الثقافة CULTURE 18 Issue 17326 - العدد Wednesday - 2026/5/6 الأربعاء عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي حـل «يــوم العمال العالمي» في مطلع هـذا الشهر، كما جـرت الـعـادة منذ عقود، وأعــــــــــادت هــــــذه المـــنـــاســـبـــة إلــــــى الـــواجـــهـــة أعـــمـــالا فـنـيـة مـتـنـوّعـة تـحـتـفـي بـشـكـل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمــنــة، وقلّما نجد أثــرا فنيا كلاسيكيا خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا المــيــدان لـوحـة مــن المــيــراث الـفـنـي الأمـــوي، تبدو استثنائية فـي موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءا من جداريات قُــصـيـر عــمــرة فــي بــاديــة الأردن، ويجمع أهـل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير. يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مـــؤلّـــف مـــن ثــــاث غـــــرف، ومــجــلــس مــكــوّن مـــن ثــاثــة إيـــوانـــات مــعــقــودة. تـــزيّـــن هـذه الــقــاعــات جـــداريّـــات تـجـمـع بــن مـواضـيـع إنـشـائـيـة مـــتـــعـــدّدة، تـشـكّــل أكــبــر بـرنـامـج تــــصــــويــــري مــــدنــــي مـــــعـــــروف مـــــن الألـــفـــيـــة الأولــــــــى فــــي مــجــمــل الـــعـــالـــم المـــتـــوســـطـــي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يــلــف هـــذا الـبـرنـامـج الاسـتـثـنـائـي جـــدران هـــذه الــقــاعــات، ويـمـتـد إلـــى سـقـوفـهـا. في هـذا السياق، تزين سقف الإيـــوان الغربي المـقـوّس شبكة مـن اثنين وثـاثـن مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفــــيــــهــــا يـــظـــهـــر أشــــــخــــــاص فــــــي أوضـــــــاع مختلفة، تختزل مـتـاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيــوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك عــلــى أربـــعـــة صـــفـــوف مــتــســاويــة، اشـتـمـل كل منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالا من أصحاب الحرف المتنوّعة. تحتل هــذه الشبكة مساحة السقف المـقـوّسـة، وتـتـكـوّن مـن جـزأيـن متساويين مــــتــــعــــاكــــســــن، يـــــتـــــكـــــوّن كــــــــل مـــنـــهـــمـــا مــن شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كل منها لوحة يحدّها إطـار خاص بها، كما فـي الشرائط المـصـوّرة المـعـاصـرة. تحتاج قـــــــــراءة هــــــذه الـــــصـــــور بـــشـــكـــل دقــــيــــق إلـــى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جـلـيّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلـــى مـطـلـع الـــقـــرن المـــاضـــي، نُــشــر فـــي أول بـــحـــث عـــلـــمـــي كـــشـــف عـــــن قـــصـــيـــر عـــمـــرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هـــذا الـــرســـم، يـحـضـر رســـم مـعـاصـر نُــشـر ، وفيه تحضر 2007 فـي مجلّد صــدر عــام تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هــذا الإصــــدار. تـواصـل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة تـــرمـــيـــم جــــديــــدة شــمــلــت هـــــذه الـــجـــداريـــة، وأعـــادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة. فــي الــخــاصــة، تــتــكــوّن هـــذه الـلـوحـة مـن صفين مـتـوازنـن مـن جـهـة، يقابلهما صـــفـــان مــــتــــوازنــــان مــــن الـــجـــهـــة الأخــــــرى. خُــصّــص الـصـف الأسـفـل مـن القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلـى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المــــعــــدنــــيــــة، مـــــن الــــصــــهــــر والـــــــطـــــــرق، إلــــى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة الـــتـــي بــقــيــت مــــن هـــــذا الـــصـــف الــــــذي تـلـف وانـمـحـى بشكل كـبـيـر. وخُــصّــص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قــــــراءة صـــــوره الـــتـــي حــافــظــت عــلــى أغـلـب مــكــوّنــاتــهــا. يــتــألّــف كـــل صـــف مـــن ثـمـانـي خـانـات متساوية. الإطـــار واحـــد وجـامـع، وقـــوامـــه خـلـفـيّــة تـتـألـف مـــن ثــاثــة أقـسـام أفـــقـــيـــة. يـــحـــتـــل الـــقـــســـم الأســــفــــل مــســاحــة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقـــاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحـداً، ويــتــألــف مــن رداء أبــيــض بـسـيـط ينسدل حــتــى الــركــبــتــن، مـــع حـــــزام مـــجـــرّد يلتف حول الخصر. فــي الـصـف المــكــرّس لقطع الـحـجـارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلا عامل يقف فـي وضعية نصف جانبية، حاملا أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مـغـايـرة، تـبـدو أشـبـه بمطرقة ثاقبة طـــويـــلـــة. ويـــحـــضـــر فــــي الـــخـــانـــة الــثــالــثــة عامل يحمل ما يُعرف بـأداة الكُوس التي تُــسـتـخـدم لتحديد الـــزوايـــا. فــي الـخـانـات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فــــوق ظــهــر جـــمـــل، ثـــم يــظــهــر هــــذا الـجـمـل وهـو يجر هـذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحل عاملان ينقلان حـــجـــرا ثُـــبّـــت عــلــى رافـــعـــة، وفــــي الـثـامـنـة، يــظــهــر عـــامـــل بــــن واجـــهـــتـــن صـغـيـرتـن متوازيتين. في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولا حـــداد وســط مسبك، ثـم حـداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد فـي حــوض على الأرجـــح، وفــي السادسة، يظهر حِرفي جالسا أمـام حـوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يـواجـه حرفيا زمـيـا يتوجه نحوه رافعا ذراعيه في اتجاهه. الــصــف المـخـصـص لأعــمــال الـقـصـارة تلف بشكل كبير، وبـدا ممحوا في مطلع الـــقـــرن المــــاضــــي، غــيــر أن بــعــض مـامـحـه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابـــة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحل حمار مكان الجمل، كما كشفت أعـمـال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعـمـال النجارة على سـت من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولــى، كـمـا ضــاعــت الـخـانـة الأخـــيـــرة، وظــهــر في الــخــانــة الــثــانــيــة نــــجــــاران يــنــشــران لـوحـا خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخـــر، وفــي الـرابـعـة حـرفـي يحمل مطرقة، وفــي الخامسة حـرفـي يقف رافـعـا خشبة بــن يــديــه، وفـــي الـسـادسـة حـرفـي يجلس أرضا حاملا كذلك مطرقة. انمحت الخانة الـــســـابـــعـــة بــشــكــل كـــبـــيـــر، ومـــــا بـــقـــي مـنـهـا يكشف عـن حرفي يعمل فـي منشرة على الأرجح. يطغى عـلـى هـــذه الــجــداريــة البديعة الأسـلـوب الـرومـانـي، وهـو الأسـلـوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر الـــتـــي تـــعـــود إلـــــى هـــــذا الـــــطـــــراز، غـــيـــر أنـــه يجمعها فـي قـالـب كُـــرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مـرورا بالحدادين والمـــــقـــــصّـــــريـــــن، مــــمّــــا يـــجـــعـــل مــــنــــه لـــوحـــة اسـتـثـنـائـيـة تـتـمـيّــز بـمـوضـوعـهـا، وتلمع بثراء صورها المتقنة. محمود الزيباوي عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش فــــــي الـــــظـــــاهـــــر، يـــــبـــــدو مــــــحــــــور روايـــــــة «فــورور» للكاتب العراقي نـزار عبد الستار (هـاشـيـت أنـــطـــوان/ دار نــوفــل) مشلحا من الفرو، ورجلا لا يزال طفلا يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور. ولـــعـــل المـــحـــطـــة الأبـــــــرز لـــهـــذا الــــفــــورور هــي عـنـدمـا حـــط رحــالــه عـلـى كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مـع العندليب عبد الحليم حـافـظ فـي فيلم «حـكـايـة حــب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة .)1959 «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في تــنــهــض الـــــروايـــــة بـــرمـــتـــهـــا عـــلـــى هـــذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هـذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهـــــذا مـــن مـخـيـلـة الـــكـــاتـــب)، لــتــرتــديــه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلق في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفـــاع الاتــحــاد الـسـوفـيـاتـي الـسـابـق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن المـاضـي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صــابــر عـفـيـف»، هـــذا الــرجــل/ الطفل كان متعلقا بتلابيب فستان والدته. فــــــي خــــضــــم الـــــزحـــــمـــــة، ضــــــــاع مــشــلــح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقا في أوساط طبقة المـشـاهـيـر والأثـــريـــاء، قـبـل أن يستقر عــلــى كــتــف الــشــهــبــانــو فــــرح ديـــبـــا بـلـهـوي، لـدى لجوئها مع زوجها إلـى القاهرة عقب الــــثــــورة الإســـامـــيـــة فـــي إيـــــــران. وبـــعـــد علم «صــابــر» بـذلـك، اتـصـل تليفونيا بسكرتير الشهبانو مطالبا باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، الــتــي سـتـسـتـغـل هــــذا الــخــطــأ الــــذي اقـتـرفـه «صـــابـــر» لـــطـــرده مـــن الــعــمــل، والاســتــحــواذ على الفورور. أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صــابــر» حـن انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطـرش، قبل أن تموت كدرا في لبنان. هــذه هـي قصة «الــفــورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك. الـــفـــورور هـــو فـقـط ذريـــعـــة لـيـخـلـق لنا صـاحـب روايـــة «يـولـيـانـا» خطين سـرديـن، الأول مُـــــغـــــرق فـــــي رومــــانــــســــيــــة مـــشـــرقـــيـــة («وحــيــدة» وبحثها عـن الـشـهـرة)، والثاني يكشف عــن بــــرودة المـؤسـسـات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة). ســنــقــرأ فـــي روايـــــة «فـــــــورور» عـــن الـفـن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضا الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومــريــم فـخـر الــديــن، فـريـد الأطـــرش وفيلمون وهـبـة... وفنانين تشكيليين مثل حـافـظ الـــدروبـــي ولـوحـتـه المـشـهـورة «بـاعـة الــبــطــيــخ»، ويــــوهــــان غــونــتــر ولـــوحـــتـــه «يــد الــخــريــف». وسننتقل مــن بـلـد إلـــى آخـــر مع «وحــــيــــدة» وابــنــهــا ومـشـلـحـهـا الــبــيــج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن. لـكـنـنـا نـــقـــرأ أكـــثـــر عـــن كـيـفـيـة صـنـاعـة النجوم في كواليس تجارة الفن ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبـرام الصفقات فـي دار «كريستيز» وطرقها فـي الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لــبــيــعــهــا بـــأثـــمـــان خـــيـــالـــيـــة، عـــبـــر أســالــيــب مـــلـــتـــويـــة تـــعـــتـــمـــدهـــا هــــــذه الـــــــــدار وغـــيـــرهـــا لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صـابـر»؛ ذلك الـوسـيـط البسيط الـــذي يــــزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصا لا بد من الاستغناء عـنـه، لكي تتمكن الـــدار مـن الاسـتـيـاء على الفورور الشنشيلا وأيضا على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة. مــن الـــروايـــة، يقول 73 فــي الـصـفـحـة الـــــ «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بـمـدرج لبنان فـي عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الــذي رافقني هناك هو أن (وحـيـدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة ، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من 110 الـ أجـل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عـن نفسي، وتـعـرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني». تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «مــــا لـــم يـــحـــدث، ومــــا كــــان يُـــفـــتـــرض بـــه أن يـــحـــدث»، وهـــي تــــصــــوّرات يـتـخـلّــلـهـا الـحـب الجارف في زمن لم يكن كامل الجمال، لكنَّه باهر ويستحق أن يُسردَ. إنـــهـــا روايـــــة مــتــعــددة الــطــبــقــات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الـدفء مقابل بـرودة العالم الرأسمالي، وروايـــة رجـل هو في الحقيقة لا يــزال طفلا فــي أعــمــاقــه، يمتهن بـيـع الــفــن فــي مــــزادات عـــالمـــيـــة بـــــــاردة تــقــيــس الـــقـــيـــم بــــــالأرقــــــام، لا بالقيمة الجمالية للفن. و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاص والـــروائـــي الــعــراقــي نــــزار عـبـد الــســتّــار بعد ،)2018( » )، و«تــــــرتــــــر 2016( » «يــــولــــيــــانــــا .)2020( » و«مسيو داك * صحافي وكاتب سعودي *حسين الحربي اعتبرته الأساطير والكتب المقدسة رمزا للجمال و«التعالي» والخلود أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار لــطــالمــا حـظـيـت شـــجـــرة الأرز بـمـكـانـة مــرمــوقــة لـــم تـتـح لأي شــجــرة مـمـاثـلـة عبر الـــــتـــــاريـــــخ، ســــــــواء تـــعـــلـــق الأمــــــــر بـــالمـــاحـــم والأســاطــيــر أم بـالـكـتـب المـقـدسـة وقـصـائـد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لـــم يــجــد الــبــطــل الـــســـومـــري أفـــضـــل مـــن أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حـــتـــى ولـــــو اضــــطــــره الأمــــــر إلـــــى مــصــارعــة «خـــومـــبـــابـــا»، الـــكـــائـــن المـــرعـــب الـــــذي عـيّــنـه الإلـــه «إنـلـيـل» حـارسـا للغابة. والأرزة هي الـــشـــجـــرة الـــتـــي حـــــرص الــفــيــنــيــقــيــون عـلـى الاســـتـــعـــانـــة بــخــشــبــهــا لـــصـــنـــاعـــة سـفـنـهـم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد. كـمـا ورد اســـم الأرز أكــثــر مـــن سبعين مـــرة فــي الـعـهـد الــقــديــم، بـوصـفـه أحـــد أكثر الأشــجــار صـابـة وجــمــالا وتـحـديـا لغضب الطبيعة وثباتا في وجـه الـزمـن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صــور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرســل لي خشب أرز وســرو وصندل مــن لـبـنـان، فـأنـا أعـــرف أن رجــالــك مـاهـرون فــــي قـــطـــع خـــشـــب الأرز». وجــــــاء فــــي ســفْــر عـــزرا «أعـــطـــوا فـضـة للنحاتين والـنـجـاريـن ومأكلا ومشربا للصيدونيين والصوريين كـي يـأتـوا بخشب الأرز مـن لبنان إلـى بحر يــافــا، حـسـب إذن قــــورش مـلـك فـــــارس». أمـا في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في مـوقـعـي الــجــمــال والــصــابــة فـــي آن واحـــد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راســــخ الأركــــــان، يـصـفـانـه بــالــقــول «جــوائــز بيتنا أرز وروافدنا سرو». ولــــعــــل الـــصـــفـــات الاســـتـــثـــنـــائـــيـــة الــتــي جـعـلـت مـــن الأرز مــوضــع إعـــجـــاب الأنـبـيـاء والمـلـوك فـي العهد القديم هـي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والـتـشـاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعاليا مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إنـــي أشـبّــهـك بـشـجـرة أرز فــي لـبـنـان، بهية الأغــــصــــان، وارفــــــة الـــظـــل، شــامــخــة تُـــطـــاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرة ما، مغروسة على المياه». إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل فـــي دائـــــرة الــبــشــر المـسـتـكـبـريـن والـشـبـيـهـن بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلـك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهــــو مـــا بــــدا واضـــحـــا فـــي المــــزمــــور الـتـاسـع والـعـشـريـن، حـيـث نـقـرأ مــا حرفيته «صــوت الــرب عظيم الـقـوة. صـوت الــرب يكسر الأرز. يـكـسـر الــــرب أرز لـبـنـان. يـجـعـل لـبـنـان يقفز كالعجل، وحــرمــون كـولـد الـثـور الـوحـشـي». والأرجــــح أن يـسـرائـيـل كــاتــس، وزيـــر الـدفـاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد الـــتـــوراتـــي نــفــســه، حـــن عــمــد قــبــل أيـــــام إلــى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء. أمــــــا الـــلـــبـــنـــانـــيـــون مــــن جـــهـــتـــهـــم، فـلـم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا فـــي مـواصـفـاتـهـا الـــنـــادرة دلـــيـــا آخـر عــلــى فــــــرادة لـــبـــنـــان، ورأوا فـــي شـمـوخـهـا بعضا مـن شموخه. ولأن الشجرة واحـدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن عــلــى الالـــتـــفـــاف حــولــهــا، فــهــم لـــم يـــتـــرددوا فـي جعلها تتوسط علم الـكـيـان الناشئ، ليصبح لـونـهـا الأخـــضـــر، بـمـا يحمله من دلالات الــخــصــب والـــنـــمـــاء، الـــلـــون الـثـالـث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق. ولم يكن مستغربا بالطبع، أن يجعل رشـــيـــد نـخـلـة مـــن الـــشـــجـــرة المـــعـــمّـــرة جـــزءا مـن النشيد الوطني اللبناني، وهــو الـذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمـر الـذي عكسه قوله في النشيد «إسمه عـــزّهُ، منذ كـان الـجـدودْ، مجده أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشـــارة المهمة التي يـرددهـا ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفـرد له قصائد ومـنـظـومـات عـــدة، كـــان مــن أكـثـرهـا حـــرارة وصـــدقـــا قــولــه أثـــنـــاء إبـــعـــاده الــقــســري إلـى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية: ِ تلفَّت من عليا فلسطين أبتغي سواحل أرض الأرز والهضبات فقلت لنفسي تلكُم الدار دارهم رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي إذا طاب موتي بعد يأس وغربة وإن رقصت فوق الضريح عِدَاتي اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خـــشـــب الأرز إلـــــى نـــعـــش لـــــه، وتــــرابــــه إلـــى مـــثـــوى، قـــد ســـرت لـــدى الـكـثـيـر مـــن شـعـراء لبنان مـسـرى الـنـار فـي الهشيم، وتـكـررت عـنـد غـيـر مشتغل بــــالأدب والــفــن، وبينها قــــول داود عـــمـــون، الــبــرلمــانــي والــحــقــوقــي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلا عن وطنه الأم: يا بني أمي إذا حضرت ساعتي والطب أسلَمَني فاجعلوا في الأرز مقبرتي وخذوا من ثلجه كفني شوقي بزيع سعيد عقل أمين الريحاني كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky