issue17332

يـمـكـن لـقـمـم الـــقـــوى الــعــظــمــى أن تـحـمـل قـــدرا هـــائـــا مـــن الــــدرامــــا. فــالــلــقــاء الـــــذي جــمــع الـرئـيـس الأميركي جـون إف. كينيدي بالزعيم السوفياتي كان تمهيدا 1961 نيكيتا خروتشوف في فيينا عام لمواجهة مرعبة بشأن برلين الغربية. أما الاجتماع الـذي عُقد بين اثنين من خلفائهما، رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف، في ريكيافيك بآيسلندا ، فقد أثار الآمال بنزع السلاح النووي ثم 1986 عام بدّدها. وقد تابع العالم باهتمام لقاء الزعيم الصيني شـــي جـيـنـبـيـنـغ والـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي الــســابــق جو بــــايــــدن عـــلـــى هـــامـــش قـــمـــة «مـــجـــمـــوعـــة الــعــشــريــن» السنوية فـي بالي خـال نوفمبر (تشرين الثاني) ، في محاولة لاحتواء التوترات التي تصاعدت 2022 أثناء أزمة صيفية بشأن تايوان. وإذا ما انعقد هذا الأسـبـوع بالفعل، رغـم التوتر الناجم عـن الصراع المحتدم في الخليج، فإن الاجتماع المرتقب بين شي والرئيس الأميركي دونالد ترمب سيحظى بدوره على اهتمام عالمي واسع. وعـــــلـــــى مـــــــدى يـــــومـــــن فـــــي بـــــكـــــن، ســـيـــنـــاقـــش الـــزعـــيـــمـــان مــجــمــوعــة مــــن الـــقـــضـــايـــا الاقـــتـــصـــاديـــة والجيوسياسية. وسيعكف المحللون على تفكيك دلالات الـــتـــوتـــرات الــتــجــاريــة ومــســتــويــات الــرســوم الجمركية. كما سيدققون في اللغة التي يستخدمها شي وترمب بشأن القضايا الحساسة مثل تايوان والــذكــاء الاصطناعي، وسيحاولون توقع الطرف الـــذي سيحصد المـكـاسـب الأكــبــر مــن أي تفاهمات تتعلق بأشباه الموصلات أو فول الصويا. لـــكـــن، وبــــرغــــم أهـــمـــيـــة هـــــذه الـــتـــفـــاصـــيـــل، فــــإن القصة الحقيقية لا تكمن فيما قد يرد في البيانات المشتركة، فالقصة الحقيقية هي أن التنافس بين الـولايـات المتحدة والـصـن يـــزداد احتداما بصورة كـبـيـرة، عـبـر مـنـاطـق مـتـعـددة ومـــجـــالات متنوعة، حتى فـي الـوقـت الـــذي سعى فيه شـي وتـرمـب إلى هدنة مؤقتة بينهما. إن التحدي الصيني للنفوذ الأمـيـركـي يــزداد وضوحا وحدة يوما بعد يوم، وقد لا تكون الأزمات المقبلة بعيدة، ويـدرك الرئيس الصيني أن المتاعب تلوح في الأفق القريب، ولذلك يسعى إلى حشد كل أوراق القوة الممكنة. وكما جـرت الـعـادة، يبقى من الأصـعـب فهم مـا الــذي يسعى إليه ترمب تحديداً، وما إذا كانت إدارته تستثمر فترة التهدئة الحالية على نحو فعَّال. فقد كانت الولاية الأولى لترمب بمثابة مغامرة إلــى حـد مـا فيما يتعلق بالسياسة تـجـاه الصين. فقد ظلت النزعة المتشددة والسياسة القائمة على الصفقات والتعاملات تتصادمان باستمرار. وعلى مــــدى ثــــاث ســـنـــوات، لـــم يــكــن واضـــحـــا مـــا إذا كــان ترمب يسعى إلى إبرام صفقة تجارية كبرى، أم إلى إطلاق حرب بـاردة جديدة. لكن النتيجة النهائية، » مـن ضغوط 19 - مـع مـا أحـدثـتـه جائحة «كـوفـيـد إضافية على العلاقة بين البلدين، كانت واضحة: التحول نحو منافسة أشد في مختلف المجالات، من الترتيبات التجارية إلى الشؤون العسكرية. أمــــا ســيــاســة تــرمــب تــجــاه الــصــن فـــي ولايــتــه الثانية، فقد بدت أكثر تطرفا واضطراباً، إذ بدأت بـفـرض رســـوم جمركية مرتفعة للغاية، وبحديث عن صعود «الصقور المتشددين» في واشنطن، قبل أن يتراجع الاثنان معا بعدما أدت الحرب التجارية المـبـكـرة الـتـي شنها الـرئـيـس الأمـيـركـي إلــى نتائج عكسية. وكانت إدارة ترمب تعتقد أنها تمتلك القدرة على التحكم في مسار التصعيد حين فرضت على ،2025 ) بــكــن رســـومـــا جـــديـــدة فـــي أبـــريـــل (نـــيـــســـان انطلاقا من أن الصين تصدّر إلى الولايات المتحدة أكثر بكثير مما تستورده منها. لكن آدم بوزن، من معهد بيترسون للاقتصاد الــدولــي، كــان قـد حـذّر بـصـورة استباقية مـن أن الــولايــات المـتـحـدة تبقى عرضة للخطر، لأنها تفتقر إلى بدائل جاهزة للسلع والمـــكـــونـــات الــحــيــويــة الــتــي تــســتــوردهــا مـــن بـكـن. وكتب حينها: «قد تعتقد إدارة ترمب أنها تتصرف مــن مــوقــع قـــوة لكنها فــي الـــواقـــع تـضـع الاقـتـصـاد الأميركي تحت رحمة التصعيد الصيني». وبالفعل، هـددت الرسوم الانتقامية الصينية بترك المستهلكين الأميركيين أمام رفوف فارغة. كما أن القيود الصارمة الجديدة على صادرات المعادن الأرضـــيـــة الــــنــــادرة تـــوعّـــدت بــشــل شـــركـــات صـنـاعـة السيارات وشـركـات الـدفـاع الأميركية، ما أدى إلى تــراجــع تــرمــب، الأمـــر الـــذي بــــدوره قـــاد إلـــى هـدنـات متكررة بشأن التجارة والـرسـوم الجمركية، وإلى تليين الموقف الأميركي في قضايا أخرى أيضاً. وتلقى «الصقور المـتـشـددون» ضربات بعدما أُقيل مستشار الأمـن القومي مايك والتز وعـدد من كبار مساعديه. كما خففت الإدارة القيود المفروضة على بيع الرقائق الحاسوبية المتطورة إلى الصين، بعدما اكتسب المسؤولون الذين كانوا يأملون في إدمــــان بـكـن عـلـى الـتـكـنـولـوجـيـا الأمـيـركـيـة نـفـوذا أكــبــر. وعـمـلـيـا، جـمّــد تـرمـب اتــخــاذ تـدابـيـر جـديـدة تهدف إلى تقييد تدفق التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين. غير أن الأمر لم يكن وديا بالكامل، إذ واصلت الإدارة تعزيز التعاون العسكري مع حلفاء الولايات المـــتـــحـــدة فــــي غـــــرب المـــحـــيـــط الـــــهـــــادئ، كــمـــا أطـلـقـت واشنطن شراكات تتعلق بالمعادن الحيوية مع دول صديقة، إلى جانب مبادرات أخرى خاصة بسلاسل ، وافق ترمب بهدوء 2025 التوريد. وفي أواخر عام على صفقات أسلحة قياسية لتايوان. لكن الإدارة الأمـيـركـيـة ظلت فـي الـوقـت نفسه تـسـعـى إلـــى خـفـض حـــدة الـــتـــوتـــرات بـــن واشـنـطـن وبـكـن، وكثيرا مـا بــدا ترمب أكثر اهتماما بإبرام الـصـفـقـات، مثل شـــراء الـصـن لـلـطـائـرات التجارية والمـــنـــتـــجـــات الــــزراعــــيــــة الأمـــيـــركـــيـــة، مــــن اهــتــمــامــه بــمــاحــقــة المـــلـــفـــات الـــتـــي تــمــثــل جـــوهـــر الــتــنــافــس الاستراتيجي مع بكين. وقد يبدو أن الطرفين يحاولان تفادي منافسة مـحـصـلـتـهـا صـــفـــر، وكــــــأن عـــقـــدا مــــن الاحـــتـــكـــاكـــات المتصاعدة بدأ يشهد انفراجاً. لكن الواقع يشير إلى أن ضغوط التنافس تــزداد بوتيرة متسارعة، وأن الصين تــزداد جــرأة، حتى بينما يتطلع ترمب إلى لقاء «صديقه العزيز» شي. ومــــن المـــؤكـــد أن المــنــافــســة فـــي مـــجـــال الإكـــــراه الاقـــتـــصـــادي أصـبـحـت أكــثــر صــعــوبــة. فـالأسـلـحـة الاقـتـصـاديـة تظل أفـضـل مـن الأسـلـحـة الحقيقية، لأنها تتيح لأقوى قوتين في العالم فرض إرادتهما دون المــخــاطــرة بــالــدخــول فـــي حــــرب. وعــلــى مـدى ســـنـــوات، كـانـت هـــذه مـنـافـسـة غـيـر مـتـكـافـئـة، فقد اعـــتـــمـــدت الـــصـــن غـــالـــبـــا عـــلـــى أدوات مـــثـــل حـظـر التجارة وقيود السياحة لمعاقبة خصومها، بينما استخدمت واشـنـطـن ضـوابـط التصدير وغيرها مــن الأدوات الـدقـيـقـة لتعزيز تفوقها عـلـى بكين، لـكـن هـــذا الــوضــع تـغـيّــر؛ إذ أظــهــرت أزمـــة المـعـادن النادرة أن الصين باتت تمتلك ترسانة اقتصادية مــتــطــورة يـمـكـن تـوظـيـفـهـا بـوصـفـهـا مــصــدر قـوة جيوسياسية. كما يبدو أن المواجهة التكنولوجية تتجه هي الأخـرى نحو مزيد من التصعيد. فإطلاق نموذج «مـيـثـوس» مــن شـركـة «أنــثــروبــيــك»، وهـــو نـمـوذج متقدم للذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة لافتة على اكتشاف الثغرات السيبرانية واستغلالها، يشكّل لمحة استباقية عن مرحلة قد تصبح فيها المواجهة الأميركية - الصينية في الفضاء السيبراني أقل تـسـامـحـا بـكـثـيـر. ولا تــــزال الـــولايـــات المـتـحـدة في موقع الصدارة، لكن النماذج الصينية قد لا تتأخر عنها سوى بضعة أشهر. وبـالـنـظـر إلـــى مـــدى الــعــدوانــيــة الــتــي أبـدتـهـا الصين في اختراق البنية التحتية الأميركية، فلا ينبغي الافتراض أن بكين ستتعامل بضبط نفس مع الأسلحة السيبرانية المتقدمة. وليس الـذكـاء الاصطناعي الجبهة الوحيدة التي تدور عليها المعركة التكنولوجية، ففي مقال حديث بمجلة «فورين أفيرز»، حذّر مستشار الأمن القومي الأمـيـركـي السابق جيك سوليفان مـن أن الـصـن تسعى إلـــى الهيمنة فــي مــجــالات حيوية تـمـتـد مـــن بـــطـــاريـــات الـــســـيـــارات الــكــهــربــائــيــة إلــى التكنولوجيا الحيوية. وقد بدا واضحا أن المحللين الصينيين كانوا قلقين من استراتيجية «الـنـادي متعدد الأطــراف» التي انتهجتها إدارة بايدن لعزل بكين. أما اليوم، فــهــم يـــــرون فـــرصـــا أكـــبـــر لـلــتــفــريـق بـــن الــخــصــوم والسيطرة عليهم فـي التعامل مـع ترمب المتقلب والأحادي النزعة. كـمـا أن هــنــاك غـمـوضـا دائـــمـــا بــشــأن مـــا الـــذي يـــريـــده تـــرمـــب حـــقـــا. فــحــتــى بــعــد أكـــثـــر مـــن خمس سنوات على وجوده في البيت الأبيض، لا يزال من الصعب تحديد ما إذا كان هدفه يتمثل في تعزيز الموقع الجيوسياسي للولايات المتحدة في مواجهة الــصــن، أم فــي إبــــرام صفقة تـجـاريـة تـبـدو مذهلة ظـاهـريـا، تـزيـد الـــصـــادرات الأمـيـركـيـة، لكنها تقدم تنازلات في ملفات تايوان والتكنولوجيا وغيرها من ساحات الصراع على النفوذ العالمي. ومــــن المـــؤكـــد أن مـــســـار الــتــنــافــس الأمـــيـــركـــي - الصيني سيتأثر بما سيحدث فـي بكين الأسبوع المقبل. لكن تأثيرا أعمق بكثير سيتحدد من خلال مـــا إذا كــــان الـــطـــرفـــان ســـيـــتـــخـــذان، أو لـــن يــتــخــذا، خطوات خلال ما تبقى من ولاية ترمب وما بعدها، لتعزيز موقعيهما حول العالم. ويـبـدو أن شـي يـــدرك هــذه الحقيقة بـوضـوح، بينما يظل ترمب شخصية يصعب فك شفرتها. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» OPINION الرأي 12 Issue 17332 - العدد Tuesday - 2026/5/12 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com الأسلحة الاقتصادية تظل أفضل من الأسلحة الحقيقية لأنَّها تتيح لأقوى قوتين فرض إرادتهما من دون حرب *هال براندز بريطانيا... نهاية الولاءات القديمة انــتــهــت الانـــتـــخـــابـــات المــحــلــيــة فـــي بـريـطـانـيـا، وظـــهـــرت الــنــتــائــج، وأكـــــدت أن الــســاحــة السياسية التي كانت محتكرة طيلة عقود طويلة من حزبين يَــتــوالــيَــان حكمها، قــد صـــارت الآن ملعبا مفتوحا أمام سبعة أحزاب. وأبانت كذلك أن بريطانيا ليست بمعزل عما يحدث في جوارها وحولها من تغييرات فـــي الـــتـــضـــاريـــس الــســيــاســيــة بـكـثـيـر مـــن الـــبـــلـــدان، ونـتـيـجـة لـــذلـــك، لــيــس بـمـسـتـغـرب لـــو رأيـــنـــا قـريـبـا نـايـجـل فــــاراج زعــيــم حـــزب «الإصـــــاح» البريطاني دوانينغ ستريت. 10 اليميني الشعبوي، يجلس في هزيمة حزب «العمال» في الانتخابات البلدية بـــإنـــجـــلـــتـــرا، والـــبـــرلمـــانـــيـــة فــــي ويـــلـــز واســـكـــوتـــلـــنـــدا، الأســــبــــوع المــــاضــــي، كـــانـــت مــتــوقــعــة ومــنــتــظــرة في آن. قـبـل أسـابـيـع مــن حـدوثـهـا، كـانـت الـكـتـابـة على الــــجــــدران بــخــط عـــريـــض: هـــل هــــذه بـــدايـــة الـنـهـايـة للولاءات الحزبية القديمة؟ نتائج الانتخابات جـاءت لتؤكد مؤكداً؛ وهو أن بريطانيا، منذ الاستفتاء على «بريكست» في ، انعطفت في طريق مهّده اليمين القومي 2016 عام المـتـشـدد. ودخــلــت مـرحـلـة تتغير فيها الأولـــويـــات، لتحظى قضايا الهوّية القومية والهجرة بالذروة، فـي تناسق وتـنـاغـم مـع مـا يـحـدث فـي دول أوروبـــا وفـــي أمـيـركـا وفـــي أمـيـركـا الـاتـيـنـيـة. الشعبويون الـــبـــريـــطـــانـــيـــون ســـــــــاروا عـــلـــى خـــطـــى الــشــعــبــويــن الأوروبــــــــيــــــــن، وركــــــبــــــوا مــــوجــــة الــــهــــجــــرة ورفـــــض المهاجرين. المرحلة الجديدة المقبلة في بريطانيا خطرة، بناء على معطيات الواقع السياسي والاقتصادي، ومـا يقدمه مختلف الـقـراءات السياسية، لأنها من المتوقع أن تدخل بريطانيا في طريق غير مألوف. وإن جاز الوصف، يمكن القول إنها من المحتمل أن تكون بمثابة قفزة غير محسوبة في الهواء، وقد لا تكون أيضا إذا تغيرت الظروف. هذا الرأي قد يبدو في ظاهره متسرعاً، وربما يوصف بأنه يتنكر لما عُــرف به النظام البريطاني من مرونة، ويتجاهل قدرته التاريخية المثبتة على استيعاب وتحمل الصدمات وعلى تجاوزها. وقد يبدو للبعض الآخـر أنـه لا يأخذ في اعتباره كذلك طـبـيـعـة الــنــظــام الانــتــخــابــي الـبـريـطـانـي والـنـاخـب الــبــريــطــانــي. وكــــل مـــا ســلــف لا يــجــانــبــه الـــصـــواب. وفـــي المــقــابــل، فـــإن الــتــفــاؤل الـقـائـم عـلـى تـجـاهـل ما يـــحـــدث عـــلـــى أرض الــــواقــــع لـــيـــس مـــقـــبـــولاً، ونــحــن نـــرى الـشـعـبـويـن (مـــن الـيـمـن والــيــســار) يتقدمون نحو المركز من الساحة يوما بعد آخـر، قادمين من نـقـطـة كــانــت بــعــيــدة فـــي الــهــامــش الــســيــاســي، فـــإذا بهم على مرمى حجر من مركز المـن. نايجل فاراج قــائــد المــســيــرة الــشــعــبــويــة، كــــان فـــي ســـنـــوات قليلة مضت، محط سخرية وتهكم، هـا هـو، هـذه الأيــام، يقتحم بـقـواعـده الشعبية معاقل وقـــاع «الـعـمـال» و«المحافظين» التاريخية، ويرفع أعلامه فوقها. وأن يخسر «العمال» و«المحافظون» دوائرهم المـوالـيـة تـاريـخـيـا لـيـس بــالأمــر الـجـديـد؛ فـقـد حـدث الأمـــر نفسه مـن قبل مـــرّات عـــدة، واسـتـردوهـا فيما بعد. المختلف هذه المرّة هو عدد الدوائر التاريخية التي فقدوها في ضربة واحــدة، وطبيعة العدو أو الخصم الذي استحوذ عليها. الـــشـــعـــبـــويـــون مــــن الـــيـــمـــن (حـــــــزب الإصـــــــاح) والـــيـــســـار (حـــــزب الـــخـــضـــر)، والـــقـــومـــيـــون فـــي ويـلـز (حـزب ويلز القومي) واسكوتلندا (الحزب القومي الاســكــوتــلــنــدي)، يـزحـفـون مــن جـمـيـع الاتــجــاهــات، ويوطدون أقدامهم في كل المناطق التي تمكنوا من اقـتـحـامـهـا، وهــم مـدعـومـون بـقـواعـد شعبية كانت طيلة سنوات تدين بالولاء للعماليين والمحافظين، ولم تعد ترى في الالتصاق بتلك الــولاءات القديمة فائدة ترجى. يرى المعلقون أن الناخب البريطاني أضحى مؤخرا أكثر استعدادا لتغيير بوصلته بناء على قضايا محددة (مثل الهجرة أو المعيشة)، بدلا من الولاء الحزبي المتوارث. إلـى أيـن تتجه بريطانيا؟ سـؤال ربما كـان في السابق غير قـابـل للطرح. فبريطانيا كـانـت تُمثل بـقـطـار وضـــع عـلـى قـضـبـان سـكـة حـديـد نـحـو جهة مقصودة، بغض النظر عمن كان أو يكون في مقعد الـقـيـادة. الآن أصبح الـسـؤال نفسه شوكة فـي حلق العديدين. الزعيم اليميني الشعبوي نايجل فاراج وقــد وضــع «رجـلـه فـي الــركــاب»، يـبـدو مـن خــال ما ينشر له من صور في وسائل الاعلام، مثل إمبراطور فــي انــتــظــار حـفـل الـتـتـويـج الـنـهـائـي بـالانـتـخـابـات . وهو بعد ما حققه 2029 البرلمانية المتوقعة في عام مــن إنــجــاز تـاريـخـي فــي فـتـرة زمـنـيـة تـعـد قصيرة، يدرك أن المسافة المتبقية نحو الهدف، أضحت قريبة جدا لدى المقارنة بما قطعه من مسافات. المحللون السياسيون البريطانيون يراهنون على أن النظام الانتخابي البريطاني سيكون عقبة كــأداء أمـام نايجل فــاراج، كونه نظاما تأسس على دوائــر انتخابية، وليس على نظام عـدد الأصــوات. ويــقــولــون إن عـــدد الأصـــــوات الـكـثـيـرة لا يـهـم مــا لم تكن مركّزة جغرافياً، بينما تشتتت أصوات مؤيدي فـــــاراج فـــي كـــل الــــدوائــــر دون أن تـحـقـق أغـلـبـيـة في معظمها. ويـحـاجـجـون بـــأن حـكـومـة كـيـر ستارمر الحالية، تشكلت بأقل نسبة تصويت شعبي لحزب في المائة)، 33.7( فائز في تاريخ بريطانيا الحديث مقعداً. في حين 411 رغم الغالبية البرلمانية الكبيرة حـصـد حـــزب فـــــاراج (الإصــــــاح الــبــريــطــانــي) نسبة فـــي المــائــة، 14.3 هــائــلــة مـــن الأصــــــوات بـلـغـت نــحــو ملايين صـوت)، ومع ذلك لم يحصل إلا 4 (أكثر من في المائة من 1 مقاعد فقط (أي أقل من 5 على عدد المـقـاعـد). وهـــذا الـــرأي يـقـود بالطبيعة إلــى الـسـؤال التالي: هل يستطيع النظام الانتخابي البريطاني الصمود طويلا أمام ضغط الملايين الذين لا يجدون تمثيلا عادلا في البرلمان؟ قمة ترمب وشي ستُحدث فرقا حقيقيا هذه المرة جمعة بوكليب المرحلة الجديدة المقبلة في بريطانيا خطرة بناء على معطيات الواقع السياسي والاقتصادي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky