issue17334

ينتمي كل منا إلى حزب مختلف، وقد تولينا توجيه سياسات الذكاء االصطناعي في ظل إدارات رئاسية متباينة تمامًا. ومع ذلك، فإننا نتفق على أمر واحد: لقد أصبح الذكاء االصطناعي من القوة بـحـيـث بـــات يـشـكـل - إلـــى جــانــب وعـــــوده الـهـائـلـة - مــخــاطــر مـــبـــاشـــرة. وبـيـنـمـا تـتـنـافـس الـــواليـــات املـتـحـدة مـع قــوى أخـــرى للسيطرة على مستقبل هــذه التقنية، تفتقر أمـيـركـا حتى اآلن إلــى خطة قوية لحمايتها من أخطارها الجسيمة. ثــــمــــة خـــــطـــــوات واضـــــحـــــة يـــمـــكـــن لــلــحــكــومــة األمـــيـــركـــيـــة اتــــخــــاذهــــا، وبـــإمـــكـــان كــــا الـــحـــزبـــن - الـجـمـهـوري والـديـمـقـراطـي - االتــفــاق عليها، بيد أن واشـــنـــطـــن تــفــتــقــر إلـــــى عــنــصــر االســـتـــعـــجـــال؛ فـمـا لــم نـغـيـر مــســارنــا، سـتـتـجـاوز أنـظـمـة الــذكــاء االصطناعي قــدرة الحكومة األميركية - املشتتة واملتصلبة - على إدارة تـطـويـرهـا. ونـحـن نؤمن بأن الواليات املتحدة يمكنها تلفي هذا اإلخفاق الـــســـيـــاســـي مــــن خـــــال الـــتـــبـــنـــي الـــســـريـــع ملـخـطـط اسـتـراتـيـجـي لــلــذكــاء االصــطــنــاعــي يـحـظـى بـدعـم القادة من مختلف األطياف السياسية. لـــيـــس مــــن قــبــيــل املـــبـــالـــغـــة الــــقــــول إن الـــذكـــاء االصـطـنـاعـي قــد يــكــون إحــــدى أهـــم الـتـقـنـيـات في تــاريــخ جنسنا الــبــشــري. فـفـي بــدايــة رئــاســة جو بــايــدن، كـانـت أنظمة الــذكــاء االصـطـنـاعـي بالكاد تـسـتـطـيـع صــيــاغــة فـــقـــرات مـتـمـاسـكـة، أمــــا الــيــوم فـهـي تـحـقـق نـتـائـج تـتـفـوق عـلـى الــخــبــراء البشر فـــي مـجـمـوعـة واســـعـــة مـــن االخـــتـــبـــارات. ونـتـوقـع أن تستمر هـذه األنظمة في التطور بشكل كبير؛ لـــتـــســـاعـــد الـــبـــاحـــثـــن فــــي تــصــمــيــم أنـــظـــمـــة ذكــــاء اصطناعي أكثر قوة؛ ما يُسرّع من وتيرة التقدم. وقـــــــــد أظــــــهــــــر اإلعـــــــــــــان األخـــــــيـــــــر مـــــــن شــــركــــة «أنثروبيك» عن نموذجها «كلود ميثوس بريفيو» مدى القوة التي وصلت إليها هذه األدوات. إذ ذكر مــطــورو الـنـمـوذج أن «مـيـثـوس» يمكنه اكتشاف أخــطــاء دقـيـقـة فــي األكـــــواد الـبـرمـجـيـة، وقـــد وجـد بـالـفـعـل آالف الــثــغــرات الـخـطـيـرة فــي التطبيقات األساسية التي تشغل أجهزة الكمبيوتر وشبكة اإلنــتــرنــت. وبــعــض هـــذه الــثــغــرات يــعــود تـاريـخـه لـعـقـود مـــن الـــزمـــن، كـامـنـة فـــي أكـــــواد كـــان يُعتقد لـفـتـرة طـويـلـة أنـهـا سليمة. وإذا وقـــع «مـيـثـوس» أو خـــلـــفـــاؤه فـــي األيــــــدي الـــخـــطـــأ، فـسـيـسـمـح ذلــك بـاخـتـراق البرمجيات الحيوية والبنية التحتية األساسية في جميع أنحاء الـواليـات املتحدة؛ ما يـهـدد شـبـكـات الـطـاقـة وأنـظـمـة تقنية املعلومات فـــي املـسـتـشـفـيـات والـــنـــظـــام املـــصـــرفـــي. (يُـــذكـــر أن الدكتور بوكانان يعمل مستشارًا خارجيًا لشركة «أنثروبيك»). » مـن شركة 5.4 كما أن نـمـوذج «جــي بـي تـي «أوبــن إيـه آي» يتفوق اآلن باستمرار على خبراء الـــفـــيـــروســـات الــحــاصــلــن عــلــى درجـــــة الـــدكـــتـــوراه فـي حـل مشكلت الـتـجـارب املخبرية فـي مجاالت تـخـصـصـهـم، فـي حـن يـضـاهـي «مــيــثــوس» كـبـار الـــخـــبـــراء الــبــشــر فـــي بــعــض الــــقــــدرات الـــضـــروريـــة إلنتاج األسلحة البيولوجية ونشرها. وعـــلـــى نــحــو مـــمـــاثـــل، تـمـتـلـك أنــظــمــة الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي قـــــدرات قـــويـــة ومـتـنـامـيـة فـــي عـلـوم املـــــــــــــواد، وتـــــطـــــويـــــر الــــبــــرمــــجــــيــــات، والـــعـــمـــلـــيـــات الصناعية، وكلها ركائز أساسية لتصميم وإنتاج أنـــواع شتى مـن األسلحة الـجـديـدة. وفـي الصراع الــدائــر بــأوكــرانــيــا، شـــرع الــذكــاء االصـطـنـاعـي في مــنــح األســلــحــة نـفـسـهـا قـــــدرة أكـــبـــر عــلــى الـتـحـكـم الـــذاتـــي. وخــــال عـمـلـنـا فـــي الــحــكــومــة، حــــاول كل مـــنـــا دفـــــع الـــــواليـــــات املـــتـــحـــدة الســـتـــخـــدام الـــذكـــاء االصطناعي بشكل أوسع في عملياتها العسكرية واالستخباراتية، مع وضع الضوابط املناسبة. أمــــــــا الــــــصــــــن، فــــلــــديــــهــــا طـــــمـــــوحـــــات مـــوثـــقـــة الســتــخــدام الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي الكــتــســاب مـيـزة عسكرية واستخباراتية. فلو كانت الصي هي من اخترع «ميثوس»، لكانت بالتأكيد قد استخدمت هـذه األداة للعثور على نقاط الضعف في أنظمة الـحـكـومـة األمــيــركــيــة والــبــنــى الـتـحـتـيـة الـحـيـويـة األخـــرى. وقــد شهد األدمــيــرال األمـيـركـي املـسـؤول عن قيادة منطقة املحيطي الهندي والهادئ، بأن الحكومة الصينية ستستخدم «بل شك» الوصول إلــى الــذكــاء االصطناعي املـتـقـدم لتعزيز قدراتها القتالية وتهديد القوات األميركية. فـي الـوقـت الــراهــن، تمتلك الــواليــات املتحدة والـديـمـقـراطـيـات الحليفة األفضلية، حيث تنتج ضـعـف مـــا تنتجه 100 قـــوة حـوسـبـة تـقـتـرب مـــن الصي. وبصفة أساسية، تُدرب كل أنظمة الذكاء االصطناعي في العالم تقريبًا باستخدام الرقائق األمـيـركـيـة الـتـي يُــهــرب بعضها إلـــى الــصــن. ومـا دامـت الواليات املتحدة محافظة على تفوقها في مجال الحوسبة، فبإمكانها االستمرار في قيادة العالم في مضمار الذكاء االصطناعي. ولـــلـــحـــفـــاظ عـــلـــى هــــــذا الــــتــــقــــدم؛ يـــتـــعـــن عـلـى الحكومة األميركية تشديد الرقابة على التقنيات الحيوية التي تحتاج إليها الصي لسد الفجوة. ويـشـمـل ذلـــك تـعـزيـز وفـــرض قـيـود الـتـصـديـر على رقـــائـــق الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي املــتــقــدمــة (أي رقــاقــة »، وهــــــي أقـــــوى 200 بـــمـــســـتـــوى «إنــــفــــيــــديــــا إتــــــش رقـــاقـــة سـمـح الــرئــيــس تــرمــب بـبـيـعـهـا للمشترين الصينيي)، والتصدي لعمليات التهريب الصينية عـبـر إلــــزام املـشـتـريـن األجــانــب لكميات كـبـيـرة من الرقائق بالحصول على تراخيص قبل االستلم. كما يعني ذلك قطع الطريق على قدرة الصي على االلتفاف على حظر تصدير الرقائق من خلل شراء مساحات زمنية للعمل على رقائق محظورة مثبتة فـي منشآت خـــارج حــدودهــا والــوصــول إليها عن بُعد، وهي ممارسة ال تخضع ألي قيود حاليًا. كما يستلزم األمر تشديد الرقابة على معدات تصنيع الرقائق، بما في ذلـك املعدات املنتجة في الخارج باستخدام التكنولوجيا األميركية. سـيـتـعـن عــلــى الــــواليــــات املــتــحــدة الــتــعــاون مــع الـصـن واملـنـافـسـن اآلخــريــن بـشـأن املخاطر الكارثية التي تهدد املجتمع بأسره، مثل احتمال اســـتـــخـــدام اإلرهـــابـــيـــن لــأســلــحــة الـبـيـولـوجـيـة املــــدعــــومــــة بــــالــــذكــــاء االصــــطــــنــــاعــــي. وفــــــي هـــذه املـــفـــاوضـــات، سـتـشـتـكـي الـــصـــن بـــا شـــك مـــن أن الـقـيـود األمـيـركـيـة تعيق تقدمها، لكن الـواليـات املتحدة سبق لها أن أبـرمـت مـــرارًا اتفاقيات مع دول معادية للسيطرة على اسـتـخـدام وانتشار تقنيات خطيرة أخرى، مثل األسلحة النووية، في الوقت الذي استمرت فيه بحرمانها من الوصول إلى األنظمة األميركية األكثر تطورًا. ويجب على إدارة ترمب والكونغرس اتباع النهج نفسه مع الذكاء االصطناعي. وبينما يحمي الــقــادة الـتـفـوق التكنولوجي األمــيــركــي، يـتـعـن عليهم أيــضــ وضـــع ضـمـانـات مناسبة لتطوير الذكاء االصطناعي. وكحد أدنى، يـــجـــب عـــلـــى الـــكـــونـــغـــرس فـــــرض عــمــلــيــات تـدقـيـق ملــــزاعــــم وعـــمـــلـــيـــات الـــســـامـــة الـــخـــاصـــة بــمــطــوري الــــذكــــاء االصـــطـــنـــاعـــي، عــلــى أن تُـــجـــرى بــواســطــة هيئات خبراء مستقلة تخضع إلشـراف حكومي. كما سيتعي على املـشـرعـن الـفـيـدرالـيـن حماية ســـامـــة األطــــفــــال مـــن خــــال وضــــع حـــــدود عـمـريـة وأنظمة للرقابة األبـويـة. وقـد يـواجـه الكونغرس أيـضـ ضغوطًا للستجابة لخطر تسبب الـذكـاء االصــطــنــاعــي فـــي فـــقـــدان الـــوظـــائـــف أو انـخـفـاض قيمة العمل البشري واإلبداع، حتى وإن كانت هذه العواقب تظل افتراضية إلى حد كبير اليوم. لـــقـــد بــــــدأت الـــحـــكـــومـــة بـــالـــكـــاد فــــي اســتــيــعــاب التطور املتسارع للذكاء االصطناعي. حيث أنشأت إدارة بـايـدن «معهد سـامـة الــذكــاء االصـطـنـاعـي»، والــــذي رغـــم تغيير اســمــه، يحتل مـوقـعـ بــــارزًا في «خـطـة عـمـل الــذكــاء االصـطـنـاعـي» الـخـاصـة بـــإدارة ترمب. وقد ظل هذا املعهد يترنح بل مدير ألشهر عدة، وهو يحتاج بشكل عاجل إلى موارد وخبرات إضافية. أمـا الكونغرس، فقد فعل أقـل مما فعلته إدارة ترمب، حيث لم يمرر أي قانون إلدارة مخاطر الذكاء االصطناعي أو للسيطرة على وصول الصي إلى التكنولوجيا التي تحتاج إليها للحاق بالركب. لــذا فــإن الـتـعـاون بـن الـحـزبـن بـشـأن الـذكـاء االصــــطــــنــــاعــــي يـــمـــثـــل ضـــــــــــرورة اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة. فــاألرضــيــة املـشـتـركـة الــتــي وجــدنــاهــا هـنـا ليست شاملة لكل شــيء - فكل مـنـا، بطريقته الخاصة، يريد القيام باملزيد - لكنها حقيقية، وهي كافية للبناء عليها. * خدمة «نيويورك تايمز» Issue 17334 - العدد Thursday - 2026/5/14 اخلميس مــن الطبيعي أن يسيطر التحليل العسكري والـسـيـاسـي على املشهد الـحـالـي؛ وأن يـأخـذ حقَّه األســـاســـي فــي املـحـتـوى املـــطـــروح، ولـكـنِّــي أظــــن أن التحليل الفكري واآليديولوجي للحدث ضـروري؛ بل يجب أن يضارع التحليل السياسي، وهذا فشل فيه العديد من مكثري الظهور وأسخياء الكلم. نعم؛ من السهل إطلق وصف «األزمة» باملعنى الصحافي واللحظي على الذي يجري اآلن. لكن القصَّة أن الحدث بقدر ما يتطوَّر يتحوَّل إلـــى مــوضــوع اعـتـيـاد إعــامــي وأمــمــي يــومــي، كما حــدث مـع بــدء مـوجـات العنف الـديـنـي مـن قبل في أوروبـــــا، أو مــع بـــدء تـصـديـر اإلرهــــاب عـبـر املكائن الفضائية فـي بدئها منذ الثلث األخـيـر مـن القرن العشرين، ولكن الحدث بمفهومه األشمل جزء كبير منه ذو مشكل فلسفي. مثلً؛ في أثناء حرب الخليج، كتب الفيلسوف الــيــســاري الـعـتـيـد بـــودريـــار نــصَّــه الـشـهـيـر: «حــرب الــخــلــيــج لــــم تــــقــــع»، وهـــــو فـــيـــلـــســـوف مـــتـــشـــعِّـــب فـي يساريته وطــرحــه. مـن هنا اتـفـق مـع األســتــاذ عبد الـــلـــه بـــن بـــجـــاد، حـــن كــتــب قــبــل أيـــــام أن: «فـلـسـفـة (اليسار) وفكره ونماذجه السياسية موجَّهة بشكل كامل ضد (الـدول امللكية) حول العالم. وفي عاملنا العربي تشكَّلت التيارات اليسارية بناء على عداوة (املــلــكــيــات الــعــربــيــة)، وعــلــى رأســـهـــا دول الخليج العربية. ومــن هنا فاليسار بكل أشكاله وأنـواعـه ونماذجه السياسية هو عدو أساسي لدول الخليج الـــعـــربـــيـــة، ال فـــــرق فــــي ذلـــــك بــــن يـــســـاريـــة مـــاركـــس ويسارية ليني، وال بي يسارية ستالي ويسارية مــاو، فالكل أعـــداء على طـول الطريق، وهـي عـداوة فلسفية وفكرية، ال سياسية فحسب». أمـــــا عـــلـــى مـــســـتـــوى الــــتــــاريــــخ، فــبــعــد مـــوجـــات الـــعـــنـــف الـــديـــنـــي، كـــتـــب هــــوبــــزبــــاوم عــــن اإلرهـــــــاب، 11 ووصـفـه بــ«الـظـاهـرة». وبعد ذروتـــه فـي أحـــداث سبتمبر (أيــلــول) كتب عـن مفهوم «الـــحـــدَث» جاك دريـدا الذي سُئِل عن سر اهتمامه به، فأجاب: «كل شيء موجود في الحاضر؛ يتم اإلعلن عن املاضي واملستقبل بطرق دائمًا ما تكون من الحاضر. هذا هو الدليل الذي حاولت تعقيده قليلً. ظلَّت مسألة الزمن هذه تعمل طـوال عملي. ومع ذلـك، ما تقوله عن االهتمام الخاص بالحدث صحيح». ، ألَّف 1981 وباملناسبة، قبل كل ذلـك، وفي عام إدوارد سعيد كتابه «تغطية اإلســـام». املفارقة أنه سبتمبر؛ 11 انتشر بي العرب واملسلمي بعد أحداث ألنه يعارض الحجة الغربية في فهم اإلسلم. الـــخـــاصـــة أن الــــحــــدث الـــكـــبـــيـــر - ســــــــواء مـنـه السياسي، أو الحربي، أو االقتصادي - ينتج أزمته، حتى العواصف اإليجابية الكبرى تُحدث تأزيمات ضد املعترضي عليها. من هنا، فإن مفهوم الحدث - ومنه بالتأكيد الـحـدث السياسي - ينتج أزماته الــكــبــرى؛ ال اللحظية الـتـي تُــرصــد صـحـافـيـ فقط، وإنما على املدى البعيد. ثمة مفاهيم مدوِّية، منها مــا طـرحـه هيغل حـــول االســـتـــاب أو االغـــتـــراب. إن الـغـربـة عــن الــشــيء حــضــور مـعـه؛ لـكـن مــن دون أن تكون فيه. نعم، هذه الحرب الحاليَّة لن تشبه سابقاتها على كل املستويات، ولكن املؤسف فشل كثيرين في تمتي تحليلهم الـسـيـاسـي بالنقد اآليـديـولـوجـي للخصوم، وهـــذا يعبِّر عـن خلل أو ارتــطــام بحدث ضــخــم يـصـعـب عـلـيـهـم تـحـلـيـلـه نــظــريــ بــالــتــوازي مــــع الــتــحــلــيــل الــــحــــدَثــــي. إن األصـــــــول الـــتـــي بُــنـيـت عليها الـــعـــداوة لـــدول الـخـلـيـج مـصـحـوبـة بنظريَّة آيديولوجية خطيرة، وهـــذا مـا يـهـرب البعض من التأكيد عليه، بسبب الجهل، أو التواطؤ، أو الكسل املعرفي. يـــبـــقـــى مـــلـــف عـــــــودة الــــنــــازحــــن والـــاجـــئـــن الذين شردتهم الحرب حاضرًا بقوة في نقاشات السودانيي، بوصفه من أكثر القضايا ارتباطًا بمآالت الحرب وإمكانات التعافي الوطني. وما يدعو إلى التفاؤل هو االزدياد امللحوظ في وتيرة العودة، خصوصًا من مصر التي استقبلت أعدادًا كبيرة من السودانيي منذ انـدالع الحرب. فهذه الـعـودة املتسارعة ال تعكس تحسنًا نسبيًا في األوضـــاع األمنية والخدمية فحسب، بـل تحمل أيضًا رسالة واضحة مفادها أن إرادة السودانيي قادرة على تجاوز آثار الدمار واستعادة الحياة رغم كل الصعوبات. هــــذه الـــنـــبـــرة املــتــفــائــلــة كـــانـــت حـــاضـــرة في برنامج بثته هذا األسبوع الخدمة العاملية إلذاعة «بــي بـي ســي» بـعـنـوان: «الــعــودة إلــى الخرطوم: الحرب والفقد واألمل». أحاديث املواطني الذين الـتـقـاهـم الـبـرنـامـج فــي الــخــرطــوم كــانــت مفعمة بــاألمــل ال الــيــأس، عــبّــروا فيها عــن الـفـرحـة وهـم يشاهدون عودة الناس إلى بيوتهم ومحلتهم، وبــــــدء أعــــمــــال اإلصــــــــاح، واســــتــــعــــادة الـــعـــاقـــات االجتماعية التي قطعتها الحرب. لـم تظهر الـخـرطـوم فـي البرنامج بوصفها مدينة انهارت معنويات أهلها مع املباني التي تهدمت أو تضررت، بل بوصفها مدينة تحاول تـــضـــمـــيـــد جــــراحــــهــــا، واســـــتـــــعـــــادة روحـــــهـــــا رغـــم التحديات. كــــانــــت قـــصـــة دعـــــــــاء، الـــفـــنـــانـــة والـــنـــاشـــطـــة الـــــســـــودانـــــيـــــة، مـــــن أكــــثــــر الـــقـــصـــص تــــأثــــيــــرًا فـي الـــبـــرنـــامـــج. فــقــد كـــانـــت حـــامـــا عــنــدمــا انــدلــعــت الـحـرب، لكنها قــررت البقاء. تحدثت عـن عامي من املعاناة الشديدة، ومن الخوف الذي لم ينته إال مع وصول الجيش واستعادته الخرطوم من سـيـطـرة «قــــوات الــدعــم الــســريــع». روت مــا حـدث مـن نهب وضــرب واعــتــداءات وجـرائـم اغتصاب، والخوف الذي عم السكان جراء ممارسات «الدعم السريع». وقالت إنها تعرف نساء لم يستطعن مـغــادرة منازلهن خـوفـ مـن الـتـعـرض لـاعـتـداء، وإن بعضهن لم يشاهدن الشارع إال بعد دخول الجيش. وعندما سئلت عن مشاعرها لحظة وصول الــجــيــش قـــالـــت بــبــســاطــة شــــديــــدة: «كـــنـــا ســعــداء للغاية». ثم أضافت أنها لم تكن تنام ليل طوال عــامــن تـقـريـبـ ، ولـــذلـــك كـــان أول مـــا فـعـلـتـه بعد وصــــول الـجـيـش أنــهــا نــامــت طــــوال الـــيـــوم. إنـهـا جملة تختصر معنى األمـان أكثر من أي خطاب سياسي. تـقـول دعـــاء إنـهـا اآلن تـحـاول أن تتعلم من جديد كيف تمشي من دون خوف، وكيف تضحك وتفرح بصورة طبيعية، وتتحدث بسعادة عن طفلها الرضيع وهو يشاهد اإلضاءة بعد عودة الكهرباء التي انقطعت عنهم لفترة طويلة. أثناء استماعي إلى البرنامج مرت على بالي خــاطــرتــان. األولــــى هــي ذلـــك اإلحـــســـاس العميق بــاألمــان والــراحــة الـــذي كــان يُــعـبّــر عنه املدنيون فـي كـل منطقة عـاد إليها الجيش. والثانية هي تعبير العائدين عن فرحتهم البالغة، وعزيمتهم على البناء وتعمير ما دُمر. دعــــــاء لــيــســت الـــوحـــيـــدة مــــن شـــبـــاب «ثـــــورة ديسمبر» الـذيـن اخـتـاروا البقاء فـي بلدهم بعد انـدالع الحرب، بل هناك أيضًا من تطوع للقتال فــي صــفــوف الــجــيــش. قـصـص هــــؤالء تـقـف على الـنـقـيـض مــن مــواقــف وخــطــاب الــذيــن يـتـاجـرون اليوم باسم الـثـورة، ويهاجمون الجيش في كل شــــاردة وواردة، ويـسـعـون إلـــى إضـعـافـه خدمة ألهدافهم في الصراع العدمي الـذي ال يفرق بي الوطن وحمايته، وبي صراعات السياسة. كما أن دعاء ليست استثناء عندما تحدثت عن اإلحساس باألمان في املناطق التي عادت إلى سيطرة الجيش. فما أكثر املشاهد التي رأيناها ملواطني يُعبّرون عن فرحتهم بوصول الجيش وتحرير مناطقهم من سيطرة «الدعم السريع»، أو لطوابير من الفارين من مناطق سيطرة هذه القوات واملتجهي نحو مناطق الجيش بحثًا عن الحماية واإلحساس باألمان. ولـــذلـــك لــيــس مـسـتـغـربـ أن تـشـكـلـت فـجـوة نفسية واسعة بي غالبية السودانيي و«قـوات الدعم السريع» بعد كل االنتهاكات التي ارتكبتها، والــخــراب الـــذي أحـدثـتـه إبـــان الــحــرب. وقــد ظهر ذلـــــك بــــوضــــوح فــــي الــــجــــدل الــــواســــع واملــــخــــاوف الــتــي أثـــارهـــا ظــهــور بـعـض األفـــــراد بـــزي «قـــوات الدعم السريع» في شــوارع الخرطوم وأم درمـان بعد انشقاق النور القبة، أحد قادتها البارزين، وانــضــمــامــه بــقــواتــه إلـــى صــفــوف الــجــيــش. فمع إدراك دوافـع الجيش في استقبال قـادة منشقي مــن «قــــوات الــدعــم الــســريــع» الـتـي تــــزداد مظاهر تصدعها يومًا بعد آخـر، إال أن قطاعات واسعة مـــن الـــســـودانـــيـــن ال تـخـفـي مــخــاوفــهــا مـــن رؤيـــة مـجـنـدي هـــذه الــقــوات فــي الـعـاصـمـة مـــرة أخـــرى، وال تريد تكرار الخطأ الذي ارتكبه نظام الرئيس السابق عمر البشير عندما جاء بهذه القوات إلى الخرطوم ظنًا منه أنها ستكون حماية له، فكانت وباال على نظامه وعلى السودانيي. مــا يــريــده الــســودانــيــون الــيــوم هــو عاصمة خـالـيـة مـــن الـــســـاح واملــظــاهــر الـعـسـكـريـة، ليس فقط كون ذلك من مظاهر األمن املطلوب لتشجيع العودة، بل ألنه أحد أهم الدروس من هذه الحرب. الحياة تعود تدريجيًا إلى الخرطوم، ومعها يعود األمـل بأن السودان قـادر على التعافي من آثـــار هــذا الـكـابـوس. هـنـاك مـن دون شـك أصــوات تـــحـــاول بـــث اإلحــــبــــاط، أو الـتـشـكـيـك فـــي جـــدوى العودة، لكن تأثيرها يبدو آخذًا في التراجع أمام مشاهد الناس وهم يعودون إلى بيوتهم، وأمام صمود أولـئـك الـذيـن اخــتــاروا البقاء فـي أصعب الظروف. سيتعين على أميركا التعاون مع الصين والمنافسين اآلخرين بشأن مخاطر الذكاء االصطناعي ما يريده السودانيون اليوم هو عاصمة خالية من السالح والمظاهر العسكرية الحرب الحاليَّة لن تشبه سابقاتها على كل المستويات فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني *دين بول وبين بوكانان OPINION الرأي 14 «دعاء» التي نامت أخيراً... والخرطوم التي تستعيد روحها األزمة الحاليَّة... والمعضلة النظريَّة أميركا والصين وبينهما الذكاء االصطناعي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==