يوميات الشرق ASHARQ DAILY 21 Issue 17327 - العدد Thursday - 2026/5/7 الخميس بعنوان «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال» للفنانة دانة عورتاني منظومة من الفسيفساء تقاوم هشاشة الذاكرة في الجناح السعودي بـ«فينيسيا» فــــــي جـــــنـــــاح الـــــســـــعـــــوديـــــة بـــبـــيـــنـــالـــي فينيسيا، تأخذنا الفنانة دانــة عورتاني في رحلة نخوضها عبر ممرات لنطلع على خريطة فنية لمعالم أثرية وتاريخية دمرت بفعل الحرب. ليست خريطة جغرافية، بل هي تشكيل بديع من الفسيفساء مصنوع مــــن آلاف الـــقـــطـــع المـــصـــنـــوعـــة مــــن الـــطـــن، شُــكّــلـت فــي قــوالــب وطـبـخـت تـحـت شمس الرياض، ثم لونت بألوان طبيعية لتتشكل زخــارف ورسـومـات هندسية مـأخـوذة من مـــواقـــع وبــنــايــات وآثـــــار تـاريـخـيـة عـاشـت مئات السنين في المنطقة العربية عاصرت دولا وممالك حتى طالتها يد الدمار لتنزع منها مكانها وموقعها في التراث الجمعي العربي. دأبــــــت عـــورتـــانـــي فــــي أعـــمـــالـــهـــا عـلـى تصوير موجات الهدم والإزالة التي طالت مـعـالـم أثـــريـــة وتــاريــخــيــة فـــي بـــاد عربية مـــخـــتـــلـــفـــة، فـــمـــن يـــنـــســـى عــمــلــهــا الــضــخــم فـــي أولـــــى دورات بــيــنــالــي الـــفـــن المـعـاصـر بـالـريـاض والـــذي اخـتـزلـت فيه جانبا من تاريخ المسجد الكبير في حلب في سوريا، ثـم بـاطـات حمام السمرة فـي غــزة والــذي قدمته فـي بينالي بـخـارى للفن المعاصر العام الماضي؟ التوثيق بالطين والألوان المـــوضـــوع مـمـتـد، وأعـــمـــال عـورتـانـي تسجل بدأب وصبر ما أزيل ودُمِّر، محملة بقناعة وجوب تسجيل ما نخسره يوميا نـــتـــيـــجـــة الـــــحـــــروب والــــــدمــــــار ومـــــحـــــاولات الإزالة. تتحدث عن الأبحاث التي تقوم بها لمعرفة المزيد عن المباني والأماكن الأثرية التي تتهدم بشكل متزايد. يتزامن عملها مع أعمال عنف متزايدة في المنطقة، وكأنه يسجل التاريخ لحظة بلحظة ويعلق على الـــحـــادث أمــامــنــا، وربــمــا هـــذا الـعـنـصـر ما سيزيد مـن تفاعل أثــر الـجـنـاح، فالتدمير والـهـدم يحدثان الآن، وعـمـل دانـــة يصبح بمثابة التعليق الفوري على ما يحدث. فـــــي فـــيـــنـــيـــســـيـــا، يــســتــحــضــر عـمـلـهـا ثلاثة وعشرين موقعا تاريخيا ذات أهمية تـاريـخـيـة، ويـنـطـوي كــل مـنـهـا عـلـى قيمة ثقافية ومادية بالغة. البداية من الرياض فــــــي الاســــــتــــــديــــــو الــــــخــــــاص بــــهــــا فــي الـــريـــاض، بـــدأت دانـــة الـعـمـل عـلـى القطعة الفنية الهائلة الـتـي تمثل السعودية في بــيــنــالــي فـيـنـيـسـيـا، هـــنـــاك وتـــحـــت أشـعـة الشمس الحارقة انهمك العمال والحرفيون فـــي تـشـكـيـل ورص قـــوالـــب الــطــن بحسب خـريـطـة شـديـدة الـدقــة تحملها عـورتـانـي مـعـهـا، تـتـحـدث مـــع الـحـرفـيـن وتـتـنـاقـش مـعـهـم حــــول الــقــطــع ووضــعــيــة تـركـيـبـهـا، وتـشـيـر إلـــى أن كـــا مـــن هــــؤلاء الـحـرفـيـن يحمل خبرة بهذا النوع من العمل. ليست أطلالا بل تاريخ مشترك تختار لعملها فـي فينيسيا عنوانا مستوحى مـن شعر أبـو نــواس «عسى ألا تجف دمـوعـك يـا مـن بكى على الأطـــال». مـــوضـــوع الأطــــــال مـسـتـمـر فـــي أعــمــالــهــا، تــــنــــاولــــت آثــــــــــارا عــــربــــيــــة كــــثــــيــــرة تـــهــدمـــت وتـحـولـت إلـــى أطـــال اسـتـوجـب تدميرها الــــحــــزن والــــبــــكــــاء، ولــــكــــن دانـــــــة تـــــرى تـلـك الأطــــــال بــنــظــرة خـــاصـــة، تـحـمـلـهـا معها فـي أعمالها، وتستمر فـي أبحاثها حول الآثــــار الــتــي اسـتـهـدفـت، ودمــــرت وتسجل كل جديد، في أثناء مقابلتنا، تتحدث عن مناطق أثـريـة ومساجد وكنائس، وحتى أكـثـر مــن كنيس يــهــودي تـحـول إلـــى دمــار بفضل هجوم عـدوانـي لا يحفل بالماضي والتاريخ والثقافة. رغــــــم اخــــتــــيــــارهــــا لمـــــوضـــــوع تـــنـــاولـــه الـشـاعـر أبـــو نــــواس، فـــإن الـفـنـانـة تختلف مــــعــــه فـــــي ســـخـــريـــتـــه مــــمــــن يــــقــــفــــون عــلــى الأطـــال، وتـقـول إن الأطـــال تمثل تاريخا عـاش وعاصر ثقافات وشعوباً، وسيظل بـــعـــضـــه قـــائـــمـــا بـــعـــد أن يــــذهــــب الــــنــــاس: «أعتقد أن هـذه الحجارة تحمل تاريخها وتـــروي قصص الـنـاس الـذيـن عـاشـوا هنا لمــئــات الـسـنـن. وقـــد تـبـقـى هـــذه الـحـجـارة بعد رحيل الأحــيــاء. لــذا، لـم أتفق مـع تلك الــقــصــيــدة، لـكـنـنـي اقـتـبـسـت تــلــك الجملة تـــحـــديـــدا خــــــارج ســيــاقــهــا واسـتـخـدمـتـهــا لتوضيح وجهة نظري». سجادة الفسيفساء فـي فينيسيا، ينفرد عمل عورتاني عـــلـــى كـــامـــل مـــســـاحـــة الـــجـــنـــاح الـــســـعـــودي مـثـل ســـجـــادة مـــن الـفـسـيـفـسـاء المـصـنـوعـة مـن قـوالـب الـطـوب المـلـونـة. ينقسم العمل لثيمات بصرية مختلفة، كلها مستوحاة من الشرق الأوســـط، بحسب ما ذكــرت لنا في أثناء جولة خاصة لـ«الشرق الأوسط» فـــي الاســـتـــديـــو، حــيــث نُـــفـــذ الــعــمــل خـــارج مدينة الرياض في يناير (كانون الثاني) المـاضـي: «كـل الموتيفات التي أستخدمها هنا مأخوذة من أماكن مختلفة من منطقة الشرق الأوسط، وكلها تعرضت للدمار». فـي بحثها، سجلت تفاصيل المواقع المــدمــرة، ومــا حــدث لـهـا، ثـم أخـــذت مـن كل موقع الأشكال والموتيفات الفنية المميزة، وتشير إلى أن الأشكال والزخارف تختلف فــي أصـلـهـا وتـاريـخـهـا؛ فمنها الـرومـانـي والبيزنطي وغيرها: «الأشكال والتصاميم كـــثـــيـــرة، ولــكــنــي أحـــــرص فـــي كـــل تصميم أقدمه أن يكون هناك إشــارة إلـى مكان تم تـدمـيـره»، وفــي مـوقـع الـعـرض بفينيسيا تعرض كل المعلومات على أحد الحوائط. موقع أثري متخيل موقع الجناح السعودي فـي بينالي فينيسيا يوفر للفنان فرصة هائلة لعرض عمله؛ فالمساحة واسـعـة ومــجــردة، وكـان أمـــــام عـــورتـــانـــي أكـــثـــر مـــن طــريــقــة لـتـقـديـم عــمــلــهــا، ولــكــنــهــا لــــم تــســتــجــب لـــفـــكـــرة أن يـكـون العمل مـعـروضـا بطريقة تقليدية. تـتـحـدث عــن أن طـريـقـة الــعــرض يـمـكـن أن تحمل رسـالـة «لتحرير الآثـــار مـن النظرة الاستعمارية». وتـــلـــجـــأ لأن يـــكـــون عـــرضـــهـــا جـــاذبـــا لـــلـــزائـــر لـــيـــغـــوص داخــــلــــه، يــمــشــي الـــزائـــر عـــبـــر مــــمــــرات مــــحــــددة بــــن ســــجــــادات مـن الــفــســيــفــســاء المـــتـــجـــاورة والمـــرفـــوعـــة على قــواعــد خشبية دون حـــدود مصطنعة أو مفروضة، تقول: «أردنا أن يشعر الجمهور وهو يسير بين هذه العناصر وكأنه جزء من العمل. إنه أشبه بموقع أثري متخيل. لذا فإن الأرضية بأكملها مغطاة بالطين». وتـصـف الـعـمـل بــ«الـتـركـيـب الأرضـــي الغامر» الـذي يضم مزيجا من التصاميم المــخــتــلــفــة: «لــــم أرغـــــب فـــي وضــــع خـريـطـة تــوضــح مــصــدر كـــل نــمــط؛ لأن الـكـثـيـر من هـذه الأنـمـاط موجود في مواقع متعددة. إنه تراث مشترك، ولا يمكن القول ببساطة: هــذا نمط فلسطيني، وهـــذا نمط ســوري، وهــــذا نـمـط لـبـنـانـي. جـمـيـعـهـا متشابهة إلــى حـد كبير؛ فتراثنا مشترك ومهم لنا جميعا ً». وتــــــشــــــرح لــــنــــا الأنـــــــمـــــــاط الـــبـــصـــريـــة والتصميمات الهندسية المستخدمة في الـعـمـل: «هــنــاك نـمـطـان مــن غـــزة؛ أحدهما فسيفساء البريج، والآخر من دير القديس بطرس. وهناك أيضا مجموعة من الأشكال من قصر بيت الدين في لبنان. كما توجد شـــجـــرة نـخـيـل مـــن ديــــر فـــي ســـوريـــا. عند دخول المبنى، سيجد الزائر لوحة جدارية تفصل المفاهيم الرئيسية، وقائمة بجميع المواقع التي أشـرت إليها. معظمها أماكن سكنية كـالمـسـاكـن أو غـــرف المـعـيـشـة، لكن الــكــثــيــر مــنــهــا مــــواقــــع مــســيــحــيــة: أديــــــرة، كنائس، كنيسة المهد، كنيسة جميع الأمم، وبيت لحم والقدس، التي تعرضت لأضرار تاريخية؛ لأن الفسيفساء تُستخدم بكثرة في هذه الأماكن». الجمال الهش مــــن مـــدخـــل الـــقـــاعـــة، تــنــبــسـط الـقـطـع أمـــامـــنـــا فــــي جـــمـــال هــــــادئ وهــــــش، نـتـبـع النقشات المختلفة، نسجل بأعيننا أن هذا النقش أو ذاك ينتمي لمكان معين، بعضها تــشــقــق وبــــــدا كـــأنـــه قــــــادم إلـــيـــنـــا لــلــتــو مـن موقعه الجغرافي الحقيقي حيث الـدمـار والتكسر. ولكن تلك الحالة الهشة جاءت مـن حــرص الفنانة على أن يعكس العمل حالة المواقع الأثرية المتضررة؛ ففي خلطة الطين المستخدمة استبعدت إضافة القش الـــذي يعمل عـلـى تـمـاسـك الـقـطـع، وتـركـت القطع الطينية لتأثير الطبيعة. تــرى أن حـــــدوث الــتــشــقــقــات أمــــر طـبـيـعـي ويــخــدم الـــفـــكـــرة، كـــذلـــك فــعــلــت عـــنـــد اســتــخــدامــهــا الألـــــــــــوان الـــطـــبـــيـــعـــيـــة لــــلــــرســــم عــــلــــى قــطــع الــطــوب، فلم تـحـاول تثبيتها باستخدام مـــواد اصـطـنـاعـيـة: «لـــن يبقى بـهـذا الـلـون الــواضــح؛ لأن الألـــوان طبيعية ويمتصها الـــطـــن، لـكـنـنـي أيــضــا لـــم أرغــــب فـــي وضـع طلاء مانع للتسرب أو أي شيء اصطناعي من هذا القبيل عليه». الفسيفساء من الشرق للغرب وبالعكس اخـتـارت الفنانة اللجوء للفسيفساء لـعـمـلـهـا، وتـــــرى فـيـهـا تـجـسـيـدا لـلـصـات بــن الــشــرق والـــغـــرب: «فـــي أثــنــاء قــراءتــي، وجـــدت أن أول فسيفساء ظـهـرت فـي بلاد مـــا بـــن الــنــهــريــن، وتـــحـــديـــدا فـــي الـــعـــراق. ثـم انتقلت إلــى الإمـبـراطـوريـة الرومانية، وازدهـــــــــر فــــن الـــفـــســـيـــفـــســـاء فــــي إيـــطـــالـــيـــا، حيث اسـتُــخـدم بكثرة فـي أمـاكـن العبادة المسيحية. وعندما وصل البيزنطيون إلى فلسطين وسوريا ولبنان، أعادوا هذا الفن إلـى المنطقة، لـذا فـإن معظم الأنـمـاط التي أستخدمها هنا مستوحاة من الفسيفساء التقليدية الـتـي تـعـود إلـــى تـلـك الحقبة». وربـــمـــا لـــن يـــبـــدو اســـتـــخـــدام الـفـسـيـفـسـاء غريبا على فينيسيا التي تضم كنائسها نماذج فائقة الجمال منها. تضافر الأيدي ألف 30 استغرق العمل ما يزيد على ســاعــة عــمــل، شــــارك فـيـهـا اثـــنـــان وثــاثــون حرفيا من الرياض وخارجها. دأبت الفنانة على الـتـعـاون مـع الحرفيين المتخصصين فــــي أعـــمـــالـــهـــا، ولــــهــــا فــلــســفــة خـــلـــف ذلــــك، تتحدث عن التعاون مع الحرفيين بوصفه أمرا أساسيا بالنسبة لها: «أحاول أن أفكر فـــي الأمـــــر عــلــى الــنــحــو الـــتـــالـــي: لـــن أذهـــب إلـــى مصنع وأطــلــب منهم نـحـت الأحـجـار آلـــيـــا. أفـــضّـــل الــعــمــل مـــع الــبــشــر بـالـطـريـقـة التقليدية؛ لأنني أهتم أيضا بالحفاظ على التقنية التقليدية. وينطبق الأمر نفسه على هذا المشروع؛ فقد تم إنجازه باستخدام الطين التقليدي، لكنني عدّلت التقنية بطريقة مـا، فالطوب اللبن التقليدي يحتوي على الرمل والقش لجعله قويا ولا يتشقق. لقد استبعدت ذلك عــمــدا لأجـعـلـه يـتـشـقـق. عــــادة مــا يُستخدم طوب اللبن في بناء الهياكل والمنازل، لكنني أستخدمه كأرضية. لذا، من الضروري فهم الحرفة التي نعمل بها. أحرص على إشراك الأشخاص المعنيين طوال العملية. سيرون صـــــورا لــلــمــشــروع، وســيــتــم ذكــــر أسـمـائـهـم بوصفهم متعاونين معي». سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية) تصاميم هندسية من الأماكن المدمرة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية) دانة عورتاني مع القيِّمة أنطونيا كارفر والقيِّمة المساعدة حفصة الخضيري (هيئة الفنون البصرية) تصاميم هندسية ونباتية وحيوانية من مواقع عربية مهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية) الرياض - لندن: عبير مشخص الجناح السعودي يُنظّم بتكليف من هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky