الثقافة CULTURE 18 Issue 17333 - العدد Wednesday - 2026/5/13 الأربعاء خالد الغنامي التفلسف على الحضارات كثيرا ما يُطرح الـسـؤال: لمــاذا هيغل؟ لا بـأس سأجيب إجابة غير مـسـتـعـارة. نــقــرأ هـيـغـل لأنــنــا حــن نـنـظـر فـيـمـا كـتـب لا نـجـد فيلسوفا مـنـشـغـا بـالمـفـاهـيـم المـــجـــردة وحـــدهـــا، بـــل عــقــا حــــاول أن يـفـهـم حـركـة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مسارا يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان. حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعا للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصا عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مسارا يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر. لكن هذا التعبير، «مسارا يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فـالمـقـصـود أن الـعـقـل لا يظهر دفـعـة واحــــدة، بــل يتجلى عـبـر الـتـاريـخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضا للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجيا حتى صار العالم الحديث يتحدث عــن حـريـة الإنـــســـان مــن حـيـث المـــبـــدأ. هـــذا الـــتـــدرج هــو مــا يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ. ومــن هنا تصبح الـحـضـارة وعيا يتحرك، لا مجرد واقــع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار. العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. مـا يبدو عرضيا أو متناقضا يمكن إدراجـــه داخــل منطق أوســـع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان. مـن هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لـم تعد انسحابا من العالم، بل وعـي بـه. التاريخ لا يعود مـادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطــارا زمنيا فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة. الحضارة في هذا التصور ليست خطا مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضا داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول. لـهـذا يــرى هيغل أن الـحـضـارة الـتـي تبحث عـن الاسـتـقـرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالبا في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل. وتصبح الـدولـة لحظة حاسمة في هـذا المـسـار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الـدولـة ليست مجرد جهاز إداري، بـل تعبير عـن فهم الحضارة للحرية، وعـن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعـي متجدد قــادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه. ومــن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بـالـحـضـارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنــســان ذاتـــه داخـــل المـديـنـة، والـرومـانـيـة تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصـــاف تاريخية، بـل مـراحـل فـي وعــي الـــروح بـذاتـهـا. لكن هذا الـتـصـور يـقـود أيـضـا إلـــى مشكلة الـحـضـارة الـتـاريـخـيـة، حــن يتحول المـــاضـــي إلـــى سـلـطـة عـلـيـا. يـعـيـش المـجـتـمـع داخــــل ســرديــاتــه الـقـديـمـة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجيا عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته. وهـــذا الانـفـصـال لا يظهر دائـمـا بـصـورة مـبـاشـرة، بـل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيرا عن الماضي، لأنها لا تملك مـا تقوله عـن الحاضر. تملك خطابا واسـعـا، لكنها تفقد القدرة على الفعل. في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معيارا نهائياً. وتنظر إلــى المستقبل باعتباره إمكانا مفتوحاً، لا تكرارا لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار. التفلسف عـلـى الــحــضــارات فــي الـنـهـايـة هــو الـنـظـر إلـيـهـا كحركة مـسـتـمـرة لـــروح الــعــالــم. الــحــضــارة ليست حقيقة جـــاهـــزة، بــل مـشـروع مـفـتـوح. ومـــا بــن أمـــة تخلق معنى جـــديـــداً، وأمـــة تـكـرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات. نحت أموي وطراز تدمري نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي ازدهــــــــر الـــنـــحـــت الـــتـــصـــويـــري فــــي بـــاد الشام خلال القرون الميلادية الأولـى، فاتّخذ طابعا خاصا يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أســلــوبــا مـحـلـيـا خـــاصـــا، تـجـلّــى فـــي شـواهـد عـدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهـرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المـرور بــــن إمـــبـــراطـــوريـــتـــن عـــــدوّتـــــن تــتــقــاســمــان الشرق. ظل هذا التقليد الفني حيا في عهد الـدولـة الأمــويــة، وأسـبـغ طابعه على الكثير مــــن الـــحـــلـــل، زيّــــنــــت الـــقـــصـــور الـــتـــي شــيّــدهــا خـــلـــفـــاء هـــــذه الــــدولــــة وســـــط صــــحــــاري بـــاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه ، في ناحية 727 هشام بن عبد الملك في عـام 60 من البادية السورية، تقع على بعد نحو كيلومترا جنوب غربي مدينة تدمر. ذكــر يـاقـوت الحموي تـدمـر فـي «معجم الـــبـــلـــدان» خــــال الــعــهــد الأخـــيـــر مـــن الـعـصـر الـعـبـاسـي، وكـتـب فــي تـعـريـفـه بـهـا: «مدينة قديمة مشهورة في برية الـشـام»، «زعـم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني: إلا سليمان إذ قال الإله له ُقُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد وجَيش الجن إني قد أمرتُهُم يَبنون تدمر بِالصُّفّاح والعَمَدِ». نــقــل يـــاقـــوت هـــذيـــن الــبــيــتــن، وأضــــاف معلّقاً: «وأهـــل تدمر يزعمون أن ذلـك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبــن سليمان، ولـكـن الـنـاس إذا رأوا بناء عجيبا جهلوا بانيه أضـافـوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يـــعـــود لــلــجــاحــظ فــــي «الــــحــــيــــوان»، ونـــصّـــه: «ولكنّكم إذا رأيـتـم بنيانا عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر». ذكــــر الــقــزويــنــي كـــذلـــك هــــذه المــديــنــة في «آثــــــــار الــــبــــاد وأخـــــبـــــار الــــعــــبــــاد»، وقـــــــال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جلي إلــى نحت حـجـري يمثّل امــرأتــن، «مـــر بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما: فتاتَي أهل تدمر خبّراني ألمّا تسأما طول المقام قيامكما على غير الحشايا على حبل أصم من الرّخام فكم قد مر من عدد اللّيالي لعصركما وعام بعد عام وإنّكما على مر اللّيالي لأبقى من فروع ابني شمام». فــي الـعـصـر الــحــديــث، أعـــاد المختصون كـتـابـة تـــاريـــخ تـــدمـــر، وحــــــدّدوا مـوقـعـهـا في الـــحـــقـــبـــة الـــرومـــانـــيـــة الـــتـــي شـــهـــدت نــمــوهــا وأفـــولـــهـــا. افــتــن عـلـمـاء الآثـــــار بـمـعـالـم هـذه المـــديـــنـــة، وأخــــرجــــوا مـــن الــظــلــمــة إلــــى الــنــور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلـى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هـذه الحياة «الأخـــرى» حيث تعيش النفس فـــي عـــالـــم الـــخـــلـــود. تــجــلَّــى هــــذا الـــطـــابـــع في عــشــرات الـتـمـاثـيـل الــتــي أُخـــرجـــت مــن أطــال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها. تمثّل هــذه المجسّمات المنحوتة قامات نـسـاء ورجــــال وفـتـيـان، تـرتـفـع فـــوق شـواهـد الـقـبـور وتـزيّــنـهـا. يغلب الحفر الـنـاتـئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجا مـــن الـنـحـت والـــرســـم بـالـحـفـر. نـتـلـمّــس هنا الـنـسـق الهلنستي الـــســـوري، حـيـث ينصهر النمط الروماني بطراز محلي يُعيد قولبته بـشـكـل جـــديـــد. تـجـمـع الــثــيــاب بـــن التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات فـي تـــواز وتماثل، وتسود الـوضـعـيـة المــواجــهــة لـلـوجـه عـلـى الـتـألـيـف. تتجلّى الـصـورة العائلية فـي مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل مــــمــــدّداً، رافـــعـــا بـــيـــده الـيـمـنـى كـــأســـا، بينما تـجـلـس امـــرأتـــه مـــن خـلـفـه عـلـى الــيــســار، في قــــيــــاس تـــنـــاســـبـــي رمــــــــزي يـــعـــتـــمـــد تـصـغـيـر حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هـــذه الــدنــيــا، لـكـن الــافــت هـنـا غــيــاب وجــوه المـسـنّــن، فـالـفـن لا ينقل الـــواقـــع، بــل يـجـرّده ويقدّسه. تـــتـــضـــاءل قــــامــــة الـــجـــســـد أمـــــــام اتـــســـاع كتلة الـــوجـــه. يـخـرج الـتـصـويـر عــن الـقـواعـد الكلاسيكية بتجسيمها الـواقـعـي الــفــردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأة واحــــدة، رجـــا واحــــداً، وطـفـا واحــــداً. يتكرّر الـــوجـــه الــــواحــــد، ويـــرافـــقـــه اســــم صــاحــبــه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الـوجـه هنا إشـــارة النفس والـــروح، ينتصب فــــوق الــقــبــر مــــجــــرّدا مـــن تـــرابـــيّـــتـــه، شـاخـص العينين، محدّقا فيما يُرى وما لا يُقال. يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش الـــنـــحـــتـــيـــة الــــتــــي خــــرجــــت مـــــن قـــصـــر الــحــيــر الـــغـــربـــي، وأشـــهـــرهـــا قــطــعــتــان عُـــرضـــتـــا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة الـــقـــصـــر، وتـــشـــكّـــان عــنــصــريــن مـــن عـنـاصـر حــلــلــهــا الـــتـــصـــويـــريـــة. تــتــمــثــل أكـــبـــر هــاتــن القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تـــجـــاورهـــا فـــي الــخــلــف قـــامـــة جـــالـــســـة. يبلغ 98 سنتيمتراً، وعرضه 86 طول هذا النصب سنتيمتراً، ويـتـبـنّــى بشكل واضـــح نـمـوذج «الــولــيــمــة الــجــنــائــزيــة». فــقــد الـــرجـــل المـــمـــدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بـــثـــنـــايـــا ردائــــــــــه الـــــطـــــويـــــل، ويــــــــده الـــيـــســـرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسـهـا، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز. تـتـمـثّــل الـقـطـعـة الـثـانـيـة بـنـصـب أنـثـوي 38 سنتيمتراً، وعرضه 43 نصفي، يبلغ طوله سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بـيـدهـا الـيـسـرى طـيـرا سـقـط رأســــه، وتقبض بـيـدهـا الـيـمـنـى عـلـى طـــرف ضـفـيـرة تنسدل مــــن شـــعـــرهـــا عـــلـــى طــــــرف صـــــدرهـــــا. الـــوجـــه تـدمـري بـامـتـيـاز، وعـيـنـاه لــوزتــان كبيرتان، يتوسّط كل منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الـرأس تاج دائـري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خـصـل الـشـعـر، ولا يظهر منهما إلا الـطـرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الــثــوب بسيط ومـــجـــرّد، ويــحــد أعـــاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد. يحضر هـذا النموذج في قطعة نحتية أخـرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الـصـدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شــبــكــة مـــن الــثــنــايــا المـــتـــوجـــة هــنــدســيــا، في صــيــاغــة مـبـتـكـرة تُــســبــغ عــلــى هــــذا الـتـألـيـف التقليدي طابعا خاصاً. هنا وهناك، يحضر الـنـسـق الــتــدمــري بــقــوّة فــي قــوالــب مبتكرة، تـشـهـد لاســتــمــراريــة المـــيـــراث الــفــنــي الأمــــوي وتجدّده في ظل الحكم الأموي. محمود الزيباوي قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي) 3 تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجا من النحت والرسم بالحفر فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة» يــتــنــاول كــتــاب «فـتـحـي عـبـد الـسـمـيـع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويـــــضـــــيء جـــــوانـــــب مــــتــــعــــددة مـــــن مـــشـــروعـــه الـشـعـري والــفــكــري المـمـتـد عـبـر مــا يــقــرب من ربــــع قـــــرن، ويـــضـــم عـــــددا كــبــيــرا مـــن المـــقـــالات والـــــدراســـــات والــــشــــهــــادات الـــتـــي كـتـبـهـا عنه شــعــراء مــن جيله أو الأجــيــال الـسـابـقـة عليه أو الــاحــقــة، فــي تـجـربـة تحتفي بـالمـمـارسـة النقدية للشعراء، تماما كما تحتفي بتجربة الشاعر نفسه ودواوينه المختلفة. الكتاب صدر أخيرا عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» بـالـقـاهـرة، بتحرير الشاعر أحمد المريخي، وتقديم الناقد الدكتور محمد فـــكـــري الــــجــــزار، وهــــو عــمــل نـــقـــدي وتـوثـيـقـي يـــطـــرح رؤيـــــة تـــتـــجـــاوز الــتــعــريــف الـتـقـلـيـدي بالشاعر، مقدما فتحي عبد السميع بوصفه صوتا إنسانيا خاصاً، تشكلت تجربته بعيدا عـن ضجيج العاصمة ومركزيتها الثقافية، إذ ظل مقيما في قنا بجنوب الصعيد، يعمل عــلــى مـــشـــروعـــه الـــشـــعـــري والــبــحــثــي بــهــدوء ومثابرة، بعيدا عن الصخب الإعلامي. فـــي تــصــديــره لــلــكـتــاب، يــقــول المــريـخــي: «هنا نلتقي بمجموعة من الـقـراءات النقدية الـــتـــي تـــنـــاولـــت تــجــربــة الـــشـــاعـــر فــتــحــي عبد الـسـمـيـع عـلـى مــــدار ربـــع قـــرن تـقـريـبـا، وهـي ليست كل ما كُتب عن فتحي عبد السميع، بل هي الكتابات التي كتبها الشعراء فقط، رغبة في تعويض غياب النقد عن مواكبة التجارب الشعرية الجديدة، أي أننا لا نتناول في هذا الكتاب تجربة الشاعر بقدر ما نتناول قضية (نــقــد الـــشـــعـــراء) كــمــوضــوع يـثـيـر الـكـثـيـر من الأسـئـلـة. ويستحق هـو الآخـــر دراســـة نقدية كاشفة لقيمته ودوره في فك الحصار الذهني عـــن الـــتـــجـــارب الـــجـــديـــدة الــتــي تـخـتـلـف فيها صــــورة الــشــعــر، عـــن مـامـحـهـا الــراســخــة في ذاكرة الناس»، ويؤكد المريخي أن تجربة عبد السميع نحتت لنفسها مسارا متفردا داخل قصيدة النثر المصرية، بعيدا عن التصنيفات الجاهزة أو الألقاب الشكلية. ويــســتــعــرض الـــكـــتـــاب المــــســــار الإبــــداعــــي لـلـشـاعـر عـبـر دواويـــنـــه الــشــعــريــة، بـــدايـــة من ، وصولا 1997 «الخيط في يدي» الصادر عام إلـــــى «أحــــــد عـــشـــر ظـــــا لـــلـــحـــجـــر»، فـــضـــا عـن مــخــتــاراتــه الـشـعـريـة «عــظــامــي شـفـافـة وهـــذا يكفي»، مـع التوقف أمــام السمات الأساسية في تجربته، ومنها التماهي مع معاناة الناس والانشغال بالهامش الإنساني العميق. ولا يقتصر الكتاب على الجانب الشعري فـقـط، بــل يسلط الــضــوء كـذلـك عـلـى مـشـروع فـتـحـي عــبــد الـسـمـيـع الـبـحـثـي حــــول ظــاهــرة الـثـأر فـي صعيد مـصـر، بـاعـتـبـاره أحــد أبـرز مـشـروعـاتـه الـفـكـريـة والاجــتــمــاعــيــة. ويشير المريخي إلى أن الشاعر لم يكتف بدور المبدع المـــنـــعـــزل، بــــل انــــخــــرط فــــي دراســـــــة الـــظـــاهـــرة الــــثــــأريــــة بـــوصـــفـــهـــا خــــطــــرا يــــهــــدد المــجــتــمــع المصري بأكمله، فأنجز مشروعا بحثيا مهما صــدر منه كـتـاب «الـقـربـان الـبـديـل... طقوس المصالحات الثأرية في جنوب مصر»، الذي نال عنه جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية ، ووصـــــل إلــــى الــقــائــمــة الـقـصـيـرة 2016 عــــام لجائزة الشيخ زايد. ويــبــرز الـكـتـاب أهـمـيـة المــــزج بــن الحس الشعري والرؤية البحثية لدى عبد السميع، مــعــتــبــرا أن تــجــربــتــه تــمــثــل نـــمـــوذجـــا نـــــادرا لــلــمــثــقــف المــــنــــخــــرط فـــــي قـــضـــايـــا مــجــتــمــعــه، والساعي إلـى تفكيك البنية الثقافية للعنف والـــثـــأر عـبـر أدوات الــفــن والمــعــرفــة مــعــا. كما يـتـنـاول قـصـيـدة «قــاطــع الـطـريـق الــــذي صـار شـــاعـــراً» بـوصـفـهـا نــمــوذجــا دالا عــلــى قـــدرة الـــشـــاعـــر عـــلـــى تــفــكــيــك الـــســـيـــاق الاجــتــمــاعــي والنفسي للعنف، وتحويله إلى سؤال شعري وإنــســانــي مـفـتـوح، فــي مـحـاولـة للكشف عن التحولات الداخلية للذات الإنسانية، لا مجرد سرد واقعة أو حدث. ويـقـدم الكتاب قضية «النقد الشاعري» باعتبارها إحدى القضايا المركزية التي يدور حولها العمل، إذ يضم مجموعة من القراءات النقدية الـتـي كتبها شـعـراء عـن تجربة عبد السميع، فـي محاولة لتعويض غـيـاب النقد الأكـــاديـــمـــي عـــن مـــواكـــبـــة كـثـيـر مـــن الــتــجــارب الشعرية الجديدة. وفي مقدمته المعنونة بـ«النقد الشاعري»، يناقش الدكتور محمد فكري الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمي والنقد الذي يـكـتـبـه الـــشـــعـــراء، مـعـتـبـرا أن الــشــاعــر يمتلك حـسـاسـيـة خــاصــة تــجــاه الـتـجـربـة الـشـعـريـة، تجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى روح النص، بعيدا عن الصرامة المنهجية التي قد تحاصر النص داخل قوالب نظرية جامدة. ويـــؤكـــد الـــجـــزار أن تــجــربــة فـتـحـي عبد الـــســـمـــيـــع تـــســـتـــحـــق مـــــزيـــــدا مـــــن الــــــدراســــــات والــــــقــــــراءات، لــيــس فــقــط بــاعــتــبــارهــا تـجـربـة شعرية مميزة، إنما أيضا بوصفها نموذجا لـلـمـثـقـف الــــــذي جـــمـــع بــــن الإبــــــــداع الــشــعــري والانشغال الحقيقي بقضايا المجتمع، وبين الحس الجمالي والرؤية البحثية العميقة. القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky