issue17327

عـــــــــوضـــــــــا عــــــــــن مـــــاحـــــقـــــة ضـــوضـــاء الــــحــــروب والأزمــــــات والـــــــكـــــــوارث الـــطـــبـــيـــعـــيـــة وغـــيـــر الـــطـــبـــيـــعـــيـــة، يـــــجـــــدر الـــلـــحـــاق بـــفـــعـــالـــيـــات إنـــســـانـــيـــة تـمـحـو قَـــــدْر اسـتـطـاعـتـهـا مـــضـــار تلك الــــــــحــــــــوادث... لمـــــا مـــــــــررت عـلـى الـــــريـــــاض مــــؤخــــرا غــــيــــرت دفـــة مـتـابـعـة أزمـــــات لـــم تــنــتــه بـعـد، وتصريحات متخبطة لا تقف عــــنــــد حــــــــد، فــــوجــــهــــتــــهــــا نــحــو استكشاف آفاق جديدة تجتهد في العمل وبث الأمل. وجـــــــــــــدت فــــــــي الــــــــصــــــــدارة «مـــركـــز المـــلـــك ســلــمــان لــإغــاثــة والأعـــمـــال الإنـسـانـيـة»، يُــشـرِف عـــلـــيـــه المــــســــتــــشــــار بـــــالـــــديـــــوان الملكي د. عبد الله عبد العزيز الـــربـــيـــعـــة، الــــجــــراح الــــبــــارع في عملية ناجحة حتى الآن... لكنه التزاما بتوجيهات 70 فصل التوائم السيامية؛ أجرى الملك وولي العهد، يعزز حالة وصل غير قابلة للفصل وهي «جينات العطاء والنبل» المكونة «للهوية العربية الإسلامية السعودية». ليس ســرا أن المـلـك سلمان بـن عبد العزيز هـو الباعث الرئيس لنشاط برامج السعودية الإنسانية والتنموية البارزة خلال السنين الأخيرة. يتضح السر لمن تتبع مسارات عمل الملك سلمان منذ إمارة الرياض حتى اليوم، فيكتشف مقدار اهتمامه بتجسيد وتجديد العطاء السعودي، كـذا إلهامه لمساعديه وكـل فـرق العمل؛ «كلمة المـلـك سلمان نــبــراس يهتدي بـه الـعـامـلـون» حسب د. الربيعة، تجعلهم يواصلون بشغف بلوغ أي هدف تتضمنه الرسائل والتوجيهات الملكية. على الضفة اليمنية مثلاً، يُذكَر أن خادم الحرمين الشريفين تصدّر رئاسة لجان أهلية للتبرعات والإغاثة خلال مراحل مختلفة من ثمانينات القرن العشرين عقب كوارث طبيعية (زلازل وفيضانات) حلت بشمال اليمن وجنوبه، إلى غيره من مختلف أرجاء العالم. وحـــرصـــا عـلـى اســتــدامــة حــضــور الأثــــر الإنــســانــي الـــســـعـــودي، تـــم وضـــع إطـــار مـؤسـسـي للجهود الإنـسـانـيـة والـتـنـمـويـة حـتـى امــتــدت عـبـر جـسـور بـريـة وبحرية وجوية إلى فلسطين، والـسـودان، وسوريا، وتركيا، وباكستان وأوكرانيا وغيرها وفق استعداد مسبق سريع الاستجابة، عبر مركز صار يُشار بالبنان إلى ريادته ) مؤكدا تغير صورة السعودية 2015 » بإنجازات ملموسة، منذ نشوئه (مايو «أيار مـن مجرد مصدر تمويل، إلــى شـريـك أصيل بتنفيذ بـرامـج المـسـاعـدات الـدولـيـة؛ لا تتعجب حين تسمع يوما ما أن بعض المشاريع والبرامج الأممية صـارت قيد نظر ومراجعة وإشراف هذا المركز العامل وفق أسس «الحوكمة». يُــحــسَــب لاســـتـــدامـــة الــعــمــل الإنـــســـانـــي الـــســـعـــودي عــلــى نــحــو مـنـظـم ومـتـحـيـز للمتضررين مـن الـنـكـبـات، أن هــز أرضـيـة أحــكــام مسبقة وأحـبـط حـمـات إعلامية مضللة. لأن الـعـمـل، عـلـى أســـاس خـدمـة الإنـسـانـيـة بغير أجــنــدة خـفـيـة، عــنــوان سـرديـة السعودية المتجددة، حري بالمؤسسات العامة والمدنية في البلدان المنكوبة، أن تواكب هذه السردية بوعي وجدية، فتغدو جزءا ملهما فيها، لا سيما اليمن الذي تلقى - ولا مليارات ونصف المليار 4 يزال يتلقى - النصيب الأعظم من إجمالي المساعدات - قرابة دولار، ويحتضن ثلاثة فروع للمركز - ناهيك عن نشاط مشروع مسام لنزع الألغام. دولـة تستفيد من مساعدات الجانب 113 سـواء كان المستفيد اليمن أو بقية الــ السعودي، فإن عليهم مراعاة تغير المنهج، والعمل على تطوير تعاطيهم مع جانب يصنع أداؤه وعــطــاؤه المـلـمـوس الأثــــر المـبـاشـر عـلـى حـيـاة المستفيدين وســـط تلك البلدان؛ كونه يستهدف تحقيق شراكة تصنع الفارق الواضح، سواء أكان بتمكين المهارات أو إنقاذ الحياة. تفرغ من مطالعة فعاليات «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعـمـال الإنسانية»، وتنتهي من الإصغاء لأحاديث شيقة للدكتور عبد الله الربيعة في مجالس خاصة ، فتستشعر 2026 ) أبريل (نيسان 29 أو محاضرات عامة - آخرها بجامعة المعرفة جدوى الفصل بين من يختلق المعاناة لأبناء بلاده وبين من يخففها عنهم، ومتعة اتساع نطاق المتابعة إلى زارعي الأمل وسط صحاري اليأس والقنوط، بغير أجندة سوى تسخير القدرات لإغاثة الإنسان وتمكينه من تجويد الحياة في أي مكان. تـشـعـر بــــأن حــكــومــة المـــرشـــد الإيـــرانـــيـــة أصـابـتـهـا عدوى الولايات المتحدة في التعامل مع مشكلات العالم من حولها! فـالـولايـات المـتـحـدة اخـتـرعـت أسـلـوبـا فـي التفاعل مــع أي قضية فــي الـعـالـم، وهـــو أســلــوب دأبـــت الإدارات المتتابعة في واشنطن على الأخذ به. ولمـاذا لا تأخذ به وهي تجد فيه ما يريحها؟ والأهم أنه يفيد الأميركيين ولا يكاد يفيد أصحاب القضية في أي شيء. الأسـلـوب الأمـيـركـي المعتمَد هـو إدارة أي مشكلة، أو أزمـــة، أو قضية، بـديـا عـن حلها، والمـعـنـى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب مثلا إذا قررت التصدي للأزمة في ليبيا، فإنها تظل ترسل المبعوث من وراء المبعوث إلى طرابلس في الغرب مـرة، وإلـى بنغازي في الشرق مرة، ويظل المبعوثون المتوالون يقترحون حلولا يعرفون هُم أنفسهم أنـهـا لـن تـصـادف قـبـولا لــدى الأطــــراف الليبية المتنازعة، ويكون هذا مقصودا في كل مرة. ولا تكون النتيجة إلا بقاء الأزمة كما هي، بل إنها تتعقد بـمـرور الـوقـت وبحكم طبائع الأشــيــاء، ولكنها تبقى قائمة بغير حل، ولا يطرأ عليها أي جديد سوى أن هـــذا المــبــعــوث الأمــيــركــي يــــروح، ومـــن بــعــده مبعوث آخر يجيء، وبخلاف ذلك لا جديد ولا شيء يطرأ على الأرض. خُــــذ الأزمــــــة الـلـيـبـيـة المـسـتـعـصـيـة مـــثـــالاً، وحــــاول أن تــعــود بـهـا إلـــى بـدايـتـهـا، ثــم إلـــى الـلـحـظـة الــتــي قـرر الأمـيـركـيـون فيها أن يتدخلوا لحلها، وســـوف تــرى أن الأسلوب ثابت لا يتغير فيها وفي غيرها: إدارة الأزمة بإطالة أمدها لا حلها! شــــــيء مــــن هــــــذا بــــدأتــــه حـــكـــومـــة المــــرشــــد مـجـتـبـى خـامـنـئـي المـخـتـفـي فــي إيـــــران، فـمـنـذ أن تـوقـفـت الـحـرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، والـوفـود الأميركية والإيرانية تروح وتــــجــــيء إلـــــى بـــاكـــســـتـــان الـــتـــي تـسـتـضـيـف مـــفـــاوضـــات الجانبين، حتى ولو كانت قد تجمدت مؤقتاً. في كل مرة يرجع الطرفان من العاصمة إسلام آباد مـن دون الــوصــول إلــى شـــيء، أو يحضر طــرف ويغيب الآخــــر، ولـكـن الـظـاهـر أمـامـنـا أن الــطــرف الإيـــرانـــي يقدم اقـــتـــراحـــات لـلـحـل يــعــرف هـــو نـفـسـه مـسـبـقـا أن الــطــرف الأميركي سوف يرفضها، فـإذا رفضها عاد الإيرانيون يـقـدمـون للباكستانيين اقـتـراحـات أخـــرى، ولا تختلف هــــذه الاقــــتــــراحــــات الــثــانــيــة فـــي شــــيء عـــن الاقـــتـــراحـــات الأولـــــــى... وهـــكـــذا وهــــكــــذا... والــقــصــد هـــو إدارة الأزمـــة واستغراق الوقت، ثم الرهان على ملل الطرف الأميركي، أو على مجيء أزمـة أخـرى أكبر تشغله عن التركيز مع الإيـــرانـــيـــن. هـــذا أســلــوب اشـتـهـر بــه الـــبـــازار أو الـتـجـار في إيـــران، وهـو كما نـرى لا يكاد يختلف عن الأسلوب الأميركي المعتمد إياه! ولا يختلف أيضا عن الفكرة في أسطورة السيدة دنلوب اليونانية الشهيرة، فلقد كانت دنلوب ترفض كل عريس يدق بابها، وكانت تقول إنها سوف تقبل مَن تراه مناسبا منهم عندما تنتهي من ثوب في يدها تنسجه، ولكنها كانت تفك ليلا ما تنتهي منه في النهار. كانت دنلوب تستهلك الوقت في الأسطورة، وكانت تـــواصـــل دعــــوة الـــذيـــن يـــدقّـــون بـابـهـا إلـــى أن يـنـتـظـروا، وكانت تستمهلهم ولا تمل ولا تيأس، وكان الهدف كله أن تُطيل الوقت، وأن تجعل منه مادة للتداول والتعامل. ومــن قَبيل ذلــك فـي الحالة الإيـرانـيـة أن تقترح حكومة المــرشــد أن يـكـون الـتـفـاوض عـلـى ثـــاث مــراحــل: واحـــدة تــكــون بـإنـهـاء الـــحـــرب، والـثـانـيـة تــكــون بــالــوصــول إلـى اتفاق نــووي، والثالثة بالانخراط في محادثات أمنية إقليمية. هـــذه مــراحــل ثـــاث تـحـتـاج إلـــى دهـــر لا إلـــى وقــت، ويكفي أن نعرف مثلا أن المرحلة الثانية بـدأت من أيام الــرئــيــس الأمـــيـــركـــي بـــــاراك أوبــــامــــا، ثـــم مــضــت بـــن شد وجــــذب، وكــانــت كـلـمـا قـطـعـت خــطــوة إلـــى الأمــــام عــادت تقطع خـطـوات إلــى الــــوراء، ليكون الـحـسـاب الإجمالي بالسالب لا بالموجب، ثم يكون بالخصم في المجمل لا بالإضافة. مضت إيـــران على هــذا الـحـال منذ بــدء التفاوض، ولا تـــزال تـأمـل مـواصـلـة المـضـي عـلـيـه، ولكنها مـدعـوّة إلى أن تفرِّق بين الواقع المتغير المتبدِّل، وبين الأسطورة التي عاشت وتعيش وسوف تعيش، لا لشيء إلا لأنها أســــطــــورة، أمــــا الـــواقـــع فـيـظـل مـحـكـومـا بــأشــيــاء أخـــرى ليس من بينها الأشياء التي تحكم الأسطورة، وتحكم بقاءها، وتحكم التجدد في معناها من عصر إلى عصر. إيـــــران مـــدعـــوّة إلـــى أن تــــدرك أنــهــا لـيـسـت دنــلــوب، حتى ولو كانت تعمل على استهلاك الوقت واستغراقه، وليست دول الخليج الجارة لها في مقام العرسان الذين كانوا يدقون باب السيدة دنلوب، وإذا كان الاتفاق الذي جرى توقيعه أيام أوباما في شأن البرنامج النووي قد أخفق في النهاية، فلأن دول الخليج لم تكن حاضرة في مراسم توقيعه، ولم تكن مطالبها مرعية يوم التوقيع. لم تكن حاضرة رغم أنها طرف أصيل في الموضوع، ولا بديل عند توقيع اتفاق جديد عن أن تكون هواجس دول الخليج ماثلة على الطاولة، وأن تكون ما تفكر فيه جزءا من أي اتفاق، وإلا، فسوف يُعاد إنتاج الاتفاق السابق. لقد أطلق الرئيس ترمب عملية «مشروع الحرية» قـــاصـــدا تـمـكـن الــســفــن الــعــالــقــة فـــي مـضـيـق هـــرمـــز من مواصلة رحلتها، وكان عند إطلاقها يريد في الحقيقة أن يـقـول إن اعـتـمـاد الأســطــورة اليونانية فـي التعامل مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يـدوم، وإنـه إذا كان قد استمر كأسلوب، فلا يمكن استمراره إلى الأبد، لأن صبر الإدارة في واشنطن لن يطول. صـــبـــر دنــــلــــوب كـــــان مــــن نـــــوع صـــبـــر أيــــــوب (عـلـيـه السلام)، ولكن سوء حظ الحكومة في طهران أن الرئيس تــرمــب متعجل بـطـبـعـه، ولا يـطـيـق الـصـبـر، ولا يعرف طريقا إليه. والمعنى أن الأسطورة إذا كانت قد أسعفت الإيرانيين مرة، فلن تسعفهم في كل المرات. Issue 17327 - العدد Thursday - 2026/5/7 الخميس OPINION الرأي 14 النفي الذي أصدرته الحكومة الإثيوبية لم يكن كافيا أو مقنعا لاحتواء الاتهامات السودانية العمل على أساس خدمة الإنسانية بغير أجندة خفية عنوان سردية السعودية المتجددة لسوء حظ الحكومة في إيران أن الرئيس ترمب متعجل بطبعه ولا يطيق الصبر عثمان ميرغني سليمان جودة إثيوبيا والسودان... من حرب الظل إلى حافة المواجهة لم تعد المواجهة بين السودان وإثيوبيا مجرد خلاف حــــدودي أو نــــزاع مــزمــن حـــول ســد الـنـهـضـة. فالهجمات الأخـــيـــرة بــالمــســيّــرات، والاتـــهـــامـــات الــســودانــيــة المـبـاشـرة لأديــــس أبـــابـــا، تـكـشـفـان أن الــعــاقــة بـــن الـبـلـديـن دخـلـت مرحلة أكثر خطورة، عنوانها الانتقال من «حـرب الظل» إلى صراع يقترب تدريجيا من المواجهة المكشوفة. ولـــذلـــك لـــم يــعــد الـــســـؤال فـــي الــــســــودان مـــا إذا كـانـت إثــيــوبــيــا تــتــدخــل فـــي الـــحـــرب الــــدائــــرة، بـــل إلــــى أي مــدى يمكن أن يذهب هذا التدخل قبل أن يتحول إلى مواجهة مـبـاشـرة بــن الـبـلـديـن؟ فـالـخـرطـوم تـتـحـدث الــيــوم بلغة اتـهـام صريحة بـشـأن انـطـاق المـسـيّــرات الـتـي استهدفت مـطـار الـخـرطـوم ومــواقــع أخـــرى مـن الأراضــــي الإثيوبية، بينما تـبـدو أديـــس أبـابـا - الـغـارقـة بــدورهــا فـي أزماتها الداخلية وصراعاتها الإقليمية - وكأنها تعيد تموضعها داخل الحرب السودانية بما يتجاوز الحسابات التقليدية للعلاقات بين الدولتين. الناطق الرسمي للقوات المسلحة السودانية العميد الـــركـــن عـــاصـــم عــــوض عــبــد الــــوهــــاب، كــــان حــريــصــا على تأكيد أن هناك أدلة وإثباتات فنية واستخباراتية قاطعة تـحـصـلـت عـلـيـهـا الــحــكــومــة والأجــــهــــزة المــخــتــصــة تثبت انطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية. وقدّم بصدد ذلك تفصيلات موثقة بالتواريخ تتعلق بعدد من الانتهاكات التي قـال إنها نفذت بواسطة مسيّرات أقلعت مـن مطار بحر دار الإثيوبي. الـنـفـي الــــذي أصـــدرتـــه الـحـكـومـة الإثــيــوبــيــة، لــم يكن كافيا أو مقنعا لاحتواء الاتهامات السودانية، خصوصا في ظل تقارير دولية كشفت منذ نهاية العام الماضي عن وجـــود معسكر كبير داخـــل الأراضــــي الإثـيـوبـيـة لتدريب وإســـنـــاد «قــــــوات الـــدعـــم الـــســـريـــع» مـــــزود بــمــمــرات جـويـة وحظائر للمسيّرات. كما أشـارت تلك التقارير، المدعومة بـصـور مــن الأقــمــار الاصـطـنـاعـيـة، إلـــى عــشــرات الـرحـات الـجـويـة الـتـي نقلت عبرها إمــــدادات الـسـاح إلــى «الـدعـم الـسـريـع». وحسب مـصـادر سـودانـيـة، فــإن الاستخبارات كانت قد رصدت مبكرا تحركات مريبة على الحدود، الأمر الذي دفع الخرطوم إلى توجيه تحذيرات لإثيوبيا أواخر العام الماضي. لــكــن حــكــومــة آبــــي أحـــمـــد، وفــــق الـــرؤيـــة الــســودانــيــة، اخـتــارت المـضـي فـي سياسة الانــخــراط فـي المخطط الـذي تديره أطراف إقليمية، وهكذا فتحت المجال أمام تحركات «قوات الدعم السريع» في المناطق الحدودية، وما تبع ذلك مـن هجمات فـي ولايـــة النيل الأزرق. وفــي ضــوء الوقائع المـاثـلـة، والـتـقـاريـر الاستقصائية الـتـي نشرتها وسـائـل إعلامية دولية، بدا أن النفي الإثيوبي لم ينجح في تبديد الشكوك، خصوصا مع صدور بيانات إدانة ومواقف قلق من القوى المؤثرة في المنطقة، ومن الأمم المتحدة والجامعة العربية ورابطة العالم الإسلامي والإدارة الأميركية. الـــســـودان المـنـشـغـل أصـــا بـحـرب داخـلـيـة مـعـقـدة، لا تبدو لديه مصلحة في فتح مواجهة مع إثيوبيا ما لم يكن يملك معطيات قوية لإسناد اتهاماته. لكنه في المقابل، يــــدرك أن لــديــه خـــيـــارات كــثــيــرة، وأوراق ضـغـط مـتـعـددة يمكن استخدامها، إذا اضطر إلى الانتقال من الاحتجاج الدبلوماسي إلى الرد المباشر أو غير المباشر. فالداخل الإثيوبي نفسه يعاني هشاشة كبيرة، إذ تواجه حكومة آبي أحمد تحديات متصاعدة، من بينها نشاط الحركات المسلحة في أقاليم عدة. من هذه الحركات حركة تحرير بني شنقول التي ذكرت تقارير إخبارية أنها شنت قبل أيـام هجمات على معسكرات «الدعم السريع» داخـــل الــحــدود الإثـيـوبـيـة. كـمـا لا تـــزال احـتـمــالات تجدد ،2022 الــصــراع مـع إقليم تـيـغـراي قائمة رغــم اتـفـاق عــام فـضـا عــن اتــســاع عمليات جبهة «فــانــو» الأمـهـريـة ضد الحكومة. مــع ذلـــك، يـبـدو أن الـــســـودان لا يـــزال يفضل سياسة الــصــبــر والــنــفــس الـــطـــويـــل، تـجـنـبـا لانـــــزلاق المـنـطـقـة إلــى مواجهة مباشرة بين دولتين كبيرتين في القرن الأفريقي، بما قد يحمله ذلك من تداعيات أمنية وإقليمية واسعة. ولهذا بدأت الخرطوم في هذه المرحلة، بخطوات تصعيد دبلوماسية، من بينها استدعاء سفيرها من أديس أبابا «للتشاور»، ودعت إلى اجتماع طارئ للجامعة العربية، مــــع تـــوقـــعـــات بـــالـــلـــجـــوء إلـــــى مــجــلــس الأمــــــن والمــنــظــمــات الإقــلــيــمــيــة، لــــزيــــادة الــضــغــط الــســيــاســي عــلــى الـحـكـومـة الإثيوبية. الواقع أن علاقة حكومة آبي أحمد بأزمة السودان لم تبدأ مع حرب المسيّرات. فمنذ انـدلاع الحرب السودانية، تــبــنــت أديـــــس أبـــابـــا مـــواقـــف عـــدّتـــهـــا الـــخـــرطـــوم مــنــحــازة لــــــ«قـــــوات الــــدعــــم الــــســــريــــع»، وكــــــان مــــن أبــــــرز مــؤشــراتــهــا الاستقبال العلني لقائد «الـدعـم السريع» محمد حمدان دقــلــو (حـمـيـدتـي) فــي أديــــس أبــابــا خـــال الأشــهــر الأولـــى للحرب. كما تحدثت تقارير متعددة عن استخدام الأراضـي الإثــيــوبــيــة مــمــرا لـبـعـض شــحــنــات الـــســـاح المـتـجـهـة إلــى «الـدعـم السريع»، قبل أن يتطور الأمــر إلـى تقديم إسناد لوجستي وعسكري مباشر، ثم إلى الهجمات بالمسيّرات، وفق الاتهامات السودانية. السؤال الأهم يبقى: هل تتجه إثيوبيا إلى نقل «حرب الظل» مع السودان إلى مواجهة مكشوفة؟ وإذا حدث ذلك، فـهـل تـبـقـى المــواجــهــة مـحـصـورة بــن الـبـلـديـن أم تتحول إلـى شـــرارة لـصـراع إقليمي أوســع فـي منطقة تعج أصـا بالتوترات والتنافس الدولي؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الـذي يفرض نفسه اليوم على القرن الأفريقي والبحر الأحمر معاً، في لحظة تتداخل فيها الحروب المحلية مع مشاريع النفوذ الإقليمي وصراع الممرات والموارد وإعادة رسم خرائط القوة في المنطقة. بغير أجندة...! الوقت يرادف الدهر... هنا طهران لطفي فؤاد نعمان

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky