issue17322

بـعـد هـزيـمـة الـخـامـس مــن يـونـيـو (حـــزيـــران) سنة ، ذهــــب الــصــحــافــي الـلـيـبـي الـــراحـــل رشــــاد بشير 1967 الهوني إلـى القاهرة، وحضر محاكمات كبار الضباط المـصـريـن، الـذيـن حُــمِّــلـوا المـسـؤولـيـة عـن الـهـزيـمـة. عـاد إلى ليبيا وكتب مقالا في صحيفة «الحقيقة» التي كان يرأس تحريرَها بعنوان: «فرسان بلا معركة». شـــــــــرَّح فــــيــــه الــــتــــكــــويــــن الــــســــيــــاســــي والــــعــــســــكــــري والاقـــتـــصـــادي فــي مــصــر، الــــذي أنــتــج الـهـزيـمـة الـكـبـرى المروعة المشار إليها. بعد نجاح الثورة الليبية في أول ، جـــرت مـحـاكـمـة عـشـرات 1969 سبتمبر (أيـــلـــول) سـنـة الصحافيين، الذين كتبوا في العهد الملكي في الصحف الحكومية والـخـاصـة، وُجـهـت لهم تهمة إفــســاد الــرأي العام الليبي. كان من بين المُتهمين فيما عُــرف بمحكمة الشعب، الصحافي رشاد بشير الهوني. التهمة الرئيسة الموجهة له، كانت ما جاء في مقاله الحارق بعنوان: «فرسان بلا معركة». المــفــارقــة أن الــرئــيــس المـــصـــري الـــراحـــل جــمــال عبد الناصر قبل وفـاتِــه بـأيـام قليلة، فـي لقائه مـع الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داده، ومكالمتِه الهاتفية مـع الــراحــل العقيد معمر الـقـذافـي، قـــال كـامـا بـه كثير مـمـا قـالـه رشـــاد الـهـونـي فــي مـقـالـه الـــذي حُــوكــم عليه. منذ الـحـرب العربية الإسرائيلية العربية الأولـــى سنة ، إلــــى الــــحــــروب الـــتـــي نـعـيـشـهـا الــــيــــوم، لا تغيب 1948 مطرقة السؤال الثقيلة، لمـاذا تُعلّق نجوم الهزائم، على أكتاف حملة الرّتب العسكرية الصغيرة والكبيرة؟ وفي الواقع بين هؤلاء كثير من المظلومين، وليسوا الظالمين. بعد نجاح كـل انـقـاب عسكري، يُــسـرَّح الضباط الذين يحملون رتبا أعلى، من تلك التي يحملها قادة الانقلاب، بل إن بعضهم يُحاكم ويودع السجون، ومنهم من كان مصيره الإعــدام. في إسرائيل كثير من الضباط، الذين شـاركـوا فـي الحربين العالميتين، خـاضـوا حـروبَــهـا مع العرب، ومن يتقاعد منهم، يندفع إلى العمل السياسي، أو يـتَّــجـه إلـــى مــجــال الـتـنـقـيـب عـــن الآثـــــار، وإذا نشبت حروب، يلتحق بالجبهات تحت إمرة ضباط أصغر منه سنا ورتبة. دُفـعـت إلــى هــذه المـقـدمـة، التي فرضَها عـنـوان هذا المـــقـــال: «حـــــروب بـــا ســـــاح». لـكـن الـــحـــروب هـــي مـجـرد حلقات صغيرة، في سلسلة صراع طويل، له عُدَّة مركبة ومتراكمة، قوامُها جيش العلم. 16 عــــدد الــيــهــود الإجــمــالــي فـــي الــعــالــم يــصــل إلــــى ملايين. وعـدد العرب في 7 مليوناً، منهم في إسرائيل 510 ، يبلغ 2026 كل الدول العربية حسب تقديرات سنة مـايـن. عــدد اليهود الحاصلين على جـائـزة نـوبـل في المجالات العلمية المختلفة، الفيزياء والكيمياء والطب وحتى اليوم 1901 والاقتصاد وغيرها، بلغ منذ سنة في المائة من الفائزين بها على 22 عالماً، ونسبتهم 155 مستوى العالم، بينما لم يحصل عليها من العرب سوى العالم أحمد زويل والعالم عمر ياغي (عن فئة الكيمياء). كيلومترا مـربـعـا، ومساحة 20.770 مـسـاحـة إسـرائـيـل مـلـيـون كيلو مـتـر مــربــع، يـوجـد في 13 الــبــاد الـعـربـيـة إسرائيل أكثر من سبعين مركزا للبحث العلمي خارج الــجــامــعــات، وتُـــعـــد مـــن أعــلــى الـــــدول عــالمــيــا، فـــي كثافة الـبـحـث الـعـلـمـي بـالـنـسـبـة لــعــدد الــســكــان. بـعـد هزيمة يـونـيـو رفـــع الــكــاتــب المـــصـــري الـــراحـــل أنــيــس مـنـصـور، شعار «اعـرف عــدوك»، وخـاض في تفاصيل النشاطات العلمية والـصـنـاعـيـة ومـنـاهـج التعليم فــي إسـرائـيـل. هناك من هاجمه ووصف ما يقدمه عن إسرائيل، بجلد لـــلـــذات، ورد أنــيــس مـنـصـور عـلـى ذلـــك ســـاخـــراً. وكـتـب: «هناك من يستحق أن يُجلد عقله وليس ذاته فحسب». فـــي بـــادنـــا الــعــربــيــة الـــواســـعـــة، تــداهــمــنــا الـفـضـائـيـات ووســائــل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، بطلعات مــن يسمون العلماء، يتحدَّثون عـن علوم الـــزواج والـطـاق والخلع والــنــشــوز، وبــأيــة قـــدم يـجـب الـــدخـــول إلـــى دورة المــيـاه، وعن لباس المرأة، والوظائف التي يجب ألا تتولاها، أما خُــطـب الجمعة فتلك دنـيـا أخـــرى، لا تبرحها سـرديـات الـتـرهـيـب الـغـريـب. رســائــل الماجستير والــدكــتــوراه في جــل الـجـامـعـات الـعـربـيـة، تجتنب الــخــوض فــي العلوم التطبيقية، وتصول وتجول في حكايات تاهت في زمن سحيق، وعليك أن تصدق أو لا تصدق. باحث نحرير قضى سـنـوات فـي دراســـة درجـــة الفساء (الــريــح)، التي تنقض الوضوء! قـــال الـرئـيـس الـتـونـسـي الــراحــل الحبيب بورقيبة بـعـد تحقيق الاســتــقــال، انتقلنا مــن الـجـهـاد الأصـغـر ضد الاستعمار، إلى الجهاد الأكبر بالعلم والعمل، من أجـل التنمية والتطور والنهوض. التعليم الـذي يعبئ الشباب والشابات، من المرحلة الابتدائية، بقوة التفكير، بمناهج تحث على البحث العلمي، وتوفير المختبرات والمعامل في المدارس والجامعات والمعاهد، هو المعسكر الأول المــؤســس لـقـوة الـحـيـاة، بـكـل فـروعـهـا فــي الـحـرب والـــســـام. نـحـن لا نـخـتـرع فصيلة جــديــدة مــن الـبـشـر، ولا نبدع تاريخا على مقاس أوهامنا وأحلامنا. اليوم لــم تـعـد الـدنـيـا قــريــة واحــــدة صـغـيـرة كـمـا قـيـل، بــل هي صفحة نراها ونقرأها وتتجسّد أمامنا في بيوتنا، ولنا في تجارب أمـم كانت في الدرجة السفلى من التخلف، وقــفــزت فــي ســنــوات قليلة إلـــى هـــام الـتـقـدم والـرفـاهـيـة والـــقـــوة. الــبــدايــة بـقـطـع الـحـبـال الــتــي تـشـدُّنـا إلـــى حفر ومستنقعات ردمَها تيار الزمن. لا نصر في حرب يواجه فيها الجهل المزمن، من يقاتل بسلاح العلم والعقل. نــجــح كـــتَّـــاب الــــرّوايــــة الـسـيـاسـيـة فــي نــشــر قــصــة قـديـمـة اسـمُــهـا «إسرائيل الكبرى» التلموديةُ، مستفيدين من انهيار القوة الإيرانية الحالية التي تَبث الخوف والإحباط في محيط حلفاء إيران. فِي رأيي أنَّه بالفعل نحن نشهد اليوم تاريخا مهمّاً، وهو حرب بين مشروعين: «إسرائيل الكبرى» في مواجهة «إيران الكبرى». لنتفق أوَّلا على أنَّه لكل أمة طموحاتُها في أن تَكبر إلى أن تصبح خـطـرا على جـيـرانِــهـا، والـنّــظـام الإقليمي، وربَّــمـا على الـعـالـمِ، وهنا سرعان ما تذوب كقلاع الرَّمل على شاطئ البحر. في المنطقة ظاهرتان تاريخيَّتان وُلدتَا كمشروعين كبيرين: إيران وإسـرائـيـل. إيـــران الحالية نجح طموحُها فـي أن تبني إمبراطورية إقليمية تمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، مستلهمة ذلك من تاريخها الفارسي والإسلامي العظيمين. دامـت حروبُها التَّوسعية أربــعــة عــقــود، وبـالـفـعـل وصـلـت إيــــران إلـــى مـيـاه الـبـحـريـن المتوسط والأحـــمـــر، فـــي ســـوريـــا ولــبــنــان وغـــــزة والــيــمــن. تـوسُّــعـهـا الـعـسـكـري استدعى الـقـوى الإقليمية والـدولـيـة لمواجهته، وأخـيـرا تدميره قبل أن تتمكَّن من تحصينِه بسلاح نـووي. وبعد الحرب المضادة عليها انكمشت سريعاً، وصارت محاصرة في مياهها الخليجية. قـــيـــادة طـــهـــران أظــهــرت عـزيـمـة حـديـديـة تـــحـــدَّت الــعــالــمَ، وظـنَّــت بعد إحجام القوى الإقليمية والدولية عن تحديها، أن إيـران الكبرى مـسـتـمـرة وأبـــديـــة. مـــشـــروع آيــديــولــوجــي تــاريــخــي عـــدوانـــي أورثــهــا أراضــي الإمبراطورية البريطانية والفرنسية القديمة، وقضى على وجود، أو أضعف، سيادة الدول التي هيمنت عليها، ثم انهارت إيران الكبرى سريعا في أول تحد مباشر لها. فالحكم المؤدلج ابتدع ممالك مـن الــوكــاء سـرعـان مـا تحطَّمت فـي الـحـربـن الأخـيـرتـن. ربَّــمـا كان بمقدور المرشد الأعلى الراحل تحقيق نصف نجاح، وربَّما انتصار كل مشروعه التَّوسعي لو قُيّض له قادة أكثر معرفة بإدارة عالم السّياسة الواقعي الحديث. الـغـزوات الإيـرانـيـة كانت مثل النابوليونية التي اكتسحت أوروبا سريعاً، ثم انهارت سريعا أيضاً. مـــــاذا عـــن إســـرائـــيـــل الـــكـــبـــرى؟ هـــي مــثــل إيــــــران لــهــا طـمـوحـاتُــهـا التَّوسعية، إنَّما بفكر مختلف. كذلك، مثل إيران، بالإصرار والعزيمة تمكَّنت من إقامة دولــة متفوقة في بيئة معادية. وأصبحت الدولة الـعـبـريـة الـيـوم ذات تـأثـيـر هـائـل يمتد مـن واشـنـطـن إلــى بـكـن. كمَا يـتـشـابـه الإيـــرانـــيـــون والإســرائــيــلــيــون فــي اسـتـلـهـامـاتـهـم التاريخية والدينية. لكن البلدين يختلفان بفوارق بينهما حاسمة؛ فإسرائيل فيها خمسة مـايـن يـهـودي فـقـط، وإيــــران عــددُهــا تسعون مليوناً. إيران نظريا لها امتدادات ديموغرافية وجغرافية وطائفية. إسرائيل لا تملك هذه المزايا. ولو قرَّر الإسرائيليون الزَّحف براً، فالأرجح لن يغامروا بتجاوز سيناء جنوبا إلى القناة وغرب سوريا والليطاني لبنانياً. إسرائيل تعي المخاطر الجيوسياسية أكثر من رجال الدين في طهران؛ المكاسب محدودة والمخاطر عالية. ولــو قــرَّرنــا الانــخــراط وفــق نظرية الـتـوسـع المـؤامـرتـيـة، فنظريا تـوجـد إســرائــيــان: بـلـد الــوعــد الـتـلـمـودي الـديـنـي، ودولــــة الــروايــات التاريخية. عن التاريخية، يقول الإسرائيليون هي حدودُها حدود الــيــوم، مـع الـضَّــفـة وجـــزء مـن جـنـوب لـبـنـان. وإسـرائـيـل تـحـاول منذ خمسين سنة ابتلاع الضَّفة الغربية، ولا تزال عسيرة الهضم. لأي دولـة كبرى مقوماتٌ، أبرزُها الكثافة السكانية. وقد سعت لإغـــــراء بـقـيـة يــهــود الــعــالــم، وهـــم قــلــة، لـلـهـجـرة إلـيـهـا وفـشـلـت. على الخريطة، إسرائيل من أصغر دول العالم، تونس أكبر منها ثماني رئيس وزراء علمانيا من 11 مـرات. إسرائيل كدولة يهودية حكمها . أيضا ليست أمــة خالصة. عــدد الفلسطينيين، هاجسُها الأول، 14 فــي الأراضـــــي المـحـتـلـة أكــثــر مــن نــصــف عـــدد الإسـرائـيـلـيـن، وخُــمــس الإسرائيليين فلسطينيون... كل هذا يجعل من فكرة التَّمدد الجغرافي غير واقعيةٍ، ويهدّد وحدة الدولة الإسرائيلية، وليس العكس. زاعمو مؤامرة «إسرائيل الكبرى» استدلُّوا بخيطين رفيعين، كمَا ، وصــورة قماش 1982 لو كانت مـؤامـرة طُبخت سـراً: مقال كُتب عـام على كتف جندي إسرائيلي. المنطق يقول إذا كان لإسرائيل طموحات بالتوسع، مثل احتلال شمال السعودية وكل الأردن ونصف العراق وكل سيناء، فعليها أن تعلن عنه، وتقوم بتسويقِه، وتبرر له، وتهيئ الـعـالـم لتقبله، هـكـذا تُــــدار الـتَّــوسـعـات كـمَــا نـــرى تـرمـب يـتـحـدَّث عن غرينلاند وكندا. «إسرائيل الكبرى» التي ذكرها نتنياهو وغيره لا تشبه ما يقال، بل تستهدف إكمال ضم الضّفة وغزة والجولان؛ الحدود نفسها التي هم يحتلونَها اليوم، ولا شرعية لها دوليّاً. نـعـم هـنـاك مــشــروع إســرائــيــل الـكـبـرى، لـكـنَّــه يـقـوم عـلـى النفوذ والهيمنة كـدولـة إقليمية منافسة. إسـرائـيـل فـي الـسـنـوات الأخـيـرة أصـبـحـت قــــوة مــرعــبــة عـسـكـريـا، ولا أحــــد يــرغــب فــي تـحـديـهـا، ومـن فعل قضت عليه. الباحث الإسرائيلي دانيال ليفي خاض في حديث «إســرائــيــل الــكــبــرى»، ومـفـهـوم الـــصّـــراع الـتـوسـعـي، ورؤيـــتـــه لمــا بعد الحرب الحالية. أتَّفق مع بعض ما قال، وأختلف مع بعضه. يتحدَّث الباحث عن فلسفة السياسة الإسرائيلية بأن هدفَها اليوم القضاء على النّظام في طهران، وليس مجرد الضغط عليه، وتريد تدمير إيــران وتفتيتها، وأنَّـــهـــا سـيـاسـة إســـرائـــيـــل الإقـلـيـمـيـة بـشـكـل عـــــام... ولـــهـــذا لِـــي عـــودة للحديث عن هذه الطروحات الخطيرة. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel حروب بلا سلاح إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى OPINION الرأي 15 Issue 17322 - العدد Saturday - 2026/5/2 السبت نحن نشهد اليوم تاريخا مهمّا وهو حرب بين مشروعين: «إسرائيل الكبرى» في مواجهة «إيران الكبرى» عبد الرحمن شلقم عبد الرحمن الراشد

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky