issue17336

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17336 - العدد Saturday - 2026/5/16 السبت مالي... لسان اللهب الأفريقي مثلث برمودا في هرمز بعد حصول مالي على استقلالها من فرنسا ، تفكك اتحاد مالي الـذي كان يضم مالي 1960 عام والسنغال، وتـولـى رئـاسـة مالي المستقلة موديبو كيتا. استلم أول رئيس للدولة مساحة واسعة من الأرض، ترتفع فيها ألسنة لهب نار لم تنطفئ إلى الـــيـــوم. أعــــراق مـتـنـاحـرة، وامـــتـــدادات قبلية عـابـرة للحدود، ونزعات انفصالية مسلحة. شمال البلاد الـذي يمثل ثلثي مساحة مالي، أغلبية سكانه من الطوارق ومجموعات عربية، رفضت حكم الجنوب الــذي تغلب عليه مجموعة قبائل البامبارا، ورفـع طــوارق الأزواد، ومعهم المكون العربي، شعار «لن نقبل أن يحكمنا الــزنــوج»، وبــــدأوا بحمل السلاح ضد حكومة باماكو، هدفهم الاستقلال عن الدولة المستقلة. الرئيس موديبو كيتا انتهج سياسة مرنة مـع الـثـائـريـن، لكنه لـم يستبعد استعمال السلاح لكبح اندفاع الرافضين لتبعيتهم لدولته الجديدة. بعد مرور سنوات قليلة لوحت قبائل الأزواد بخيار الحكم الذاتي، لكن الحكومة المركزية لم تقبل بذلك، مــمــا زاد مـــن رفــــض أهــــل الــشــمــال لـحـكـم مـجـمـوعـة باماكو، بسبب الغياب الكامل للتنمية والخدمات في إقليمهم البعيد عن العاصمة. قاد الملازم موسى تراوري انقلابا 1968 في عام عسكريا أطاح بالرئيس موديبو كيتا، وحكم البلاد . لـــم تــتــوقــف سـلـسـلـة الانــقــابــات 1991 حــتــى عــــام الـعـسـكـريـة الــتـــي كــــان آخـــرهـــا الانـــقـــاب الـعـسـكـري الـــذي قــاده العقيد أسيمي غويتا، وهو 2021 عــام الانقلاب العسكري الخامس في دولة مالي. فـــي الـــســـنـــوات الأخـــيـــرة شــهــدت عــــدد مـــن دول الساحل والصحراء انقلابات عسكرية في بوركينا فـاسـو والنيجر ومــالــي، وتـحـركـت زلازل سياسية وأمـنـيـة هــــزَّت هـــذه الـــــدول. الـعـاقـة الـتـاريـخـيـة مع فرنسا التي كانت تستعمر المنطقة لسنوات طويلة، وحـــافـــظـــت عــلــى وجــــودهــــا الــســيــاســي والــعــســكــري فيها، ضربتها قطيعة شبه كـامـلـة، بعدما قدمت فرنسا دعما عسكريا قويا لحكوماتها في مواجهة حـــركـــات الـــتـــطـــرف الإســــامــــي. بــعــد رحـــيـــل فـرنـسـا السياسي والمالي والعسكري، فتحت الدول الثلاث أبوابها للحضور الروسي العسكري، وتولى الفيلق الـروسـي - الأفريقي قـيـادة المـعـارك التي تخوضها حــكــومــة مـــالـــي ضـــد حـــركـــات «داعــــــــش»، و«نـــصـــرة الإســـــام والمــســلــمــن»، و«الـــقـــاعـــدة». فـــي الأسـابـيـع المـاضـيـة شـنـت هـــذه الــحــركــات، متحالفة مــع ثــوار أزواد، هجوما كاسحا على العاصمة باماكو، وقُتل وزير الدفاع، وأحرقت الشاحنات التي تحمل المواد الغذائية والوقود. تصعيد غير مسبوق في الهجوم الأخير للحركات المتطرفة، على العاصمة وعدد من المـدن والبلدات، فقد استخدمت الحركات المتمردة المسيّرات والـــدروع، وقامت بعمليات نهب واسعة لـلـمـمـتـلـكـات الـــعـــامـــة والـــخـــاصـــة. اتــســعــت مــعــانــاة الناس، وساد الرعب، وعمت الفوضى. منطقة الـسـاحـل والـصـحــراء الفقيرة أُصيبت مــبــكــرا بـــوبـــاء الانـــقـــابـــات الــعــســكــريــة، وانـتـكـسـت فـيـهـا مـــحـــاولات الانـــتـــقـــال إلــــى الــحــيــاة الـسـيـاسـيـة الديمقراطية المدنية. الحركات الإسلامية المتطرفة وجـدت فيها الحقول المهيأة لـزرع بذورها. التنوع الـعـرقـي والقبلي الـعـابـر لـلـحـدود. فـي شـمـال مالي حيث يشكل هذا الإقليم ثلثي مساحة البلاد، تسكنه أغلبية من الطوارق ومعهم أقلية من العرب، تحركت مـجـمـوعـة الأزواد مـبـكـرا بـعـد الاســـتـــقـــال، تطالب بـاسـتـقـالـهـا عـــن الـــدولـــة المـسـتـقـلـة، وبـــعـــد مــعــارك استمرت طـويـاً، شهدت حركة الأزواد انقسامات بين أجنحتها، وبدأ بعضها يطرح خيار الاستقلال الــــذاتــــي. مـنـطـقـة الأزواد الــشــمــالــيــة الــصــحــراويــة، قـلـيـلـة الأمـــطـــار وغـالـبـيـة سـكـانـهـا رحـــل يمتهنون الرعي، وقد وجدوا في التطورات والسياسات التي شهدتها بعض دول الجوار دعما لحركتهم. بعد سـنـوات العشرية الــســوداء فـي الجزائر، التحق جزائريون بحركات التطرف الإسـامـي في مــالــي. دعـمـت ليبيا فــي زمـــن الـقـذافـي حـركـة أزواد عسكريا ومالياً، وتولى قيادتها إيــاد غالي، وهو من طوارق مالي، وقد كان جنديا في الجيش الليبي وشارك في حروب ليبيا في تشاد، لكنه اندفع إلى التطرف الإسـامـي، وشــارك في عـدد من العمليات التي وصفت بالإرهابية. لاحقته حكومة الولايات المتحدة الأميركية، وعرضت مكافأة مالية من أجل الـقـبـض عـلـيـه، وصـــــدرت عـلـيـه أحـــكـــام مـــن محكمة الجنايات الدولية. مــــالــــي ارتـــفـــعـــت فـــيـــهـــا نـــــار الـــعـــنـــف المـــتـــحـــرك، مـــن المــحــيــط الأطــلـــســـي إلــــى الــبــحــر الأحــــمــــر. الــقــوة الإسلامية المسلحة المتطرفة تحالفت مع قوات أزواد الـطـارقـيـة الشمالية الانـفـصـالـيـة. الفيلق الـروسـي - الأفريقي (الفاغنر) الـذي تمركز في شمال مالي، وواجــــــه قـــــوات أزواد، تــلــقــى ضـــربـــة عـنـيـفـة كلفته مــئــات الـقـتـلـى وانــســحــب مــنــكــســراً. حــركــة «نــصــرة الإســـام والمـسـلـمـن»، بعد هجومها على باماكو، عرضت الـدخـول في عملية مصالحة مع الحكومة المالية، لكن الرئيس غويتا رفـض عرضها، وأصـر على خيار المواجهة والقتال ضدها. الرئيس المالي يراهن على الانقسامات، التي تتسع في الحركات المتطرفة المسلحة. التحالف الذي جرى مؤخرا بين حركة الأزواد وحـركـة «نـصـرة الإســـام والمسلمين» تـــم بـعـدمـا تـخـلـت الـحـركـة عــن خـطـابـهـا الإســامــي الأممي، وركزت على المحلي، لكن ذلك أشعل خلافا بين أجنحة الحركة. منطقة الساحل والصحراء تعج اليوم بحركات مـــتـــعـــددة الآيـــديـــولـــوجـــيـــات الإســـامـــيـــة المــتــطــرفــة، ويـــزداد فيها التدخل الـخـارجـي، مما يحفز بعض المجموعات المسلحة على الانفصال. وجود الفيلق الأفريقي - الروسي دفع أوكرانيا لتقديم مساعدات عـسـكـريـة كـبـيـرة إلـــى طـــــوارق الأزواد فـــي الـشـمـال، وتـمـكـنـوا بفضلها مــن إلــحــاق هـزيـمـة بــ«الـفـاغـنـر» الروسي، الذي انسحب من كيدال. الحلول السياسية السلمية لا تكاد تجد لها مسارب تقود إلى السلام، وتكريس حوكمة رشيدة تحقق العدالة والتنمية. الأطـمـاع الخارجية الـتـي تحركها ثـــروات أفريقيا، وهشاشة نسيجها الاجتماعي، تنذر باتساع اللهب الذي يرتفع في مستطيل الساحل والصحراء. حين ظهر تعبير «مثلث برمودا» في الثقافة العالمية، جـرى تقديمه بوصفه مساحة غامضة تـبـتـلـع الـسـفـن والـــطـــائـــرات دون تـفـسـيـر واضـــح. ومع مرور الزمن اكتشف العالم أن كثيرا من تلك الـــروايـــات مـبـالـغـات إعـامـيـة وخـــيـــالات شعبية، أكثر منها حقائق علمية. غير أن الشرق الأوسط يـــعـــيـــش، الــــيــــوم، مــثــلــث بــــرمــــودا آخــــــر، لـــيـــس فـي المـحـيـط الأطــلــســي، بـــل فـــي مـضـيـق هـــرمـــز، حيث تـــحـــاول إيـــــران أن تــأخــذ الــعــالــم رهــيــنــة وتـعـرقـل مـــرور السفن العالمية وتُــحــول مـمـرا مائيا دوليا إلــى مـكـان لـابـتـزاز؛ أي تـحـاول تلبيس الخرافة ثوبا قانونياً، عبر ادعــاء أن لها حقا استثنائيا في التحكم بشريان الاقتصاد العالمي، إنه بمثابة إعلان الحرب على العالم. مضيق هرمز ليس ممرا عادياً، إنه شريان تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية؛ من النفط والغاز، إلى المـواد البتروكيماوية والأسمدة الـصـنـاعـيـة، أي اضـــطـــراب فـيـه لا يـبـقـى مـحـصـورا في الخليج، بل يمتد أثـره إلى المصانع الأوروبية، والمـــوانـــئ الآســيــويــة، والأســـــواق الأفـريـقـيـة، وحتى مـــوائـــد الـــنـــاس فـــي أمــيــركــا الــاتــيــنــيــة، إنــــه تعليق الاقتصاد العالمي بحبال من الابتزاز، لذلك فإن خنق هــذا المـمـر ليس خـافـا حــدوديــا، بـل تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وللاستقرار السياسي. منذ أن أقــدم «الـحـرس الـثـوري» الإيـرانـي على إغـاق المضيق وتهديد الملاحة الدولية، بـدأت آثار الأزمــــة تظهر تـدريـجـيـا. دول صـنـاعـيـة كــبــرى؛ من الـصـن إلـــى إيـطـالـيـا، تــواجــه صـعـوبـات فــي تأمين احتياجات الطاقة، وأسعار النقل والتأمين ارتفعت بصورة حادة، كما بدأت قطاعات زراعية وصناعية تتأثر بسبب تعطل وصول المواد الأولية والأسمدة، والــــوقــــود. ومــــع كـــل يــــوم يــمــر، تـتـسـع دائـــــرة الـقـلـق العالمي بسبب ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة؛ لأن العالم المعاصر بُــنـي على فـكـرة انسياب التجارة، وحــريــة المـــمـــرات الـبـحـريـة، لا عـلـى مـنـطـق احـتـجـاز العالم رهينة لمشروع سياسي مغلق. المــفــارقــة أن الــقــانــون الـــدولـــي واضــــح فـــي هـذه المـسـألـة، فـالمـمـرات المـائـيـة الـدولـيـة تخضع لقواعد تــضــمــن حـــريـــة الـــعـــبـــور لــجــمــيــع الــــــــدول، ولا يـحـق لأي طـــرف مـنـفـرد أن يعطلها أو يستخدمها أداة ابــــتــــزاز ســـيـــاســـي. غــيــر أن الــعــقــل الــســيــاســي الـــذي يـديـر الأزمـــة فـي طـهـران يتصرف وكـــأن الجغرافيا مِلكية خاصة، وكـأن التاريخ يسمح بإعادة العالم إلـى زمـن القلاع البحرية والإتـــاوات المفروضة على السفن العابرة، هنا تتحول السياسة إلى نوع من الأســـطـــورة المـشـابـهـة لـخـرافـة مثلث بـــرمـــودا، حيث تختفي الحقائق تحت ضباب الشعارات والتعبئة العقائدية. لقد اعتادت بعض الأنظمة الثورية في العالم الـــثـــالـــث أن تـخـلـط بـــن مــفــهــوم الـــســـيـــادة ومــفــهـوم الــهــيــمــنــة. الـــســـيـــادة تــعــنــي حــمــايــة حـــــدود الـــدولـــة واحــــتــــرام الـــقـــانـــون الــــدولــــي، أمــــا الـهـيـمـنـة فتعني محاولة إخضاع الآخرين بالقوة أو بالابتزاز. وما يجري في هرمز، اليوم، يكشف هذا الخلط الخطير الــــذي يــضــر مــصــالــح الـــعـــالـــم، فـــإيـــران لا تـــدافـــع عن حــدودهــا، بـل تـحـاول فــرض تفسير خــاص للنظام الـــدولـــي يـجـعـلـهـا وصــيــة عـلـى مـمـر بــحــري يخص العالم كله. كما أن فكرة السيطرة الأحادية على المضائق الــبــحــريــة تـتـنـاقـض مـــع طـبـيـعـة الــعــصــر الــحــديــث، فالعالم بعد الحرب العالمية الثانية بنى منظومة واسـعـة مـن الاتـفـاقـات الـدولـيـة الـتـي تمنع احتكار المـمـرات الحيوية أو استخدامها سلاحا سياسياً. وحتى القوى العظمى الكبرى، رغم خلافاتها، تدرك أن أمن التجارة العالمية مصلحة مشتركة لا يمكن العبث بها دون دفــع أثـمـان بـاهـظـة، وهــي تصرف الـنـظـر، الآن، مــن أجـــل المـقـايـضـة فــي مـلـفـات أخـــرى، ولـهـذا فـإن أي دولــة تـحـاول إعـــادة تعريف القانون الدولي وفقا لرؤيتها الآيديولوجية تدخل عمليا في مواجهة مع المجتمع الدولي كله، لا مع خصومها المـــبـــاشـــريـــن فـــحـــســـب. ولـــعـــل أخـــطـــر مــــا فــــي الأزمـــــة الراهنة أن بعض الأصـوات في المنطقة تتعامل مع مـا يحدث بعاطفة سياسية لا بعقل استراتيجي، فهناك من يرى في تعطيل هرمز نوعا من التحدي الـبـطـولـي، أو استجلابا لمنفعة سياسية فـي ملف مـا! بينما الحقيقة أن خنق الممرات البحرية يهدد المنطقة والعالم؛ غنيه وفقيره، فاقتصادات الخليج، وأســـــــواق آســـيـــا، وحـــركـــة الـــتـــجـــارة الــعــالمــيــة، كلها مترابطة بـصـورة لـم يعرفها الـتـاريـخ مـن قـبـل. أي انهيار في هذه الشبكة لا ينتج منتصرين، بل يخلق سلسلة طـويـلـة مــن الـخـسـائـر والاضـــطـــرابـــات. لقد علّمتنا التجارب الحديثة أن العالم لم يعد يحتمل مشاريع المغامرة، فالحروب الطويلة، والشعارات العقائدية، وسياسات تصدير الأزمات أو الثورات، كلها أدت إلـى إنهاك المجتمعات وتبديد الـثـروات. وأول المتضررين تلك الدول التي تقوم بهذه الأعمال شبه الانتحارية، ودول الخليج التي عاشت عقودا طويلة تحت تهديد دائــم فهمت مبكرا أن التنمية والاسـتـقـرار أهـم من أوهــام التوسع والخصومات، وأن بـنـاء الإنـسـان أكـثـر نفعًا مـن بـنـاء الميليشيات وإطـاق الشعارات الصاخبة. إن تحويل هرمز إلى «مـثـلـث بـــرمـــودا سـيـاسـي» لــن يخلق لإيــــران نـفـوذا أو مـيـزة، بـل سيزيد عزلتها ويـوسـع خصوماتها ويعمق فـقـدان الثقة بها إقليميا وعـالمـيـا، فالعالم قد يختلف سياسياً، لكنه يتفق على المقاومة، بعد أن تتضرر مصالحه حين يتعلق الأمر بأمن الممرات البحرية. ومن يظن أن بإمكانه إخضاع العالم عبر خنق الشرايين الاقتصادية، يكتشف في النهاية أن الجغرافيا قد تمنح أوراق ضغط مؤقتة، لكنها لا تصنع شرعية دائمة. آخـــــــر الـــــكـــــام (الــــجــــغــــرافــــيــــا تـــنـــتـــقـــم مــمــن يتجاهلها)! عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky