13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17322 - العدد Saturday - 2026/5/2 السبت روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟ لـــم يـقـتـصـر الـــهـــجـــوم عــلــى الـعـاصـمـة بـامـاكـو، ذلــك أنــه بالتزامن كــان المتمردون يـــتـــحـــركـــون فــــي الـــشـــمـــال لاســـتـــعـــادة المــــدن واحدة تلو أخرى، ولم تمض سوى ساعات قــلــيــلــة حـــتـــى ســـقـــطـــت فــــي قـــبـــضـــة «جــبــهــة تحرير أزواد» مدينة كيدال، بأقصى شمال شــرقــي مـــالـــي، غــيــر بـعـيـد مـــن الـــحـــدود مع كـيـلـومـتـر من 1500 الـــجـــزائـــر، وعــلــى بــعــد العاصمة باماكو. ولقد تفاوضت روسيا مـــع المــتــمــرديــن لــكــي يــســمــحــوا بـانـسـحـاب قواتها بهدوء من كيدال. ثم تبعتها مدن غاو وتمبكتو وميناكا وســيــغــنــو ومــــوبــــتــــي... وبـــــدا أن كـــل شــيء ينهار وبسرعة. على حافة الانهيار مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، تعد واحــدة من أفقر دول العالم، وتعاني منذ مـن تمرد مسلح تتصدره جماعات 2012 مرتبطة بتنظيمي «الـقـاعـدة» و«داعـــش»، وحـركـات مسلحة انفصالية تناضل منذ عـــقـــود لاســتــقــال إقــلــيــم أزواد فـــي شـمـال البلاد. 2012 وحـقـا، كـــادت مـالـي تنهار عــام حين سيطر مسلحو «القاعدة» والحركات الانـــفـــصـــالـــيـــة عـــلـــى شـــمـــال الــــبــــاد، ولــكــن السلطات آنـــذاك لـجـأت إلــى فرنسا، القوة الاســـتـــعـــمـــاريـــة الـــســـابـــقـــة، الــــتــــي تــدخــلــت ، ونــــجــــحــــت فــي 2013 عــــســــكــــريــــا مـــطـــلـــع استعادة السيطرة على الشمال. وتحوّل مــــركــــز الـــــحـــــرب الــــعــــالمــــيــــة عــــلــــى الإرهــــــــاب إلــــى مـــالـــي لــيــتــوســع لاحـــقـــا نــحــو منطقة الساحل عموماً، وأصبحت فرنسا هي من يـقـود هـــذه الــحــرب، بـدعـم مــن الأوروبــيــن والــــولايــــات المــتــحــدة، وقــــوة أمـمـيـة لحفظ السلام. ســـنـــوات، أنـفـق 10 ولــكــن بــعــد مــــرور مــلــيــارات 10 فـيـهـا الــفــرنــســيــون أكـــثـــر مـــن يـــــورو عــلــى مـــواجـــهـــة الإرهـــــــاب فـــي مـالـي والساحل، وقـع انقلاب عسكري في مالي قـــــاده ضـــبـــاط شـــبـــاب، اتـهـمـوا 2020 عــــام فرنسا بالفشل فـي مواجهة الإرهــــاب، بل اتـــخـــاذه ذريـــعـــة لاحـــتـــال مــالــي وتـكـريـس نموذج استعماري جديد. وتــبــنــى حـــكـــام مـــالـــي الـــجـــدد خـطـابـا مـعـاديـا لفرنسا، رافـعـن شـعـار الـسـيـادة، فـــــألـــــغـــــوا مــــــن طـــــــرف واحـــــــــد الاتــــفــــاقــــيــــات الــعــســكــريــة مـــع بـــاريـــس وطـــــــردوا الـــقـــوات الفرنسية. ومن ثم، توجهوا نحو التحالف مـــع روســــيــــا، وجـــلـــبـــوا مـــئـــات مـــن مـقـاتـلـي مــجــمــوعــة «فــــاغــــنــــر» الــــروســــيــــة الــخــاصــة لمـــواجـــهـــة المـــتـــمـــرديـــن الــــطــــوارق ومـقـاتـلـي «الــــقــــاعــــدة». ومـــنـــذ الــــعــــام المــــاضــــي حُـــلّـــت مـجـمـوعـة «فـــاغـــنـــر» وعــوّضــتــهــا مـوسـكـو بقوات من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية. نجاح مؤقت الـتـحـالـف المــالــي - الـــروســـي نـجـح في تــحــقــيــق مـــكـــاســـب عـــلـــى الأرض، وأصـــبـــح الــــجــــيــــش المـــــالـــــي أكـــــثـــــر تـــســـلـــيـــحـــا، وكــــبّــــد التنظيمات المسلحة خسائر كبيرة بفضل حـــصـــولـــه عـــلـــى أســـلـــحـــة مــــتــــطــــورة. إلا أن العامل الحاسم كـان تكوين منظمة سلاح الـــجـــو ودعـــمـــهـــا بـــمـــســـيّـــرات تـــركـــيـــة، وفـــي ذروة صـعـود الـجـيـش المــالــي اسـتـعـاد عـام السيطرة على مدينة كــيــدال، معقل 2023 المتمردين الطوارق. ولكن مع مرور الوقت، بدأت الحركات المتمردة والتنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» تـتـأقـلـم مـــع الـــوضـــع الـــجـــديـــد، فـاسـتـعـادت قــوتــهــا تــدريــجــيــا، وتـــوسّـــعـــت فـــي مـنـاطـق وسط وجنوب مالي. ونهاية العام الماضي فـــرضـــت حـــصـــارا عــلــى الــعــاصــمــة بــامــاكــو، وشـــنّـــت هـجـومـا قــويــا عـلـى مــطــار بـامـاكـو الـــدولـــي، وكـــانـــت كـــل المـــؤشـــرات تـشـيـر إلـى قــــــــدرة الـــتـــنـــظـــيـــم الإرهـــــــابـــــــي عــــلــــى دخـــــول العاصمة والسيطرة على الحكم. لــــوصــــف مـــــا يــــحــــدث فـــــي مــــالــــي مــنــذ السبت الماضي، اعتبر عبد الصمد مبارك، رئـيـس «مـركـز الأطـلـس للتنمية والبحوث الاســـــتـــــراتـــــيـــــجـــــيـــــة» والأســــــــتــــــــاذ بـــجـــامـــعـــة نــــواكــــشــــوط، أن مــــا حـــــدث هــــو «تــحــصــيــل حاصل»، وهو «النتيجة الطبيعية لتراكم طـويـل الأمـــد للعديد مـن الأزمــــات». وأردف مبارك، في حـوار مع «الشرق الأوســط»، إن «الوضع في مالي مقلق جـداً، وهو نتيجة تــــراكــــمــــات تـــدريـــجـــيـــة لــــواقــــع دولـــــــة فــقــدت أدواتها الرمزية قبل أن تنهار مؤسساتها وتتصدع بنيتها». المأزق الروسي مـن جهة ثانية، منذ هجمات السبت المـــاضـــي، ومــــا سـبـقـهـا مـــن فـــقـــدان الـجـيـش المـــالـــي لــلــمــبــادرة المــيــدانــيــة، وتـــركـــز نـفـوذه فـــي الــعــاصــمــة ومـحـيـطـهـا، وردت تـقـاريـر عـن «انـهـيـار» النموذج الـروسـي فـي مالي، إذ نـشـر «مـعـهـد روبــــرت لانـسـيـنـغ» تقريرا تناول فيه فشل المقاربة الأمنية والعسكرية لـ«الفيلق الأفريقي» في مالي. ورأى المـعـهـد المـتـخـصـص فــي تحليل الـــتـــهـــديـــدات الــعــالمــيــة أن الـــوضـــع الــحــالــي «يــعــكــس انـــهـــيـــار بــنــيــة مــكــافــحــة الإرهـــــاب الـــدولـــيـــة، الــتــي اســتــمــرت عــقــدا مـــن الــزمــن، وفـشـل الـقـوات المـدعـومـة مـن روسـيـا فـي أن تكون بديلا فعالاً». وتابع أن الشراكة بين باماكو وموسكو «كانت تقوم على ترتيب نـفـعـي: تـحـصـل مـالـي عـلـى حـمـايـة النظام ودعم مكافحة التمرد، بينما أمنت روسيا الوصول إلى المـوارد الاستراتيجية ونفوذ جيوسياسي عبر منطقة الساحل». وخلص المعهد، من ثم، إلى تأكيد أنه «رغـــم ذلـــك، كـانـت الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيدا مما توقعه الفاعلون الخارجيون... وأن خصوم الدولة ليسوا تمردا واحــداً، بل منظومة متداخلة مــن الـجـمـاعـات المـسـلـحـة، وقـــد نسقت هـذه الــــجــــمــــاعــــات عـــمـــلـــيـــاتـــهـــا بـــشـــكـــل مـــتـــزايـــد، وجـــمـــعـــت بــــن الآيـــديـــولـــوجـــيـــة الــجــهــاديــة والمظالم المحلية والطموحات الانفصالية». خروج كامارا والـيـوم، بينما تـــزداد قـوة «الـقـاعـدة»، وتـــرتـــفـــع مــعــنــويــات المـــتـــمـــرديـــن الــــطــــوارق، يــــعــــيــــش المــــجــــلــــس الــــعــــســــكــــري حـــــالـــــة مــن الإحـــبـــاط، خـاصـة بـعـد مقتل وزيـــر الـدفـاع الجنرال ساديو كـامـارا، الرجل الثاني في المـجـلـس، و«مــهــنــدس» الـشـراكـة العسكرية والأمنية مع روسيا. ووفــــق مـحـمـد ولـــد الـــــداه، الـخـبـيـر في الشأن الأفريقي، خروج كامارا من المعادلة «ضربة موجعة جداً، أصابت عمق المؤسسة العسكرية»، بل إن غياب كامارا «قد يشكّل تهديدا لتماسك المجلس العسكري، خاصة أن اغــتــيــالــه يـــعـــد اخـــتـــراقـــا أمــنــيــا فـــي قلب منظومة الحكم». وتابع ولد الداه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لمقتل كامارا تداعيات مباشرة تتمثل في «تشديد القبضة الأمنية وإغلاق الـبـاب أمـــام أي انفتاح سياسي محتمل... وأن مرحلة ما بعد كامارا ستفرض إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجلس العسكري الحاكم». ثم أضاف: «أعتقد أنه بعد اغتيال وزيــر الـدفـاع، ستزيد الحاجة إلـى الشريك الـروسـي، ليس فـي مجال الـدعـم العسكري فـقـط، وإنــمــا أيـضـا كـضـامـن لأمـــن وسـامـة الــنــخــبــة الــعــســكــريــة الـــحـــاكـــمـــة، وهـــــذا بكل تأكيد سيزيد من عمق التبعية لروسيا». ولـــكـــن حــســن لـــنـــصـــاري، وهــــو كـاتـب مـتـخـصـص فـــي الـــشـــؤون الأمــنــيــة بمنطقة الــســاحــل الأفـــريـــقـــي، لـــه رأي آخــــر، إذ شـــدّد لــــ«الـــشـــرق الأوســـــط» عـلـى أن «كـــامـــارا كـان المــهــنــدس الــرئــيــس لـلـتـحـالـف مـــع روســيــا، وبـالـتـالـي فــإن اغتياله يخلخل الاسـتـقـرار الــــداخــــلــــي لــلــمــجــلــس الـــعـــســـكـــري، ويـــهـــدد مستقبل العلاقة ما بين باماكو وموسكو». انهيار أم انتكاسة! بــــنــــاء عــــلــــيــــه، كــــثــــيــــرة هـــــي الأســـئـــلـــة الـتـي تُــطــرح الآن حـــول مستقبل الـوجـود العسكري الروسي في مالي بعد هجمات الــســبــت، وانـــســـحـــاب «الــفــيــلــق الأفــريــقــي» الـروسـي، حتى ذهـب بعض المحللين إلى تأكيد «انهيار» استراتيجية موسكو في مالي. ولـــد الــــداه يـــرى أن «وصــــف مــا حـدث بــالانــهــيــار فــيــه مــبــالــغــة، إذ يـمـكـن الــقــول إنـــهـــا انــتــكــاســة كـــبـــرى، ولــيــســت انــهــيــارا كــــامــــاً. صـحـيـح أن الانــتــكــاســة خـطـيـرة، وتكشف أن روسيا غير قادرة على توفير الأمــــــن المـــــوعـــــود. وأن الـــهـــزائـــم المــتــتــالــيــة للفيلق الأفــريــقــي والـجـيـش المــالــي تشير إلــــى هــشــاشــة الـــنـــمـــوذج الـــعـــســـكـــري، لكن المــجــلــس مـــا زال يـسـيـطـر عــلــى الـعـاصـمـة والمـــؤســـســـات، وقــــد تـــــرد روســـيـــا بـتـعـزيـز وجـــودهـــا أو تـغـيـيـر تـكـتـيـكـاتـهـا لتجنب انهيار كامل يمس هيبتها في القارة». أمــــــا لــــنــــصــــاري فـــيـــؤكـــد أن الــــوجــــود العسكري الروسي في مالي «يمر بتحول 2025 كبير منذ انسحاب (فاغنر) صيف وتعويضها بالفيلق الأفريقي». ويضيف: «تشير الدلائل إلى أن مستقبل هذا الوجود يـواجـه هـــزّات عنيفة لأسـبـاب عـديـدة. من بينها انسحاب القوات الروسية من كيدال .2023 بـعـدمـا كـانـت قــد اسـتـعـادتـهـا عـــام بالتالي، أعتقد أن موسكو هـي الخاسر الأكـــبـــر، بـعـدمـا أثـبـتـت الأحـــــداث الأخــيــرة هشاشة نموذج الحماية الـروسـي وخلل في قدراته الاستخبارية في مالي، بل في الساحل عموماً». مــــن جـــهـــتـــه، يـــقـــول أحـــمـــد مـصـطـفـى ســــنــــغــــاريــــه، وهـــــــو صــــحــــافــــي مـــــالـــــي، إن كــــل الــــكــــام الــــدائــــر عــــن انـــســـحـــاب روســــي مــــن مـــالـــي «مــــجــــرد شــــائــــعــــات». وأضـــــاف لــــ«الـــشـــرق الأوســـــــط» أن «كــــل الــشــائــعــات والأخبار المنتشرة حول توتر العلاقة بين مــالــي وروســـيـــا، وعـــن إمـكـانـيـة انـسـحـاب فيلق أفـريـقـيـا مــن مــالــي، أخــبــار مغرضة مـصـدرهـا الإعــــام الــغــربــي، الــهــدف منها الإضرار بالعلاقات بين مالي وروسيا». وأردف: «جـــوهـــر الــعــاقــة بـــن مـالـي وروســــيــــا الـــتـــعـــاون فــــي مـــجـــال الـــتـــدريـــب والاستخبارات وصفقات السلاح». وأشار إلـى أن «الجنود والضباط الــروس الذين يـقـاتـلـون مـــع الـجـيـش المـــالـــي فـــي المـــيـــدان، لـيـسـوا فــي مـقـدمـة الـعـمـلـيـات لأن دورهـــم يقتصر على التوجيه والتدريب وتقديم الاستشارات». أي مستقبل؟ روســــــيــــــا رفـــــضـــــت بــــــا تــــــــــردد طــلــب المتمردين سحب قواتها من مالي، وأكدت أنـهـا بـاقـيـة لمـحـاربـة الـتـطـرف والإرهــــاب. وهـــــذا مـــوقـــف يـعـتـقـد مـحـمـد الأمـــــن ولــد الــــــداه أنــــه نـــابـــع مـــن قــنــاعــة مــوســكــو بــأن «مــــالــــي هــــي نــقــطــة ارتـــــكـــــاز نـــفـــوذهـــا فـي غــــرب أفـــريـــقـــيـــا». وأضــــــاف أنــــه رغــــم ذلــك ستراجع موسكو استراتيجيتها «حيث ستنتقل مــن نـمـط الانـتـشـار الكثيف في المـنـطـقـة، إلـــى نـمـط أكـثـر انـتـقـائـيـة، يقوم على دعم استخباراتي وتدريب عملياتي نوعي... ولا أتوقع أن تتراجع روسيا عن وجـودهـا فـي مـالـي، لأن أي تـراجـع مهما كان تكتيكياً، سيؤثر على بقية الشركاء في الساحل، وهـو ما قد يقود إلـى نسف المشروع الروسي في أفريقيا». مـــــع هـــــــذا، رأى ولــــــد الـــــــــداه أن عـلـى مــــوســــكــــو اســــتــــيــــعــــاب الــــــــــدرس «فــــالــــقــــوة الــعــســكــريــة وحـــدهـــا لـــن تـحـسـم المــعــركــة، ومع غياب أي نوع من الحلول السياسية والاجـتـمـاعـيـة تبقى المـكـاسـب العسكرية هشّة». وحـول مستقبل مالي في المرحلة سيناريوهات، 3 ُ المقبلة، قـال إنـه يتوقع في مقدمتها «استمرار الرهان على الحل العسكري وحـده، بدعم من روسيا ودول الـــســـاحـــل، وهـــــذا يــعــنــي حــــرب اســتــنــزاف طــويــلــة الأمـــــد، ســتــقــود فـــي الــنــهــايــة إلــى تآكل تدريجي لسلطة الدولة، وهو مسار خطير جداً». أمـا السيناريو الثاني فهو «مقاربة مزدوجة؛ أمنية وتنموية، وتنظيم حوار مع الفاعلين المحليين، وطبعا هذه مقاربة عقلانية تحتاج شجاعة سياسية وتقديم تـــنـــازلات، كـمـا تـتـطـلـب حـكـومـة شـرعـيـة، وأعـــتـــقـــد أن المــجــلــس الــعــســكــري الــحــاكــم يفتقد إلى ذلك». أما السيناريو الثالث فهو «انكشاف الــدولــة واتــســاع رقـعـة المـنـاطـق الـخـارجـة عـــن سـلـطـتـهـا، وهـــو مـــا قـــد يـضـعـنـا أمـــام خـيـار تفكك الــدولــة، حيث لا يبقى تحت سلطة المجلس العسكري سوى العاصمة وضواحيها». في غضون ذلـك، يطرح عبد الصمد مـــبـــارك احــتــمــال حـــــدوث ســيــنــاريــو رابـــع يتمثل فــي «تــصــدع الـنـظـام مــن الـداخـلـي وحــــدوث انــقــاب عـسـكـري يفتح الطريق أمـــام مرحلة انتقالية جـديـدة ومـدروسـة تعيد الأمل»، وهنا حذّر مبارك من «انزلاق مالي نحو المجهول، حين يصبح البديل الــوحــيــد المـــتـــاح هـــو ســيــطــرة الـجـمـاعـات المسلحة على الدولة». أما لنصاري فـ«يرجح بقاء المجلس العسكري فـي الـحـكـم، بـدعـم مـن روسـيـا، مع شن هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية من سيطرة الحركات الأزواديـة مثل كيدال، وسيكون نجاح هذا الهجوم هـــو الــعــامــل الــحــاســم لاســتــمــرار المجلس الـعـسـكـري فــي الـحـكـم». ويـضـيـف أنـــه إذا فــشــل المــجــلــس الــعــســكــري فـــي اســتــعــادة السيطرة على الشمال «سيزداد الضغط الداخلي ويتصاعد التوتر داخل المجلس الــــعــــســــكــــري، مـــــا قـــــد يــــــــؤدي إلــــــى تـغـيـيـر سياسي وتراجع في النفوذ الروسي». دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (أ.ف.ب - غيتي) أبريل 25 تحت جـنـح الـظـام وقبيل صــاة فجر السبت (نيسان) الماضي، تسلل مئات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» على متون دراجـــات نـاريـة، مرتدين الــزي العسكري للجيش المالي، تتقدمهم سيارة مفخخة بعشرات الأطنان من المتفجرات يـقـودهـا انـتـحـاري. كــان الـهـدف هـو قـاعـدة كـاتـي العسكرية، القاعدة الأكثر تحصينا وأهمية استراتيجية في جمهورية مالي، حيث يقيم قادة مجلس عسكري يحكم البلد الأفريقي المنهك بالحروب. هناك انفجرت السيارة المفخّخة لتدمر بيت وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي قتل هو وزوجته وأولاده على الفور، ثم اندلعت اشتباكات عنيفة أثـارت الرعب في أوساط السكان، وكان من أوائل الضحايا عشرات المصلّين في مسجد قريب من بيت وزير الدفاع. ومع شروق الشمس تبين أن مقاتلي «جماعة نصرة الإسـام والمسلمين» يسيطرون على القاعدة كيلومترا عن العاصمة المالية 15 العسكرية التي لا تبعد سوى باماكو، ويتحرّكون فيها بكل حرية، قبل أن ينسحبوا من دون معرفة مـاذا حملوا معهم، وهم الذين سيطروا لساعات على واحد من أكثر المواقع حساسية في الدولة، ومركز اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية. شكوك حول مستقبل الشراكة بعد ضربات «القاعدة» والمتمردين نواكشوط: الشيخ محمد حلف التناقض... وتغيّر «القاعدة» هجمات السبت الماضي في مالي، وإن قـادت إلـى طرح > أســئــلــة كــثــيــرة حــــول مـسـتـقـبـل المــجــلــس الــعــســكــري والـــوجـــود العسكري الــروســي، فهي أيـضـا حملت معها معطيات لافتة، مـن أهمها: التحالف بـن «جماعة نصرة الإســـام والمسلمين» المـوالـيـة لتنظيم «الــقــاعــدة»، و«جبهة تحرير أزواد» الساعية لانفصال الشمال. ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها المتمردون مع «القاعدة» بشمال مالي، فهي المـرة الأولـى التي يكون فيها التحالف بينهما بهذه القوة. لإدراك هذه القوة، يجب فهم التركيبة الداخلية لكل طرف؛ 2017 إذ إن «جـمـاعـة نـصـرة الإســــام والمـسـلـمـن» أسّــســت عـــام حـــن تـحـالـفـت أربـــعـــة تـشـكـيـات مـسـلـحـة هـــي: «حـــركـــة أنـصـار الدين» و«جبهة تحرير ماسينا وجماعة «المرابطون»، وإمارة الصحراء «القاعدة». ومن جهتها، أُسّست «جبهة تحرير أزواد» ، لتوحيد جميع الحركات المتمردة في شمال مالي، 2024 عام بعد سقوط كيدال، عاصمة المتمردين ومركز نفوذهم، في يد ، بدعم من مجموعة «فاغنر» الروسية 2023 الجيش المالي عام الخاصة. وهــنــا يــقــول مـحـمـد الأمــــن ولـــد الـــــداه، الـخـبـيـر فــي الـشـأن الأفريقي، إن التحالف ما بين المتمردين والقاعدة «ليس تجاوزا فكريا بقدر ما هو تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط المـيـدان والمـعـارك الــدائــرة... فثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تقارب الطرفين؛ أبرزها اثنان: - الــعــدو المـشـتـرك المتمثل فــي الـسـلـطـات الـعـسـكـريـة في 1 باماكو، والفيلق الأفريقي - الروسي وتحالف دول الساحل. هذا العدو يمثل تهديدا وجوديا للطرفين. وبالتالي (كان لا بد أن نؤجل خلافاتنا ما دام خطر الاستئصال مشتركاً). - سقوط (اتـفـاق الجزائر للسلام) أزال آخـر مظلة كانت 2 تمنع المتمردين الأزواديين من العودة للعمل المسلح. وبالتالي، عندما ينهار السلام تتقارب البنادق». ولد الـداه يؤكد أن أهم عامل ساهم في تحالف «القاعدة» والمـتـمـرديـن، هـو «التحول الكبير خـال السنوات الأخـيـرة في سلوك تلك الجماعات؛ إذ إن (القاعدة) في مالي لم تعد تعمل بوصفها تنظيما عقائديا صِرفاً، بل يمكن الآن تصنيفها فاعلا متمردا ذكـيـا، يبني تحالفات محلية مـع الـقـوى المـوجـودة في المنطقة، ويستثمر المظالم الاجتماعية في المجتمعات المحلية». ويتابع: «الواضح هو أنه جرى تأجيل المشروع العقائدي كي لا يعرقل التمدد الميداني، وهــذا التحالف التكتيكي الذي حدث بين الجماعتين أعتقد أنه قابل للتحول إلى نمط متكرر، وكــلــمــا طــــال أمــــد الـــحـــرب واشـــتـــد الــضــغــط زادت الــحــاجــة إلــى التنسيق المـشـتـرك بــن الــطــرفــن، حـتـى يصبح هـــذا التحالف استراتيجيا قد يؤدي إلى تقاسم لبعض المناطق». في السياق ذاته، يقول حسين لنصاري، إن «تحالف (جبهة تـحـريـر أزواد) مــع (جـمـاعـة نـصـرة الإســــام والمـسـلـمـن) يمثل مبدأ: عدو عدوك صديقك»، مشيرا إلى أن «(جبهة تحرير أزواد) تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي، وتأسيس دولـة أزواد، بينما (جـمـاعـة نـصـرة الإســــام والمـسـلـمـن) هـدفـهـا السيطرة على جنوب مـالـي، وتغيير الحكم فـي باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم». ASHARQ AL-AWSAT تبنى حكام مالي خطابا معاديا لفرنسا، رافعين شعار السيادة فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky