issue17330

الانـــتـــخـــابـــات المــحــلــيــة الــبــريــطــانــيــة عـــــادة تـــتـــنـــاول جمع القمامة، والإســكــان، والـضـرائـب المحلية، ومشكلات البلدية، لـكـن مـنـاقـشـات انـتـخـابـات هـــذا الأســـبـــوع تـــجـــاوزت السياسة المحلية. وتحولت انتخابات المجالس المحلية والعمد وبرلمانا اسكوتلندا وويلز إلى ما يشبه استفتاء حول مستقبل النظام السياسي البريطاني نفسه. النتائج لم تكن مجرد انتكاسة للعمال أو تقدما لحزب «ريفورم». بل انهيار الصيغة السياسية التي حكمت بريطانيا مائة عــام، تـنـاوب خلالها المحافظون والـعـمـال على السلطة، وتهمشت الأحزاب الصغرى. الــزلــزال الحقيقي جــاء مـن ويـلـز، الإمــــارة الصغيرة، أهم المناطق التي وُلدت فيها الحركة العمالية البريطانية الحديثة وسط مناجم الفحم، والنقابات، والصناعات الثقيلة. وحزب العمال من مكونات هوية ويلز السياسية والاجتماعية. نتائج انتخابات الخميس أقـــرب إلــى الإبـــادة السياسية للحزب في ويلز مع صعود «بلايد كيمرو» (حزب ويلز) كأكبر قوة، وقفزة كبيرة لحزب «ريــفــورم»، وتـراجـع العمال إلـى موقع هامشي. إنها ليست مجرد خسارة انتخابية، بل ضربة لهوية العمال السياسية. فـــي اســكــوتــلــنــدا، خــســر الـــحـــزب الــقــومــي الاسـكـوتـلـنـدي سبعة مقاعد فقط وظل القوة المهيمنة، وسيكون، على الأرجح، حـكـومـة أقـلـيـة. لـكـن الــافــت كـــان صـعـود «ريـــفـــورم» ومكاسب جديدة للخضر. اســكــوتــلــنــدا وويـــلـــز تـــؤكـــدان حـقـيـقـة سـيـاسـيـة جـــديـــدة: صعود سياسات الهوية الوطنية على حساب الانقسام الطبقي الـتـقـلـيـدي. فـــالأحـــزاب الـقـومـيـة مـثـل «الـقـومـي الاسـكـوتـلـنـدي» و«بـايـد كيمرو» لـم تعد مـجـرد حـركـات احتجاجية، بـل قوى حكم فعلية تستند إلى الهوية الوطنية والشعور بالتهميش من قبل وستمنستر. أمــا إنجلترا، فقدمت الـصـورة الأكـثـر تعقيداً. «ريـفـورم» حقَّق اختراقات واسعة بانتزاع مئات المقاعد المحلية، وسيطر على مجالس كانت معاقل آمنة للعمال أو المحافظين لأجيال. بـيـنـمـا واصـــــل حــــزب الــخــضــر الـــيـــســـاري تــقــدمــه فـــي الأحـــيـــاء الحضرية الثرية والمتعلمة، خصوصا لندن. المـــشـــهـــد الـــجـــديـــد أعـــلـــن نـــهـــايـــة الـــتـــعـــريـــفـــات الــســيــاســيــة التقليدية؛ «يمين» و«يـسـار» لم يعودا كافيين لفهم السياسة الــبــريــطــانــيــة. «ريـــــفـــــورم»، الـــــذي يـصـفـه كـثـيـر مـــن الإعــامــيــن بــــ«يـــمـــن مـــتـــطـــرف»، يــتــبــنّــى ســـيـــاســـات اقــتــصــاديــة شـعـبـويـة يـسـاريـة، مثل الملكية الـعـامـة لـلـمـواصـات والـطـاقـة والتدخل الحكومي في الاقتصاد. بـيـنـمـا يـمـثـل الــخــضــر طـبـقـة حــضــريــة مــيــســورة تـتـبـنَّــى قضايا البيئة والهوية الثقافية، ولا ذكر لكلمة «أشجار» في برنامج الخضر السياسي. نــقــاشــات المــرشــحــن مـــع الــنــاخــبــن تـــجـــاوزت الــضــرائــب والملكية الـعـامـة والـخـاصـة، إلــى الـهـجـرة، والـهـويـة الوطنية، وأوروبـــــــا، وصـــافـــي الانــبــعــاثــات الــصــفــري، وتـكـلـفـة المـعـيـشـة، والإسكان، والاحتجاجات المؤيدة لغزة، والثقة في المؤسسات. الـــحـــمـــات المــحــلــيــة تــحــولــت إلــــى نـــقـــاش حــــول الــهــجــرة، والخدمات الصحية، وارتفاع الأسعار، والإسكان، والسياسات البيئية. واخـتـفـت الــحــدود بـن السياسة المحلية والسياسة القومية. الضربة الأخطر للعمال كانت انهيار «الجدار الأحمر»، أي الدوائر العمالية التقليدية التي دعمت «بريكست»، ثم صوتت . يتزايد شعور هؤلاء الناخبين بتجاهل 2019 للمحافظين عام وسـتـمـنـسـتـر الـــرســـالـــة الـــتـــي حـمـلـهـا تــصــويــت «بــريــكــســت»، وتــــجــــاهُــــل مـــخـــاوفـــهـــم مــــن الــــهــــجــــرة، والــــهــــويــــة، والـــضـــغـــوط الاقتصادية. فـــي الـــوقـــت نــفــســه، يـسـتـمـر نـــــزف الـــقـــاعـــدة الـحـضـريـة التقدمية للعمال لـصـالـح الـخـضـر، خـصـوصـا فــي الأحـيـاء المـيـسـورة فـي شـمـال لـنـدن والمـــدن الجامعية، الـتـي تحولت فيها قضايا البيئة وصافي الانبعاثات الصفري إلى مكون من هويتها الثقافية والاجتماعية. لكن هذه السياسات نفسها تُنظر إليها بصورة مختلفة تماما في المناطق الصناعية والطبقات العاملة، حيث يخشى كـثـيـرون أن تـتـحـوَّل إلــى تهديد للوظائف والـطـاقـة ومستوى المعيشة. مــا بـــدأ مـنـذ عـقـد مــع «بـريـكـسـت» يــتــجــاوز الــيــوم مجرد هـجـرة الاتــحــاد الأوروبـــــي؛ فقد تعاملت المـؤسـسـة السياسية البريطانية مــع أحــــزاب ولـــد منها «ريـــفـــورم» (مـثـل «يـوكـيـب» و«بريكست») بوصفها مجرد ظواهر احتجاجية مؤقتة. أما الـيـوم، فلم يعد «ريــفــورم» حركة احتجاج، إذ يُناقش بجدية بوصفه قوة قد تقود الحكومة المقبلة مثل الحزب الأكبر عددا في البرلمان المقبل. لكن ذلك أيضا خطر على الاستقرار السياسي. فترجمة هـــذه الـنـتـائـج إلـــى انـتـخـابـات عـامـة تجعل «ريـــفـــورم» الـحـزب الأكـــبـــر بـــا أغــلــبــيــة مــطــلــقــة، فــيــمــا تــــتــــوزَّع بــقــيــة المـــقـــاعـــد بين المـحـافـظـن والــعــمــال والــخــضــر والـلـيـبـرالـيـن الـديـمـقـراطـيـن والأحزاب القومية. وهـنـا قــد تـدخـل بـريـطـانـيـا مـرحـلـة جــديــدة تشبه النظم الأوروبية القائمة على التحالفات الهشة، لكن من دون الثقافة السياسية التي تسمح بإدارتها بسلاسة. فـقـد تـتـحـوَّل كــل قضية إلـــى تـحـالـف مختلف: اصطفاف حـــول أوروبـــــا والــبــيــئــة، وآخــــر حـــول الــهــجــرة أو الــضــرائــب أو الإنفاق الدفاعي. والنتيجة ليست حـكـومـات مـسـتـقـرة، بــل شـلـل سياسي دائم. وفي قلب هذه المتاهة العاصفة يقف كير ستارمر. لـــم يـــعـــد الأمـــــر مـــجـــرد تـــراجـــع فـــي شـعـبـيـتـه. الـحـكـومـات تـسـتـطـيـع الــنــجــاة مـــن اســتــطــاعــات رأي ســيــئــة. لــكــن الـخـطـر الحقيقي أن حـزب العمال يخسر فـي كـل الاتـجـاهـات: لصالح «ريفورم» في المناطق العمالية والتقليدية، وللخضر في المدن الكبرى، و«لبلايد كيمرو» في ويلز، وللقومي الاسكوتلندي في اسكوتلندا. وهذا ليس غضبا عابراً، بل تفكك لتحالفه الانتخابي بعد صدور حكم الناخبين بالفعل. وما ينتظر ستارمر ليس سوى تأجيل لتنفيذ الإعدام السياسي داخل الحزب نفسه. المـــايـــن حــــول الـــعـــالـــم شــــاهــــدوا فـــيـــديـــوهـــات اسـتـقـبـال الحجاج الإيرانيين في المدينة المنورة، بترحاب كبير، حيث قُدّمت لهم الــورود وهم يتوافدون تباعا لأداء مناسك الحج ، بيسر وأمـــانٍ، بعيدا عن أي آثــار سلبية للحرب 2026 لعام الـتـي جــرت فـي الـشـرق الأوســــط، ومــا أفــرزتــه مـن واقـــع أمني وسياسي معقد. هـــذه الـفـيـديـوهـات أثــــارت دهــشــة بـعـض غـيـر الـعـارفـن بسياسات المملكة، كــون السعودية قـد تعرضت لاعـتـداءات عـدة بالصواريخ الباليستية والـطـائـرات المسيرة الإيرانية، فـي الـحـرب الـتـي جــرت بـن إسـرائـيـل والــولايــات المتحدة من فبراير (شباط) الماضي؛ ولم 28 ، جهة، وإيران من جهة أخرى تكن المملكة جــزءا منها، بل نشطت دبلوماسيا لمنع انـزلاق المنطقة إلـى العنف والـفـوضـى، وسعت إلـى تقريب وجهات النظر، والـوصـول إلـى حلول دبلوماسية مستدامة، وأكـدت فــي مـنـاسـبـات عـــدة رفـضـهـا اســتــخــدام أراضــيــهــا وأجـوائـهـا ومياهها الإقليمية لأي أعـمـال هجومية، إلا أنـهـا رغــم ذلك تـعـرضـت لاعــــتــــداءات إيــرانــيــة ظــالمــة طــالــت مـنـشـآت حيوية ومدنية، وأضرت بالأمن الوطني. هـــذا الــســلــوك الإيـــرانـــي، الــــذي ينتهك الــقــانــون الــدولــي صـــراحـــة، تـعـامـلـت مـعـه الـسـعـوديـة ضـمـن الأطــــر العسكرية الدفاعية، والعمل الدبلوماسي النشط، واضعة حدا واضحا بـن السياسة مـن جهة وخـدمـة حجاج بيت الله الـحـرام من جهة أخـــرى، حتى لـو جــاء هـــؤلاء الـحـجـاج مـن الــدولــة التي اعتدت على المملكة، إلا أن الرياض تتعامل معهم بوصفهم مواطنين لا تحمِّلهم وزر هذه الاعـتـداءات، وبوصفهم أيضا ضـيـوفـا أتـــوا لأداء مناسكهم وزيــــارة مـكـة المـكـرمـة والمـديـنـة المنورة. ،2025 يوما بين إسرائيل وإيــران، عام 12 خلال حرب الــ ونظرا لوجود آلاف الحجاج الإيرانيين في السعودية حينها، وعدم قدرتهم على العودة المباشرة إلى بلادهم، أصدر خادم الـحـرمـن الـشـريـفـن المـلـك سـلـمـان بــن عـبـد الـعـزيـز، توجيها لـ«وزارة الحج والعمرة» يقضي بـ«تسهيل جميع احتياجات الحجاج الإيرانيين، وتوفير جميع الخدمات لهم، حتى تتهيأ الـظـروف لعودتهم إلــى وطنهم وأهليهم سـالمـن»، وهـــذا ما عملت عليه الجهات الرسمية المعنية بشكل متقن، بمتابعة حثيثة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ما يهم الحكومة السعودية هو الالتزام بالقوانين المعنية بتنظيم الشعائر، والابتعاد التام عن «تسييس الـحـج»، أو رفــع أي شــعــارات أو صــور أو خـطـابـات ثــوريــة، مـن أي جهة كانت. وهذا الرفض لاستخدام الحج منصة سياسية، ليس أمرا طارئاً، أو مرتبطا بالمتغيرات الأخيرة في منطقة الخليج العربي، بل هو سياسة سعودية متوارثة، تهدف لأن يكون «الموسم» على غاية من التنظيم والأمن والروحانية، والبعد عن كل ما يثير الفُرقة والخلاف، ويحرض على العصبية. فــي هـــذا الـسـيـاق، مــن المـهـم اسـتـحـضـار مــا أدلـــى بــه في ســـنـــوات ســـابـــقـــة، قـــائـــد «قــــــوات الــــطــــوارئ الـــخـــاصـــة» الـــلـــواء الركن محمد العمري، حيث أكد أن «هـدف القوات الأساسي المحافظة على أمن الحج وأمن ضيوف الرحمن»، مشددا على معاملة الحجاج «على كفوف الـراحـة»، وأن «أمـن الحج خط أحمر، لن نرضى الوصول إليه، بل قبل الوصول إليه». هذه اللغة الصريحة يُراد منها وضع حد واضح أمام أي أعمال غير نظامية قبل حدوثها، وإلا تحول الموسم العبادي إلـى هـرج ومــرج ومساحة تستغلها الجماعات الحزبية في الترويج لأفكارها، واستقطاب الأفــراد والتجنيد؛ ما يشكل خطرا حقيقيا على الحجاج والوفود الزائرة وأمن السعودية. تاريخياً، نجد أن ملوك المملكة العربية السعودية، دائما ما كان لقب «خادم الحرمين الشريفين» هو أكثر الألقاب قربا وحبا لهم، كونه يخصهم بـشـرف العناية بالكعبة المشرفة في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المـنـورة، وبقية المشاعر المقدسة، ومن ثم فهم مسؤولون عن راحـة الحجاج وسلامتهم، وأن يعودوا إلى أوطانهم سالمين كما قدموا منها آمنين. عــــدد مـــن المـــرجـــعـــيـــات الــديــنــيــة فـــي حـــوزتـــي «الــنــجــف» العراقية و«قم» الإيرانية، وفق مصادر تحدثت معها، شددوا على أهمية اتباع الأنظمة المراعاة في السعودية، وأن مخالفة القوانين أمر «محرمٌ»، وأن على الحجاج الإيرانيين وسواهم الالتزام بالتوجيهات التي تقدمها لهم السلطات المعنية في المملكة؛ لأن حفظ النظام العام من أوجب الواجبات. الـسـيـاسـة الـسـعـوديـة تـقـوم دائــمــا عـلـى مـنـع اسـتـخـدام الـــديـــن لأغــــــراض ســيــاســيــة وحـــزبـــيـــة، وعـــلـــى تــوفــيــر جميع الإمـكـانـات الخدمية والطبية واللوجستية لجميع حجاج بيت الله الحرام، من أي دولة قدموا؛ بينما القاعدة الأساس لكل ذلك: الالتزام بالقانون، ورفض تسييس الحج، وأن أمنه خط أحمر لن تقبل الرياض بتجاوزه! تلاحقت أخبار وتقارير صحافيّة تفيد فرض «حزب الله» على بيئتِه ما يشبه المنع من أن تحزن. فالبلدات والمدن التي يُسوِّيهَا بـالأرض فجور إسرائيل الدمويُّ، والبيوت التي تُهدّم، وأسباب الحياة وفُــرص العمل الـــتـــي تُــــجــــتــــثُّ، ومـــعـــهَـــا مــــا يُـــســـتـــأصـــل مـن ذكـــريـــات وأشــيــاء وصُــــوَر حميمة، ووجـــوه أحـبّــاء مـاتـوا، وأصـــول نــاس وجـــذورهـــم...، كـــلّـــهـــا يـــنـــبـــغـــي أل تـــحـــجـــب «الانــــتــــصــــار» وتُضعف المعنويّات. هكذا مثلا تستعرض قناة «المنار» الحزبيّة رجالا ونساء وأطفالا ومسنّين مغتبطين ومفعمين بالسُّرور من جرّاء هبوطِهم إلى جحيم سوف تحفظُه في ذاكرتِها أجيال بعد أجيال. وليس إجراء كهذا جديدا على أصحاب التقاليد التي تشبه تقليد «حزب الله». فمن هذا القبيل أن عائلات عراقيّة قضَى بعض أبنائِها في سجون صــدّام حسين، صاحب «أم المـــــعـــــارك»، مُـــنـــعـــت مــــن إعـــــــان الــــحــــداد وارتـــداء اللّون الأســود، وتُركت تعض على حزنِها الخالد داخـل نفوسها المغلقة عليه فلا تذلّله بإشهاره وإقامة العزاء. والــــــيــــــوم نــــجــــدُنــــا فـــــي مــــواجــــهــــة قـمـع الــعــواطــف وإنــكــارهــا لـصـالـح «الانــتــصــار». فحين يطرأ حـدث مؤلم، يستحيل كتمانُه، يكتفي المـعـلّــقـون بكلمتين أو ثــاث تترحّم عـــلـــى الـــضـــحـــايـــا، لـــيـــهـــرولـــوا ســـريـــعـــا إلـــى فـضـح «الــعــدوانــيّــة الـصـهـيـونـيّــة» وتـوكـيـد «الـــصـــمـــود» فـــي مـواجـهـتـهـا و«الانـــتـــصـــار» عليها، مع توكيد البقاء على العهد، كابرا عــــن كــــابــــر، كـــائـــنـــة مــــا كـــانـــت المــــآســــي الــتــي تخبّئها الأيّام والليالي. ولمّا كان المصابون المباشرون بالكارثة من خارج البيئة الحزبيّة هم الذين يعبّرون عن الفقد الكبير، ووحدَهم مَن يُسمع صوت لصراخهم، ويُــرى الدّمع في عيونهم، بدوا هــم المـقـصـوديـن بـحـالـة المــنــع الــحــزبــيّــة، ما يجعل قهرهم قهرين. هـكـذا، وفــي عـبـارات يــــســــطّــــرونــــهــــا عــــلــــى وســــــائــــــل الـــــتـــــواصـــــل، يــتــســاءلــون بـحـرقـتـهـم ويـــأســـهـــم: مـــن يقف معنا؟ من يفعل شيئاً؟ أمّـــــــا خــــصــــوم «حـــــــزب الــــلــــه» فــلــيــســوا، بـــــدورهـــــم، أبـــــريـــــاء. فـــهـــم أيـــضـــا ســـريـــعـــا مـا يــــغــــادرون الإشـــــــارة إلــــى المــــأســــاة لـــيـــؤكّـــدوا على استخلاصات سياسيّة تحمّل الحزب وحربه المسؤوليّة عمّا حصل. ولئن كانت حــصّــة الـحـقـيـقـة هـنـا أعــلــى كـثـيـرا مــمّــا في الـــروايـــة الأولـــــى، بـقـي أن الـتـبـلّــد الـعـاطـفـي يتحوّل صفة تلازم أغلب اللبنانيّين اليوم. وليس من الصعب الوقوع على شيء مماثل فـــي بـــلـــدان المـــشـــرق الـــعـــربـــي المـــبـــتـــاة كـلّــهـا بحروب ضامرة تهم أن تنشب. وهـــذا التسييس الـوحـشـي الـــذي يريد أن «يبرهن» و«يعبّىء» أكثر كثيرا ممّا يريد أن يشعر ويتعاطف ويعبّر هــو، فـي أغلب الـظـنّ، ترجمة لشيوع لـون مـن الــعــداوة، إن في المنطقة ككل أو داخل بلدانها بلدا بلداً. فكأنّنا نخوض حرب الجميع ضد الجميع فــي مـــــوازاة تــلــوّث مجتمعي شـامـل يقتات علينا ونــقــتــات عـلـيـه. وفـــي احـــتـــراب أهـلـي مطلق كهذا يغيب الفرد وألمه أو يُذوّبان في أوضاع الجماعة أو ما يُفترض أنّه جماعة، وأنّها أوضاع. أمّا الذين يقضون في القتال فيعوَّض فقدهم باستخدام فعل «ارتـقـى»، أو بـــوصـــف «شــهــيــد ســعــيــد»، ويــــا لــهــا من سعادة! ومع الانكفاء إلى هويّات مقاتلة تسود شـيـطـنـة أبـــنـــاء الـــهـــويّـــات المـقـابـلـة وتنضب الــعــواطــف حـيـالـهـم، فـيـمـا تـطـلـق الشيطنة الـعـنـان لأفـعـال الشتم والتشهير. ولمّـــا كان «حـــــــزب الــــلــــه» الــــطــــرف الأشــــــــد تـــــورّطـــــا فـي الـعـداوات، والأكثر راديكاليّة في خوضها، بــدا مفهوما أن يـتـحـوّل الـنـاطـقـون بلسانه أشـــد الألـسـنـة طـاقـة فــي الـشـتـم والتشهير هــذيــن. فــالاخــتــاف، مــع انـهـيـار كـــل معيار مـشـتـرك لــلــحــوار، يـسـتـبـدل نــقــاش الحجج والأدلّــــــــــة بـــالـــتـــهـــجّـــم عـــلـــى شـــخـــص الــكــائــن المقابل أو على هويّته المفترضة أو سمعته. وبدورها تصبح اللغة لا أكثر من حجّة على انتماء صاحبها إلى معسكره ومغالاته في هـذا الانتماء التي تصير سببا لترقّيه في تمثيل قومه وجماعته. فــــنــــحــــن، إذاً، وحـــــيـــــال مـــــا تـــضـــاءلـــت إلـيـه الـنـفـوس، أمـــام مجتمعات وأفــــراد بلا عـــواطـــف، أو أن عــواطــفــهــا شُـــوّهـــت تـمـامـا دليلا على حالة مَرضيّة مُتفشّية. وهذا إنّما يرقى إلى اختلال بُنيوي عميق ينم عن أنّنا جميعا بتنا في وضع لا نُحسد بتاتا عليه. وفي سنوات التلمذة كنّا درسنا نعي ابــــن الــــرومــــي مــديــنــة الـــبـــصـــرة بــعــد «ثــــورة الزنج»، والذي استنبط من الدمار إحساسا بــانــهــيــار الـــعـــالـــم، وبـــامّـــحـــاء الـــتـــاريـــخ، مع إبــدائــه احتجاجا أخـاقـيّــا يستنكر العنف والتوحّش. وكنّا درسنا أيضا قصيدة أبي الــبــقــاء الـــرنـــدي وهـــو يــرثــي الأنـــدلـــس الـتـي سقطت، فيتأمّل تقلّب الأزمنة وفناء الدنيا، مـتـعـدّيـا نـسـبـيّــات الـسـيـاسـة إلـــى إطـاقـيّــة المعاناة الإنسانيّة. والـيـوم تبدو الحياة الثقافيّة نفسها فـي خــدَر لا ينجو مـن مفاعيله إلا قليلون. ومـــــن الأرواح الـــــحـــــرّة المــــحــــاصَــــرة يـأتـيـنـا صـــوت عــبّــاس بـيـضـون، الـشـاعـر اللبناني والجنوبيّ، مستعيرا صوت أرميا، الشاعر النبيّ، في مراثيه: «لكن البيت سقط بدويّ. لم يكن لأحد أن يسمعه. مــا مــن لـغـة لــهــذا. هــل كـــان ذلـك صـــوتـــه الأول؟ هـــل يـمـكـن أن يـــكـــون وجـــده في السماء التي أطبقت عليه، في التاريخ الـقـديـم لـلـحـجـارة، فـي مـاضـي الـخـشـب، في ذكرى مطلع الخَلق ومطلع الأشكال؟ )...( هل أمكن لذلك أن يكون انفجار النهار، انفجار المشيئة، هـل أمـكـن أن يـكـون سديم الفكرة، وتـــراب الـبـدء، وربَّــمـا أصـل الأوقــات والعدم المحيي. لقد تكلَّمت الأحجار. تكلمت في الأعلى قبل أن تسقط خرساء، وقبل أن تنطرح في كل مكان». OPINION الرأي 12 Issue 17330 - العدد Sunday - 2026/5/10 الأحد خدمة حجاج بيت الله الحرام بعيدا عن السياسة! بريطانيا تودّع حكم الحزبين التقليديين الحرب... ونفوسنا المصابة بالخَدَر وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة حسن المصطفى عادل درويش

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky