issue17325

Issue 17325 - العدد Tuesday - 2026/5/5 الثلاثاء OPINION الرأي 14 عن نكبة الشيعة ولبنان والمسؤولية! ، التي انتهت 2006 غـداة حرب يوليو (تموز) عام بـمـنـع الــعــدو الإســرائــيــلــي مــن تحقيق انــتــصــار كـامـل، التقى حسن نصر الله، صاحب عبارة «لو كنت أعلم»، مغتربين من الطائفة الشيعية ومتمولين، وأبلغهم أن حرب تموز هي آخر الحروب، وحثهم على الاستثمار وإعمار بلداتهم! وأكــتــوبــر (تـشـريـن 2006 بـــن نـهـايـة حـــرب تــمــوز نَــعِــم الجنوب باستقرار لـم يعرفه سابقا 2023 ) الأول وبـازدهـار فـاق أي منطقة لبنانية أخــرى. الدعم المالي الخارجي والخليجي خصوصاً، أطلق مشاريع إعادة الإعـــمـــار، وفـعـلـت فعلها أمــــوال الــقــادريــن مــن مغتربين ومـقـيـمـن، إلـــى الـــقـــروض ثـــم المــــوازنــــات الــتــي أنفقتها مليار دولار خلال 12 «اليونيفيل» في الجنوب وناهزت سنة. 17 كـــثـــيـــرون ذهــــبــــوا إلـــــى تــحــقــيــق بـــيـــوت أحـــامـــهـــم، وبــيــوت الأحــــام الــتــي ورثـــوهـــا عــن أهـالـيـهـم. أضــافــوا إلــى البيت الصغير غـرفـة إثــر أخـــرى، حملوا حجارته حجرا حجرا في تسابق مع البنَّائين. ولو ابتعدوا، فقد سكن البيت حدقات العيون، ومثله أمكنة اللهو ولعب الأطفال. وما تعبوا عن استكمال ما بدأه الآباء، فالبيت يكبر كالبشر. لكل زاوية أو شرفة قصص يتناقلونها. وأحـــيـــانـــا أُطـــلـــقـــت الــتــســمــيــات عـــلـــى كــــل مــــا تــــم غــرســه واستنباته: شجرة فلان أو وردة فلانة وحاكورة فلان. أما القادرون، لا سيما من هم في الاغتراب، فقد شيَّدوا قصوراً، وبعضهم أرسل صور مبان راقت لهم فطلبوا استنساخها، ووضعوا فيها جنى سنوات طويلة. فـــي المـقـلـب الآخـــــر، لـــم يـكـن قــــرار قــاســم سليماني بحرب تموز آخـر تلك الــقــرارات. كـان خطوة فـي سياق طموح إيران لإقامة مشروع إمبراطوري من بحر قزوين إلــــى الــبــحــر المـــتـــوســـط. والـتـحـضـيـر الإيــــرانــــي تــواصــل تـحـشـيـدا وتــجــهــيــزاً، والمـــؤكـــد أنــــه لـــم يــفــت المتسلطين بـدء ورش «مـدن الأنـفـاق» وتـرك الناس ينامون وتحت وســائــدهــم مــخــازن صـــواريـــخ. إنـــه أمـــر لا ســـر فـيـه لأنـه رافـــق المـهـام مـن الـبـدايـات مـع نفي آيــة الـلـه محتشمي، التحالف مع «الحزب» وهو الذي واكب ولادته منتصف : «ليس حليفا لإيران، إنه جزء من مؤسساتها 1985 عام العسكرية والأمنية». وبعده أعلن إبراهيم أمين السيد، وهو قيادي مؤسس: «نحن إيران في لبنان»! سنوات على خروج 6 ولأن حرب تموز، وقعت بعد الاحتلال واستعادة الأرض، فإنها لم تكن آخر الحروب، فـقـد ســـادت بـعـدهـا «مـفـاهـيـم» فـوقـيـة وإنــكــار وانــعــدام للمنطق، وادعاءات غيبية بـ«انتصار إلهي»، وتضخيم لـلـقـوة والـــقـــدرة ووعــــود بـبـيـوت فــي الـجـلـيـل. المــريــدون «أشرف الناس»، والبقية عملاء، والمعارضون من نخب الشيعة «شيعة ســـفـــارات». تـــوّج منحى مـا بعد حرب تموز مرويات عن دور «الحزب» كجهة منتصرة دوماً، وليس صحيحا أنه لم يكن طرفا في الحروب الأهلية. دشَّــن حضوره بهزيمة حركة «أمــل»، التنظيم الشيعي الآخر، فأخرجها من الضاحية الجنوبية وإقليم التفاح. ثم كانت حربه ضد اليسار والشيوعيين فأبعد «جبهة 75 المقاومة الوطنية»، وهي التي حررت بيروت ونحو في المائة من الأراضي التي احتلتها العدو الإسرائيلي. وإذ شكَّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ذروة في نهج الاغتيالات، فقد توَّجَه «الحزب» بوصف احتلال بيروت بأنه يوم «مجيد» لأنه مكّن النفوذ الإيراني ورسّخه! أخذ المشروع الإقليمي الإيراني «الحزب»، بوصفه وكيلا لنظام الحكم في طهران، إلى حرب على الشعب سنوات. ووصف نصر الله حربهم 10 السوري امتدت عــلــى الــشــعــب الــيـمــنــي بـــــ«أشــــرف» أدوارهـــــــم (...) وأن التي أبلغ قـرارهـا إسماعيل 2023 حـرب «إسـنـاد» غـزة قــاآنــي إلـــى نـصـر الـلـه كـانـت اسـتـكـمـالا لـحـرب تــمــوز... بدأت مع «تسمين» الفيلق 2026 وحرب الثأر لخامنئي اللبناني فـي «فيلق الــقــدس»، بـإيـرانـيـن ممن أمعنوا قتلا في الشعب السوري. إنها حرب «الحرس الثوري»، يـــديـــر عـمـلـيـاتـهـا، ولا يـــدخـــل فـــي حــســابــه مـــا سيسفر عنها، فالخسائر بالنسبة إلى النظام الإيراني، ووكيله اللبناني، جانبية، لا يدخل فيها إنهاء حياة الجنوب: تحويل العمران إلى عدم، وتهجير جماعي من دون أفق للعودة وقتل أسس الدورة الاقتصادية هناك. مــؤكَّــد أن لـلـعـدو الإسـرائـيـلـي أطـمـاعـه فــي الأرض 70 والمــيــاه. إنــه يـجـرف الـعـمـران ويطمس معالم نحو بلدة تحت النار، في 40 بلدة تحت الاحتلال، وأكثر من كيلومتراً. لقد وضــع مصير جبل 35 عـمـق يصل إلــى عامل على المحك، وأنزل بالطائفة الشيعية نكبة سيمر كثير من الوقت لإدراك كل حجمها، وأنزل بلبنان فاجعة هزيمة مروعة سترتِّب على الناس أثمانا فوق طاقتهم على الاحـتـمـال. لـكـن الصحيح أن هـنـاك فيلقا لبناني الهوية قدَّم البلد لقمة سائغة للعدو الإسرائيلي؛ خدمة لمشغِّليه. والصحيح أيضا أن هذا التنظيم هو مَن بادر ، ولتاريخه لا يلتفت 2026 و 2023 و 2006 بفتح حروب إلى الآثام التي ارتكبها. لــكــن لـبـنـان وهـــو بــصــدد اســتــعــادة دولـــتـــه للمرة الأولـــــى مـنـذ عـــقـــود، شـهـد شـــراكـــات لــــ«حـــزب الـــلـــه» في الـــجـــرائـــم المـتـنـاسـلـة الــتــي ارتــكــبــهــا بــحــق الـلـبـنـانـيـن. إنها منظومة الفساد التي أسهم «الـحـزب» في بنائها والهيمنة على قرارها وتشارك معها في سرير حكومي واحــــد ولـــجـــان نــيــابــيــة. أنــتــجــت هــــذه الـــشـــراكـــة خــذلانــا لــلــمــواطــنــن وتــحــطــيــمــا لآمـــالـــهـــم بـتـغـيـيـب الـــدســـتـــور والـقـوانـن وتعليق الـعـدالـة و... تهشيم البلد وعـزلـه. لقد تمأسس الفساد في لبنان في زمـن تسلُّط الحزب وقضمه قـــراره الوطني، فأفشل الخطوات الإصلاحية البطيئة، كما تقدم الصفوف لمنع أي تدبير كان يمكن لـه أن يـحُــد مـن النتائج الوخيمة للمنهبة الـتـي أذلَّــت اللبنانيين. لـــلـــخـــروج مــــن هـــــذا الــــكــــابــــوس هــــنــــاك مــســؤولــيــة حكومية تبدأ بالعمل لوقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها، والمـضـي مـن دون إبـطـاء فـي نـزع الـسـاح بـدءا مـن بـيـروت، وهـي الثقل الكبير لتصبح آمـنـة فتتحول إلــى نـمـوذج قـابـل للتعميم. لكن الـطـي الحقيقي لهذه الصفحة ينتظر بروز قطب شعبي جديد وبديل يؤكد أن لبنان آخر ما زال ممكناً! حنا صالح الفرنكفونية بأصوات متقاطعة في زمن تتداخل فيه اللغات كما تتداخل الهويات، لم يعد سـؤال اللغة مجرد اختيار أدبي أو أداة تعبير، بل أصبح ساحة مكثفة لــصــراع أعــمــق، يتعلق بـالانـتـمـاء والـــذاكـــرة، وموقع الفرد داخل العالم. هــذا الــســؤال يـبـرز بـوضـوح عند النظر إلــــى مـــســـارَيـــن مـخـتـلـفـن لـكـاتـبـن مـغـربـيـن يكتبان بالفرنسية: ليلى سليماني، والطاهر بن جلون. كلاهما ينتمي إلـى فضاء ثقافي واحـد، لكنهما يقدمان مقاربتَين متباينتين لـــعـــاقـــة الـــكـــاتـــب بــلــغــتــه الأصـــلـــيـــة؛ تــحــديــدا العربية. ليلى سليماني، في كتابها «اعتداء على الـــحـــدود»، لا تخفي هـــذا الـتـوتـر، بــل تجعله مــوضــوعــا مــركــزيــا لـكـتـابـتـهـا. فــهــي تنطلق من تجربة شخصية، تعترف فيها بمسافة نـــشـــأت بـيـنـهـا وبــــن الــلــغــة الــعــربــيــة نتيجة مــســار تعليمي وثــقــافــي فـرنـكـفـونـي، لكنها لا تــتــوقــف عــنــد هــــذا الاعـــــتـــــراف، بـــل تـحـولـه مشروعا لاسـتـعـادة لـلـذات. فاللغة العربية، فــي تــصــورهــا، لـيـسـت عـبـئـا يـجـب التخلص منه، ولا ماضيا ينبغي تجاوزه، بل جزء من هوية مركبة تحتاج إلى إعادة اكتشاف. بهذا المـعـنـى، تـتـحـول الـكـتـابـة بالفرنسية عندها إلـــى وسـيـلـة للتفكير فــي الـعـربـيـة، لا بـديـا عنها. هـــــذا المــــســــار يــجــعــل مــــن تـــجـــربـــة لـيـلـى سليماني أقرب إلى رحلة داخلية، حيث يكون الـسـؤال موجها إلـى الــذات قبل الآخــر. هي لا تكتب لـتـشـرح «الـعـالـم الـعـربـي» لـلـغـرب، بل لتفهم موقعها هي داخل هذا العالم، بكل ما يحمله من تناقضات. لذلك؛ تبدو لغتها أقل ميلا إلـى التبسيط، وأكـبـر انشغالا بتفكيك الإحــــســــاس بـــالانـــقـــســـام الـــــذي يـعـيـشـه كثير مــن أبــنــاء الـهـجـرة أو الـنـخـب الفرنكوفونية فــي الـعـالـم الـعـربـي. إنـهـا مـحـاولـة لمصالحة مــــتــــأخــــرة، لــكــنــهــا صـــــادقـــــة، مــــع لـــغـــة كــانــت حاضرة بوصفها غياباً. في المقابل، يَظهر الطاهر بن جلون في جـــزء مــن مــســاره الأدبــــي كــأنــه يـخـتـار زاويـــة مـخـتـلـفـة. فـــهـــو، مــنــذ عـــقـــود، يـكـتـب لـلـقـارئ الـفـرنـسـي بـالـدرجـة الأولــــى، ويـخـاطـبـه بلغة قريبة من أفـق انتظاره. كثير من نصوصه، خصوصا تلك التي تتناول قضايا الدين أو المجتمع، تتجه إلــى تبسيط الـعـالـم العربي وتقديمه عبر مفاتيح قــراءة جاهزة نسبياً. هـذا الخيار لا يمكن فصله عن سياق النشر الفرنسي، الـذي يميل إلى النصوص القابلة للتداول السريع، لكنه يطرح في الوقت ذاته ســـؤالا بـشـأن حــدود التبسيط: متى يتحول إلى اختزال؟ غير أن هـذا النقاش لا يمكن فصله عن الــســيــاقــن الــســيــاســي والــثــقــافــي فـــي فـرنـسـا نفسها، حيث ظلت اللغة العربية موضوع تجاذب حاد داخل أوساط النخبة. حين أقرت وزيـــــرة الـتـعـلـيـم نــجــاة بــلــقــاســم، خــــال عهد الـرئـيـس فـرنـسـوا هـــولانـــد، تـوسـيـع تـدريـس العربية فـي المـــدارس العمومية، لـم يُستقبل القرار بوصفه انفتاحا ثقافياً، بل أثار موجة اعـتـراض داخــل أوســـاط سياسية وإعلامية. شخصيات مـن اليمين الـفـرنـسـي، مثل إريـك سيوتي وبرونو لومير، عبّرت بوضوح عن رفــضــهــا، عـــــادّة أن إدخـــــال الـعـربـيـة المـــدرســـة العمومية يطرح إشـكـالات تتجاوز التعليم إلى الهوية والانتماء. هذا الرفض يكشف عن أن اللغة العربية، فـي المخيال الفرنسي لـدى جـزء مـن النخبة، لا تـــــزال تُــحــمَّــل بـــــدلالات سـيـاسـيـة وثـقـافـيـة تتجاوز بعدها الـلـغـوي. فهي ليست مجرد لغة أجنبية مثل غيرها، بـل تُختزل أحيانا في ارتباطات أمنية أو دينية أو اجتماعية. فـــي هــــذا الـــســـيـــاق، يــصــبــح اخـــتـــيـــار الـكـتـابـة بـالـفـرنـسـيـة، بالنسبة إلـــى كـاتـب مــن أصــول عـربـيـة، ليس مـجـرد خـيـار أدبـــي، بـل يصبح أيضا تموضعا داخل هذا النقاش المعقد. هــنــا يـتـضـح الـــفـــارق بـــن مــقــاربــة ليلى ســلــيــمــانــي ومـــقـــاربـــة الـــطـــاهـــر بــــن جــــلــــون... الأولـــــى تــذهــب عـكـس هـــذا الــتــيــار الـضـمـنـي، وتــحــاول إعــــادة الاعـتـبـار للعربية بوصفها جــــــزءا مــــن الـــــــــذات، حـــتـــى وهـــــي تــكــتــب بـلـغـة أخــــرى. إنــهــا تــرفــض الـقـطـيـعـة، وتـبـحـث عن تـــوازن دقـيـق بـن لغتين، فـي سـيـاق لا يمنح هــــذا الــــتــــوازن دائـــمـــا شــرعــيــتــه الــكــامــلــة. أمــا الثاني، ففي بعض نصوصه يبدو أقرب إلى الانسجام مع مناخ ثقافي فرنسي يميل إلى استقبال خطاب مبسط عن «الآخر»، حتى لو جاء ذلك على حساب تعقيد هذا الآخر. لا يعني ذلك أن تجربة الطاهر بن جلون تُختزل في هذا الجانب، فهو كاتب قدّم أعمالا روائية عميقة، واشتغل على قضايا إنسانية معقدة. لكن ما يلفت الانتباه هو هـذا الميل، فـــي بــعــض كـــتـــابـــاتـــه، إلــــى مــخــاطــبــة الـــقـــارئ الفرنسي ضمن أفق انتظاره، وهو أفق يتأثر بــــــدوره بــســيــاقــات ســيــاســيــة وثــقــافــيــة، مثل الجدل الذي رافق تدريس العربية. بـن هذين المـسـارَيـن، يبرز اخـتـاف في وظــيــفــة الــكــتــابــة: عــنــد لـيـلـى سـلـيـمـانـي هي فعل مقاومة هـادئـة أمــام إقـصـاء رمــزي للغة العربية، ومحاولة لاستعادتها من داخل لغة أخــــرى. وعـنـد الـطـاهـر بــن جــلــون، فــي بعض جــوانــب إنــتــاجــه، هــي فـعـل تـكـيّــف مــع سـوق ثقافية لها شروطها وتصوراتها المسبقة. فـي النهاية، لا يتعلق الأمـــر بالمفاضلة بـــن كـــاتـــبَـــن، بـــقـــدر مـــا يـتـعـلـق بـفـهـم تعقيد الــــعــــاقــــة بـــــن الــــلــــغــــة والـــــهـــــويـــــة فـــــي فـــضـــاء فرنكفوني لم يحسم بعد موقفه من العربية. بـــن مـــن يـسـعـى إلـــى إعـــــادة اكـتـشـافـهـا، ومـن يختار تجاوزها أو تبسيطها، يظل السؤال مـــفـــتـــوحـــا: هــــل يــمــكــن لــلــغــة أن تـــكـــون جــســرا حقيقيا بين الثقافات، أم إنها تظل، في بعض السياقات، خط تماس يعكس توترات أعمق؟ عبد الله ولد محمدي «حزب الله» ومقاومة حالة السأم اللبناني «حــــــزب الــــلــــه» أمــــــام مـــفـــارقـــة تـــاريـــخـــيـــة لا يـمـكـنـه تـجـاوزهـا، ففي كـل تـجـارب التنظيمات المسلحة التي بنت هويّتها على أنقاض منطق الـدولـة تظل الحاجة قائمة إلى استدعاء عـدو خارجي لتبرير الشرعية في الداخل، ومن خلال اختلالات بنية الدولة وفراغها يمكن لـهـذه التنظيمات مـــلء ذلـــك الـــفـــراغ، إلـــى الـحـد الـــذي لا يتبقى بعده مشروع تجريف الدولة سوى بداية التفكك الـذاتـي بعد أن يكون التنظيم قد بلغ ذروتــه في الهدم وتجريف حالة السلم الأهلي ومفهوم الوطنية. «حـــــــــزب الــــــلــــــه» نــــشــــأ ونـــــمـــــا مــــحــــايــــثــــا لـــاحـــتـــال الإسـرائـيـلـي وتــغــذّى مــن عــدوانــه واسـتـمـد مـنـه وقـــوده الآيديولوجي وشعاراته للاستقطاب والتحشيد، إلا أن هذه المعادلة لها سقف لا يمكن تجاوزه. حيث تصاب الكتلة المناصرة له والمتعاطفة معه بالسأم، خصوصا حـــن تـعـانـي مـــن آثــــار ويــــات حـــرب لـــم تُــسـتـشـر فيها. معضلة الحزب اليوم لا علاقة لها بتراجع شعبيته أو التشكيك في شرعيته ولا حتى بالهزائم التي مُني بها وشملت اغتيال أهم قادته واختراق شبكاته، ولكن في صـورتـه أمـــام مـن يشاركونه الأرض مـن اللبنانيين أو من حاضنته الاجتماعية التي دفعت أثمانا باهظة لم يسبق لها منذ نشأة الحزب أن قدمت من التضحيات والمعاناة مثلما تفعل اليوم. هـــنـــاك تــنــاقــض بــنــيــوي لا يـمـكـن الــقــفــز عـلـيـه بين تصريح أحد نواب الحزب في البرلمان بأن ديمقراطية لبنان توافقية، ولا يمكن بناء قـرارات مصيرية تتصل بمستقبل الــبــاد بـــرأي الأغـلـبـيـة، وبـــن انــفــراد الـحـزب بقرار جر لبنان إلى حرب مفتوحة من دون أن يستشير أحــــداً. الــحــزب يتمسك بــمــراوغــة الإجـــمـــاع حــن ينحو بـاتـجـاه التعطيل، ويتخلى عـنـه كليا حــن يـرغـب في فرض رأيه حربا وسلما وتفاوضاً، والدليل على عمق هذا التناقض أن الرئيس اللبناني جوزيف عون نفسه صرّح مرارا وبشكل علني بأن «حزب الله» جر لبنان إلى الحرب من دون استشارة أحد. لبنان يعيش أسوأ أزماته الاقتصادية التي بلغت ذروة الانـــهـــيـــار، وإن كـــانـــت بــــوادرهــــا ســبــقــت الــحــرب بسنوات. لكن نـزوح أكثر من مليون لبناني معظمهم مـــن المـتـعـاطـفـن مـــع الـــحـــزب خـــال أســابــيــع لا يكتسب شرعية ولا تبريراً، فهم يدفعون فـاتـورة حـرب لم يكن لهم فيها أي رأي، ومئات الآلاف منهم لا يزالون عاجزين عـن الـعـودة إلــى قـراهـم بينما تحتل إسـرائـيـل أكثر من خمسة في المائة من الجنوب. هنا وُلــدت أسئلة الشك وجــدوى الاستمرار عند أنصار الحزب قبل خصومه، وهو ما حدا بهم نحو الالتفاف حول منطق الدولة. يـــحـــاول الـــحـــزب الالـــتـــفـــاف عــلــى أســئــلــة التشكيك بخياراته عبر تثبيت نمط استدعاء الهويات الفرعية لإنـــتـــاج شــرعــيــة بـــديـــلـــة، حــيــث يـسـتـثـمـر فـــي الأزمـــــات الأمــنــيــة والاقـــتـــصـــاديـــة ويــحــوِّلــهــا إلــــى أدوات ضـغـط، مغذِّيا الانقسامات ومحوِّلا أنصاره إلى رهائن لشبكات الحماية المؤسساتية والخدمية التي أسسها. لكن من دون بناء ممانعة وطنية تتجاوز حسابات الطوائف فــإن معضلة لبنان الحقيقية تنبع مـن الــداخــل ومـدى قدرته على التحشيد نحو منطق الدولة وإعادة إعمار الخطاب الـعـام وترميم اللحمة الوطنية قبل أي شيء آخر، مهما كان حجم الدعم الخارجي. منطق الدولة بدا طوق نجاة حين أعلنت الحكومة اللبنانية بـشـجـاعـة عـــدم قـانـونـيـة الـنـشـاط العسكري لـلـحـزب، وحـــن سـعـى الـرئـيـس عـــون، ورئــيــس الــــوزراء نـــواف ســـام، إلــى مـحـادثـات مـبـاشـرة مـع إسـرائـيـل في خـطـوة لـم يكن ليتصورها أحــد قبل أشـهـر. الـحـزب لا يــوافــق لكنه لا يستطيع المــنــع، وهـــذا الـعـجـز عــن المنع هــو المــؤشــر الأدق عـلـى حـجـم الـتـحـول. غـيـر أن الـحـزب لا يــزال يملك قــدرة على الترهيب، ولا يعدم مـن يشبّه الـرئـيـس عـــون بــأنــور الـــســـادات تلميحا لا يـحـتـاج إلـى شرح. إلا أن هذا التهديد بالذات يحمل في طياته دليلا على عمق أزمته، إذ لا يلجأ إلى لغة الوعيد إلا من فقد أدوات الإقـــنـــاع. وشــــروط نـــزع الــســاح الـتـي يطرحها؛ مـن تـحـريـر كـامـل لــأراضــي، إلــى إعـــادة إعـمـار شاملة، إلــــى اســتــراتــيــجــيــة دفـــــاع وطـــنـــي مــتــفــق عــلــيــهــا، تـبـدو بصياغتها الجامعة المانعة حائطا للتحصن وليست برنامجا للحل. لبنان نموذج لحصاد مشروع آيديولوجي ارتهن لـطـهـران وصُـــــدِّر إلـــى الـــعـــراق والـيـمـن وســـوريـــا قـبـل أن تتخلص مـنـه، وفـــي كــل الـنـمـاذج تتشابه الميليشيات في آليات تقويضها لمفهوم الدولة واختطاف إرادتها. والــــواجــــب الـــيـــوم عــلــى دول الاعــــتــــدال، وفــــي مقدمتها السعودية، السعي إلـى مقاربات تنزع فتيل الانفجار الداخلي الـذي يقرع أجــراس ما تبقى من لبنان، وذلك عبر الضغط لمنع أن تظل إسرائيل المبرر الأبــدي الذي يُعيد إنتاج شرعية الحزب في كل مرة يُقدم فيها على حرب خاسرة ثم يصفها بالنصر. «حــــزب الـــلـــه» الـــيـــوم أمــــام مــقــاومــة لا يـمـلـك أدوات الانتصار فيها: حالة السأم عند أنصاره قبل خصومه، وهي المعركة الوحيدة التي لا تنفع فيها صواريخ ولا خطب ولا استدعاء للعدو الخارجي. يوسف الديني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky