًّ، ونــافــذة غير مرئية لكل ما هو باطني، وغنوصي، جــاعــا إيـــاه عتبة ينفذ منها إلـــى العالم الـشـاسـع، عـالـم مــا بـعـد المــــوت، ومـــا قبله. وهـــــي إشـــــــارة أولــــــى إلـــــى إربـــــــاك الــــقــــارئ، ووضعه في خضم تجربة الوجود. لغة الــديــوان مكثّفة، متقشّفة، تنأى عــــن المــــبــــاشــــرة، وتـــــراهـــــن عـــلـــى الإيــــحــــاء. والجملة الشعرية غالبا ما تأتي قصيرة، ومـــقـــطـــوعـــة الــــنــــفــــس، أو مـــفـــتـــوحـــة عـلـى احتمالات متعددة، بحيث لا تقدّم معنى جاهزا بقدر ما تُنتج مناخا شعورياً. في أحــد المـقـاطـع، نـقـرأ: «كــل شــيء سينتهي/ ولا ينتهي الاسم»، وهي عبارة تختزل هذا الهاجس الوجودي الذي يلازم النصوص، حــيــث يـتـقـاطـع الــفــنــاء مـــع رغــبــة غـامـضـة فــي الـبـقـاء، ولـــو عـلـى مـسـتـوى الـلـغـة. ولا يـسـعـى الـشـاعـر إلـــى بــنــاء صـــور مكتملة، بل يفضّل الاشتغال على التشظّي، حيث المفردات تنتمي إلى حقول دلالية مألوفة: الضوء، الظلمة، الجسد، الريح، الصمت، ولـــكـــنّـــهـــا تُــــعــــاد صــيــاغــتــهــا ضـــمـــن شـبـكـة رمزية تجعلها غريبة، ومفتوحة. وهنا لا تكون اللغة وسيلة نقل، بل تعد موضوعا لـلـتـجـربـة نـفـسـهـا، وكــــأن الــشــاعــر يختبر حــــدودهــــا، أو حــتــى عــجــزهــا. يـظـهـر ذلــك فـي مقطع آخـر يقول فيه: «لا شـيء سوى الصمت»، حيث يتحوّل الصمت من غياب للكلام إلى مركز للمعنى. الذات في هذا الديوان قلقة، منشطرة، تــبــحــث عـــن نــفــســهــا، ولا تــجــدهــا كــامــلــة. فثمة شـعـور دائـــم بــالاغــتــراب، لـيـس فقط عــــن الــــعــــالــــم، بــــل عــــن الـــــداخـــــل أيــــضــــا. فـي إحــدى الـصـور اللافتة يقول الشاعر: «أنـا هنا... وكلما أضحك لأنني أمــوت»، وهي مفارقة تجمع بين الحضور والغياب في لـحـظـة واحـــــدة، وتـكـشـف عــن وعـــي مـــأزوم بـــالـــوجـــود، حــيــث يــصــبــح الــعــيــش نفسه شـكـا مــن أشــكــال الـفـنـاء المــؤجــل. والـزمـن فــــي هـــــذه الـــنـــصـــوص لا يـــتـــحـــرك فــــي خـط مستقيم، بــل يــبــدو دائـــريـــا، أو مـتـداخـاً، حيث تفضي البداية إلى النهاية، والنهاية تـعـود لـتـكـون بــدايــة أخــــرى، فــي اسـتـعـادة واضـحـة لفكرة «الـــبـــرزخ». وهـــذا التصور يتجلّى في إشـارات متكررة إلى التلاشي، والــــتــــحــــوّل، كــمــا فـــي عـــبـــارة إلـــيـــوت الـتـي In my beginning is my« يـوردهـا الـشـاعـر »، في إحالة إلى تداخل الأزمنة، وكسر end التسلسل التقليدي. ويحضر الجسد بوصفه كيانا هشّاً، لــكــنّــه فـــي الـــوقـــت ذاتـــــه مــســاحــة لـلـمـعـنـى، وحـــقـــل لــلــتــجــربــة. فــلــيــس الـــجـــســـد، هــنــا، جــــســــدا حـــسّـــيـــا بــــقــــدر مـــــا هـــــو اســـتـــعـــارة لـلـوجـود الإنـسـانـي فـي ضعفه، وتعرّضه للزوال. ويتقاطع الجسد مع مفاهيم مثل الألــــم، والـــذاكـــرة، ويـظـهـر أحـيـانـا بوصفه عبئاً، وأحيانا وسيلة إدراك، مما يعكس نظرة مركّبة إلى الكينونة. ومن العناصر اللافتة أيضا حضور الصمت بوصفه لغة مـوازيـة. فالشاعر يترك فراغات مقصودة داخـــــل الـــنـــص، ويــعــتــمــد عــلــى الانـــقـــطـــاع، والـــتـــكـــرار، لـيـخـلـق إيــقــاعــا داخــلــيــا لا يقل أهمية عن الكلمات في هذا السياق، فتبدو القصيدة كأنها تُكتب «بما لا يُقال» بقدر ما «تُكتب بما يُقال»، وهو ما يمنحها بعدا تـأمّــلـيـا عـمـيـقـا. ولا تـخـلـو الـنـصـوص من إشـارات ثقافية، سواء من التراث العربي، أو مـــن الأدب الـــعـــالمـــي، ولــكــنّــهــا لا تُـــقـــدَّم على نحو مباشر، بـل تتسلل عبر اللغة، والـــصـــور، وتـنـدمـج فــي نسيج القصيدة. هــذا الانـفـتـاح يمنح الــديــوان بُــعـدا كونياً، ويـخـرجـه مـن حـــدود الجغرافيا الضيّقة، مـن دون أن يفقد خصوصيته. فالشاعر لا يــقــتــبــس بـــقـــدر مــــا يــعــيــد تــشــكــيــل هـــذه المرجعيات داخل نسيجه الشعري، بحيث تصبح جــزءا مـن تجربته الخاصة. وهـذا مــا يـعـزز مــن ثـــراء الــنــص، ويـجـعـلـه قـابـا لقراءات متعددة. فقد وظّف الشاعر عمله الآخــــر، بـوصـفـه بـاحـثـا فــي الأدب المــقــارن، والـــتـــرجـــمـــة، فـــي تــجــربــتــه الــشــعــريــة على نحو ينسجم مع مفاهيم عالمية وإنسانية من قبيل الانفتاح، والتناص، ومـا يعرف بـ«شعر العالم». أمــــــا مــــن حـــيـــث الــــبــــنــــاء، فــــا يـعـتـمـد الـــــديـــــوان عـــلـــى شـــكـــل تـــقـــلـــيـــدي، بــــل يـــقـــدّم نصوصا أقرب إلى الشذرات، أو المقطّعات الـــتـــأمّـــلـــيـــة. لا تـــوجـــد حـــبـــكـــة، أو تـسـلـسـل واضح، بل حركة حرّة بين الصور والأفكار. هــذا التفكك الـظـاهـري ينسجم مـع الرؤية الـعـامـة، حيث الـعـالـم نفسه يـبـدو مفككاً، وغــيــر قــابــل لــإحــاطــة. لــذلــك، قــد لا يكون «بــرزخ الـريـح» ديـوانـا سهلاً، لأنّــه يتطلّب قارئا مستعدا للتورط في لعبة التأويل، والتخلّي عن انتظار المعنى المباشر. لكنّه، فـــي المــقــابــل، يـــقـــدّم تـجـربـة شـعـريـة غنية، تفتح أفـقـا للتفكير فـي الــوجــود، والـزمـن، واللغة. وبــاخــتــصــار، يـمـكـن الــقــول إن غريب إسـكـنـدر يكتب شـعـرا يـقـف عـلـى الـحـافّــة: حافّة المعنى، وحافّة اللغة، وحافّة الوجود ذاتــــــه. هـــو لا يـــقـــدّم إجــــابــــات، وخـــاصـــات جــــاهــــزة، بــــل يــضــعــنــا فــــي قـــلـــب الــتــجــربــة الإنــســانــيــة بـكـل تـنـاقـضـاتـهـا. إنّــــه يـوسّــع مــســاحــة الــــســــؤال، ويــجــعــل مـــن الـقـصـيـدة مـــكـــانـــا لـــلـــعـــبـــور، حـــيـــث «لا يـــوجـــد شـــيء مــكــتــمــل»، وكـــــل شــــيء مـــعـــرّض لأن يُــعــاد التفكير فيه من جديد. وفي هذا السياق، تــــبــــدو الـــلـــغـــة كـــأنـــهـــا تُـــــقـــــاوم الاســــتــــقــــرار؛ فهي لغة «تـتـكـوّن وهــي تتفكّك»، إن صح التعبير، فتمتلئ الـقـصـائـد بأسئلة غير مكتملة تشير إلى عجز اللغة عن الإمساك بـالـحـقـيـقـة. وهــــذا الــقــلــق لا يُـــطـــرح بشكل فلسفي مـبـاشـر، بــل يـتـجـلّــى عـبـر الـصـور الــشــعـــريــة، وعـــبـــر الـــتـــوتـــر بـــن الــحــضــور، والغياب، بين الصوت، والصمت، والمعنى، واللامعنى. وفي هذا السياق تبرز قصيدة «هـامـلـت» بوصفها واحـــدة مـن اللحظات الدالة في الديوان: «أسطورة حيّة هذا العالم لا يصلح له مثال واحد: وجود واحد عدم واحد حقيقة واحدة أو حتى خيال واحد. فقد اختفى شبح الأب ًتماما من على خشبة الحياة لكن المسرح لا يزال مكتظّا بـ«أن تكون أو لا تكون» التي لم تعد «مشكلة» بعد الآن في هذه الأزمنة المبهمة!». يستدعي الـشـاعـر شخصية هاملت لا بــوصــفــهــا إحـــالـــة ثــقــافــيــة فــحــســب، بل مــرآة لـلـذات القلقة، والمــتــرددة أمــام أسئلة الـوجـود. ففي المقطع الـذي يقول فيه: «أن تكون أو لا تكون»، لا يعيد الشاعر صياغة الـعـبـارة الشكسبيرية بوصفها اقتباسا جـاهـزاً، بـل يعيد إدمـاجـهـا داخــل نسيجه الشعري بوصفها سؤالا مفتوحاً، منزوع اليقين. هنا لا يعود الـسـؤال اختيارا بين حــالــتــن، بـــل يـتـحـول إلـــى حــالــة وجــوديــة مــســتــمــرة، إلــــى تـعـلـيـق دائــــم بـــن الإمــكــان والـــــعـــــدم. ومـــمـــا يــلــفــت الانـــتـــبـــاه فــــي هـــذه الــقــصــيــدة هـــو أن الــشــاعــر يـــفـــرّغ الــعــبــارة مــن بُــعـدهـا المـسـرحـي الـــدرامـــي، ليمنحها بُعدا تأمّليا داخلياً. فـ«أن تكون» لا تعني الحضور المكتمل، و«أن لا تكون» لا تعني الــغــيــاب الـــتـــام، بـــل إن الاثـــنـــن يــتــداخــان داخــــل تـجـربـة الـــــذات، كـمـا لــو أن الــوجــود نفسه حالة «برزخية»، تماما كما يقترح عـنـوان الـــديـــوان. وبـهـذا تصبح شخصية هاملت امــتــدادا لـصـوت الـشـاعـر، وليست قـنـاعـا لـــه، حـيـث يـتـكـرر الـــتـــردد، ويتعمّق الشك، وتغدو اللغة عاجزة عن الحسم. إن إدراج هـــــــذه الإحــــــالــــــة لا يـــأتـــي بوصفه تزيينا ثقافياً، بـل يعد جــزءا من بنية التفكير الشعري في الـديـوان، حيث تتقاطع المرجعيات العالمية مـع التجربة الــــفــــرديــــة لــتــنــتــج مــعــنــى جـــــديـــــداً. وهـــكـــذا يتحول «هـامـلـت» إلــى نـص داخــل النص، يعزز من فكرة العبور، واللايقين، ويؤكد أن السؤال الوجودي، في جوهره، لا يزال مفتوحاً، ومتجدداً، وعصيا على الإجابة. الذات في الديوان قلقة تبحث عن نفسها ولا تجدها كاملة... فثمة شعور دائم بالاغتراب ًليس فقط عن العالم بل عن الداخل أيضا الثقافة CULTURE 18 Issue 17338 - العدد Monday - 2026/5/18 الاثنين ميرزا الخويلدي «الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة فـي مـنـزل منعزل وســط غـابـة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تـتـكـون مــن الأم والأب وطفلين، يــعــثــر عــلــيــهــم مــقــتــولــن بـــالـــرصـــاص فـي بــيــتــهــم دون أي آثـــــــار تـــــدل عـــلـــى وجــــود اخـتـراق أو سـرقـة، كأننا إزاء فعل عنيف دموي بدا كأنه تصفية دقيقة ومحسوبة، لا تــتــرك خـلـفـهـا إشـــــارة أو عــامــة تشكل دافعا واضحا أو مشتبها مباشرا بارتكاب الجريمة. يـــرتـــكـــز الــــصــــراع عـــلـــى تـــلـــك الـــفـــكـــرة، ويـــتـــنـــامـــى مـــــن خــــاهــــا جــــوهــــر الــحــبــكــة الـــدرامـــيـــة فـــي روايــــــة «الـــفـــتـــاة الــصــامــتــة» الــــصــــادرة عـــن دار «الـــعـــربـــي» بــالــقــاهــرة، تأليف مشترك لاثـنـن مـن أدبـــاء السويد هـمـا مـايـكـل هــيــورث وهــانــز روزينفيلت، تــرجــمــة هــنــد حــســنــي، الــتــي تــأتــي ضمن ســـلـــســـلـــة روايـــــــــــــات «المـــــحـــــقـــــق الـــجـــنـــائـــي سيباستيان بيرغمان». تظهر المفاجأة الكبرى ضمن الأحداث حـــن تـكـتـشـف الـــشـــرطـــة أن هـــنـــاك نـاجـيـة واحـــــــدة؛ فـــتـــاة صــغــيــرة تـــدعـــى «نــيــكــول» كانت مختبئة وقـت وقـوع المـجـزرة، حيث أصيبت بصدمة نفسية شـديـدة أفقدتها القدرة على النطق تماماً، لتصبح مفتاحا لــلــعــثــور عـــلـــى الـــقـــاتـــل وشــــاهــــدا عـــلـــى مـا جــرى لكنها لا تستطيع، أو لا تـرغـب في التحدث. وتـــشـــهـــد الــــــروايــــــة عـــــــودة شـخـصـيـة «سيباستيان بيرغمان» إلى الواجهة رغم اضطرابه الشخصي وعلاقاته المتوترة مع زمــائــه فــي فـريـق التحقيق، وهـــو محقق مــــعــــروف بـــذكـــائـــه الــــحــــاد وســـلـــوكـــه غـيـر المعتاد، ويـرى أن الفتاة قد تكون المفتاح الوحيد لفهم دوافع القاتل، وكشف هويته لـكـنـه يـــواجـــه تــحــديــا كــبــيــرا كــيــف يمكنه قراءة صمتها؟ وتجسد الــروايــة السمات الأساسية لأدب الـجـريـمـة، الـتـي تجعله جــذابــا لـدى فئات واسعة من القراء، لا سيما المراهقين والـــشـــبـــاب، فـهـى تــبــدأ بـفـعـل صــــادم يشد الانتباه منذ اللحظات الأولى، كما تعتمد القصة على الغموض وسـط سـرد سريع مـــتـــصـــاعـــد، انــــتــــظــــارا لـــلـــعـــثـــور عـــلـــى حـل الـجـريـمـة الــتــي تـتـحـول إلـــى لـغـز يتحدى ذكاء البطل والقارئ على حد سواء. وُلد المؤلف الأول مايكل هيورث عام / وهو منتج فني بارز وسيناريست، 1963 1964 أمــــا هـــانـــز روزيــنــفــيــلــت فـــوُلـــد عــــام وسـبـق أن عمل حـارسـا لـأسـود وسائقا عندما بدأ 1992 ومعلما وممثلا حتى عام يكتب دراما تلفزيونية. ومن أجواء الرواية نقرأ: جلست آنا إريكسون في سيارتها منتظرة أمـــام المبنى السكني ذي الـلـون الأصـفـر الباهت، تأخرت «فانجا» وهو أمر نادر الحدوث، افترضت «آنا» أن هذا ليس سوى وسيلة أخرى من الوسائل التي انتهجتها ابنتها مؤخرا لتأكيد موقفها منها لكن الأســـوأ مـن كـل ذلــك أنها لـم تعد تتصل بها إطلاقا ً. تمكنت «آنــا» من التعايش مع ذلـك، تفهمت الأسـبـاب وبطريقة مـا فـي أعماقها ربما شعرت بأنها تستحق ذلك وبصراحة لم تكن علاقتهما في إطـار كونهما أما وابنتها من ذلك النوع الذي يتضمن محادثات هاتفية طويلة. أما «فالديمار» فقد كان ابتعاد «فانجا» عنه مؤلما إلى حد لا يُحتمل وقد حوّله إلى ظل لما كان عليه في السابق أكثر حتى مما فعل به السرطان نفسه. لم يتوقف قط عن الحديث عن ابنته وعن الحقيقة التي ما كان ينبغي لهما إخفاؤها عنها، كـان عليهما التعامل مع الأمــور بطريقة مختلفة تماماً، لقد أفلت من قبضة الموت ليجد أن الحياة لم تعد تحمل له سوى الحزن والندم، بالطبع وجدت «آنــا» الوضع عبئا هي الأخــرى لكنها استطاعت التكيف فقد كانت دائما أقوى من زوجها. مر أكثر من شهر على خــروج «فالديمار» من المستشفى، ومع ذلك لم تستطع «آنا» إقناعه بـــمـــغـــادرة الــشــقــة، كــــان جــســده قـــد تـقـبـل الكلية الجديدة تماماً، لكن «فالديمار» نفسه لم يستطع تـقـبـل واقــعــه الـجـديـد كـعـالـم خـــال مــن ابـنـتـه وقـد اختار أن ينأى بنفسه عن كل شيء. لا يبدو أن أي شيء يشغله هذه الأيام لا «آنا» ولا الزملاء القلائل الذين لا يزالون يتواصلون معه رغم ما فعله، ولا الأصدقاء الذين باتت اتصالاتهم أكثر نـدرة أو حتى التحقيق الـذي لا يـزال جارياً، صـحـيـح أن هـــذه الاتــهــامــات بـالـتـهـرب الضريبي والاحــتــيــال خـطـيـرة لكنها بـــدت بــا أهـمـيـة تذكر مقارنة بما جعل «فانجا» تعانيه. القاهرة: «الشرق الأوسط» «المثقف الرقمي» ليس حرّاً...! حـن اقـتـرب عـمـره مـن المـائـة عـــام، اكتشف المفكر الأمـيـركـي نـعـوم تشومسكي، قوة التكنولوجيا بوصفها منصة إطلاق للثقافة، والتحاور مع ملايين الناس؛ وأكثرهم من الشباب، عبر الوسائط الإلكترونية. تحوّل هذا «العجوز» من مثقف كلاسيكي إلى «أيقونة )، وانتقل 1928 رقمية» عابرة للأجيال، رغم أنه ينتمي لجيل ما قبل الثورة الرقمية (مواليد تأثيره بقوة إلى المنصات عبر سيل من المقابلات المصورة والمدونات و«البودكاست». الطاقة الجديدة التي وفرتها المنصات الرقمية، استفاد منها مثقفون بارزون حول العالم، أصبحوا اليوم يصافحون عشرات الملايين من الناس، ويحولون الأفكار الثقافية والأدبـــيـــة والـتـاريـخـيـة والـسـيـاسـيـة والفلسفية والـعـلـمـيـة إلـــى مـــادة جـمـاهـيـريـة عالمية، وأصبحنا لدينا ما نسميه «المثقف الرقمي». «المثقف الرقمي» هو النسخة المتطورة من المثقف التقليدي، لكنه يتحرك عبر البيئة الرقمية؛ فهو لـم يعد ذلـك الشخص المنعزل فـي مكتبته؛ بـل هـو الـفـرد الــذي نقل الميدان الثقافي إلــى الـفـضـاء السيبراني، مستخدما التكنولوجيا؛ ليس بوصفها أداة للنشر فحسب، بل بيئة للتفكير والاشتباك مع قضايا العصر؛ يقرأ، ويحلل، ويفسر، وينتج معرفة، ويؤثر في الرأي العام، لكن أدواته ليست الكتب، والصحافة، والجامعة، والندوات فـقـط؛ بـل منصات الـتـواصـل، ومــواقــع الـفـيـديـو، و«الــبــودكــاســت»، والــذكــاء الاصطناعي، وعــمــوم المـجـتـمـعـات الـرقـمـيـة. وهـــو لـيـس مــجــرد «صــانــع مـحـتـوى» يـبـحـث عــن التفاعل والانـتـشـار، هـو يـحـاول: شـرح الـواقـع، وتفكيك الأخـبـار، وربــط الأحـــداث، وإنـتـاج معنى، وأحيانا مقاومة (أو ممارسة) التضليل! الــحــريــة شــــرط الإبـــــــداع، حــســنــا، حـــريـــة «المــثــقــف الـــرقـــمـــي» نـسـبـيـة، كــحــريــة المـثـقـف التقليدي، كلتاهما تمتلك «هوية» خاضعة للرقابة وملاحقة السلطات جميعها (حكومية وشعبية ومالية)، لكن الفضاء العام يمنحه حرية اجتياز الجغرافيا وتـجـاوز الحدود واللغة، والـوصـول والانـتـشـار... ويخلصه من البيروقراطيات التي يعهدها كلما أرادوا استضافته في ندوة محلية لم يحضرها سوى عدد ضئيل من الجمهور. اليوم يستطيع أن يتواصل مع ملايين الناس من مختلف الجنسيات والثقافات والبيئات الاجتماعية، وهو لن يخضع لاحتكار «المؤسسات» أو سلطتها. ولم يعد بحاجة لأي جهة أن تمنحه «الشرعية»، على العكس؛ يمثّل اندفاع الناس نحو المنصات الرقمية تعبيرا عن حاجتهم إلى أصوات يعتقدون أنها أكثر صدقا أو استقلالاً. مقابل «المثقف الرقمي» هناك «الجمهور الرقمي»، وهناك «الثقافة الرقمية»، فإذا كان «المثقف الرقمي» هو «مهندس وعي» يعمل في بيئة معادية للتركيز، ويتعين عليه امتلاك مهارات في تحويل التحليل العميق إلى رسائل مركزة تناسب إيقاع العصر، دون أن يفقد المحتوى رصانته، مع شرط أخلاقي في التحرر من سطوة «الترندات» لزيادة المشاهدات والتضحية بالحقيقة مـن أجــل الانـتـشـار، فــإن أمـامـه «الجمهور الـرقـمـي»؛ وهــو جمهور مـشـارك ومشتت ومـلـول، ويمتاز بالنفس القصير، ومـيـل لاستهلاك المحتوى السريع، مما يضع تحديا كبيرا أمام مقدمي المحتوى الرصين، وغالبا فإن هذا الجمهور ينجذب لمتابعة من يشبهونه في الــرأي، مما يجعله محاصرا داخـل «فقاعة» خوارزمية تصعّب مهمة المثقف في طـرح آراء مغايرة، لكنّه أيضا ليس متلقيا سلبياً، فهو يريد التفاعل؛ يعلق، وينقد، ويعيد صياغة الفكرة والمحتوى، وهـو شريك في صناعة السردية، وإذا أردنــا الإنصاف فـإن شريحة واسعة من الجمهور الرقمي لديها تعطّش للعمق، وقـراءة مـا وراء الـحـدث، والبحث عـن تـجـارب ملهمة، وهـنـاك شريحة واسـعـة مـن هـذا الجمهور تشتكي من «تخمة التفاهة» المنتشرة في الفضاء، وتبحث بنهم عن محتوى قوي ومفيد، لكن ضمن مواصفاتها... أي ما تطرحه «الثقافة الرقمية» وهي البيئة التي يتحرك فيها المثقف والجمهور، والتي تجمع بين السيولة والسرعة، حيث القيمة الثقافية لم تعد تُقاس بالعمق وحــده؛ بل بمدى الانتشار والتفاعل، مما يجعل الأفكار سائلة وتتشكل حسب رغبة الجمهور والمنصات. المثقف الرقمي هو محارب هجين؛ عليه أن يمتلك عقل أرسـطـو، وسرعة المراسل التلفزيوني، ودهـــاء المـبـرمـج التقني، فـي حـن أن سـاحـة المـعـركـة (المـنـصـات) لا تكافئ العمق دائماً، هي تكافئ: السرعة، والإثــارة، والاختصار، والغضب، والاستقطاب. أما «الخوارزميات» فتريد التمسك بالمستخدم أطـول وقت ممكن، لهذا تميل إلى المحتوى الذي يثير الانفعال لا التأمل، هذا يجعل المهمة أكثر قسوة أمام المثقف الواعي في خلق توازن بين رصانته الفكرية ورغبته الملحة في الانتشار، وتحقيق أعلى معدلات المتابعة والتفاعل... كثير من المثقفين أصبحوا أيقونات للمعرفة، وفتحوا نوافذ حرّة للنقاش ومنحوا الجيل الجديد معنى للثقافة... وبعض المثقفين نزلوا للخطابات الشعبوية التي تستثير الغرائز وتقتات على ضجيج الـشـارع، وتنازلوا عن دورهــم في التنوير ورفــع وعـي الـنـاس، وصـــاروا مجرد صـدى للغوغاء، يكتبون تدوينات لا تكاد تفرقها في لغتها أو انفعالها، عما يخطه العوام في لحظات غضبهم المنفلت، هذه الثقافة التي تتبع الغرائز ليست تنويراً؛ بل هي ردّة حضارية وانتحار معرفي بدم بـارد، والمثقف الذي يلوح بهراوة الغوغاء حتى داخل الفضاء الرقمي، يفقد مبرر وجوده، ويتحول من حارس للانتباه إلى شريك في التجهيل. وعي مسكون بالقلق والاغتراب في «برزخ الريح» الشعر على حافة الوجود والعدم علي سعدون
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky