علوم SCIENCES 16 Issue 17338 - العدد Monday - 2026/5/18 الاثنين قد تكشف مبكرا عن أمراض خطيرة قبل ظهور الأعراض حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ لــــطــــالمــــا ارتــــبــــطــــت الــــــدمــــــوع فـــــي الــــوعــــي الإنساني بالحزن والفرح والخوف والحنين، وظـــلـــت لـــقـــرون تُــفــهــم بــوصــفــهــا لــغــة صـامـتـة للمشاعر الإنسانية. لكن هذه القطرات الشفافة بـــدأت الـــيـــوم، داخـــل مـخـتـبـرات الـطـب والــذكــاء الاصطناعي، تكتسب معنى مختلفا تماماً. فـــالـــدمـــعـــة الــــتــــي كــــانــــت تُـــــقـــــرأ عـــاطـــفـــيـــا، أصـــبـــحـــت تُـــــــدرس عــلــمــيــا بـــاعـــتـــبـــارهـــا نـــافـــذة بيولوجية دقيقة قد تكشف مبكرا عن أمراض خطيرة داخل الدماغ والجهاز العصبي، حتى قبل ظهور الأعراض الواضحة على المريض. ومـــــع دخــــــول الـــــذكـــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي إلـــى هــــذا المــــجــــال، لـــم يــعــد الــعــلــمــاء يـــنـــظـــرون إلــى الــدمــوع على أنـهـا مـجـرد سـائـل تـفـرزه العين، بل بوصفها «خريطة بيانات حيوية» تحمل إشـــارات خفية عـن صحة الإنــســان، وربـمـا عن اضطرابات لم تبدأ أعراضها السريرية بعد. وفـــــي عـــالـــم يــتــجــه بـــســـرعـــة نـــحـــو الــطــب التنبؤي، أصبحت الخوارزميات تحاول اليوم قـــــراءة مـــا تـخـفـيـه الـــدمـــوع بـصـمـت، بـحـثـا عن أولـــى الهمسات البيولوجية للمرض قبل أن يتحول إلى حقيقة سريرية كاملة. العين امتداد للدماغ علمياً، لا تُعد العين عضوا منفصلا عن الـدمـاغ، بـل هـي امـتـداد حـي للجهاز العصبي المـــركـــزي، ولـــهـــذا يـعـتـقـد الــبــاحــثــون أن بعض الاضـــطـــرابـــات الـعـصـبـيـة قـــد تــتــرك بصماتها المبكرة في العين والدموع قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة بوقت طويل. • الــدمــوع ومـــرض ألـزهـايـمـر. فـي فبراير ، نـــشـــرت الــبــاحــثــة الإســبــانــيــة 2026 ) (شــــبــــاط )Inés López-Cuenca( إينيس لوبيز-كوينكا وفــريــقــهــا مـــن مـعـهـد رامــــــون كـاسـتـروفـيـيـخـو Ramón Castroviejo( لأبـــحـــاث طـــب الــعــيــون ) في جامعة Institute for Ophthalmic Research كومبلوتنسي بـمـدريـد، بـالـتـعـاون مــع معهد البحوث الصحية في مستشفى سان كارلوس الـجـامـعـي؛ مـراجـعـة علمية مـوسـعـة بـعـنـوان: «الدموع بوصفها نافذة على مرض ألزهايمر» .)Tears as a Window to Alzheimer’s Disease( وأشـــارت الــدراســة إلــى أن الـدمـوع ليست مجرد سائل لحماية الـعـن، بـل تحتوي على مــــؤشــــرات حــيــويــة دقـــيـــقـــة، مــثــل الــبــروتــيــنــات المـــرتـــبـــطـــة بـــــالأمـــــراض الــعــصــبــيــة، والــحــمــض ،)microRNA( الـــــنـــــووي الـــريـــبـــي المــــيــــكــــروي والــــــــحــــــــويــــــــصــــــــات الـــــــخـــــــلـــــــويـــــــة المـــــجـــــهـــــريـــــة )، وهـــي جـزيـئـات قد Extracellular Vesicles( تعكس تغيرات بيولوجية تحدث داخل الدماغ في المراحل المبكرة من مـرض ألزهايمر، حتى قبل ظهور اضطرابات الذاكرة الواضحة. • دور الـــــذكـــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي. الـــتـــحـــدي الحقيقي لــم يـكـن يـومـا فــي جـمـع الـــدمـــوع، بل فــي فـهـم الـلـغـة البيولوجية المـعـقّــدة المختبئة داخلها. فالدمعة الــواحــدة قـد تحتوي على آلاف الإشــــــــارات الــجــزيــئــيــة الــدقــيــقــة الـــتـــي يصعب عــلــى الإنـــســـان ربــطــهــا أو تـفـسـيـرهـا بـالـطـرق التقليدية، خصوصا عندما تكون الفروق بين الطبيعي والمرضي شديدة الدقة والتداخل. هـــنـــا يــظــهــر دور الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، القادر على تحليل كميات هائلة من البيانات الحيوية واكتشاف أنماط خفية قد لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها. فـي 2026 وفــــــي دراســــــــة مــــنــــشــــورة عــــــام Journal of( » مجلة «تقنيات النانو الحيوية )، قــدم الـبـاحـث الصيني Nanobiotechnology ) وفريقه البحثي Qingfu Zhu( تشينغفو زو نــظــامــا ذكـــيـــا يـحـمـل اســــم «إيـــــه بـــي إل إي دي )، يـــعـــتـــمـــد عـــلـــى الــــذكــــاء ABLEDx( » إكــــــــس الاصـطـنـاعـي لتحليل الـحـويـصـات الخلوية المـــوجـــودة فــي الـــدمـــوع، بــهــدف الـكـشـف المبكر عن الأمراض العصبية المزمنة والمتقدمة، مثل ألزهايمر وباركنسون. وشــــارك فــي المــشــروع الـعـالـم لـــوك بــي لي )، المـعـروف بأبحاثه الـرائـدة في Luke P. Lee( تقنيات الاستشعار الحيوي والأنظمة الطبية الدقيقة. ويـعـتـمـد الــنــظــام عــلــى مــقــارنــة الأنـــمـــاط البيولوجية المــوجــودة داخـــل الـدمـوع بقاعدة بــــيــــانــــات ضـــخـــمـــة، مـــــا يـــســـمـــح لـــلـــخـــوارزمـــيـــة بالتعرف على الإشــــارات المرتبطة بـالأمـراض العصبية في مراحلها المبكرة جداً، أحيانا قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة. بــــمــــعــــنــــى آخــــــــــــر، لــــــــم يـــــعـــــد الــــــذكــــــاء الاصـطـنـاعـي ينتظر ظـهـور المـــــرض... بل يحاول الإصغاء إلى همساته الأولى. من الدموع إلى العدسات الذكية... العين تتحول إلى منصة تشخيص حية لندن: د. عميد خالد عبد الحميد باحثة سعودية تتحدث عن نتائج دراسة جديدة تعيد تفسير فوائد الرمان هل يبدأ سر حماية القلب من الأمعاء؟ أظهرت دراسة حديثة من جامعة كارديف البريطانية أن بكتيريا الأمعاء قد تحول مركبات موجودة في فاكهة الرمان إلى نواتج حيوية قادرة على تقليل الالتهاب المرتبط بتصلب الشرايين، والمساهمة في استقرار اللويحات المتراكمة داخل الأوعية الدموية؛ ما قد يفتح بابا جديدا للوقاية من أمراض القلب مستقبلاً. الرمان: من الأمعاء إلى القلب وتـتـنـاول الــدراســة الـعـاقـة المتنامية بـن صحة الأمـعـاء وصحة القلب، وتحديدا الدور الذي قد تلعبه بكتيريا الأمعاء فـي تحويل بعض المـركـبـات الـغـذائـيـة الطبيعية إلــى عناصر أكثر فاعلية داخل الجسم. وركز البحث على الرمان، المعروف باحتوائه على مركبات بوليفينولية ارتبطت سابقا بفوائد صحية متعددة، إلا أن الآليات البيولوجية المسؤولة عن هذه التأثيرات لم تكن مفهومة بشكل كافٍ. وانطلقت الــدراســة مـن فرضية علمية مفادها أن مركب )، وهو من أبرز المركبات النشطة Punicalagin( البونيكالاجين فـــي الـــرمـــان، لا يــكــون بـــالـــضـــرورة المـــســـؤول المــبــاشــر عـــن الأثـــر الـصـحـي داخـــل الـجـسـم؛ نـظـرا لانـخـفـاض امـتـصـاصـه نسبياً. وبــــدلا مــن ذلــــك، تـفـتـرض الـــدراســـة أن بـكـتـيـريـا الأمـــعـــاء تقوم بتحويله مركبات أصغر وأكثر قـدرة على الامتصاص تُعرف )، والتي قد يكون لها الدور Urolithins( باسم اليوروليثينات الأهم في التأثيرات الوقائية المرتبطة بالقلب والشرايين. وتكشف الدراسة كيف يقوم «الميكروبيوم المعوي» داخل الجهاز الهضمي بتحويل مركبات الرمان عناصر قادرة على كبح الالـتـهـابـات الـتـي تـحـدث فـي الأوعـيـة الـدمـويـة المصاحبة لتصلب الشرايين وتثبيت اللويحات المتصلبة داخل الشرايين؛ ما يقلل احتمالية حدوث الجلطات. وأنجز هذا البحث العلمي بجامعة كارديف البريطانية، ضمن مشروع دكتوراه للباحث الدكتور سليمان العلوي من وزارة الصحة بسلطنة عمان، وتحت إشراف البروفسور ديباك رامجي وبمشاركة الباحثة السعودية دانية رفقي وباحثين من المملكة المتحدة سُلّط الضوء على دور محوري ومهم لمشتقات فاكهة الرمان. .)2026( Antioxidants ونشرت الدراسة في مجلة دوافع الدراسة وجديدها وفـي تصريح خـاص لــ«الـشـرق الأوســـط» قدمت الباحثة الـسـعـوديـة دانــيــة رفــقــي، إجــابــات حـــول الـعـاقـة بــن الـرمـان والميكروبيوم وصحة القلب. ما هو الـدافـع لـدراسـة علاقة الـرمـان بصحة القلب من زاويـة > بكتيريا الأمعاء؟ - الدافع وراء هذه الدراسة هو أن مركبات الرمان، رغم ارتباطها المعروف بالفوائد الصحية، فإن امتصاص بعضها في الجسم يكون محدودا نسبياً. لذلك؛ أردنـا دراسـة ما إذا كانت الفوائد المرتبطة بصحة القلب ناتجة من هذه المركبات بشكل مـبـاشـر، أم عــن نــواتــج تـتـحـول داخـــل الـجـسـم نتيجة تفاعلها مع بكتيريا الأمعاء، وما إذا كانت هذه النواتج هي المسؤولة عن التأثيرات الوقائية المحتملة على الشرايين. أحد أهم هذه Urolithin A ويعد مركب اليورولثين إيه النواتج الـذي أظهر قـدرة واضحة على التأثير في مسارات الالـــتـــهـــاب والإجــــهــــاد الــتــأكــســدي المــرتــبــطــة بــتــطــور تصلب الـشـرايـن؛ مـا يـعـزز فهم الآلـيـات الوقائية المحتملة لبعض المركبات النباتية، ويفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية في هذا الاتجاه. ما الجديد الذي تقدمه هذه الدراسة؟ > - الـجـديـد هــو الـتـركـيـز عـلـى «الـتـحـول الـحـيـوي» داخــل الأمعاء، حيث أظهرت النتائج أن التأثير الأقوى لا يأتي من الرمان نفسه، بل من نواتج ينتجها الميكروبيوم بعد هضم المركبات النباتية. واعــتــمــد فــريــق الـبـحـث عـلـى دمـــج الــــدراســــات الـخـلـويـة والحيوانية والتحليلات الجزيئية لتقديم فهم أكثر شمولا للتأثيرات المحتملة لمستقلبات الرمان على تصلب الشرايين. ما أهـم النتائج المتعلقة بتأثير اليوروليثين إيـه على تصلب > الشرايين؟ - أظهرت النتائج أن اليوروليثين إيه أسهم في خفض مـــؤشـــرات الإجـــهـــاد الـــتـــأكـــســـدي، وتـقـلـيـل الـتـعـبـيـر الـجـيـنـي المـرتـبـط بـالالـتـهـاب، إضـافـة إلــى التأثير فـي حـركـة الخلايا المناعية، والحد من امتصاص الكولسترول الضار المؤكسد داخل الخلايا؛ وهو ما يعكس تأثيرا وقائيا متعدد المسارات. آليات علاج تصلب الشرايين هـل تشير نتائج الــدراســة إلــى آلـيـات جـديـدة لـعـاج تصلب > الشرايين تتجاوز عملية خفض الكولسترول؟ - نــعــم، وهــــذا مـــن الــجــوانــب المـهـمـة فـــي الــــدراســــة. فقد لاحـظـنـا أن الـتـحـسـن فـــي حــالــة الــشــرايــن لـــم يـكـن مرتبطا بـانـخـفـاض كبير فــي مـسـتـويـات الـكـولـسـتـرول، بــل بـــدا أنـه مرتبط بشكل أكـبـر بتقليل الالـتـهـاب والإجــهــاد التأكسدي وتحسين استقرار اللويحات داخـل الأوعية الدموية. وهذا يـشـيـر إلـــى أن فـهـم وعــــاج تـصـلـب الــشــرايــن قـــد لا يعتمد فقط على خفض الكولسترول، وإنما أيضا على استهداف الالتهاب والعوامل الأخرى المرتبطة بتطور المرض. ما الخطوة التالية؟ > - نعمل حاليا على دراسة مركبات اليوروليثينات على نـطـاق أوســـع وبـشـكـل أعــمــق، ســـواء عـلـى مـسـتـوى الـنـمـاذج الخلوية أو الحيوانية؛ بهدف فهم آليات تأثيرها بشكل أدق على العمليات المرتبطة بتصلب الشرايين، وأيضا للتأكد من سلامة هذه المركبات وملاءمتها الحيوية قبل التفكير في أي تطبيقات محتملة على البشر. وتـمـثـل هـــذه الـنـتـائـج خـطـوة مهمة فــي فـهـم الآلـيـات المــعــقــدة لـتـصـلـب الـــشـــرايـــن، وقـــد تـفـتـح المــجـــال مستقبلا لــتــطــويــر اســتــراتــيــجــيــات عــاجــيــة جـــديـــدة تـعـتـمـد على نواتج الميكروبيوم المعوي، إلا أن هذه الفرضيات لا تزال في حاجة إلى دراســات بشرية موسعة قبل الوصول إلى تطبيقات سريرية. لندن: «الشرق الأوسط» دراسة تجمع بين تشخيص الجينوم الدقيق وعلم الأعصاب الوظيفي اكتشاف سبب جيني جديد لاضطراب حركي نادر فــي تـطـور علمي واعــــد، تمكن فـريـق مــن الـبـاحـثـن فــي ألمـانـيـا مــن فك طلاسم لغز طبي طال أمده مرتبط باضطراب حركي نادر وراثي؛ ليكتشفوا أن الجين المسؤول عن هذه الحالة لم يكن معروفا بدوره في الجهاز العصبي من قبل، بل كان معروفا فقط بوظائفه المناعية. بتاريخ Nature Communications هذا الاكتشاف الذي نُشر في دوريـة تحت إشراف الدكتور توبياس هاك، من معهد علم 2026 ) فبراير(شباط 14 الوراثة الطبية وعلم الجينوم التطبيقي جامعة توبنغن الألمانية، لا يقدم إجابات للأسر المتضررة فحسب، بل يفتح أيضا آفاقا جديدة لفهم أمراض عصبية أخرى معقدة. فشل الاختبارات الجينية • فــشــل الاخـــتـــبـــارات الـجـيـنـيـة فـــي تــقــديــم الإجـــــابـــــات. لــطــالمــا شكلت اضطرابات الحركة النادرة مثل الترنح التشنجي المرتبط بالكروموسوم ، والـــذي يتسم بضعف التنسيق الـحـركـي وتصلب العضلات، X » «إكـــس حـيـرة كـبـيـرة لـأطـبـاء والـعـلـمـاء عـلـى حــد ســــواء. فعلى الــرغــم مــن التقدم الهائل في تقنيات تسلسل الجينات، ظلت الكثير من هـذه الـحـالات دون تفسير جيني واضــح؛ ما يترك المرضى وعائلاتهم في حالة من الضياع وعـدم اليقين. لكن دراسـة جديدة تُعد من أكبر الدراسات من نوعها حتى الآن تقدم إجابة حاسمة. • كيف تم تحديد الجين «المختبئ»؟ قـاد الدكتور توبياس هــاك، من معهد علم الـوراثـة الطبية وعلم الجينوم التطبيقي فـي جامعة توبنغن بألمانيا، فريقا بحثيا موسعاً، حيث شـرعـوا فـي فحص بيانات أكثر من مـريـض يـعـانـون مجموعة مـن اضـطـرابـات الـحـركـة الـوراثـيـة، 800 ألـفـن و بـمـا فــي ذلـــك الـتـرنـح (فـــقـــدان الـــتـــوازن)، والـشـلـل التشنجي وخـلـل التوتر العضلي. ومـن خـال استخدام تشخيصات جينومية دقيقة للغاية ظهر نمط واضح ومتكرر لدى المرضى الذين يعانون الترنح التشنجي المرتبط .CD99L2 بالكروموسوم «إكس» بوجود طفرات ضارة في جين يحمل اسم هذا الكشف كان بمثابة حلقة الوصل الأولى في السلسلة، لكن السؤال الأكبر بقي دون تفسير. كيف يمكن لطفرات في هـذا الجين أن تـؤدي إلى خلل في الجهاز العصبي والحركة؟ هنا جاء دور التعاون العلمي المحوري مع فريق آخر في جامعة بوخوم الألمانية بقيادة الدكتور المشارك بالدراسة جوناز فيبر، المتخصص في تحويل البيانات الجينومية فهما وظيفيا على المستوى الخلوي. جين مناعي يتحكم بالأعصاب • جـن بــدور جـديـد. مـا وجــده الباحثون فـي بـوخـوم كـان مفاجئا من كان معروفا في الأوساط العلمية سابقا CD99L2 العيار الثقيل. إذ إن جين بـدوره الحصري في تنظيم جهاز المناعة، ولم يكن أحد يتوقع وجـود أي صلة لـه بـالـدمـاغ أو الخلايا العصبية. لكن الـتـجـارب المختبرية الدقيقة كشفت عــن دور جـديـد وغـيـر مـتـوقـع لـهـذا الــجــن، فـقـد تـبـن أن الـبـروتـن ، وهو CAPN1 الذي ينتجه يعمل شريكا منشطا حيويا لإنزيم آخر يُدعى إنزيم معروف بالفعل بأن طفراته تسبب أنواعا مشابهة من الاضطرابات الحركية. يـقـول الـدكـتـور فيبر مـوضـحـا: «الــطــفــرات الـتـي اكتشفناها فــي جين تــؤدي إلـى تعطيل إنـتـاج البروتين الـخـاص بـه، وبالتالي تمنع CD99L2 . وقد أظهرت الخلايا المأخوذة CAPN1 التفاعل الحيوي بينه وبين إنزيم مــن المــرضــى اضــطــرابــات واضــحــة فــي العمليات المشبكية، أي فــي طريقة تواصل الخلايا العصبية مع بعضها بعضاً. وإن انخفاض تنشيط إنزيم بسبب هذه الطفرات يؤدي إلى فوضى في نقل الإشارات العصبية؛ CAPN1 وهو ما يترجم سريريا إلى المشكلات الحركية التي يعانيها المرضى». التقاء علم الـوراثـة بعلم الأعـصـاب، نهج متكامل يحصد ثـمـاره. ولا يمثل هـــذا الاكـتـشـاف مـجـرد إضــافــة إلـــى جــن جـديـد فــي قـائـمـة الجينات المسببة للأمراض، بل هو بمثابة جسر يربط بين عالمين علميين كان يُنظر إليهما غالبا على أنهما منفصلان، هما علم الوراثة من جهة وعلم الأعصاب الوظيفي من جهة أخــرى. ويشدد الدكتور فيبر على هـذه النقطة بقوله: «نتائجنا تظهر بوضوح أن التشخيص الجيني المتقدم وعلم الأعصاب الوظيفي ليسا مجالين متعارضين، بـل إن الـتـعـاون الـوثـيـق بينهما هو السبيل الوحيد للوصول إلى آليات مرضية موثوقة ودقيقة». كما أن تداعيات هذا الاكتشاف تتجاوز بكثير حدود هذا الاضطراب سبباً CD99L2 النادر. فمن الناحية العملية المباشرة، يوفر تحديد جين لـلـمـرض، لـأطـبـاء هــدفــا جــديــدا يـمـكـن إضـافـتـه إلـــى لــوحــات الاخــتــبــارات الـجـيـنـيـة؛ مـــا يـعـنـي أن الـكـثـيـر مـــن الأســـــر الـــتـــي ظــلــت تـبـحـث عـــن إجــابــة لتشخيص طفلها بالترنح أو التشنج غير المـبـرر قـد تحصل أخـيـرا على إجابة قاطعة تضع حدا لسنوات من الاستشارات الطبية المتضاربة. • آفــاق المستقبل. أمـا على المستوى العلمي الأوســـع، فهذا الاكتشاف )CAPN1–CD99L2( يفتح الباب أمام استكشاف مسار الإشارات الحيوية بوصفه آلية محتملة قد تكون متورطة في اضطرابات عصبية أخـرى لم تحل ألغازها بعد، خاصة تلك المرتبطة باختلال تـوازن الكالسيوم داخل الـخـايـا العصبية، أو بخلل فــي الـوظـائـف المشبكية. ويــأمــل الـعـلـمـاء أن هذا الفهم العميق للآلية الجزيئية للمرض سيمهد الطريق في المستقبل لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة تهدف إلى تصحيح هذا الخلل أو تعويضه لتعيد الوظيفة العصبية الطبيعية. وهـكـذا، فـإن ما بـدأ رحلة بحثية للعثور على إجابة في عينة كبيرة من المرضى انتهى بتقريب الصورة عن شبكة جزيئية معقدة في الدماغ، وكشف عن أن جينا كان يُعتقد أنه يؤدي دورا هامشيا في المناعة هو في الحقيقة لاعب أساسي في استقرار الخلايا العصبية. الـقـصـة إذن هــي انـتـصـار لـلـمـقـاربـة العلمية مـتـعـددة التخصصات، وتـذكـيـر بـأنـه حتى الجينات الأكـثـر دراســـة قـد تخفي فـي طياتها أســـرارا غير متوقعة تنتظر من يقرأها بعيون تجمع بين دقة الوراثة وعمق علم الأعصاب. وكل لغز جيني يتم حله بهذه الطريقة هو خطوة كبيرة تقرب الـطـب مـن هـدفـه النهائي، ليس فقط اكتشاف الـطـفـرات، بـل فهم تأثيرها العميق والعمل على تصحيحه داخل الدماغ الحي. لندن: د. وفا جاسم الرجب النص الكامل على الموقع الإلكتروني تتحول إلى واحدة من أكثر أدوات الطب التنبؤي دقة في رصد الاضطرابات العصبية الباحثة دانية رفقي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky