تــــــرى فـــرنـــســـا وبـــريـــطـــانـــيـــا، الـــدولـــتـــان اللتان تدفعان باتجاه تشكيل قـوة متعددة الجنسيات لضمان أمــن الإبــحــار فـي هرمز، أن الـوقـت حـان لوضع النقاط على الحروف والــتــعــرف عـلـى مـــا تــنــوي كـــل دولــــة مـــن دول التحالف تقديمه، عملياً، لتنفيذ المهمة التي يراد للقوة القيام بها. ونوهت وزارة الدفاع البريطانية بالاجتماعات التي استضافتها أبــريــل (نــيــســان) المــاضــي في 23 و 22 يــومــي مـقـر الــقــيــادة المـشـتـركـة الــدائــمــة البريطانية وهـــو الاجــتــمــاع الــــذي وصـفـتـه بـــ«الــحــاســم» لـــجـــهـــة «تــــوحــــيــــد الــــــــــرؤى الــــوطــــنــــيــــة ضــمــن خــطــة مـــتـــعـــددة الـــجـــنـــســـيـــات»، كــمــا اعــتــبــرت اجـتـمـاعـهـا، الــثــاثــاء، مـسـتـنـدا إلـــى «الـتـقـدم الكبير الــذي تحقق خـال الأسابيع الماضية دولـة 44 مـن قبل المخططين العسكريين مـن من مختلف القارات». وقـــــال وزيـــــر الــــدفــــاع الــبــريــطــانــي جــون هيلي، الاثـنـن، إن «المملكة المتحدة ستقود هـــذه المـهـمـة الـدفـاعـيـة مـتـعـددة الـجـنـسـيـات، وستحول الاتفاقات الدبلوماسية إلى خطط عسكرية لاستعادة الثقة بحركة الشحن عبر مـضـيـق هــرمــز ومـهـمـتـنـا الــتــأكــد مـــن أنــنــا لا نكتفي بالكلام، بل إننا مستعدون للتحرك». ولأن بــــاريــــس ولــــنــــدن تـــــريـــــدان إعـــطـــاء «المـثـل الـصـالـح» فقد عجلتا بـإرسـال حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وقطعها المــواكــبــة الـتـي عـبـرت الـبـحـر الأحـــمـــر. وتفيد معلومات مـتـداولـة فـي بـاريـس أنـهـا توقفت في القاعدة البحرية الفرنسية في جيبوتي. من جانبها، قامت لندن بتوجيه المدمرة «إتـــش إم إس دراغــــون» إحـــدى «أكـثـر السفن الــحــربــيــة الــبــريــطــانــيــة تــــطــــوراً»، إلــــى المــيــاه القريبة مـن المـضـيـق، مـن دون تحديد مكان وجودها في الوقت الراهن. نضوج اللحظة المناسبة وتعمل العاصمتان الأوروبــيــتــان وفق مبدأ «التموضع المسبق» بحيث تكون الدول المـــســـاهـــمـــة فــــي الــــقــــوة مـــتـــعـــددة الـجـنـسـيـات «جـــاهـــزة» لمــبــاشــرة مـهـامـهـا «حـــالمـــا تـتـوافـر الظروف لذلك». وبالنسبة لفرنسا، فالفكرة تقوم وفق مــصــادر رئـاسـيـة، عـلـى «الاســتــفــادة بأفضل شكل ممكن من الوسائل البحرية الموجودة حــــالــــيــــا، خــــصــــوصــــا فـــــي شـــــــرق المــــتــــوســــط، اسـتـعـدادا للحظة الـتـي تتضح فيها معالم استعادة الملاحة في المضيق». وبحسب الإلـيـزيـه، فـإن بـاريـس وجهت فرقاطات وسفينتا إنزال 8 عشر سفن، بينها وقــيــادة كـانـت غالبتيها فـي شــرق المتوسط قـــبـــالـــة الــــشــــواطــــئ الـــقـــبـــرصـــيـــة وأخــــــــرى فـي منطقة الخليج. وتشدد الأوســاط الفرنسية على أهمية «التمركز المسبق للقوات؛ إذ إنه أمـر مهم، كما أن حسن إدارتـــه بالغ الأهمية أيضا ً». ووفــق عـشـرات التصريحات مـن القادة الـــســـيـــاســـيـــن، بـــيـــنـــهـــم الــــرئــــيــــس الـــفـــرنـــســـي إيـــــمـــــانـــــويـــــل مــــــــاكــــــــرون ورئـــــــيـــــــس الـــــــــــــوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فـــريـــدرش مـيـرتـس، فـــإن الـسـمـات الأسـاسـيـة للقوة متعددة الجنسيات أنها «مـحـايـدة»، «سلمية» و«منفصلة تـمـامـا» عما تـقـوم به الـــقـــوات الأمــيــركــيــة فـــي المـنـطـقـة. ولمـــزيـــد من الطمأنة، أكد ماكرون العديد من المـرات أنها ستعمل بـ«التفاهم» مع الجانب الإيراني أي أن انطلاقتها مشروطة بتقبله لها. كذلك، تشدد أوساط الرئاسة الفرنسية على ضــرورة «تقبل» الجانب الأميركي لها. ويــعــنــي ذلـــــك، عــمــلــيــا، تـــوافـــر مــجــمــوعــة من الشروط كتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق ينهي الحرب أو أن تتثبت الهدنة الهشة التي وصــفــهــا الــرئــيــس الأمـــيـــركـــي دونـــالـــد تـرمـب بـأنـهـا «فـــي غـرفـة الإنـــعـــاش»، أو أن تتراجع حــــدة الاشـــتـــبـــاكـــات بـشـكـل جــــدي مـــا يطمئن الدول المساهمة بأنها غير ذاهبة للحرب. عوائق صعبة التذليل بـيـد أن قـــــراءة مـعـمـقـة لـــصـــورة الـوضـع الــراهــن لا تـدفـع إلـــى تـوقـع انــطــاق «المـهـمـة» فـي الأيـــام أو الأسـابـيـع المقبلة الـقـادمـة؛ لأنه ينقصها، في الوقت الحاضر، توافر ما لا يقل عناصر أساسية، والعنصران الأولان 5 عن يرتبطان بالطرفين المتصارعين. من جهة، يبدو اتفاق وقف إطلاق النار الـــــذي مـــــدده الــرئــيــس تـــرمـــب لإعـــطـــاء الــوقــت الـكـافـي لإيـــران مـن أجــل بـلـورة ردودهــــا على آخـر مقترحاته المتضمنة في الورقة المكونة بنداً، على كف عفريت. وهدد الأخير، 14 من الاثـــــنـــــن، فــــي أكــــثــــر مــــن مـــقـــابـــلـــة صــحــافــيــة، بالعودة إلى استخدام لغة السلاح. بالمقابل، فـإن طهران جاهرت بـأن عليه إمـــا قــبــول ردهــــا وإمــــا رفــضــه بمعنى أنـــه لم يعد لديها مـجـال لتقديم تـنـازلات إضافية. وفي وضع كهذا، سيكون صعبا على الدول الــــراغــــبــــة بـــالمـــســـاهـــمـــة فــــي الــــقــــوة المــــوعــــودة الانـخـراط فـي مهمة غير محمودة العواقب، ويـــمـــكـــن أن تـــحـــولـــهـــا إلـــــى طـــــرف داخـــــــل فـي الصراع. أمــا العنصر الـثـانـي فيتمثل فـي غياب أفــــق الـــتـــوصـــل إلــــى مـــفـــاوضـــات الـــســـام بين الطرفين المعنيين. وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن رؤية الوفدين الأميركي والإيــــرانــــي يــتــفــاوضــان، مـــجـــدداً، إمــــا وجـهـا لوجه وإمـا بالواسطة، تبتعد أكثر فأكثر لا بـل تــرى أن الـوسـاطـة الباكستانية «وصلت في نهاية المطاف إلى طريق مسدود» بينما لا يبقى التعويل قائما إلا على دور قد تقبل الصين بالقيام به نظرا لتضررها الكبير من 40 إغلاق مضيق هرمز، حيث تمر فيه نسبة في المائة من مشترياتها النفطية. تعايش المهمتين في هرمز بعد أن فشلت الخطة الأميركية المسماة «مــشــروع الــحــريــة»، لإعــــادة فـتـح هــرمــز، رأى الأوروبيون أنها تعبد الطريق أمام مبادرتهم الـخـاصـة الـتـي يـــراد لها أن تـكـون بعيدة عن الحضور الأميركي. والحال أن الرئيس ترمب هدد، الاثنين، بـإعـادة تفعيل «مـشـروع الحرية» مع الرغبة في تنفيذه باللجوء إلى قوة أكبر، وسبق له ساعة فقط من إطلاقه، 36 أن برر تعليقه، بعد بـتـدخـات خليجية، وتــقــدم المــفــاوضــات مع إيران. وإذا كـــان مــن الـصـعـب الــتــعــرف حقيقة على نيات الرئيس الأميركي ومعرفة ما إذا كان كلامه يندرج في إطار التهويل والتهديد أم أنه جاد في العودة لمشروعه السابق، فإن إعــــادة تـــدويـــره مــن شـأنـهـا أن تـقـلـق بـاريـس ولندن والـدول المتعاونة معهما والتي تضم بلدانا أوروبــيــة وآسـيـويـة وخليجية وحتى أفريقية. ذلك أنه سيكون من الصعب تواجد مهمتين عسكريتين متنافستين على ضمان المرور الآمن في مضيق هرمز؛ ما يعني عمليا أنــــه سـيـتـعـن عــلــى الأوروبــــيــــن وشـركـائـهـم الانـتـظـار حـتـى تـتـوضـح صـــورة الــوضــع في المــضــيــق وفــــي مـــا ســتــرســو عــلــيــه الــعــاقــات الأميركية - الإيرانية. عداء أميركي - إيراني لا تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ ذلك أن الصعوبة الكبرى عنوانها العداء الإيراني لــــقــــوة عـــســـكـــريـــة فــــي المـــضـــيـــق، وأن إيـــــران سارعت على لسان نائب وزيـر خارجيتها كـــاظـــم غـــريـــب أبـــــــادي إلـــــى تـــحـــذيـــر بـــاريـــس ولـــنـــدن مـــن اقــــتــــراب قـطـعـهـمـا الــحــربــيــة أو «قطع دول أخـــرى» مـن مضيق هرمز لأنها «ستواجه برد حاسم». وكـــتـــب عـــبـــادي عــلــى مــنــصــة «إكـــــس»: «نـــذكـــرهـــم بـــأنـــه فــــي زمـــــن الــــحــــرب كـــمـــا فـي زمن السلم، وحدها الجمهورية الإسلامية الإيـرانـيـة قـــادرة على ضـمـان الأمـــن فـي هذا المضيق، ولن تسمح لأي دولة بالتدخل في هذا المجال». من هنا، استعجال الرئيس ماكرون إلى «طمأنة» إيــران إلـى أن مهمة القوة ستكون بـ«التنسيق» مع إيران وأن فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر قوات في المضيق، لكن ماكرون حرص على التذكير بالمبادئ الرئيسية التي تـقـوم عليها «المـــبـــادرة»، وتتمثل رفــض أي حصار مـفـروض على المضيق مـن أيـة جهة كـــانـــت، ورفـــــض فــــرض أي رســــــوم. وتــطــرح فرنسا بـالـتـازم أن تـرفـع طـهـران حصارها عـــلـــى المـــضـــيـــق مـــقـــابـــل أن تــتــمــكــن سـفـنـهـا مــن حــريــة الــحــركــة أي أن يـتـوقـف الـحـصـار الأميركي للموانئ الإيرانية. ليست إيـــران وحـدهـا متحفظة على «مــتــعــددة الـجـنـسـيـات»، بــل إن واشـنـطـن أيـــضـــا غـــيـــر مــتــحــمــســة لـــهـــا؛ إذ تـربـطـهـا بـــرفـــض الأوروبـــــيـــــن والأطـــلـــســـيـــن ودول أخــرى مثل أستراليا والـيـابـان الانضمام إلـــى واشــنــطــن فـــي الـــحـــرب الأخـــيـــرة؛ ففي الاتـــصـــال الــهــاتــفــي الــــذي جــــرى، الاثــنــن، بـــن وزيـــــري خــارجــيــة الــــولايــــات المـتـحـدة وبــريــطــانــيــا تـــنـــاول الــبــحــث المــهــمــة الـتـي يدفع بها الأوروبــيــون إلـى الأمـــام، وليس ســـرا أن الــوزيــر الأمـيـركـي مــاركــو روبـيـو، كما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غير مـتـحـمـس لــهــا وســـبـــق لـــه أن تـــســـاءل عن جدواها «بعد انتهاء الأمر» أي بعد انتهاء الحرب معتبرا أن أمرا كهذا ّيبدو كأنه غير منطقي، إلا أنــه، فـي نهاية المـطـاف اعتبر أنه «قد يكون لها بعض الفائدة». 4 حرب إيران NEWS Issue 17333 - العدد Wednesday - 2026/5/13 الأربعاء يرى الأوروبيون أن تعثر «مشروع الحرية» الأميركي يمهد الطريق أمام مبادرتهم في «هرمز» ASHARQ AL-AWSAT فتور واشنطن ورفض طهران وتعقيدات الميدان تعوق التشكيل محاولات فرنسية ــ بريطانية لتسريع «مهمة هرمز» متعددة الجنسيات مارس الماضي لدى وجودها في المياه الدولية القبرصية (أ.ب) 9 الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) يزور حاملة الطائرات «شارل ديغول» في باريس: ميشال أبو نجم خبراء يقيّمون تأثير «صراع الأجنحة» على القرار الإيراني حرب مفاوضات بين ترمب وطهران بلا رابح صريح من الـواضـح أن عوامل عـدة تلعب دورا كــبــيــرا فـــي تــشــديــد إيــــــران شـــروطـــهـــا لإنــهــاء الحرب وإعــادة فتح مضيق هرمز، ما وضع مــــســــار الــــتــــفــــاوض مــــع واشـــنـــطـــن فــــي مــــأزق مفتوح، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرد الإيراني الأخير. كــــــانــــــت الــــتــــحــــلــــيــــات تـــــتـــــوقـــــع نـــتـــائـــج «منطقية» لـلـحـرب، تـقـوم على أن الضربات الأمـــيـــركـــيـــة والإســـرائـــيـــلـــيـــة الــــواســــعــــة الــتــي تـــعـــرضـــت لـــهـــا إيـــــــران ســتــدفــعــهــا إلـــــى قــبــول تسوية تقلّص خسائرها وتحفظ مـا تبقى من قدراتها. لكن هذه المعادلة لم تطبق منذ إعلان الهدنة. فطهران، بدلا من خفض سقف مطالبها، بـــدت كـأنـهـا تــحــاول تـحـويـل وقـــف الــنــار إلـى مساحة لإعادة ترتيب أوراقها، مستندة إلى توازنات داخلية مرتبكة، ودعـم خارجي من الصين وروسيا، وتردد قوى إقليمية ودولية تخشى أن يخرج ترمب من الحرب بانتصار تفاوضي واسع ينعكس على ملفات خلافية أخرى. انقسام داخلي يرفع سقف التشدد المفارقة أن الضربات التي كان يفترض أن تــضــغــط عـــلـــى الـــنـــظـــام الإيـــــرانـــــي لـتـقـديـم تنازلات، ربما أنتجت أثرا معاكسا داخل بنية الــقــرار فـي طــهــران؛ فـبـدلا مـن أن يظهر مركز واحــد قــادر على اتـخـاذ قــرار بإنهاء الحرب، بـرزت مؤشرات إلى تنازع بين تيارات داخل النظام: فريق يريد تجنب الانهيار الكامل، وآخــــر يـخـشـى أن تـظـهـر أي تـسـويـة بمظهر الاســـتـــســـام، وثـــالـــث يـــراهـــن عــلــى أن الــزمــن والاقتصاد العالمي والداخل الأميركي يمكن أن يفرضوا على واشنطن خفض شروطها. فــــي هـــــذا الـــســـيـــاق، يـــقـــول الـــبـــاحـــث فـي «مـعـهـد أمـيـركـان إنـتـربـرايـز» مـايـكـل روبـــن، فــــي تـــصـــريـــحـــات لـــــ«الــــشــــرق الأوســـــــــــط»، إن غــيــاب الـحـكـم الــداخــلــي الـــقـــادر عـلـى الفصل بين الأجنحة يزيد تصلب النظام. ويضيف: «في الماضي، كان المرشد الإيراني يقوم بدور الحكم بين الفصائل المختلفة، خصوصا في القضايا الصعبة المتعلقة بما إذا كان ينبغي عـقـد صفقة أم لا. إذا كـــان مجتبى قــد مــات، فلا يوجد حكم. سيتنافس كل فصيل ليكون الأكــثــر عـرقـلـة أو تــشــدداً، خشية أن يـصـوره منافسوه بأنه ضعيف أو خائن». هــــــــذا الــــتــــوصــــيــــف يــــفــــســــر جــــانــــبــــا مــن الــتــنــاقــض الـــــذي تـــحـــدث عــنــه تـــرمـــب نـفـسـه، حــن قـــال إن الإيــرانــيــن وافــقــوا شفهيا على الـتـخـلـي عــن مــخــزون الــيــورانــيــوم المـخـصـب، ثم قدموا ردا مكتوبا لا يتضمن هذه النقطة. كـمـا أنـــه يلقي الــضــوء عـلـى سـبـب اسـتـخـدام ترمب تعبير «المعتدلين والمجانين» لوصف الانـقـسـام داخـــل الـقـيـادة الإيــرانــيــة. فـالـرهـان الأمــيــركــي عـلـى أن الــضــربــات سـتـنـتـج قـــرارا مــوحــدا فــي طــهــران اصـــطـــدم، عـلـى مــا يـبـدو، بحسابات بـقـاء داخـلـيـة تجعل الـتـشـدد أقل تكلفة سياسيا من التسوية. «هرمز» ورقة ضغط مؤقتة يبقى مضيق هرمز الورقة الأكثر أهمية في يد إيران؛ فاستمرار تعطيل الملاحة يمنح طهران قدرة على توسيع تكلفة الحرب خارج حــدودهــا، مـن أســـواق الـطـاقـة إلــى التضخم، ومــن آسـيـا إلــى أوروبــــا، وصـــولا إلــى الـداخـل الأمــيــركــي. ولــهــذا تــحــاول إيــــران ربـــط إعـــادة فــتــح المــضــيــق بـــشـــروط ســيــاديــة وسـيـاسـيـة واقــــتــــصــــاديــــة، بــيــنــهــا تــخــفــيــف الـــعـــقـــوبـــات والاعــــــتــــــراف بـــــدورهـــــا فــــي إدارة أمـــــن المــمــر البحري. لكن هذه الورقة ليست بلا سقف. ويرى جوناثان شانزر، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في تصريحات لـ«الشرق الأوسـط»، أن طهران تبالغ في تقدير قوتها. ويــقــول: «لا أعتقد أن الـنـظـام فـي إيـــران غيّر موقفه منذ إعـــان وقــف الــنــار. أعتقد أن من الخطأ أن يواصل الحرب. ستكسب الولايات المتحدة فـي النهاية اليد العليا عبر الحرب الاقـــتـــصـــاديـــة أو الـــعـــمـــلـــيـــات الـــعـــســـكـــريـــة أو كلتيهما. مضيق هرمز يوفر بعض النفوذ الآن، لكن ذلك سيتغير بمجرد تعديل تدفقات الطاقة وتخفيف الأزمـــة مـن جانب المنتجين الآخـريـن في المنطقة. استمرار الحرب رهان خاسر للنظام». هـــــذا الـــــــرأي يــعــكــس الــــرهــــان الأمـــيـــركـــي المــــضــــاد، أن الـــوقـــت الـــــذي تـسـتـخـدمـه إيــــران لتكبير تكلفة الــحــرب، يمكن أن تستخدمه واشنطن وحلفاؤها لإعادة توجيه التدفقات، وتـــوســـيـــع الــــضــــخ، وتــخــفــيــف أثـــــر المــضــيــق، بـمـا يـحـول الــورقــة الإيــرانــيــة مــن أداة ابـتـزاز اســتــراتــيــجــيــة إلـــــى عـــــبء طـــويـــل الأمــــــد عـلـى النظام نفسه. الصين وروسيا تستمد طـهـران جـــزءا مـن صلابتها من حـــســـابـــات خـــارجـــيـــة، خــصــوصــا مـــن الـصـن وروســـيـــا. ويــــرى مـحـلـلـون أن بـكـن لا تـريـد انــهــيــار إيـــــران ولا انـــتـــصـــارا أمــيــركــيــا كــامــا يـكـرس قـــدرة واشـنـطـن على فــرض شروطها فــــي قـــلـــب آســـيـــا وغـــربـــهـــا. وتـــشـــيـــر «ســـــي إن إن» إلــــى أن شــبــكــة مـــن المـــصـــافـــي الـصـيـنـيـة الــصــغــيــرة، ولا سـيـمـا فـــي إقـلـيـم شــانــدونــغ، تـــواصـــل مـعـالـجـة الـنـفـط الإيـــرانـــي الـخـاضـع للعقوبات، ما يضخ مليارات الـــدولارات في الاقـتـصـاد الإيـــرانـــي، ويـمـنـح الـنـظـام هامشا ماليا في لحظة ضغط قاسية. لـــكـــن الــــدعــــم الــصــيــنــي يــبــقــى مـحـكـومـا بمفارقة واضحة؛ فالصين تعتمد بشدة على نفط الخليج، ولا مصلحة لها في إغلاق طويل لهرمز يـهـدد صناعتها وسـاسـل توريدها ويعمق التباطؤ في آسيا. لذلك يذهب ترمب إلى بكين حاملا ملف إيران كجزء من اختبار أكبر للعلاقة مع الرئيس شي جينبينغ: هل تضغط الصين على طهران لتقبل تسوية، أم تستثمر المأزق لإضعاف واشنطن تفاوضياً؟ أمــــا روســـيـــا فــتــجــد فـــي الـــحـــرب فـرصـة لـــتـــوســـيـــع تـــتـــكـــلـــفـــة الـــســـيـــاســـة الأمـــيـــركـــيـــة، وتـــشـــتـــيـــت المــــــــــوارد والاهـــــتـــــمـــــام بـــعـــيـــدا عـن مــــلــــفــــات أخـــــــــــرى. لـــكـــنـــهـــا، مــــثــــل الــــــصــــــن، لا تستطيع إنـــقـــاذ إيـــــران مـــن تـبـعـات عسكرية واقـــتـــصـــاديـــة مــفــتــوحــة إذا قـــــررت واشــنــطــن اســتــئــنــاف الـــضـــربـــات. وهـــنـــا تــظــهــر حـــدود «دعــم الأصــدقــاء»، فهو يكفي لإطـالـة النفس الإيـــرانـــي، لكنه لا يكفي بــالــضــرورة لتغيير ميزان القوة. ترمب بين التصعيد وتتكلفة البنزين فـي واشـنـطـن، لا يـبـدو تـرمـب فـي موقع مريح؛ فقد نقل موقع «أكسيوس» أن الرئيس اجـــتـــمـــع مــــع فـــريـــقـــه لــــأمــــن الــــقــــومــــي لـبـحـث اسـتـئـنـاف الـعـمـل الـعـسـكـري، بـعـدمـا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. وقال ترمب إن وقف النار بات على «أجهزة إنعاش ضخمة»، وإنــه يملك «خـطـة» تقوم على منع إيـــران من امــــتــــاك ســـــاح نـــــــووي. وتــــحــــدث مـــســـؤولـــون أمـيـركـيـون عــن خــيــارات تشمل إعــــادة إطــاق «مـشـروع الحرية» لمرافقة السفن فـي مضيق هــرمــز، أو اسـتـئـنـاف حـمـلـة الـقـصـف ضــد ما تبقى من أهداف عسكرية لم تضرب بعد. لــــكــــن تــــوقــــيــــت الــــــقــــــرار مــــعــــقــــد، فـــتـــرمـــب يتوجه إلــى الـصـن، ومـسـؤولـون أميركيون لا يتوقعون قرارا عسكريا كبيرا قبل عودته. كـــمـــا أن الـــــداخـــــل الأمــــيــــركــــي يــضــغــط بـــقـــوة. دولار 4.52 أسعار البنزين ارتفعت إلى نحو لـــلـــغـــالـــون، بــيــنــمــا تــشــيــر اســـتـــطـــاعـــات عـن تراجع شعبية ترمب الاقتصادية مع اقتراب انـــتـــخـــابـــات الـــتـــجـــديـــد الـــنـــصـــفـــي. ومـــــن هـنـا جـــاء انـفـتـاحـه عـلـى تعليق ضـريـبـة البنزين الفيدرالية، رغم أن هذه الخطوة تحتاج إلى مـوافـقـة الــكــونــغــرس، وقـــد لا تنعكس كاملة على المستهلكين. بـــهـــذا المـــعـــنـــى، تـــراهـــن طـــهـــران عــلــى أن الـــحـــرب لـــم تــعــد عــســكــريــة فـــقـــط، بـــل صـــارت سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة. فكل يوم يبقى فيه مضيق هرمز معطلا يزيد الـضـغـط عـلـى المستهلك الأمــيــركــي، ويعطي خصوم ترمب فرصة للقول إن حربه رفعت التضخم وأضعفت الاقتصاد. غـيـر أن هـــذا الـــرهـــان الإيـــرانـــي ينطوي بـدوره على مخاطرة كبرى، فإذا شعر ترمب بــــأن طـــهـــران تـسـتـخـدم هـــرمـــز والانــتــخــابــات لابـــــتـــــزازه، فـــقـــد يـــنـــدفـــع إلـــــى ضـــربـــة جـــديـــدة لإثــبــات أن الـضـغـط الـداخـلـي لا يقيد قـــراره. لذلك يلخص مايكل أوهـانـلـون، الباحث في معهد «بـروكـيـنـغـز»، فــي تـصـريـح لــ«الـشـرق الأوســــــــــط»، غـــمـــوض الـــلـــحـــظـــة بـــقـــولـــه: «كـــا الطرفين يأمل أن تكون له اليد العليا. لكن لا أحد يعرف بعد من هو المصيب». الخلاصة أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تـعـقـيـدا مــن الـقـصـف نـفـسـه، ومـضـيـق هرمز يبقى قلب المعادلة: ورقة ضغط إيرانية الآن، لكنه قد يتحول سريعا إلى سبب لاستئناف الحرب إذا قرر ترمب أن الهدنة لم تعد سوى غطاء لتعطيل انتصاره. أبريل الماضي (أ.ب) 6 إيرانيون يقودون دراجاتهم أمام لوحة إعلانية تعرض صورة للمرشد مجتبى خامنئي في وسط طهران واشنطن: إيلي يوسف
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky