الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel يقول مستشار بوتين إن العالم يقترب من أكبر أزمـة طاقة في التاريخ. سـاد الاعتقاد في البداية أنَّها أزمة حادة في الشرق الأوسط. ذهبت سريعا إلى أبعد من ذلـك. تحوَّلت أزمــة غير مسبوقة حين رفعت إيـران درجــــة الـتـخـصـيـب إلـــى الــحــد الأقـــصـــى بــإقــدامــهــا على إغلاق مضيق هرمز. تنبَّه العالم حينها إلى أن هرمز هــو أخـطـر مـفـاعـل تمتلكه إيـــــران. يـفـوق فــي خطورته مفاعلاتها الأخـــرى. وزيــر الخارجية الأميركي ماركو روبيو قـال إن طهران تستخدم هرمز كــ«سـاح نووي اقتصادي». والــحــقــيــقــة هـــي أن مـــفـــاعــل هـــرمـــز أرســـــل سـريـعـا إشــعــاعــاتــه فـــي كــــل اتـــجـــاه. المـــــــزارع فـــي فــرنــســا يــحــذّر مــــن أيـــــــام صـــعـــبـــة. والــــعــــامــــل فــــي بـــنـــغـــاديـــش يـشـعـر بالقلق. المــواطــن الصيني يتحسَّس أوضــاعَــه فبلاده أكـبـر مـسـتـورد للنفط الإيـــرانـــي. تصاعد الـخـوف على الــوجــبــات خـصـوصـا فـــي الــخــرائــط الـهـشـة الــتــي تـعـج بـــالـــفـــقـــراء. بــــدا الاقـــتـــصـــاد الــعــالمــي فـــي صـــــورة رهـيـنـة مـــهـــددة بـــالـــغـــرق فـــي المــضــيــق المـــقـــفـــل. الـــنّـــفـــط والـــغـــاز وسلاسل الإمـداد والأسعار والاستقرار. على الدول أن تعيد النظر في ميزانياتها. على الحكومات أن تعيد حساباتها وتلتفت إلى الشارع. لم يكن الشرق الأوسط قبل الأزمة بحيرة هادئة. لكن نزاعاته، على حدّتها، كانت أقل خطرا ولا تتجاوز أضرارُها حدود المنطقة. يعيش الشرق الأوسط اليوم ما هو أخطر من الحروب العربية - الإسرائيلية. والحرب العراقية - الإيرانية. وغزو الكويت. وحرب اقتلاع نظام صــدام حسين. إشعاعات مضيق هرمز المعتقل تفوق بخطورتها كل إشعاعات الحروب السابقة. منذ ستة عقود لم يشهد العالم أزمة مثيرة للقلق كما يعيشه اليوم. تفكّك إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفياتي لم يثر هذا القدر من التوجّس. أزمـة على مــســتــوى الـــعـــالـــم. يـحـضـر إلــــى ذهـــنـــي مـــا قــــرأنــــاه عن على رغـم الـفـوارق 1962 أزمــة الـصـواريـخ الكوبية فـي في المسرح والمعطيات والـظـروف وأطـــراف الأزمـــة. في تلك السنة اكتشفت طــائــرات التجسس الأميركية أن عمليات حفر تجري في كوبا لبناء أنفاق لصواريخ نووية أرسلها الاتحاد السوفياتي إلى جزيرة فيديل كاسترو. كانت الخطوة السوفياتية عملا متهورا ارتكبته دولـــــــة عــظــمــى فــــي مـنـطــقـة حـــسَّـــاســـة. كـــشـــف الــرئــيــس جون كينيدي الأزمــة وأعلن فـرض حصار بحري على الجزيرة وحبس العالم أنفاسَه تخوفا من وجبة نووية مدمرة. وتــردَّد حينها أن كاسترو المغامر أبلغ رئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروشوف أنَّه لا يمانع في زوال الجزيرة عـن الخريطة إذا كـانـت المواجهة تسدّد ضربة قاضية إلى «الإمبريالية الأميركية». أمضى العالم أياما على شفير مواجهة كابوسية. لـم يكن سـيّــد البيت الأبـيـض فـي وارد الـتـراجـع وتـرك الــصــواريــخ الـسـوفـيـاتـيـة قــبــالــة الــســواحــل الأمـيـركـيـة. خاف خروشوف من عواقب أي سلوك انتحاري. انتصر التعقل. وُلـــدت التسوية. يسحب الاتـحـاد السوفياتي صواريخَه وتتعهّد واشنطن بعدم غـزو كوبا. ضمَّت الـتـسـويـة أيــضــا بــنــدا بـقـي ســريــا لــســنــوات وهـــو قـيـام أميركا بسحب الصواريخ التي توجّهها إلى الأراضي السوفياتية من تركيا الأطلسية. بعد عامين من إفلات العالم من محرقة نووية استدعَى «الرفاق» خروشوف وأحالوه إلى التقاعد. وكان بين الأسباب التي تذرعوا بها «الحل المهين» للأزمة الكوبية. أزمـة هرمز مختلفة عن أزمة الصواريخ الكوبية. إيران ليست الاتحاد السوفياتي. ودونالد ترمب مُصِر على حرمانها من توفير مظلة نووية للانقلاب الكبير الـذي أطلقته في المنطقة. لكن الـسـؤال هو هل الخوف من «الحل المهين» هو ما يعيق الخروج من أزمة مفاعل هـرمـز؟ والــســؤال مـشـروع تماماً. هـل يستطيع المرشد الإيراني الجريح المصاب في جسده وعائلته وترسانة بلاده واقتصادها أن يقبل بتسوية قد يعتبرها صقور «الــــحــــرس الــــثــــوري» مـــن قــمــاشــة «الـــحـــل المــــهــــن»؟ هل يكفي أن تتعهَّد أميركا بعدم مهاجمة النظام الإيراني مجدداً، وأن ترفع العقوبات عنه في مقابل إقلاعِه عن الـحـلـم الـــنـــووي والإطـــبـــاق عـلـى خــنــاق الــعــالــم بـإغـاق مضيق هرمز؟ ثم إن الأزمـــة الحالية انطلقت لأسباب نـــوويـــة وعــنــوانُــهــا خـــزنـــة المـــــواد المــرتــفــعــة التخصيب والتي يطالب ترمب بتسليمها أو إخراجِها كما طالب كينيدي بسحب الصواريخ السوفياتية من كوبا. رفــعــت إيـــــران درجـــــة الـتـخـصـيـب بـــإغـــاق مضيق هرمز. واضح أنَّها أرادت القول إنَّها لن تخسر وحدها وإن عـلـى الاقــتــصــاد الـعـالمـي أن يــدفــع هــو الآخـــر ثمنا باهظا للهجوم الأميركي عليها. رفـــع تــرمــب بـــــدوره درجـــــة الـتـخـصـيـب فـــي الأزمـــة حـن أعلن فــرض الحصار البحري على مفاعل هرمز والموانئ الإيرانية. يقول الخبراء إن عملة إيران مهددة بالمزيد من الانتحار، وإن خزاناتِها النفطية وآبارها تقترب مـن مـوعـد الاخـتـنـاق. وإن رهـانَــهـا على توجّع العالم من آثار الأزمة لن يعفيَها من تقديم تنازلات. تلعب إيــــران بـالـوقـت ومـعـه. تـرسـل مقترحات وتنتظر ثــم تـرسـل تـعـديـات. تـتـصـرَّف كـــأن الـوقـت حـلـيـفـهـا وكــــــأن تـــرمـــب سـيـتـعـثـر بـــعـــقـــارب الــســاعــة الأمـيـركـيـة نفسها مـن الـكـونـغـرس إلــى الانتخابات الـنـصـفـيـة. لـكـن تــرمــب لاعــــب غـيـر تـقـلـيـدي. صـانـع ألـــعـــاب وصـــانـــع مـــفـــاجـــآت. يـــذكـــر الـــنـــظـــام الإيـــرانـــي بـــأن سـفـنَــه تـنـام فــي أعــمــاق الـبـحـر، وأن الــخــزانــات سـتـخـتـنـق، وأن الآبــــار سـتـهـرم سـريـعـا، وأن إيــــران سـتـحـتـاج إلــــى ســـنـــوات لـتـضـمـيـد جـــــروح الـــغـــارات الأميركية والإسرائيلية. تــنــاور إيــــران. تـبـدّل عــبــارات وتغير مــفــردات. ولا غرابة في الأمـر. لغة ترمب قاسية. يقول إن على بلاد الخميني أن تـدفـع ثمن مـا فعلته فـي سبعة وأربـعـن عاماً. يطالبها بالاستسلام على رغم معرفته أن المرشد لا يستطيع احتمال «حـل مهين». يطالبها عمليا بأن تــفــكّــك مــشــروعَــهــا الـكـبـيـر فـــي مــقــابــل تــركــهــا مـــن دون التَّعرض لها كما حدث مع كاسترو. ارتكبت إيران خطأ فادحا حين امتنعت عن إدراك أبعاد قرار ترمب بقتل الجنرال قاسم سليماني، وهو كان أخطر بكثير من قرار قتل أسامة بن لادن. تخطئ الـيـوم أيضا إذا توهَّمت أن ضغط أكبر أزمـة طاقة في التاريخ قد يدفع ترمب إلى القبول بـ«حل مهين». مفاعل «هرمز» و«الحل المهين» ، أطـلـق الرئيس 1980 ) فــي يـنـايـر (كــانــون الـثـانـي جيمي كارتر وعـدا جريئاً: إذا حـاولـت أي قـوة أجنبية الـسـيـطـرة عـلـى الـخـلـيـج الـعـربـي أو احـتـيـاطـات النفط الــضــخــمــة بــالمــنــطــقــة، فــســتــواجــهــهــا الـــقـــوة الـعـسـكـريـة الأميركية. وعبر ضمان تدفق النفط بحرِّية عبر مضيق التالية، أعطت أميركا 45 «هرمز» على مدى السنوات الـ إشارة للعالم بأن النفط المقبل من الشرق الأوسط، رغم كل تقلباته، يظل رهانا آمناً. ومع ذلك، فوجئنا بأنَّه في غضون شهرين فقط، تحوَّلت الـولايـات المتحدة من الحصن الحامي للنظام الــدولــي للطاقة، إلــى أكـبـر مـصـدر خطر يـهـدِّد بزعزعة استقراره. ومـع أن واشنطن قد تخرج دون أذى كبير، نسبياً، مـن أزمـــة الـطـاقـة الـتـي أشعلتها بحربها على إيـــران، فـــإن الآثـــار طويلة الأمـــد على اقتصادها القائم على الـنـفـط، قـد تـأتـي مـزعـزعـة لاسـتـقـرارهـا على نحو عميق. فــي الـــواقـــع، يُــعــد الاقــتــصــاد النفطي الــعــالمــي، من نـــواح كثيرة، منتجا أميركيا مبتكراً. فـي أوائـــل القرن العشرين، اكتشفت شـركـات أميركية كـبـرى النفط في أمـيـركـا الـاتـيـنـيـة والــشــرق الأوســــط، وسـيـطـرت لفترة على صناعات النفط في تلك المناطق. وكانت الولايات المتحدة أكبر منتِج ومستهلِك للنفط فـي العالم، على مدار النصف الأول من القرن. بـــعـــد صــــدمــــات الـــنـــفـــط فــــي الـــســـبـــعـــيـــنـــات، قــــادت الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة جــــهــــود إنــــشــــاء الــــوكــــالــــة الـــدولـــيـــة للطاقة، التي نسَّقت سياسات الطاقة بين الاقتصادات الصناعية الكبرى. كما أسهمت واشنطن في الدفع نحو تشكيل نظام عالمي لاحتياطات النفط الاستراتيجية، وإجـــــــراءات أخــــرى تــهــدف إلـــى تـعـزيـز مـــرونـــة اقـتـصـاد الــطــاقــة الـــعـــالمـــي. بــحــلــول صــــدور مـــا تُـــعـــرف بــ«عـقـيـدة كـــارتـــر»، أصــبــح واضـــحـــا لــلــولايــات المــتــحــدة أن أمنها الوطني يعتمد على الوصول إلى طاقة الخليج العربي، في المائة من وارداتها آنذاك. 25 التي كانت تغطي ورغم ذلك، بدأ الوهن يصيب هذا الالتزام بحماية ، أدى 2010 الوصول إلى نفط الشرق الأوسـط. منذ عام ازدهار إنتاج النفط والغاز داخل الولايات المتحدة، إلى ،2020 تقليل اعـتـمـادهـا عـلـى الــــــواردات. وبـحـلـول عـــام فـي المـائـة مـن استهلاك 10 غـطَّــى نفط الخليج أقــل مـن واشنطن للنفط، ما خلق اعتقاداً، يمكن تفهم أسبابه، داخل بعض الدوائر بواشنطن أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى التورط في شؤون الشرق الأوسط. أمــا دونــالــد تـرمـب، فقد ذهــب إلــى أبـعـد مـن ذلـك، وطـــــرح فـــي فـــتـــرة رئـــاســـتـــه الأولــــــى فـــكـــرة مــشــكــوكــا في صحتها، مفادها بأن واشنطن أصبحت الآن «مكتفية ذاتيا بمجال الطاقة»، وفي مأمن من صدمات النفط. ومن رحم هذا الاعتقاد نشأ شعور جديد وخطير بـالـثـقـة: بـــدلا مــن الاعـتـمـاد عـلـى ســـوق الـنـفـط العالمية، يـمـكـن لــلــولايــات المــتــحــدة الآن تشكيلها بــطــرق تـخـدم مصالحها الجيوسياسية. وبالفعل، فرضت واشنطن عـــقـــوبـــات قـــاســـيـــة عـــلـــى خــصــومــهــا - روســــيــــا وإيــــــران وفنزويلا - للحد من قدرتهم على بيع النفط. كما هدَّدت بفرض تعريفات جمركية قاسية على كندا، التي تعد اليوم أكبر مُصدِّر للواردات النفطية إلى أميركا. ومـن العقوبات والتعريفات، انتقلت إدارة ترمب إلــــى مـــصـــادرة نـــاقـــات الــنــفــط فـــي الــكــاريــبــي والمـحـيـط الهندي، واعتقال رئيس فنزويلا، وإطلاق حملة جوية ضــد إيــــران تسعى لأهــــداف مـنـهـا، حسبما قـــال تـرمـب، «الــســيــطــرة عــلــى الـــنـــفـــط»، مـــن خــــال إقـــــرار نــظــام أكـثـر خضوعا داخل إيران. لم تُحقِّق الحرب ضد إيران النجاح المرجو، مقارنة بـالـعـمـلـيـة فـــي فـــنـــزويـــا. وبـــمـــجـــرد أن بــــدت الـــولايـــات المتحدة غير راغبة في الاستمرار بحماية مـرور النفط عبر مضيق «هـرمـز»، دخـل الاقتصاد العالمي في حالة من الفوضى. تظل فكرة أن واشنطن بمنأى عـن أزمـــات الطاقة خاطئة؛ فلا تـزال الـولايـات المتحدة تستورد نحو ثلث النفط الخام، الذي تستهلكه. كما يتأثر سعر المنتجات الــنــفــطــيــة المــحــلــيــة، مــثــل الــبــنــزيــن بـــتـــغـــيُّـــرات الأســـعـــار العالمية. وستتشكَّل السوق العالمية لبقية العام، إن لم يكن أطول، بفعل التأثيرات المضطربة لهذه الحرب. الأخطر من ذلك أن انهيار «عقيدة كارتر» يقوِّض أمـــن الاقــتــصــاد الـنـفـطـي الــعــالمــي. وحـتـى لــو أعـيـد فتح مضيق «هرمز»، ستبقى الأســواق متوترة، في انتظار مــا إذا كـانـت إيــــران ستغلقه مــن جــديــد. وسـيُــنـظَــر إلـى النفط المقبل من الخليج بوصفه أكثر خطورة، وربما أغلى نتيجة لذلك. وقد يكون لهذا التأثير الأعمق على الولايات المتحدة. وعليه، قـد تعاين الــولايــات المتحدة انكماشا في سوق تصديرها، مع تباطؤ الطلب على النفط والغاز، مـــا يـــهـــدِّد صــنــاعــة مـحـلـيـة تُــــقــــدَّر قـيـمـتـهـا بـتـريـلـيـون دولار، والآلاف مـن الوظائف التي توفرها. وقـد يعلق المستهلكون الأميركيون كذلك مع وقــود ملوث عرضة لارتفاع الأسعار، بينما يخطو بقية العالم نحو الأمام. في الـواقـع، قد يتضح في نهاية الأمـر أن انشغال أميركا بإنتاج واستهلاك والسيطرة على النفط، ليس ســــوى أولـــويـــة خــاطــئــة: ســبــاق لـلـسـيـطـرة عــلــى مــــوارد الـــطـــاقـــة فــــي الــــقــــرن الـــعـــشـــريـــن، بــيــنــمــا تــحــتــضــن بـقـيـة العالم التقنيات النظيفة، التي ستشغل القرن الحادي والـعـشـريـن. ومـــع أن أهـمـيـة «عـقـيـدة كـــارتـــر» قــد تكون انحسرت، فإن الاستقرار الذي مثلته ستفتقده واشنطن بشدة. * خدمة «نيويورك تايمز» أميركا... و«عقيدة كارتر» النفطية OPINION الرأي 13 Issue 17324 - العدد Monday - 2026/5/4 الاثنين غسان شربل *غريغوري برو
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky