issue17324

OPINION الرأي 12 Issue 17324 - العدد Monday - 2026/5/4 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com إيران بين المعرفة والانحياز المسبق ليس بنزع السلاح وحده تُستعاد الدولة جغرافيا القلق ومضيق هرمز الــبــاحــث المــحــتــرف يـبـحـث كـثـيـرا ويـكـتـب قليلا ويـتـحـدث أقـــل مــن ذلـــك، والــكــاتــب المـشـهـور يتحدَّث كثيرا ويكتب قليلا ويبحث أقل من ذلك، وهنا يكمن فـــرق كـبـيـر بــن الـطـرفـن، الـكـاتـب الـبـاحـث والـكـاتـب المشهور. أي كـــاتـــب يـــزهّـــد قـــــراءَه فـــي الــبــحــوث الـرصـيـنـة والمـعـرفـة المـتـراكـمـة والـتـاريـخ المــعــروف فابتعد عنه سريعا لأنه يسعى للتأقلم مع حدث جديد بما يخدم مـصـالـحـه الـشـخـصـيـة، لا بـمـا يـبـنـي وعــيــا حقيقيا أو رؤيـــــة تـتـحـرى الـــصـــواب يـطـرحـهـا لـلـعـامـة، وفـي كــل الأحـــــداث الـكـبـرى والمــســتــجــدات الـخـطـيـرة يجب أن تبتعد كليا عـمّــن يــزهّــدك فــي الـبـحـوث والمـعـرفـة والــتــجــارب، وأن تلتصق أكـثـر بـمـن يـــورد المعلومة الصحيحة ويبني على المعرفة الدقيقة وينطلق من الخبرة التي تعبر عن تراكم التجارب. كتب الكثير لرصد «الثورة الإسلامية» في إيران الـتـي تسمّت لاحـقـا بـاسـم «الجمهورية الإسلامية» وعـرفـت إقليميا بـ«الخمينية»، والـبـاحـث المحترف والمـحـلـل النبيه يكتنز ذلـــك كـلـه لـيـخـرج بتعليقات بسيطة هنا وهناك للاستبصار في مشهد مختلطٍ. الهوية الإيرانية قديمةٌ، وكتب أروند إبراهيميان فــــي كـــتـــابـــه «تــــاريــــخ إيـــــــران الـــحـــديـــث» الــــصــــادر عـن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» بالكويت قـائـاً: «وعـلـى الـرغـم مـن أن الهوية الوطنية تعتبر اختراعا حديثاً، تشير الشاهنامة إلى إيران بالاسم أكثر من ألف مرةٍ، ويمكن اعتبار هذه الملحمة تاريخا أسطوريا للأمة الإيرانية، كما هي الحال لدى بعض . مثل مصر. 15 شعوب الشرق الأوسط» ص القدرة على تحريك الجماهير تصنع الفوضى، وفــي كـتـاب رفسنجاني «حـيـاتـي» كـتـب: «اضـطـراب الناس وهياجهم، كان محيرا وعجيباً، وكان السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي هذه القوة العظيمة؟» وهـــــو كـــــان يـــتـــحـــدث عـــمـــا ســــمَّــــاه غـــوســـتـــاف لـــوبـــون «ســلــطــة الــجــمــاهــيــر» و«قــــــوّة الـــخـــرافـــة» و«ســيــطــرة الآيديولوجيا» وهي التي انطلق منها الخميني في بناء ثورته ضد الشاه. ورث الـخـامـنـئـي سـلـفـه الـخـمـيـنـي وعـــمـــل على اسـتـبـعـاد كــل المـفـكـريـن المـمـيـزيـن والـــقـــادة الفعليين للدولة لمصلحة «المـوالـن» له في «الحرس الثوري» و«الـــبـــاســـيـــج»، وهـــكـــذا أفـــــرغ الـــنـــظـــام الإيــــرانــــي من المــفــكــريــن، وكــــل تــفــكــيــر مــخــتــلــف وإن كــــان مــوالــيــا، ليصفو لــه الـحـكـم، ولــهــذا فبمجرد أن غـــادر الحكم قتيلا في الحرب الأخيرة، بات نظامه مهلهلاً. عبر التاريخ تتجلَّى في صور مختلفةٍ، وقد ألف إحسان نراغي كتابا مهما عنوانه «من بلاط الشاه إلـى سجون الـثـورة»، وذكـر فيه مــرارا وتـكـرارا حيرة الــشــاه تــجــاه مـواجـهـة الخميني ومـــن مــعــه، وتـبـدو الحيرة نفسها والتشتت ذاته يسيطران على من بقي .2026 من صانعي القرار الإيراني ثلاثة كتب عربية مهمة في هـذا السياق كُتبت عــن إيــــران عـبـر عــقــود مــن الــزمــن، أولــهــا «مــدافــع آيـة عن دار 1982 الله» لمحمد حسنين هيكل، الصادر عام الشروق، وهو يمثل وجهة النظر العروبية الناصرية التي لا تستطيع أن تـرى فـي إيـــران عــدوا مـع ترسخ عداوة دول الخليج العربية في وعيها، وقد جاء فيه ما نصه: «في إحدى اللحظات الحاسمة 251 في ص قال الخميني: (إن بإمكانه أن يحول الخليج إلى كرة من النيران، إن جرؤ أحد على المساس بنا)». كتب هيكل كتابه هذا كتعبير عن انحياز مبكر ضـد الرئيس الـسـادات وضـد دول الخليج، وهـو ما تبعه عليه غـيـره، إن داخـــل الـنـظـام وإن مـن الكتاب والمفكرين المنخرطين فـي خـطـه، وهــو مـا ورثـــه عنه رمــوز التيارات الإسلاموية وإن ببعد أكثر تشابكا واخـــتـــاطـــا؛ حــيــث كــتــب «فــهــمــي هــــويــــدي» الــكــتــاب الــثــانــي بــعــنــوان «إيــــــران مـــن الــــداخــــل» الـــصـــادر عن ، وهو 1987 «مركز الأهرام للترجمة والنشر» في عام بطبيعة الحال منحاز لإيران بسبب أن فكرة الإسلام الـسـيـاسـي واحــــدة وبـحـكـم ارتــبــاطــات مــعــروفــةٍ. أمـا الـكـتـاب الـثـالـث فـجـاء بقلم حـــازم صاغية فـي كتابه «ثقافات الخمينية: موقف من الاستشراق أم حرب ،1995 على طـيـف؟» الـصـادر عـن دار «الـجـديـد» عـام وهـــو تعمد فــي كـتـابـه تـوجـيـه نـقـد للخمينية ولمـن سبقوه في الكتابة عن الموضوع. أخــيــراً، فـتـش فيمن يكتبون الــيــوم عــن هـــذه الـحـرب المعاصرة وستجد طيفا لكل نموذج من هذه النماذج. لــــم تـــكـــن حـــادثـــتـــا ســـاقـــيـــة الـــجـــنـــزيـــر فــــي بـــيـــروت والــجــديــدة فــي المـــن مـجـرد إشـكـالـن أمـنـيـن عـابـريـن. فـي الـجـديـدة، بــدأ الـتـوتـر أمـــام كنيسة قبل أن يتطور إلى اعتداء مباشر على شرطي وكاهن مقابل حرمها. أمَّا في ساقية الجنزير، فنفذت القوة الضاربة بقيادة الـــعـــمـــيـــد مــحــمــد شـــريـــم مـــداهـــمـــة ضــــد أحـــــد أصـــحـــاب المــولــدات، أعقبها سـجـال وتحقيق وتصريحات تحد نـقـلـت عـــن شـــريـــم. مـــا يـجـمـع بـــن الــحــادثــتــن يـتـجـاوز الوقائع الميدانية، ليكشف صعوبة الفصل بين الدولة وشبكات النفوذ داخلها وحولها. فالمسألة لا تقتصر على تــجــاوزات أو ســوء اسـتـخـدام للسلطة، بـل تطرح سؤالا أعمق: ماذا تعني استعادة الدولة في لبنان؟ فــــــي الـــــنـــــقـــــاش الـــــــدائـــــــر حــــــــول الــــــحــــــرب الــــجــــاريــــة والمـــفـــاوضـــات المــبــاشــرة مـــع إســـرائـــيـــل، يــجــري اخــتــزال المسألة غالبا في عنوان واحد هو: سلاح «حزب الله»، كأن استعادة السيادة تبدأ وتنتهي عند نزعه، أو عند إعــــادة تنظيم وضــعــه. لـكـن هـــذا، فــي أحـسـن الأحــــوال، نصف المسألة فقط، لأن المعضلة التي يمثلها «حـزب الله» ليست مجرد سلاح. خلال أربعة عقود، لم يبن الحزب ترسانة عسكرية فقط، بل نسج بنية نفوذ مركبة: أمنية، إدارية، سياسية، اقـتـصـاديـة، وقضائية أحـيـانـا، تتقاطع مـع مؤسسات الـــدولـــة، وتـتـغـلـغـل فــي بـعـضـهـا، وتـلـتـف عـلـى بعضها الآخر، بحيث بات السؤال ليس كيف تتعامل الدولة مع الحزب، بل كيف تستعيد الدولة نفسها من شبكة نفوذ أعادت تشكيل جزء من وظائفها. هذه هي المعضلة التي لا يلامسها كثير من النقاش حول «نزع السلاح». فالسلاح هو رأس الظاهرة، لا الظاهرة كلها. هناك اقـتـصـاد ظــل، وشـبـكـات حـمـايـة، وقــنــوات تأثير داخـل الإدارة، ونفوذ في القرار، ومفهوم للشرعية يقوم على ازدواجية مستمرة بين الدولة وما فوق الدولة. وهذه الـبـنـيـة، لا الــصــواريــخ وحــدهــا، هــي مــا جعلت الـحـزب لاعبا يتجاوز كونه تنظيما مسلحاً. ولهذا تبدو فكرة أنـــه يـمـكـن تـحـقـيـق اســتــعــادة الــســيــادة عـبـر تـرتـيـبـات أمنية أو تفاهمات حـدوديـة فقط، تبسيطا للمشكلة. فـالـسـيـادة ليست مـجـرد احـتـكـار الــســاح، بــل احتكار أو مشاركة الـقـرار والمرجعية والوظيفة الـعـامـة. ومن هـنـا يُــصـبـح الــســؤال أكـثـر تـعـقـيـداً: حـتـى لــو افترضنا أن الحرب الحالية أو المفاوضات المباشرة، أفضت إلى تقليص دور الحزب العسكري، فماذا عن البنية التي بناها داخل الدولة؟ هل يكفي احتواء السلاح إذا بقيت الدولة العميقة التي نشأت حوله قائمة؟ ربـمـا ينبغي قلب الــســؤال: بـــدلا مـن التركيز على كيفية نزع سلاح الحزب، الأجدى التساؤل متى وكيف تستعيد الــدولــة نفسها مــن بنية نـفـوذ تـراكـمـت على مدى أربعة عقود. فالمسألة ليست تقنية، بل سياسية وتاريخية، إذ لم يقتصر الأمر على «دولة داخل الدولة»، بل على تداخل بنيوي بينهما، ما يجعل المعالجة أعقد من مجرد قرار بنزع السلاح. إلـى ذلـك، يبقى اختزال المشكلة في تغلغل «حزب الله» داخل مؤسسات الدولة قاصراً، لأن هذا التغلغل لم ينشأ في فراغ، بل داخل منظومة سياسية وإدارية تكيَّفت معه، وأحيانا استفادت منه. فالدولة العميقة الـتـي راكـمـهـا ليست مـجـرد اخــتــراق مــن خـــارج الـدولـة إلــى داخـلـهـا، بـل نتاج تفاعل بـن الـسـاح، والشبكات الزبائنية، والتوازن الطائفي، والمحاصصة، واقتصاد الظل، وبنية الفساد، وطبقة سياسية قبلت التعايش مـــع هــــذا الــــواقــــع. وهـــــذا مـــا يـجـعـل المـعـضـلـة أبـــعـــد من مـواجـهـة تنظيم مـسـلـح أو تفكيك نــفــوذ أمــنــي، إذ ما ترسخ هو منظومة مصالح وحواضن متشابكة. لذلك لا تبدو استعادة الدولة مواجهة مع الحزب وحده، بل مع بنية لبنانية أوسع تأقلمت معه، بل أعادت أحيانا إنتاج شروطه. ولهذا قد لا تكفي أي تسوية عسكرية أو تفاوضية، حتى لو قيَّدت دوره العسكري، إذا بقيت هـــذه الـبـنـيـة الـعـمـيـقـة عـلـى حــالــهــا، لأن مـــا قـــد يتغير عندها هو ميزان القوة، لا المعادلة نفسها. يـبـقـى الـــســـؤال: مــــاذا يـفـعـل الاتـــفـــاق مــع بـنـيـة الـقـوة الداخلية؟ قد يهدئ التفاوض الجبهات، لكنَّه لا يُعالج جوهر الأزمـــة: أزمــة الـدولـة نفسها. وهنا تحديدا تبدو حادثتا ساقية الجنزير والجديدة دالتين؛ لأنهما تذكران بأن أزمة السيادة في لبنان لا تقف عند الحدود الجنوبية والــــســــاح غــيــر الـــشـــرعـــي، بـــل تــمــر مـــن قــلــب المــؤســســات نفسها. وهذا ما يجعل استعادة الدولة مسارا أبعد كثيرا من ملف السلاح؛ هو مسار يتَّصل بإعادة بناء القضاء والإدارة والعقيدة الأمنية، واستقلال القرار العام، ومنع استخدام مؤسسات الدولة المدنية أدوات ضمن توازنات قوى موازية، وإخضاع عناصر القوة لشرعية واحدة. فما تراكم خلال عقود لا يُفكّك بتسوية ظرفية أو إجـــراء أمـنـي، بـل بـمـشـروع دولـــة طـويـل الـنـفـس؛ يُعيد تــعــريــف الــســلــطــة والـــشـــرعـــيـــة والـــعـــاقـــة بــــن المـــواطـــن والدولة. وهنا تكمن صعوبة التعامل مع الحزب ليس بـوصـفـه قـــوة عـسـكـريـة فـحـسـب، بــل جـــزء مــتــداخــل مع بنية الحكم نفسها، مـا يجعل الـتـحـدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الحرب تحديا بنيويا بامتياز، لا مجرد استحقاق أمني أو تفاوضي. مــــضــــيــــق هـــــرمـــــز «نــــقــــطــــة اخــــتــــنــــاق» للاقتصاد العالمي، تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز. هكذا نعرفه، لكن هـل هـو كذلك فقط؟ أم أن لـه أبـعـادا أخـرى خـارج أطروحات الجيوبوليتيك وأسـواق الطاقة وشركات التأمين والبورصات؟ لـــــ«هــــرمــــز» أبــــعــــاد أعـــمـــق تــمــتــد إلـــى أنثروبولوجيا البحار، لكن جوهر الخليج يكمن في شيء بين الحقيقة والخيال يمكن تسميته «جـغـرافـيـا الـقـلـق»: فـضـاء يُنتَج فيه الخوف إعلاميا ويُعاد تداوله حتى في غياب الحرب. مجرد شائعة حول المضيق قادرة على تحريك بورصات العالم، وكأن السوق تسبق الواقع لا تتبعه. فـــي هـــذا الــســيــاق، لا تـحـتـاج المـسـألـة إلـى حـرب فعلية كي يعمل المضيق مولّدا للاضطراب. يكفي خبر عن احتكاك بحري، أو تـوقـيـف قــــارب، أو شـائـعـة عــن تـهـديـد، لتتحرك الأسـواق في لندن ونيويورك. ما يحدث عند أقــدام الصيادين على ضفتي الـخـلـيــج يـمـكـن أن يـتـضـخـم عــبــر الإعــــام والمـال ليصير حدثا عالمياً. هنا لا تعكس الأســـــــــواق الـــــواقـــــع فــــقــــط، بــــل تـــســـاهـــم فـي تضخيمه، فيما يـحـوّل الإعـــام الاحتمال إلى شعور عام بالخطر. هكذا يُعاد إنتاج القلق يومياً. كنت أميل إلى قراءة الحرب بوصفها انــــتــــقــــالا مــــن الـــيـــابـــســـة إلــــــى الـــبـــحـــر، هـــذا الـفـضـاء الـــذي نظنه هــادئــا. لـكـن الـتـاريـخ يقول غير ذلــك: البحر كـان دائـمـا مسرحا للحرب، ولـم يكن مضيق هرمز استثناءً. منذ سيطرة البرتغال على طــرق المحيط الـهـنـدي فــي الــقــرن الــســادس عـشـر، مـــرورا بالهيمنة البريطانية، ظـل المضيق نقطة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع التجارة والاســـتـــغـــال، حـيـث لا ينفصل الأمــــن عن الاقتصاد. مـــــع ذلــــــــك، تـــكـــشـــف أنـــثـــروبـــولـــوجـــيـــا البحار عـن وجـه آخــر: البحر ليس فراغاً، بــــل شــبــكــة عــــاقــــات. الــــهــــدوء لــــم يـــكـــن فـي المـــــاء بـــقـــدر مـــا كــــان عــلــى الـــشـــاطـــئ، حيث نــشــأت عـــاقـــات تــتــجــاوز الـــفـــرس والــعــرب واختلافاتهم الثقافية. كان الخليج فضاء لـلـصـيـد والـــتـــبـــادل، وتـــوثّـــق ذلـــك دراســــات (الـصـيـد مــن أجـل Fishing for Faith مـثـل الإيــــمــــان)، عـــن عــاقــة الــصــيــاديــن بالبحر وبــالــديــن. غـيـر أن هـــذه الــعــوالــم الـهـشـة لا تصمد أمام الأساطيل. لم يتغير البحر ولا موقعه، لكن تغيّر مــعــنــاه: مـــن مــمــر اســتــراتــيــجــي إلــــى عـقـدة نفسية واقــتــصــاديــة فــي الــنــظــام الـعـالمـي، حـيـث يـسـبـق تــوقّــع الـخـطـر وقـــوعـــه. لذلك تبدو المـقـاربـة الجيوسياسية التقليدية، الــــتــــي تــــــرى المـــضـــيـــق مـــــن زاويـــــــــة الــــدولــــة والـــســـيـــادة، غـيـر كـافـيـة. فـهـي تـفـتـرض أن الـبـحـر فــــراغ تـتـحـرك فـيـه الــقــوى الـكـبـرى، بينما تــراه أنثروبولوجيا البحار فضاء لـــعـــاقـــات عــــابــــرة لـــلـــحـــدود. عـــلـــى ضـفـتـي الخليج، تتداخل شبكات القرابة والعمل والـــتـــجـــارة الــيــومــيــة بـــن عــــرب فـــي إيــــران وعــجــم عـلـى الـضـفـة الــغــربــيـة، وصـيـاديـن يتشاركون المـعـرفـة والــــرزق عبر المـــاء، في اقتصاد غير مرئي لكنه فعّال. بــهــذا المـعــنـى، الــحــرب فــي المـضـيـق لا تقع في فراغ مائي، بل تمزّق شبكة حياة دقــيــقــة. إغــــاق المــمــر أو عـسـكـرة مـيـاهـه لا يــعــنــي فـــقـــط تــعــطــيــل نــــاقــــات الـــنـــفـــط، بـل قطع أرزاق الصيادين وتعطيل اقتصادات محلية قائمة على الصيد والنقل الصغير والتجارة غير الرسمية. هذه العوالم، التي تبدو هامشية فـي تقارير الأمــن القومي، هي ما يمنح المضيق كثافته الإنسانية. هنا يتضح مفهوم «جغرافيا القلق»: القضية ليست فيما يحدث ماديا فقط، بل في كيف يُستبطَن ويُتداوَل. الإعلام يحوّل الــحــوادث المــحــدودة إلــى سـرديـات تهديد، والأســــواق تترجم الـسـرديـات إلــى أسعار، فيما تتعامل الـدول مع الأسعار بوصفها مــــؤشــــرات خـــطـــر. الـنـتـيـجـة دائــــــرة تـغـذيـة راجعة: القلق يولّد سياسات، والسياسات تعيد إنــتــاج الـقـلـق، فيتحول الإدراك إلـى عامل مادي مؤثر. ، كـتـب 1990 خــــــال حــــــرب الـــخـــلـــيـــج الــفــيــلــســوف الــفــرنــســي جــــان بــــودريــــار أن «حــــرب الـخـلـيـج لـــم تـــقـــع»، فـــي إشـــــارة إلـى حرب تُعاش عبر الشاشات ضمن ما سمّاه «الواقع الفائق» أو الهايبر ريالتي. هــــــذا الــــتــــحــــول مـــــن الـــجـــغـــرافـــيـــا إلـــى الــحــالــة الـذهـنـيـة لــه تـكـلـفـة مـعـرفـيـة. حين نــــــرى المـــضـــيـــق فـــقـــط كـــــ«عــــنــــق زجـــــاجـــــة»، نسقط تاريخا طويلا من التبادل الثقافي والــــديــــنــــي وحـــــيـــــاة يـــومـــيـــة لا تــخــتــزلــهــا خرائط النفط. كما نهمل فاعلين صغاراً، صـيـادون، بـحّــارة، وسـطـاء، يلعبون دورا فــي اســتــقــرار هـــذا الـفـضـاء بـقـدر مــا تفعل القوى الكبرى. تجاهل هؤلاء يعني قراءة ناقصة، وبالتالي سياسات ناقصة. لــــــيــــــس المـــــــقـــــــصـــــــود إنـــــــــكـــــــــار الــــبــــعــــد الاســــتــــراتــــيــــجــــي، بـــــل وضــــعــــه فـــــي ســـيـــاق أوسـع. الأمـن لا يُختزل في موازين القوة، بل يشمل استقرار المجتمعات على حواف هذا الممر. والاقتصاد لا يتحرك فقط عبر نــاقــات عـمـاقـة، بــل عـبـر قــــوارب صغيرة تحمل سلعا وعلاقات ومعاني يومية. إذا أردنـــا فهم مضيق هـرمـز، فعلينا أن نـــــراه مــفــتــرقــا لــثــاثــة عــــوالــــم: الـــدولـــة، والسوق، والمجتمع. «جغرافيا القلق» إذًا ليست استعارة أدبـــيـــة، بــل مــحــاولــة لـفـتـح عــدســة الــرؤيــة لـــفـــهـــم طـــريـــقـــة إنـــــتـــــاج الـــخـــطـــر فـــــي زمـــن تـتـداخـل فيه الـشـاشـات مـع الــواقــع. قـد لا تـبـدأ الـــشـــرارة بـــصـــاروخ، بــل بـخـبـر. وقـد لا تكون المعركة في البحر فقط، بل على الـشـاشـات أيـضـا. وبــن صـيـاد يـخـرج مع الـفـجـر ومـسـتـثـمـر يـــراقـــب وول سـتـريـت، يمتد خيط غير مرئي من القلق الكوني. إنـــنـــا الــــيــــوم لا نــتــعــامــل مــــع مــضــيــق فـي الخليج، بل نتعامل مع جغرافيا جديدة اسمها جغرافيا القلق، ستنتقل عدواها بـكـل تـأكـيـد إلـــى مـنـاطـق جـغـرافـيـة أخــرى من العالم تنزع عنها صفاتها الجغرافية الـــذهـــنـــيـــة، وتـــتـــحـــول إلــــى فـــضـــاء الإعــــام «مـيـديـاسـكـيـب» ومـــن بـعـدهـا تنتقل إلـى عالم جغرافيا القلق. مأمون فندي [email protected] عبد الله بن بجاد العتيبي سام منسى

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky