issue17320

Issue 17320 - العدد Thursday - 2026/4/30 اخلميس كتب BOOKS 17 على هامش كتاب الفرنسية جيزيل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة مذكرات ضحايا االغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟ لــم يـكـن بـريـمـو لـيـفـي يـعـلـم، حني أمــســك بـقـلـمـه لـــيـــروي مـــا عــاشــه خلف أســــاك أوشـفـيـتـز فــي كـتـابـه «هـــل هـذا ، أنه يُؤسِّس لتقليد 1947 إنسان؟» عام أدبي سيكون من أشد األجناس إلزامًا وأكثرها حضورًا طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن اإلنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي ال يزال يُقلق األدب واألخلق معًا، مـا الـــذي تستطيع الـشـهـادة أن تفعله حني تعجز عنه الـروايـة؟ ومـع صدور مـــــذكـــــرات الـــفـــرنـــســـيـــة جــــيــــزل بـيـلـيـكـو ضحية قضية «مـــــازان» الـشـهـيـرة في ، تحت العنوان 2026 ) فبراير (شـبـاط et la joie( » الفرنسي «وبهجة العيش ) وتــــجــــاوز مـبـيـعـاتـهـا مـائـة de vivre ألــــف نـسـخـة فـــي أقــــل مـــن ثــاثــة أشـهـر لغة، وجد القراء 22 مع ترجمتها إلى أنفسهم مجددًا أمــام هـذا الـسـؤال بكل حدته. هذه املرأة التي صارت اسمًا عامليًا بـعـد قـضـيـة «مــــــازان» الــتــي أديــــن فيها رجـــــا بتهمة 51 زوجـــهـــا الـــســـابـــق مـــع االغتصاب املمنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقًا إلى ملف قضائي مكتمل، بـل لتُعيد طرح إشــكــال أعــمــق: كـيـف نـكـتـب عــن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لـــشـــهـــادة الـــضـــحـــايـــا أن تـــصـــبـــح فــعــا سياسيًا وأدبيًا في آن واحد. وتُـــفـــصـــح مــــذكــــرات بــيــلــيــكــو، فـي صفحاتها األولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلم، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع اإلعلمية الــكــاتــبــة جـــوديـــت بـيـريـغـنـون مـايـلـي: «هـــذه الحكاية لـم تعد ملكي وحــدي. لقد أيقظت أملــ صامتًا عميقًا ضاربًا فـــي أعـــمـــاق الـــزمـــن، وأثــــــارت الـــذهـــول. كـــيـــف أفـــهـــم مــــا جـــــرى لـــــي؟ ومـــــا الــــذي أطلقته محنتي مـن بـعـدي؟ كــان علي أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كاملشاة على الحبل املشدود، ال بد لي من املضي قدمًا. أريد بهذا الكتاب أن أضـــع كـلـمـات عـلـى مـــا اجــتــزتــه. أن أقـــــول إنـــنـــي لـــم أعــــد أخـــشـــى الـــوحـــدة، وإنـــنـــي اســـتـــعـــدت بــهــجــة الـــعـــيـــش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الـكـلـمـات مـسـاحـة للبكاء عـلـى الـــذات، وال مطالبة بالشفقة. ثمة شـيء آخـر: إرادة اسـتـعـادة حـيـاة سُــرقـت، وإعــان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الــــوجــــود. وهـــــذه اإلرادة تـتـجـلـى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يــســرقــوا حـيـاتـي مـــرة ثــانــيــة. أريــــد أن أنظر في عني الشمس دون أن أُطأطئ رأسي». الـــكـــتـــاب ال يُــخــفــي ســــر قـــوتـــه في األحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فـجـيـزيـل بيليكو ال تـكـتـب مـذكـراتـهـا بـالـتـرتـيـب الـــزمـــنـــي، بـــل تُــقـيـمـهـا كما يُـــقـــيـــم املــــعــــمــــار جــــــــــداره: طـــبـــقـــات مـن الـــصـــمـــت والــتـــطـــبـــيــع قـــبـــل أن يُــســمَّــى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء فـي ذلـك الفضاء الخانق الــذي عاشت فيه سنوات بـدل أن يتلقاه جاهزًا من الــــخــــارج. إن مـــا يُـــمـــيِّـــز أدب الــشــهــادة عـن السيرة الـذاتـيـة أو الــروايــة هـو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «امليثاق الرجعي» مع الـواقـع، أي ذلك العقد الضمني بـ الكاتب والـقـارئ، الـذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنـــا مــن عـــاشـــه... وأنـــت مــســؤول اآلن عما تعرف. ولعل تاريخ األدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الــجــانــب اآلخــــر مـــن األطــلــســي، أعـــادت مــايــا أنـجـيـلـو فــي «أعــــرف ملــــاذا يُــغـنِّــي الــطــائــر فـــي الــقــفــص» تـعـريـف الـهـويـة األمـيـركـيـة مـن داخـــل الــجــرح، وفتحت أمــام أجـيـال مـن الكاتبات أبـوابـ ظلَّت موصدة طـويـاً. فقصيدتها السردية ال تــــروي تجربة 1969 الـــصـــادرة عـــام امــــرأة بـمـعـزل عــن سـيـاقـهـا، بــل تنسج معًا جُـــرح التمييز العرقي والجنسي فـي أميركا إبــان الخمسينات، لتُثبت أن االعـــتـــداء الـجـنـسـي الــــذي تـعـرَّضـت لـه فـي طفولتها لـم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط. وقــــــــد اكــــتــــســــب الــــــكــــــتــــــاب، بُــــعــــده االســـتـــثـــنـــائـــي مــــن حــقــيــقــة مــــؤملــــة: أن أنـجـيـلـو فـقـدت الـنـطـق ســـنـــوات كاملة فـــــي أعـــــقـــــاب االعـــــــتـــــــداء ثـــــم اســـــتـــــردَّت لـغـتـهـا عـبـر األدب والــكــتــابــة فـصـارت مــســيــرتــهــا اســـتـــعـــارة حـــيَّـــة عـــن قـــدرة الكتابة الشهادية على رد الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شـــكَّـــلـــت مــــــذكــــــرات نــــــــوال الــــســــعــــداوي نــمــوذجــ فـــريـــدًا لـكـاتـبـة تـــجـــرَّأت على روايـــة مـا يُسكِت عنه اآلخــــرون: جسد املرأة في مجتمع ذكوري. أما في الفضاء الفرنسي تحديدًا فـقـد أشـعـلـت كـامـيـل كـوشـنـر بكتابها «ال فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) حـــركـــة «مـــيـــتـــو الغــتــصــاب 2021 عـــــام املــــحــــارم»، وفــتــحــت نــقــاشــ تشريعيًا حــــول إدراج االعــــتــــداء الـجـنـسـي على األطـــفـــال ضـمـن الــجــرائــم غـيـر الـقـابـلـة لــــلــــتــــقــــادم، ومــــــا يـــجـــعـــل هــــــذا الـــكـــتـــاب استثنائيًا أن صاحبته ال تـروي عنفًا وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصـمـتـت عـنـه ســـنـــوات طــويــلــة، حتى تـــحـــوَّل الــصــمــت نـفـسـه إلــــى شــكــل من أشكال االشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بــإهــداء قـــوي ألمــهــا: «تـــذكَّـــري يــا أمــي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهـي رافضة االعـتـراف بجرائم زوجــهــا، وال تكتفي كـوشـنـر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلــى كـل دوائـــر السكوت املحيطة بها، تـلـك الـتـي سمَّتها «الـعـائـلـة الكبيرة» القائمة على التعقل الـزائـف والحرية املدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توترًا وشــفــافــيــة تــكــتــب: «أيــــن كــنــتــم؟ ومــــاذا كــنــتــم تــفــعــلــون حـــ كــنــا نـــغـــرق أمـــام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيرًا... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟». والــــــــســــــــؤال الــــــــــذي يــــطــــرحــــه هــــذا الـــجـــنـــس األدبـــــــي عـــلـــى الــــكُــــتَّــــاب لـيـس فـــقـــط: مـــــاذا أروي؟ بــــل: كــيــف أروي؟ وهنا تكمن املفارقة الجمالية الكبرى. فــأدب الشهادة، حني يكون في أوجـه، ال يتزيَّن أمــام املـأسـاة، بل يختار لغة مستقيمة، جــافَّــة أحـيـانـ، تنحاز إلى التحديد على حـسـاب اإليــحــاء. وهـذا لـــيـــس فـــقـــرًا أســـلـــوبـــيـــ ، بــــل هــــو خــيــار أخــاقــي صــريــح: أن تُــوقــف الـلـغـة عن أداء نفسها لـتُــؤدِّي التجربة. وهـو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حني انتقلت من مـذكـرات األنـا إلـى مذكرات جــــيــــل كـــــامـــــل رافــــــضــــــة تــــحــــويــــل األلـــــم الشخصي إلـــى زيـنـة أدبــيــة. وجيزيل بيليكو، فـي هـذا السياق، تنتمي إلى الـخـط ذاتـــه حـ تـرفـض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرة أن تُفرض عليه املسؤولية. بيد أن ثمة تـوتـرًا مزمنًا ال يمكن إغـــــفـــــالـــــه، فــــحــــ تــــتــــحــــول الــــشــــاهــــدة (ضحية العنف) إلى رمز، حني يُحمِّلها الــــجــــمــــهــــور مـــــن الــــــــــــدالالت أكــــثــــر مــمــا تحتمل يصبح الـكـتـاب أسـيـر التوقع االجـــتـــمـــاعـــي، فــاملــجــتــمــع يـــريـــد امـــــرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجية ال تهتز، لكن هذا التوقع ذاتـه قد يصبح شكل جديدًا من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآالم أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الـجـنـس األدبـــــي يــفــرض عـلـى وسـائـل اإلعلم إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف. فــــحــــ يــــصــــبــــح الــــــحــــــدث مــــــــادة اسـتـهـاكـيـة تضيع التفاصيل األهـــم: الــبــنــيــة االجـــتـــمـــاعـــيـــة لــلــعــنــف، وأثـــــره الـــــطـــــويـــــل عــــلــــى الــــجــــســــد والــــــــذاكــــــــرة، واألسئلة القانونية واألخـاقـيـة التي يـثـيـرهـا. لـكـن مـــذكـــرات الـضـحـايـا بما تــحــمــلــه مــــن هـــــــدوء ومــــنــــظــــور ذاتــــــي، تُـــعـــيـــد تـــوجـــيـــه االنــــتــــبــــاه مــــن فــضــول املتلقي إلـى مسؤولية املجتمع. وهذا مـــا فـعـلـتـه شـــهـــادات إيــفــا تـــومـــاس عن االعــتــداء داخـــل األســـرة والـتـي صـدرت تحت عـنـوان «كسر الـصـمـت»، إضافة إلـى مذكرات إيزابيل أوبــري في «املـرة األولــى كـان عمري ست سنوات» التي نــشــرت فـــي بـــدايـــة حـقـبـة الـثـمـانـيـنـات ودفــــعــــت املــــشــــرِّعــــ الـــفـــرنـــســـيـــ إلـــى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلً. لــــعــــل مـــــا يـــمـــنـــح أدب الــــشــــهــــادة أهــمــيــتــه الـــدائـــمـــة أنـــــه ال يـــعـــد قـــارئـــه بـــالـــراحـــة. فــهــو ال يُــــقــــدِّم عــــــزاء سـهـا وال خـاتـمـة مطمئنة، بــل يُبقيه أمــام ســـــــؤال مُــــعــــلَّــــق: هــــل الــــعــــدالــــة تـكـتـمـل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الـــكـــام، فــعــاً، يُــشـفـي كــل شـــيء؟ منذ بـــرونـــو لـيـفـي حـتـى جـيـزيـل بيليكو، يبقى الـجـواب مُوجِعًا ومُلزِمًا في آن واحـــــد، فــالــشــهــادة ال تُــغـلـق الـــجـــراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الـذاكـرة االنــــتــــهــــازيــــة الــــتــــي تـــمـــيـــل دومـــــــ إلـــى التسامح مع ما كان يجب أال يكون. باريس: أنيسة مخالدي لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه ال يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ 19 نص مغربي نادر من القرن الـ صــــدر حــديــثــ عـــن «دار سليكي أخـويـن للنشر» كتاب «الـنـور اللمع فـي بـيـان األصـــل الـجـامـع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعـادة االهـتـمـام بـأحـد الـنـصـوص املغربية ،19 النادرة التي تنتمي إلى القرن الــ وتــكــشــف عـــن حــضــور مـبـكـر ألسـئـلـة اإلصلح ووحدة العالم اإلسلمي في الفكر املغربي. وجـــاء فـي تقديمه: «هـــذا الكتاب ال يكتسب قيمته من كونه مخطوطًا تــراثــيــ فـحـسـب، بـــل مـــن كــونــه أيـضـ وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ األمة. ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء األسرة السنوسية املعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بــاملــشــرق وأقـــــام فـــي تــونــس ومــصــر، بما أتـاح له االحتكاك بمحيط فكري وسـيـاسـي أوســـع مـن املـجـال املحلي. وهذا االمتداد في التكوين والتجربة يفسّر األفق الرحب الذي يتحرك فيه الـكـتـاب؛ إذ ال يقتصر عـلـى معالجة شـــــــــأن جــــــزئــــــي أو قــــضــــيــــة وعـــظـــيـــة محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع املسلمني، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم. ومن هذه الـزاويـة، «يبدو (النور الـــــــامـــــــع...) نــــصّــــ يــــتــــجــــاوز طــابــعــه املخطوط إلــى كونه مساهمة فكرية فـــي الــنــقــاش اإلصـــاحـــي الــــذي عـرفـه القرن التاسع عشر». فــــــاملــــــؤلــــــف يــــجــــعــــل مـــــــن فــــكــــرة «األصـــــــل الــــجــــامــــع» مــــحــــورًا مــركــزيــ فـــي كــتــابــه، «أي ذلــــك األســـــاس الـــذي يـنـبـغـي أن تـلـتـئـم حـــولـــه األمــــــة، وأن تُـــــرد إلــيــه الـــفـــروع املــتــفــرقــة، حـتـى ال يتحول االختلف إلى سبب للضعف واالنـقـسـام. وهــي فـكـرة تمنح النص بعدًا وحدويًا واضحًا، وتجعله قريبًا مـــن األفـــــق الـــــذي عُـــــرف الحـــقـــ بـفـكـرة (الجامعة اإلسلمية)». والــــكــــتــــاب وُجّــــــــه إلـــــى الــســلــطــان الــــحــــســــن األول، «وهـــــــــو ال يــكــتــفــي بالدعوة األخلقية العامة، بل يقدّم تصورًا مترابطًا يربط بني اإلصـاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام. فــــالــــوحــــدة هـــنـــا لـــيـــســـت شـــعـــارًا عاطفيًا، وإنما أصل من األصول التي تتوقف عليها مصالح األمة الكبرى، في نظر املؤلف، وهو ما يمنح النص بـــعـــد ًا سـيـاسـيـ وحـــضـــاريـــ يـتـجـاوز حــــــــدود الـــــوعـــــظ والـــــتـــــذكـــــيـــــر». جـــاء الـكـتـاب فـي مقدمة وبـابـ وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضــــــح فــــي الــــعــــرض والـــتـــألـــيـــف؛ إذ يـبـدأ املـؤلـف بتأصيل الـفـكـرة وبيان مـشـروعـيـتـهـا، ثــم ينتقل إلـــى عـرض األدلــــة واملـعـانـي الـتـي تـسـنـدهـا، قبل أن يختم بالنتائج العملية املترتبة على االجـتـمـاع والــوحــدة، فـي مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار. وهــــذا الـتـمـاسـك فـــي الــبــنــاء يـدل عـلـى أن الـنـص كُــتـب بـوصـفـه رسـالـة فكرية مقصودة، ال خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة. الرباط: «الشرق األوسط» فتنة القراءة... فتنة الكتابة عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع ، صـــدر 2026 ، والــــــــدراســــــــات»، الــــقــــاهــــرة لــــلــــروائــــي املــــصــــري ســـعـــد الــــقــــرش كــتــاب جـديـد عـنـوانـه «فـتـنـة الـــقـــراءة... أربـعـون كـتـابـ وروايـــــة». فــي هـــذا الـكـتـاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت املــــؤلــــف عـــلـــى مــــحــــاورة أعــــمــــال إبـــداعـــيـــة وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه املحبة إلى القارئ. يضم الكتاب أكثر من أربعني فصلً، تتفاوت طوال وقصرًا حسب ما تذهب إلى روح املحاورة، بني املؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير الـعـادة يبدأ الكتاب بمقدمتني، وإن شئنا الـدقـة بمقدمة في مـــديـــح الـــكـــتـــابـــة الــجــمــيــلــة، وتــمــهــيــد عـن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائــي»، عبر ثرثرات تجد متحمسني لنشرها. يـعـنـى ســعــد الـــقـــرش بــــاإلشــــارة إلــى مـا تمتاز بـه الكتاب املــخــتــارة مـــن نباهة تـــــمـــــيـــــز مــــؤلــــفــــيــــهــــا. وعــــــــــــــلــــــــــــــى ســــــبــــــيــــــل املـــثـــال يـــذهـــب فصل «حـــــداثـــــة ابـــــن حــــزم» ـ وقـــــد مـــــر ألـــــف عـــام عــلــى كــتــابــه األشــهــر «طــــــــــوق الــــحــــمــــامــــة» ـ إلـــــــى بــــصــــيــــرة ابــــن حـــــــــزم وعــــبــــقــــريــــتــــه، «وقـــــدرة الـنـص على الــــــتــــــجــــــدد، وعـــــبـــــور األزمـنـة والجغرافيا والــــثــــقــــافــــات». لـكـنـه ال يـسـتـعـرض كتابًا حــــــظــــــي بــــــــدراســــــــات غـــزيـــرة عــبــر أكـــثـــر مـــن مـــائـــة عـــــام، وإنــمــا يتوقف أمام «الحداثة» املبكرة لهذا اإلمام األنـــدلـــســـي، وكـــــان لـــه فــضــل الــســبــق إلــى استعمال بعض الكلمات للمرة األولـــى. كـمـا يـنـبـه إلـــى خـلـط املــؤلــفــ والـــوعـــاظ، إلى اليوم، بني إبليس والشيطان. «األول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نـــســـخـــة صـــحـــبـــت آدم مــــنــــذ الــــوســــوســــة األرضية األولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يـفـرقـون بـ االثـــنـــ ... أمــا ابــن حــزم فقد وعــــى هــــذا الــــفــــرق، بــقــولــه فـــي (الــــطــــوق): إبليس كان في الجنة مع امللئكة املقربني، فـلـمـعـصـيـة واحــــــدة وقـــعـــت مــنــه اسـتـحـق لعنة األبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطانًا رجيمًا، وأُبعد عن رفيع املكان». يضيف سـعـد الــقــرش: «ســـوف يمر نــحــو ألــــف ســـنـــة، حــتــى يــتــوقــف الـبـاحـث األميركي ويتني س. بـودمـان أمــام آيـات قرآنية تفرق بني إبليس والشيطان، على خـاف مـا استقر عليهم الفكر اإلسلمي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شـعـريـة إبـلـيـس.. الــاهــوت الــســردي في الـقـرآن)، الـذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بـودمـان قصة إبليس الـــواردة في ســبــع ســــور قـــرآنـــيـــة، وتـــبـــدأ بـــإبـــاغ الـلـه للملئكة بخلق بشر من طني. ثم يتوقف أمـــام ثنائية إبـلـيـس والـشـيـطـان، فـــاألول (شـخـصـيـة شـــديـــدة الــتــعــقــيــد... ال يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على اإلطلق)، أما الشيطان فلم يكن (أبدًا في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. ال يـــوجـــد مـــصـــدر يـــفـــك الـــتـــبـــاس الــعــاقــة بـ إبليس والـشـيـطـان). ويـجـد بـودمـان مـخـرجـ بـالـقـول إن إبـلـيـس حينما طـرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفـي الـقـرآن اختفى أي ذكـر إلبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في الـــنـــصـــوص اإلســــامــــيــــة. أغـــلـــب الـــظـــن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلق هذا التعميم». ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء عــلــى أعـــمـــال مــنــهــا: «تـــاريـــخ عِــلــم األدب» للفلسطيني روحـــي الـخـالـدي، «فـكّــاكـون يــهــود وأســــرى مـسـلـمـون فــي أوروبـــــا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الـــــراحـــــل شـــــــورد فــــــان كــونــيــنــجــســفــيــلــد، و«الـــــهـــــولـــــوكـــــوســـــت الـــلـــيـــبـــي املــــنــــســــي»، «مـــخـــتـــارات مـــن الــشــعــر اإليــــرانــــي» ملـريـم حـــــــيـــــــدري، «فــــــــي مـــــديـــــح الــــشــــيــــخــــوخــــة» لـلـخـطـيـب الـــرومـــانـــي شـــيـــشـــرون، سـيـرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن األعمال اإلبـــداعـــيـــة روايـــــة «الــشــطــرنــج» لشتيفان تـــســـفـــايـــج، «عــاصــفــة األوراق» الــــــروايــــــة األولــــــــــــــى لــــغــــارســــيــــا مــــاركــــيــــز، «ثـــاثـــيـــة» الــــنــــرويــــجــــي الـــفـــائـــز بـــجـــائـــزة نـــوبـــل يـــون فــــوســــه. إضــــافــــة إلـــى قـــــصـــــص وروايــــــــــــــات ملــــــــؤلــــــــفــــــــ مــــــنــــــهــــــم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بــــــيــــــوض، الـــــســـــوري الـــــــفـــــــارس الــــذهــــبــــي، العراقية إنـعـام كجه جـــي، الـفـرنـسـيـة آنـي إرنـــو، القطرية هدى النعيمي. ومن املصريني ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعـتـدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد املرسي. فـــي «فــتــنــة الــــقــــراءة» أيـــضـــ فـصـول عــــن كـــتـــب نـــقـــديـــة وتـــاريـــخـــيـــة وفـلـسـفـيـة لكل مـن: أحمد عبد الحليم عطية، خالد املــطــاوع، محمد الـشـحـات، عـفـاف السيد زيدان، صلح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلح سالم، حنان عقيل، صـــدوق نـــور الــديــن، محمد عـبـلـة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي صفحة. 340 حواس. ويقع الكتاب في وكـــــــــان املـــــؤلـــــف قـــــد حـــــــاز «جـــــائـــــزة .2025 التميز» من اتحاد كتاب مصر عام ولـــــه ســـبـــع روايــــــــــات: «حــــديــــث الـــجـــنـــود» )، «بـــاب الـسـفـيـنـة»، «املـايـسـتـرو»، 1996( »، و«ثـاثـيـة أوزيــــر» (أول النهار، 2067« لــيــل أوزيــــــر، وشــــم وحـــيـــد). ونـــالـــت «أول النهار» املركز األول لجائزة الطيب صالح العاملية لـإبـداع الكتابي (الـــدورة األولـى )، كـمـا فـــازت «لـيـل أوزيــــر» بجائزة 2011 »2067« ). وبـلـغـت 2009( اتــحــاد الـكـتـاب القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني .)2024( للرواية ومن كتبه األخــرى: «مصر التي...»، «الثورة اآلن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة األطـــــيـــــاف»، «شـــاعـــر الـــدنـــيـــا الـــحـــديـــثـــة... نجيب محفوظ من املوهبة إلى العبقرية»، «ســـبـــع ســـــمـــــاوات» الـــفـــائـــز بـــجـــائـــزة ابـــن .)2009( بطوطة لندن: «الشرق األوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==