issue17325

الـــحـــرب مـــع إيـــــران مـسـتـمـرة مـنـذ أكــثــر مـــن عـامـن، أطــلــقــت شـــرارتـــهـــا هــجــمــات «حـــمـــاس» فـــي الــســابــع من .2023 ) أكتوبر (تشرين الأول بعد تقزيم أذرعتها الإقليمية يبرز سؤال جوهري حول الهدف النهائي من هذه الحرب على إيران؟ يبدو أن ثمة توافقا أميركيا - إسرائيليا على بدء الحرب، إلا أنه يبدو لكل فريق تصوراته حول نهايتها. إســـرائـــيـــل تـــريـــد إســــقــــاط الـــنـــظـــام الإيـــــرانـــــي، وتــتــحــدث إدارة الـرئـيـس تـرمـب عـن تغيير الـقـيـادة والإبــقــاء على بنية الـنـظـام؛ أي الـنـمـوذج الـفـنـزويـلـي، أو دفــع طهران إلــى تقديم تــنــازلات استراتيجية وفــي مقدمتها وقف تخصيب اليورانيوم داخلياً. وعـن أهـــداف إسـرائـيـل، تطرقت فـي مقالي السابق إلــى رأي دانــيــال ليفي، المحلل السياسي الإسـرائـيـلـي، الذي يرى أن إسرائيل تريد إسقاط النظام وتفتيت إيران إلى دويلات. وقال إن ذلك يتماشى مع رؤيتها الإقليمية في إدارة الأحجام الإقليمية الكبيرة. مـنـاقـشـة هـــذه الــطــروحــات تـسـتـدعـي الـتـوقـف عند قــاعــدة ذهـبـيـة فــي الـتـعـامـل، حـتـى مــع الـخـصـوم، تقوم على ثلاثة أضلع: الحفاظ على وحــدة الـــدول، واحترام حدودها، وتجنب الانخراط المباشر في تغيير الأنظمة. إيـــــران، كـكـل الـــــدول الإقـلـيـمـيـة الــكــبــرى، تـحـمـل في داخـلـهـا تعقيدات بنيوية تجعل مـن أي تغيير جـذري مصدرا لمخاطر إقليمية واسعة. تذكروا أن إسقاط الشاه جرى من دون إطلاق 1979 ووصول الخميني للحكم عام رصاصة واحدة، وكان ينظر إليه باعتباره مجرد تغيير سلمي محدود، على افتراض وجود مؤسسات راسخة مثل الجيش والـدولـة المدنية. غير أن السنوات القليلة التالية كشفت أن ما جرى في طهران أدخـل كل المنطقة في دوامات فوضى وصراعات. بــالــفــعــل، فــكــرة تـغـيـيـر الــنــظــام فـــي طـــهـــران تحظى بقدر من القبول الدولي، وإن بصمت، بما في ذلك الدول الأوروبـــيـــة، وإن كـانـت تباعد بينها وبــن واشـنـطـن في هـــذه الـــحـــرب. وحــتــى حـلـفـاء لــطــهــران، لـيـسـوا مغرمين بسياساتها. فموسكو ليست على تطابق مـع طهران فـي المـلـف الــنــووي وتـؤيـد التخصيب الـخـارجـي، بينما تعارض الصين سلوكها الإقليمي. إنما القوتان تخشيان مـن زرع نـظـام مـــوال لواشنطن، أو مـن انـــزلاق الأوضـــاع نحو فوضى لاحقة قد تهدد مصالحهما الحيوية. نــظــريــا؛ الـــــدول المـــجـــاورة قـــد تـنـظـر بـإيـجـابـيـة إلـى سيناريو إسـقـاط الـنـظـام الإيــرانــي وأنـــه يمكن احـتـواء تـــداعـــيـــاتـــه، قــيــاســا عــلــى تــجــربــة إســـقـــاط نـــظـــام صـــدام حسين حيث بقيت الأوضـاع وراء الحدود هادئة. وهذا الــطــرح يفتقد لـلـدقـة؛ لأنـــه تـمـت الـسـيـطـرة عـلـى الـعـراق بـنـحـو مـائـتـي ألـــف جــنــدي أمــيــركــي، وهـــو سـيـنـاريـو لا يبدو مطروحا في الحالة الإيرانية. وعليه، فإن مخاطر الـتـغـيـيـر عــلــى دول المـنـطـقـة كــبــيــرة وقــــد تـمـتـد لسنين طويلة. وفـي الإطـــار نفسه، فـإن الحديث عـن تفكيك إيــران، والـــطـــروحـــات الانــفــصــالــيــة قـــد تــبــدو مــائــمــة سياسيا ومريحة لبعض الأطـــراف، لكنها قد تحمل في طياتها مخاطر عظيمة. لـــلـــدول الـــكـــبـــرى حـــســـابـــات تـخـتـلـف عـــن حــســابــات الدول الإقليمية. فالولايات المتحدة قوة عظمى وبعيدة جغرافياً، تملك القدرة على تغيير أنظمة، وتدمير دول، وإذا فشل مشروعها تحزم حقائبها وترحل. دول المنطقة لا تستطيع الهروب من إرث الأزمات وارتداداتها. ولا يــعــنــي ذلــــك عــــدم الانــــخــــراط فـــي الــتــأثــيــر على الــوضــع الــداخــلــي الــــذي يختلف عــن مــشــاريــع التغيير المباشرة وبالقوة الصلبة. فالسبب الذي تتعرض له إيران اليوم من استهداف أنـهـا نفسها لـم تحترم قـواعـد الـنـظـام الإقـلـيـمـي، وهي مسؤولة عما يحل بها. فـقـد أدى تـمـدد نـظـام طــهــران وهيمنته عـلـى أربــع عواصم عربية أنه جر نظام الأسد إلى حتفه، وأضعف السلطتين العراقية واللبنانية، وأجج الفوضى والحرب في اليمن. نتيجة هـذه السياسات تجد طهران نفسها مـــحـــاصـــرة وتـــعـــيـــش فــــي أخـــطـــر مــحــنــة لـــهـــا مـــنـــذ قــيــام الجمهورية. ويتساءل البعض طالما أن النظام مهدد وفي خطر لمـــاذا يتبنى المـواقـف المـتـشـددة فـي المـفـاوضـات بـــدلا من التراجع؟ السبب أنه يـدرك أن تقديم التنازلات للخارج سـيـضـعـفـه داخــلــيــا ويـــهـــدده بــالانــشــقــاقــات وتـعـريـض النظام للانهيار. النظام يعتقد أن «الصمود» ضد العدو الخارجي أسهل عليه من تحدي التمردات والثورة المحتملة. لا تـــزال «فــتــح» رغـــم كــل مــا تـعـرّضـت لــه مــن حــــروب وانـشـقـاقـات وخـــروج مـن جـغـرافـيـات بالغة الأهمية الاستراتيجية، هـي العنوان الــســيــاســي الأبــــــرز لــلــحــالــة الـفـلـسـطـيـنـيـة، وكـــمـــا وصــفــهــا مـؤسـسـهـا وعـرّابـهـا ياسر عـرفـات، فـا هـي حــزب ولا حـركـة سياسية، ولا نظام قيادة وحكم، وحين سألته: إذن، ما هي؟ أذهلني بإجابة لا يقدر عليها غيره... «هي كل ذلك». وهــذا التوصيف الدقيق لـ«فتح»، يــدل على معرفة عميقة بها، فقد كان عاملا جوهريا في استفراد عرفات بالرمزية القوية والقيادة الفعلية فـي الـوقـت ذاتـــه، كــان يـعـرف «فـتـح» فـــردا فـــرداً، ويـعـرف كيف يسوسها، ويربط مكامن القوة فيها به مباشرةً؛ ما أدّى إلى أن أحدا لم يقو على منافسته في القيادة، لا من «فتح» ولا من خارجها، مثلاً... حين كان جورج حبش يُعد الزعيم اليساري الذي يجسّد قطبا معنويا وعقائديا في الثورة الفلسطينية، خاطب عرفات قائلاً: «نختلف معك ولا نختلف عليك»، وكـان هـذا القول المعزز بالسلوك والفعل بمثابة تزكية لقيادته ولمرجعيته الوطنية، أمّا من كان يسمّى الرجل الثاني، صلاح خلف (أبو إياد)، فقد تجنّب مع قوة شخصيته وغزارة مواهبه القيادية، أي سلوك يوحي برغبة في منافسته على الموقع الأول، وقيل عنه إنه بالنسبة إلى عرفات مصدر حـذر دائـم واعتماد دائـم وتوأمة دائمة. تــعّــودت «فــتــح» وجـمـيـع فـصـائـل الـعـمـل الـوطـنـي، عـلـى مختلف اجتهاداتها السياسية والفكرية، على قطبية عرفات - خلف، وتعاملت مـعـهـا كــظــاهــرة إيـجـابـيـة تـنـطـوي عـلـى ضــمــانــات حقيقية لترسيخ وحدة العمل الفلسطيني، واحتواء كل ما كان يعتريها من انشقاقات وتمايزات في المواقف والعلاقات والتحالفات. كانت المؤسسة الوطنية العليا التي يقود بها عـرفـات و«فتح» الساحة الفلسطينية، وهـي منظمة التحرير، تضم تجمّع مندوبين للعديد من الـدول العربية، وخصوصا تلك الساعية للاستيلاء على القرار الفلسطيني، من داخل مؤسسته الشرعية الجامعة، مثل سوريا والعراق وليبيا، وهذه الحالة برهنت عن قـدرات عرفات في التعامل معها، وقدرات تاريخيّي «فتح»، خلف والوزير والقدومي والحسن، في الحفاظ على قدر كاف من مساحة حرية واستقلالية منظمة التحرير، وحمتها من فقدان قرارها السياسي، ذلك رغم كل ما امتلك الساعون إلى تجريدها منه، من إمكانات أهمّها الجغرافيا والمـال والجيوش، ومن ينسى الانشقاق الكبير الذي حدث بعد الخروج من بيروت، حين تضافرت الجغرافيا السورية مع المال الليبي، لإنهاء ظاهرة المنظمة وزعيمها عرفات، وشركائه في القيادة من التاريخيين المؤسسين. وكادت «فتح» تتلاشى من داخلها ومن حولها، إلا أنها تجاوزت ذلــك الـحـدث المفصلي بتأكيد حـضـورهـا ومـواصـلـة دورهـــا القيادي في الساحة الفلسطينية، وتجديد اعتماد العرب والعالم لها، ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني، من خلال منظمة التحرير. معضلة «فتح» أن التاريخيين الكبار المؤسسين استشهد ثلاثة مـنـهـم فـــي أوقـــــات مــتــقــاربــة، خـلـف والـــوزيـــر والــحــســن؛ ولــكــي تكتمل المـعـضـلـة اسـتـشـهـد الـعـسـكـري الأول والأهــــم فـيـهـا سـعـد صــايــل (أبــو الـولـيـد)، الـــذي كــان اغتياله بمثابة إعــــداد للانشقاق الكبير ورهـــان على تمزيق الـقـوات الفلسطينية التي تجمعت في البقاع اللبناني، وامتداده في الجغرافيا السورية. بقي عـرفـات على قيد الحياة والـعـمـل، وبـعـد أن استعاد وحـدة «فــتــح» والمـنـظـمـة والــســاحــة الفلسطينية، دخـــل إلـــى مـجـازفـة العمل السياسي مـع إسـرائـيـل، وأبـــرم مـع مـن تبقى مـن الـقـيـادة التاريخية (محمود عباس) اتفاق أوسلو، وعادا معا إلى جزء يسير من الأرض الفلسطينية، لا يتجاوز العشرة في المائة من مساحتها القليلة أصلاً، ليواجها سلسلة معضلات بعضها سياسي، من خـال تعثّر مسار الـحـل المـفـتـرض والمـتـفـق عـلـيـه، وبعضها الآخـــر حــربــي وأمــنــي، قــاده الثنائي الشرس آرييل شارون وبنيامين نتنياهو؛ ما أنتج معضلات كبرى لا تزال الحالة الفلسطينية تعاني منها، وحتى من كان يُفترض بأنه الشريك كما كان يحب عرفات وصفه وهو إسحق رابين، فقد نُفّذ فيه حكم إعدام وهو يغنّي للسلام الموعود في ميدان ملوك إسرائيل. وفــي عمق المـجـازفـة المحفوفة بـالمـخـاطـر، واحـتـمـالات الانـهـيـار، وجـــد عــرفــات نفسه عــاريــا عــن شــركــاء إسـرائـيـلـيـن لصنع التسوية معهم، وعـاريـا كذلك عـن تـدخـل أمـيـركـي فـعّــال، لوقف زحــف الثنائي شـارون ونتنياهو، على ما أُنجز من «أوسلو» نحو تقويضه، وحين اندلعت الانتفاضة الثانية حوصر عرفات في المقاطعة إلى أن توفاه الله في باريس بعد أن جرى تسميمه. مـــا أصـعـبـهـا مـــن مـعـضـلـة، حـــن يـغـيـب رجــــل بـمـكـانـة ومــواهــب عـــرفـــات، المــشــهــود لــه بــتــجــاوز أصــعــب المــضــايــق، والــنــجــاة مــن أعتى الأعــاصــيــر، ومـنـذ غـيـابـه، وقـــد مـــر عـلـى ذلـــك ســنــوات طـويـلـة، دخلت الحالة الفلسطينية نفقا مظلماً، وكـان منطقيا أن تكون «فتح» أكثر المتضررين من غياب العرّاب الذي تعوّدت عليه وعلى أساليبه المتفردة في الاحتواء والقيادة بما يقارب نصف قرن. وهـا هي «فتح» المثخنة بالانشقاقات والأزمـــات، والمسؤولة عن شعبها الـذي لا يكف عن مطالبتها بإخراجه من مآزقه ومعضلاته، تــحــاول تـرمـيـم ذاتــهــا فــي ظــــروف أصــعــب، وفـــي غــيــاب روافــــع عـربـيـة وإقليمية ودولية، كانت دائما متوفرة لها، فهل تجد السبيل للخروج من الحالة الصعبة المكتظّة بالمعضلات إلى ما هو أفضل منها؟ هــذا هـو الــســؤال المــطــروح عليها وعـلـى مؤتمرها الـثـامـن وعلى شعبها. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel «فتح»... مؤتمرها ومعضلاتها OPINION الرأي 13 Issue 17325 - العدد Tuesday - 2026/5/5 الثلاثاء هل تجد «فتح» السبيل للخروج من الحالة الصعبة المكتظّة بالمعضلات إلى ما هو أفضل منها؟ نبيل عمرو عبد الرحمن الراشد النظام يعتقد أن «الصمود» ضد العدو الخارجي أسهل عليه من تحدي التمردات والثورة المحتملة إيران بين التفتيت والتغيير

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky