issue17325

تـــرك رحــيــل «أمــيــر الــغــنــاء الـعـربـي» هاني شاكر أثرا فادحا في نفوس محبيه في مختلف الــدول العربية، لما قدمه من أغـنـيـات رسّــخـت حـضـوره بوصفه قامة فنية أثــرت الـوجـدان المـصـري، والعربي. وكــــأن رحـيـلـه غـــيـــاب لـضـمـيـر فـنـي حـي، وصــــوت نــابــض بــالــعــروبــة واكــــب دقـــات قلب الوطن الأكبر. كرَّس هاني شاكر صوته ليكون أداة فنية مفعمة بالحب، والوطنية، ووثقت مــاحــم الـــوطـــن الــعــربــي مـــن المـحـيـط إلـى الخليج. وكـان صوته رفيقا للجنود في ســـاحـــات الـــحـــرب، ونــشــيــدا لـلـبـهـجـة في أعياد النصر، والتحرير. ويتصدر هاني شاكر جيل الوسط بــوصــفــه أحــــد أكـــثـــر المــطــربــن المـصـريـن إثــراء للوجدان الوطني، إذ امتد عطاؤه لأكثر من نصف قـرن، صاغ خلاله قرابة أغنية وطنية، شكَّلت في مجموعها 50 ديــــــوانــــــا صـــوتـــيـــا يــــوثــــق تـــــاريـــــخ مـصـر الـــحـــديـــث، وعـــاقـــتـــهـــا بــمــحــيــطــهــا. وقـــد صــدح صـوتـه عـابـرا للحقب السياسية، رؤســـاء: محمد أنـور 3 مغنيا فـي عهود الـسـادات، ومحمد حسني مبارك، وعبد الـــفـــتـــاح الـــســـيـــســـي، إضــــافــــة إلـــــى رئــيــس مرحلتين انتقاليتين هما: محمد حسين طنطاوي، وعدلي منصور. ففي ملحمة عبور أكتوبر (تشرين ، زلزل الوجدان 1973 الأول) المجيدة عام بـــأغـــنـــيـــتـــي «عــــدّيــــنــــا يـــــا ريـــــــس» و«آدي جــنــودنــا وقـــت الـــجـــد». وعــنــدمــا عانقت طابا خريطة الوطن مجدداً، رفرف صوته مـع الـعَــلَــم فـي أغنية «رفعنا الـعـلـم». ولا تـزال الـذاكـرة المصرية تحتفظ بأيقونته )، الـتـي شـاركـه 1984( » الــخــالــدة «بـــلـــدي فـيـهـا الــفــنــان مـحـمـد ثـــــروت، والمـــصـــوَّرة على ضـفـاف النيل، وصـــولا إلــى إهـدائـه حُـــمـــاة الـــوطـــن أغــنــيــة «مـــاســـك ســاحــي» ، لتكون عملا فنيا يوازي دروع 2020 عام التضحية. وانــــســــابــــت أغــــنــــيــــات هــــانــــي شـــاكـــر لتروي ظمأ الوجدان العربي في سردية غـنـائـيـة عـــابـــرة لــلــحــدود. فـفـي الـخـلـيـج، تــــــوَّج حــــضــــوره فــــي الـــســـعـــوديـــة بــــ«ديـــو مـــن خــــال أغـنـيـة 2013 تـــاريـــخـــي» عــــام «مـصـر السعودية تـريـد» مـع الموسيقار عــبــادي الــجــوهــر، فــي رســالــة حــب تؤكد أن الــريــاض والــقــاهــرة خفقتان فــي قلب واحد. كــــمــــا شــــــــارك الإمـــــــــــــارات احــــتــــفــــالات تـــأســـيـــســـهـــا بــــأغــــنــــيــــة «يـــــــا زايـــــــــد إحـــنـــا لـيـغـنـي 2014 اخـــــتـــــرنـــــاك»، وعـــــــاد عــــــام «شـــعـــب واحـــــــد». ووقـــــف ســـنـــدا لـلـكـويـت إبان الغزو في «أرض الأحرار يا كويت»، وزف الــــعــــائــــديــــن مـــــن أبـــــطـــــال الــجــيــش المـصـري بأغنية «رجـعـوا الأبــطــال»، ولم يـــنـــس الــــعــــراق، فـــواســـاه بـأغـنـيـة «عــــراق .2016 الصابرين» عام ومن الخليج إلى بلاد الشام، احتلت القضية الفلسطينية مساحة بـــارزة في مـشـروعـه الـفـنـي؛ فغنَّى «فلسطين» عام ، ومـــع انـــــدلاع الانــتــفــاضــة الـثـانـيـة 1997 .2001 أطـــلـــق «عـــلـــى بــــاب الــــقــــدس» عــــام وتـوالـت أعماله الـداعـمـة، منها «القسم» الـــتـــي نـــــال عــنــهــا تـــكـــريـــمـــا مــــن الــرئــيــس مــحــمــود عـــبـــاس، و«أنــــــا مـــصـــري ودمـــي ، وصــــــــولا إلـــى 2019 فــلــســطــيــنــي» عـــــام .2024 «الهوية عربي» عام وكما غنَّى لفلسطين، احتضن جراح الشام، ومسرَّاتها، فخص دمشق بخمس أغنيات، بدأها بـ«دمشق يا عشق قلبي»، مـــرورا بأوبريت «يسلم تـرابـك يـا شـام»، و«رمـضـان كريم يا حلب». وكانت «حق ) رثــــــاء مــوجــعــا للطفل 2015( » الـــحـــيـــاة الـــســـوري آيـــــان، قـبـل أن يـغـنـي «عـاشـت .2022 ســوريــا» احـتـفـاء بصمودها عــام وفـي لبنان، صـدح بموال «لبنان المولى حاميكي»، الذي لازمه منذ التسعينات، كما أهـــدى الأردن أغنية «مـلـك القلوب» .2019 عام وعلى امـتـداد شمال أفريقيا، عانق تـونـس بأغنيتي «يــا تـونـس» و«تـونـس جـنـة الأحـــــام»، وخـــص الـعـاهـل المغربي بمناسبة 2014 بأغنية «ونعم الملوك» عام عيد العرش. وحين هبَّت نسائم الهدوء ، بعث لها برسالة 2016 على ليبيا عـام سلام عبر أغنية «سلم لي على بنغازي». هــــكــــذا نــــقــــش هــــانــــي شــــاكــــر اســـمـــه بـحـروف مـن نــور، يكتب بصوته أوجـاع أمـــتـــه، وانــتــصــاراتــهــا، لـتـنـسـاب سـيـرتـه الـفـنـيـة شــريــانــا نــابــضــا بــالــعــروبــة، ولا تعترف به حدود الجغرافيا. يصف الناقد الفني فــوزي إبراهيم الـقـيـمـة الـفـنـيـة والـوطـنـيـة لـهـانـي شاكر قـائـا لــ«الـشـرق الأوســـط»: إن «حنجرته لا تمثل مـجـرد مساحة صوتية عـابـرة، بـــل هـــي الامــــتــــداد الــطــبــيــعــي، والـــوريـــث الـــشـــرعـــي لــلــطــرب الأصـــيـــل المـــتـــحـــدر من جيل العمالقة. وهـذا الرسوخ الفني هو ما جعل العواصم العربية قاطبة تعتبر صــوتــه مــــاذا آمــنــا، وســجــا حـيـا يــروي ملاحمها، ويترجم بطولاتها». وأضــــــــاف أن «هــــانــــي شــــاكــــر، عـلـى امـــتـــداد مـسـيـرتـه، لـــم يــغــرد يــومــا خـــارج الــســرب الــوطــنــي، ولـــم يـحِــد عــن بوصلة بــــــــاده، وقــــضــــايــــاهــــا، بــــل كــــــان الـــلـــســـان الناطق باسم مصر، والسفير المخلص الذي رفع اسم وطنه في كل محفل عربي. هذا الانتماء الصادق، والتمثيل المشرف هــمــا الـــســـر الـحـقـيـقـي وراء تــلــك الـحـالـة الـــنـــادرة مــن الإجــمــاع والاحـــتـــرام اللذين يحظى بهما من المحيط إلى الخليج». واخــــتــــتــــم فــــــــوزي قــــــائــــــاً: «لــــــم يـكـن مستغربا أن ينظر إلـيـه الـزعـمـاء العرب بـــوصـــفـــه أكــــثــــر مـــــن مــــجــــرد مـــــطـــــرب، بـل اعتبروه جـزءا من ذاكرتهم؛ فقد وجـدوا فـيـه الـــصـــوت الأصـــــدق للتغني بـأمـجـاد بــادهــم، لأنـــه يحمل فــي نـبـراتـه الـدافـئـة عبق الـتـاريـخ، ويأتيهم محملا بأصالة الأجداد، وتراث الآباء». تــــــــتــــــــوارى الــــــــحــــــــدود بـــــــن مـــــــا هـــو مــــادي ومـــا هـــو رقــمــي الـــيـــوم خـلـف قـدر كـــبـــيـــر مـــــن الالـــــتـــــبـــــاس، فـــــي زمــــــن تـــبـــدو فـــيـــه الـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا كـــأنـــهـــا انــفــصــلــت عـــــن جـــــــذورهـــــــا. ويـــــأتـــــي مــــعــــرض «مــــن الأرض... من تكنولوجيات أرضية إلى بـيـولـوجـيـات حـاسـوبـيـة» بـوصـفـه أحـد أبــــــرز مــــعــــارض الـــدرعـــيـــة حــــضــــورا هـــذا العام. ويـتـحـول الـفـن فــي أروقــــة المـعـرض، الــــذي يـحـتـضـنـه مــركــز الـــدرعـــيـــة لـفـنـون المـــســـتـــقـــبـــل، إلــــــى أداة تــفــكــيــر تـــتـــجـــاوز الـــــعـــــرض الــــبــــصــــري، لــتــفــكــيــك الـــعـــاقـــة المـــعـــقـــدة بــــن الإنــــســــان والــتــكــنــولــوجــيــا والطبيعة. فناناً 30 ويشارك في المعرض نحو وفنانة في عـرض جماعي يضم أسماء بـــــارزة مـــن المـشـهـديـن المـحـلـي والـــدولـــي، مـن بينهم الفنانة زهـــرة الـغـامـدي، إلى جانب مجموعة من الفنانين السعوديين الذين تتقاطع أعمالهم حول موضوعات الــــــذاكــــــرة والـــبـــيـــئـــة والأنــــظــــمــــة الــتــقــنــيــة المعاصرة. زهرة الغامدي... الجلد والطين تبني الفنانة زهرة الغامدي مشهدا بـصـريـا يـبـدو فــي حـالـة تـشـكّــل دائـــم في عــمــلــهــا «شـــظـــايـــا قـــــوة هـــــادئـــــة»، حـيـث تتوزع طبقات الجلد والطين بين الأرض والـــجـــدار، فـي تكوين يعكس تـوتـرا بين الهشاشة والقوة. وأوضــــــحــــــت الـــــغـــــامـــــدي لـــــ«الــــشــــرق الأوســـــط» أن الـعـمـل جـــاء نتيجة مسار طـــويـــل مــــن الـــبـــحـــث، قـــائـــلـــة: «اســـتـــغـــرق تــنــفــيــذ الـــعـــمـــل أشـــهـــر عــــــدَّة مــــن الـبـحـث والــــتــــجــــريــــب، لأنــــنــــي كـــنـــت أعــــمــــل عـلـى تطوير علاقة حسية ومادية بين الجلد والـــطـــن بـوصـفـهـمـا عـنـصـريـن يحملان ذاكـــــرة الأرض والــجــســد فـــي آن واحــــد»، مشيرة إلى أن التحدي الأساسي كان قد خلق حالة من التوازن بين هشاشة المادة وقوتها، بحيث يبدو العمل كأنه يتشكل طبيعيا بفعل قوة داخلية غير مرئية. وكــــشــــفــــت الــــــغــــــامــــــدي عــــــن مـــصـــدر الفكرة، وقالت: «جــاءت من تأمل عميق في مفهوم الصمود الـهـادئ؛ تلك القوة الكامنة الـتـي لا تعلن نفسها بصخب، لكنها تتجلى عـبـر الـتـكـويـن والـتـحـول والاســتــمــرار، ومــن خــال طـبـقـات الجلد وعـــنـــاصـــر الــــطــــن المـــمـــتـــدة بــــن الأرض والــجــدار». سعت زهــرة إلـى بناء مشهد يـــحـــاكـــي كـــائـــنـــات عـــضـــويـــة تــبــحــث عـن النور والتجدد، وكأنها تنبعث من ذاكرة الأرض الجمعية. ووصـــفـــت مــشــاركــتــهــا فـــي مـعـرض «مــــن الأرض» بــالــتــجــربــة المـــثـــريـــة على الـصـعـيـديـن الـفـنـي والـشـخـصـي، قـائـلـةً: «إن فكرة المعرض تنسجم بعمق مع كثير من الأسئلة التي أطرحها في ممارستي الفنية حــول الأرض والــذاكــرة والهوية. شعرت بأن العمل وجد سياقه الطبيعي داخـــل هـــذا المــعــرض، حـيـث أصـبـح جــزءا مـــن حـــــوار أوســـــع عـــن عــاقــتــنــا بــالمــكــان والمواد الخام والجذور الثقافية». مقاربات سعودية بين المادة والذاكرة والتقنية قـــدم عـــدد مــن الـفـنـانـن السعوديين المـــــشـــــاركـــــن قـــــــــــراءات مــــتــــعــــددة لــعــاقــة الإنـــســـان بالبيئة والـتـكـنـولـوجـيـا، عبر أعـــمـــال تـتـنـوع بـــن الـتـركـيـب والـفـيـديـو والسرديات البصرية. أعاد الفنان خالد بـن عفيف تشكيل مـــادة البلاستيك في هيئة شجرة ضخمة في عمله «فواكه من الأرض»، فـي محاولة للتفكير بمفهوم الاستهلاك. وبــــرزت الـفـنـانـة ريـــم الـنـاصـر خـال عملها «سـور الطعام»، بتركيب سمعي بــصــري يــحــول الـــغـــذاء إلـــى بـنـيـة رمـزيـة لـلـحـمـايـة والــبــقــاء، مستلهمة سـيـاقـات تاريخية مرتبطة بالبيئة الصحراوية، مستخدمة نبات السمح غذاءً. وجـــاء الـفـنـان أيـمـن زيــدانــي بعمله «الأرض لـــلـــجـــمـــيـــع»، الـــــــذي يــــربــــط بـن البيئة والـروحـانـيـة وســرديــات التاريخ في شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى الفنان محمد الفرج في عمله «ثمة أمر مريب!» الذي يبني عالما تخييليا يعكس تعقيدات العلاقة بين الإنسان والطبيعة. حين تندمج الكائنات... ما بعد حدود الحياة تألقت الفنانة روبرتينا شبيانيتش 1+ مـــن خــــال عـمـلـهـا الــفــنــي «أوريـــلـــيـــا هرتز/ مُولّد بروتو فايفا»، الذي تجاوز الــــحــــدود الــتــقــلــيــديــة بـــن الـــكـــائـــن الـحـي والآلة، حيث يعمل على نظام حي يدمج بـن قنديل بحر وكـيـان آلــي، فـي تكوين هـــجـــن يــعــيــد تـــعـــريـــف مـــفـــهـــوم الــحــيــاة خارج الإطار الرقمي. واســــــتــــــخــــــدمــــــت الـــــفـــــنـــــانـــــة كــــائــــنــــا حـــــيـــــا لإضـــــــفـــــــاء الــــديــــنــــامــــيــــكــــيــــة عـــلـــى الآلــــــة بــــــدلا مــــن الاعــــتــــمــــاد عـــلـــى الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي، ويستند هــذا الـطـرح إلى اهــتــمــام شـبـيـانـيـتـش بـالـبـيـئـات المـائـيـة وتـــأثـــيـــر الإنــــســــان عـلـيـهـا ضــمــن سـيـاق «الأنثروبوسين». ويستمر مـعـرض «مــن الأرض» في مـــركـــز الـــدرعـــيـــة لــفــنــون المـسـتـقـبـل حتى مايو (أيــــار)، مقدما تجربة متعددة 15 الـــــــحـــــــواس تـــســـتـــكـــشـــف كـــيـــفـــيـــة إعــــــــادة تصور التكنولوجيا بوصفها جزءا من منظومة بيئية مترابطة، بتنظيم القيمة الفنية إيريني باباديميترو. كما يرتكز محاور رئيسية تتناول 4 المعرض على الـتـداخـل بــن الـكـائـنـات الـحـيـة والآلات، وإعــــادة تعريف «الــامــاديــة» فـي العالم الرقمي، بالإضافة إلى أثر التقنيات على البيئة وإمكانات التعايش بين الأنظمة الطبيعية والصناعية. يوميات الشرق يتحول الفن في المعرض إلى أداة تفكير تكشف علاقة الإنسان بالتكنولوجيا والطبيعة قدَّم نحو أغنية وطنية 50 ASHARQ DAILY 22 Issue 17325 - العدد Tuesday - 2026/5/5 الثلاثاء جانب من الأعمال الفنية في معرض «من الأرض» (الشرق الأوسط) : فكرته تنسجم مع أسئلتي عن الذاكرة والهوية زهرة الغامدي لـ «من الأرض»... معرض سعودي للفنون المعاصرة يكشف الوجه الخفي للتكنولوجيا الرياض: فاطمة القحطاني دولة من المحيط إلى الخليج 12 غنى لـ هاني شاكر... صوت الأوطان العربية هاني شاكر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (صفحة هاني شاكر على فيسبوك) القاهرة: محمود إبراهيم «شظايا قوة هادئة» للفنانة زهرة الغامدي (الشرق الأوسط) عمل «حاسوبيا» للفنان مات كوليشو في معرض «من الأرض» (الشرق الأوسط)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky